]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ميمون حرش : القاصُّ الذي يحملُ مدينتَه في قلبه .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-03-17 ، الوقت: 17:02:23
  • تقييم المقالة:

هو (ميمون حرش) .. أبـوهُ : (الريف) ، وأُمُّـهُ : (الناظور) ... !!

تكتشف ذلك وأنت تتفرَّسُ في ملامح وجْهِه ، وتُصْغي إلى نبراتِ صوته ، وتُتابعُ حركاته وسكناته ...

هو أمازيغيٌّ أصيلٌ ، يفتخر بنسبه ، وحسبه ، وقبيلته ، ويعتزُّ بتاريخ وجغرافيا المدينة التي يسكنها وتسكن منه القلب والأهدابَ ، ولا يُقايضُها بأيِّ مدينة أخرى في العالم . (فمن لا أرض له لا اسم له) كما جاء في الحقيبة الثانية التي تحدَّثَ عنها في ( حقائب.Com).

ويكاد لسانُ حاله يقول : لوْ لمْ أكن ناظوريّاً لودِدْتُ أن أكون ناظوريّاً !!

وأدبُهُ خير شاهدٍ على ذلك ؛ فأنتَ ستلتقي بهذا العشق الحضاريِّ ، المَعْجونِ بتُرابِ الريف ، ومياهِ البحر الأبيض المتوسط ، في قصصه القصيرة ، المبعثرة في مجموعته (ريف الحسناء) ، بل تلقاهُ منْ أوَّلِ ما تُمْسكُ بدَفَّتَيْ الكتاب ؛ فالعنوان يشيِ بذلك العشق ، ولوحةُ الغلافِ تُزَكِّيه ، وصورٌ فنية ، وحواراتٌ أدبية ، وأشخاصٌ ، وأماكنٌ ، وأحداثٌ ،  كلُها تضافرت كي تُعبِّرَ عنه أبلغَ تعبير .

(فالإنسانُ ـ في نظره ـ قد يطيرُ ، وقد يُبْحرُ ، لكنه في الحالين لا يُحِسُّ نفسَهُ مولوداً إلاَّ فوق أرضه حيث يصبح ، بالنسبة إليه ، كل شيء مُباركاً ، ولذيذاً ، حتى الشتيمة حين تمتزجُ بهوى الريف ، وتُقالُ بلغة الأُمِّ يصبح لها شكلٌ آخر ...) صفحة 76 .

إنه عاشق مدينة الناظور المُخْلِصُ ؛ أرضاً وسماءً ، يابسةً وبحراً ، تراثاً وحداثةً ، ويتعلق بأحيائها وأمواتها على السواء ، ويذكر الجميع بما يستحقُّونَ ؛ فيقول للمحسنين أحسنتم ، وللمسيئين أسأتم . ولا تُحرِّكُ لسانَه بالقول ، وقلمَهُ بالكتابة ، إلاَّ مودة ، ورحمة ، وغيرة .. ولعلَّ الغيرةَ هي أشدُّ ما يُحرِّكُ لسانَه ، وقلمَه ، وقدميه أيضاً .

فهو من ذلك الطِّرازِ من المبدعين ، الذي يمشي في الأسواق ، والشوارع ، والحارات ، وينظر ماذا يحدث ، وماذا يجِدُّ ، وماذا ينصرم ، فيلتقط المَشاهِدَ بعينيه الثاقبتين ، ويُلاحظُ أفعالَ الناسِ ، ويُراقبُ تصرُّفاتِهم ورُدودَ أفْعالِهم ، ويزنُ كلَّ ذلك بميزان العقل والأخلاق والفضيلةِ ، ويقول كلمته ويمشي ، ويُعلنُ رأيَه في قصصه ، وينتظرُ .. ينتظر بُزوغَ الفجر الصادق على كل البيوت الريفية ، منْ أجل التغيير نحو الأفضل .. وينتظر أن تزْدهرَ المدينةُ ، ويرتقي أهلُها ، ويكونون أحسن ناسٍ ، بواسطة تنمية وعْيَهم ، وتهذيبِ أذواقهم ، لمعرفة الخير والشر والجمال والحق والعدل ، دون الحاجة إلى أنْ يغادروا أرضهم إلى أراضي سواهم ، أو يُهاجروا إلى بلدانٍ نائيةٍ ، أو يخوضوا غمار مُغامراتٍ لا تعود عليهم إلاَّ بالخسارة ، أو الهلاك ، أو في أحسن الأحوال بثمارٍ قليلة لا تُوازي جُهْدَهم وتعبَهم ...

وفي مجموعته القصصية (ريف الحسناء) إشارات متفرقة إلى هذه الأمور ، مثل (الليل الذي تهادى إلينا ..) و(ولنا في المقهى مكان) و(حقائب.COM) ، وغيرها .

و(ميمون حرش) من كثرة حبِّه لمدينة الناظور وأهلِها ، يتحلَّى بالتفاؤل والأمل ، على رغم تأثره أحياناً بمآسي ومخازي ، وشعورِه بالحزنِ الطارئ ؛ فمن الأفكار التي يحملها في رأسه أنَّ (النهار جميلٌ ، لكنَّ الليلَ أجملُ شرط أن نقضي على خفافيشه ..) صفحة 53 .. وأنَّ (أحلى التاريخ ما كان غداً ..) صفحة 48 .. ويدعو الجميع إلى أن يتركوا توقيعاتهم ، فـ (هذا زمن التوقيعات ، على الكلِّ أنْ يترك توقيعه ، ومن لا يفُكُّ الحرفَ يبْصمُ ) صفحة 60 .

وها هو الآن بعد حينٍ سيُوَقِّعُ كتابَيْه : (ريف الحسناء) و(نجي ليلتي) ...

و (نَجيُّ ليلتي) هو عملُه الأدبيُّ الثاني ، وهو مجموعة قصص قصيرة جداً ، صدرتعن منشورات المهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جداً .
وأثناء قراءتي للمجموعة ، تبيَّنَ لي أنَّ (ميمون حرش) يمتلك ناصيةَ هذا الجنس الأدبي بمهارةٍ وسهولةٍ ، وأنه يسيطر بذكاءٍ شديدٍ على تقنيات كتابته ، ويمْكُرُ باللغة والمعاني مكْراً كُبَّاراً ، ويذهب بالقارئ إلى عوالم مختلفة ؛ واقعية تارة ، وخيالية تارة أخرى ، وبجدِّية طوْراً ، وبسُخرية أطواراً كثيرةً...
فالقارئ الفَطنُ ، والكيِّسُ ، يتفرَّسُ في هذه المجموعة ، ملامحَ متباينةً من البشر ، وصُوراً متفرقة من الوقائع والحقائق .. وتتراءى له أبعادٌ ، وآفاقٌ ، بعد الانتهاء من كل قصة ، منها ما هو نفسي ، ومنها ما هو اجتماعي ، ومنها ما هو سياسي ، ومنها ما هو اقتصادي ، ومنها ما هو تربوي ، ومنها ما هو جنسي أيضاً ، وكلها تتعلق بالإنسان المغربي أولا ، والعربي ثانيا ، والعالمي أيضا ، كفرد ، وكمجموع ، وفي شتى حالاته وأوضاعه . ولا بُدَّ أنَّ القارئَ سيستفيدُ ، ويحْصلُ على عِبْرةٍ أو مغزى...
وكنتُ أودُّ أن آتي بنماذج تشْهدُ على ما خرجتُ به من مُلخَّصاتٍ ، واستنتاجات ، لكني وجدتُ أني سأفْسدُ متعتي الروحية ، وسأُشوِّه جمالَ الحكايات ، وسأشوِّشُ على منْ لم يقرأْها بعد نزْعةَ الفضول . بل الحقيقة أنه لا يفيدُ أن نستمع إلى أي شاهد وصاحب العمل حاضرٌ بيننا الآن ، وكتابُه مطروحٌ بين أيدينا ، وقِصصُه مُتاحةٌ للقراءة ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق