]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ساعة ليل داخل قبر بمقبرة لكصر

بواسطة: عبد الله ولد محمد آلويمين | abdallahi mohamed alweimin  |  بتاريخ: 2011-11-19 ، الوقت: 12:23:26
  • تقييم المقالة:

 

    بالأمس .. والنهار انقضى أوله بل كله ولليل يوشك أن يرخي سدوله ، يرن هاتف من بعييييييد من أرض جامع الزيتونه وجمالات جحيم البوعزيزي (تونس).. حيث الرفاق والصحاب وذي القربى .. منهم من يدرس ومن يتداوى .. خبر محزن تتناقلته عبر النقال ألسنة ذو غنة حزينة.. فبالأمس عزيز علينا كان يملئ الدنيا شبابا وعلما وذكاء متقدا وفتوة، وخلق أصاب الناس صغيرهم وكبيرهم وبسمات ملئت أرجاء المنزل ودور الأقارب ، ركن ركن وزاوية زاوية تخطفه الموت.   هناك..   في ذالك المستشفى في أرض الغربة بأيادي غريبة تجهز الجنازة (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) وهنا ولليل انقضى ثلثه والظلام حالك والضباب والرطوبة تملآن المكان في الجانب الشرقي من مطار نواكشوط تتجمع الناس والمفجوعين:   صديق فقيدنا حيث كان ينتظر له الشفاء، جار كان يسكن قربه، زوجة وأخوة ومعارف ، حزن عارم يخيم علي المكان، وهدوء مطبق إلا من ورقة تلعب بها الرياح تمزق صمت الهدوء ، يقف الكل ما بين مستغفر ومسلم ومترحم ينتظر الخطوط التونسية ، وفي لحظة يتجلى عبث الحياة وتناقضاتها في جوهرها .. إذ في الجانب الغربي من المطار زغاريد لعروس وعريسها يغادران لشهر العسل.. مسافر من بعيد بعد طول غربة يصل حضن أمه أخيرا وقد ابيض قلبها من الشوق، تدخل سيارة إسعاف بهدوء..وهدوء حتى باب الطائرة، لم نرها من قبل، لم نقف قربها من إلا في كتاب الشامل، وكم تصورناها وما تحمل داخلها وفي مخزنها الماكر من مصائب. أوتوماتيكيا يُخرج التابوت من الباب.. وأوتوماتيكيا نصدق أن ذالك أصبح حقيقة، تنهمر دموع من عيون البعض وترتعد من الحزن شفاه البعض الآخر. تتحرك سيارة الإسعاف ويتبعها رتل السيارات في وقار مهيب .. برد قارص وتابوت بارد بارد.. نخرج من باب المطار كما دخلنا، وما أشبهه بتراجيديات الحياة في تلك اللحظة ، كما دخلنا من الباب الكبير ورفع العسكري الحاجز نخرج أيضا بنفس المشهد. علي طول الشارع في هدوء تتجلي عظمة الديان .. شارع قطع غيار السيارات الذي يعج بازدحام الناس والسيارات نهارا ميت كميتنا لا حركة فيه، ينطق حاله با (وجعلنا الليل والنهار آيتين)   صف طويل طويــــــــــل من السيارات المرافقة، كل يأبى إلا أن يرافق إلي للحد حصدا للخير في لحظة موعظة وانكسار بشري، من كان بالأمس مضرب مثل في الخلق والصبر علي المرض والنضال بصدق في سبيل الوطن.. بات خاليا من الحياة. هناك في المقبرة آخرين يحضرون بيتا حيث سيكون المثوى الأخير، وهناك في جانب من جزر الكناري فندق يحضره أشخاص ’خرين لليلة العمر لعرسان من هذا الوطن أعرفهم ، في مستشفى الشيخ زائد فتاة في منتصف العشرينات تلد للحياة نسمة أخرى أعرفها أيضا. كذالك هو قطار الحياة في ترجمة لقدرة الخالق . حفر الرجال القبر حتى بلغ من العمق خصورهم .. ومددوا ووسعوا حتى صار شبيه بالقدر. توقفنا عند مسجد بداه ولد البوصيري، وفيه أولي مراحل السفر. هذه المرة، لا شنطة ثياب .. لابذلة ماركة زارا أو فيرزاتشي .. لارابطة عنق .. لا حمام ساخن في ليلة باردة قبل الذهاب للمطار .. بل : لحاف من قماش ورجلين بغسلان وعطر عادي وصوف وماء . كان الكل هناك وكل حتما علي ربك وارد هذا الطريق وسالكه .. وأصعب شيء في تلك للحظات دموع امرأة مفجوعة.. إنها لا تحتمل، لا تحتمل ولا تطاق .. ليست أول مرة أرى الموت، وليست أول مرة أشاهده، وليست أول مرة أبدا أرافق إنسان حتى قبره، لكن من عظمة الميت وأيامه الخالية تطرق أفكار مشاكسة ذهني وتلاعبني الغميضة وأنا داخل القبر أتلقاه بيدي لأواريه الثرى في محيط هادئ إلا من استغفار وتكبير وخشوع .. غشاش هو الإنسان في لحظة إنهزام .. ولئيم ومتمرد علي الملك الديان في هذه اللحظة كم من رجل مات وبعد شهور اربع، أخلفه في من كانت تحبه ويحبها حد الضياع في أنفاق الجنون رجل آخر، يتقلب علي متكأه ويفترش فراشه ويركب سيارته .. يقبل ابنائه أو يهينهم، ويخلل خصلات الشعر التي كانت تخلل أنامله وتحلف بأن موتها بموته .. ويجلس حيث كان يجلس ، ويقبل الشفاه التي كان يقبل .. ويقبض بيمينه البطانية التي كان يقبض .. ويرتشف الشاي من نفس الكأس التي كان منها يشرب .. ويتطهر من نفس الحمام والرشاش التي كان منها يتطهر .. وربما يشتري ثياب العيد من أمواله التي أفنى حياته في جمعها .. ويتكأ علي المتكأ الذي كان عليه يتكئ .. ويتدثر في الحضن والنهد الذي آواه سنين عددا.. وينظر ويسبح بالعيون التي في لحظة أنسته كحل رموشها هموم الدنيا وما حوت.. وربما يقرأ من نفس القرآن الذي مكث سنين في درج المكتبة وحيدا دون ان ينفض الغبار عن غلافه .. ياااااااااااااااااااه .. ما أغرب الوقائع إذ تنخر شموخنا فنتهاوى كالعدم بلا سند ولا..   كان بادرا جدا جدا جدا في ليلة باردة جدا جدا ذالك التابوت الخشبي.. دخلنا في القبر أربعة ذو قوة وجلد ومن حولنا الرجال وسكون المقابر .. هناك قبر لفلان بالأمس مات وما قبل الأمس كان كل شيء واليلة صار عظاما نخلة ولا شيئ.. أخذ كل واحد منا لثاما ووضعت بالتابوت ثم بدءنا إلي القاع نسحبه نتحرك حركة حركة والتابوت إلي للحد حتى إذا ما ستقر علي الهوة تسلمناه بثقله وبروده، ورويدا رويدا يصل القعر علي الجانب الأيمن .   رخيصة هذه الحياة التي تعذبنا كل ساعات الزمن دون مراوحة ،  تارة باسم الحب وتارة باسم الحرمان وتارة أخري بأسباب شتي .. ونعيش فيها من العمر مددا وآخره قبر يؤوينا ، تلاطم عليه التراب من كل النواحي حتى يتوارى في أسفل جوف الأرض .. ونرشه بالماء لألا تحفر الريح الكثيب الذي يواريه .. نحيط عليه بحجارة ثمانية فقط لا أقل ولا أكثر .. وفي الصباح نعود للقبر ونسكب حفنات من القواقع البحرية.. ونغادره ولم يعد بعد ذالك إلا ذكرا مؤلمة رحيلها في ثلاث أيام .. وتتملكنا وحشة من فراقه شهور.. ويتلاشي بعد ذالك ليبقى نسيا منسيا. وبعد جيل واحد لم يعد أحفاده يتذكرون حتى إسمه لا شيئ بعد تلك لليلة بات له أي قيمة أو وزن، ف (تبارك الذي بيده الملك وهو علي كل شيء قدير خلق الموت والحياة ليبلوكموا أيكم أحسن عملا). فاستغفر الله لي وللمسلمين واتوب إليه ..  
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق