]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الدولة الإسلامية

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2014-03-17 ، الوقت: 12:12:02
  • تقييم المقالة:
حاولت أن افهم بعمق معنى كلمة "دول اسلامية" , فرأيت ان الكثيرين يستخدمون تلك الكلمة ولكن لكل واحد -أو لكل فريق بمعنى أدق-  دلالة خاصة عنده لمفهومها. فتجد البعض يعتقد أن الدولة الاسلامية هي الدولة التي يدين غالب قاطنيها بدين الاسلام, وتجد أخرون يرون انها الدولة التي تطبق قواعد الاسلام في صورتها الاولى كما كانت عليها في صدر الاسلام، ويرى أخرون ان الدولة الاسلامية هي الدولة التي نص في دستورها ان الدين الرسمي للدولة هو الاسلام حتى ولو كان ذلك فقط مسطورا في ورقات الدستور, وترى آخرون انها الدولة التي تقع في النطاق العربي كشبه الجزيرة وشمال أفريقيا و الشام، ويصرح آخرون بأن الدولة الاسلامية لا يتم معناها إلا بحصول الخلافة الاسلامية والتي يتمثل معناها في وجود خليفة واحد يحكم العالم الاسلامي بأسره ويسمى أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين..وغير ذلك من التعريفات التي لا يمكنني حصرها في هذا المقام. ولست هنا بصدد بتحليل تلك الآراء والمعتقدات، والحكم على صحتها من عدمه، ولكني هنا أحاول أن أشير فقط إلى هذا الخلاف الحاصل حول وضع معنى واحد لكلمة أظنها أهم كلمة في تاريخ المجتمع المسلم بأسره والتي بسببها قد نشبت الخلافات الشديدة بين افراد المجتمع الاسلامي نفسه. أراني وأنا أقرأ في علم أصول الفقه مثلا، فأجد أن علماء هذا الفن قد خصصوا بابان منفردان تحت عنوان باب العام والآخر سموه باب المطلق، والفرق ببساطة بينهما أن العام هو لفظ كلي يشمل كل أفراده ولا يتحقق إلا بحصول كل أفراده، أما المطلق فهو لفظ يدل عن معنى كلي ولكن يمكن تحققه بفرد واحد من أفراد، ولهذا تجدهم يعبرون عن ذلك بقولهم أن العام عمومه شمولي ولكن المطلق عمومه بدلي. ومثال العام كقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث " من ألقى سلاحه فهو آمن "، فقوله (من) لفظ عام شمل كل فرد دون تعيين أحد عن غيره. ومثال المطلق كقوله تعالى لبني اسرائيل " اذبحوا بقرة "، ووجه الاطلاق أنهم أومروا بذبح بقرة اي كل ما يصدق عليه اسم بقرة سواء كانت عرجاء او عوراء أو غير ذلك، فعموم المطلق هنا عموم بدلي اي يحصل بأي فرد من أفراد المطلق على وجه البدل وليس الشمول. وبالطبع ما ذكرناه هنا في باب العام والمطلق هو تبسيط شديد لمسألة شديدة التعقيد وعليها خلاف بين أهل العلم بعضهم البعض، ولكن هذا القدر يفي بمرادنا الذي هو توضيح معنى العام و المطلق فقط. وإذا حاولنا تطبيق قاعدة العام والمطلق السابق ذكرها على مصطلح " دولة إسلامية " ، نجد الأمر بالقطع يؤول إلى أمريين أثنيين وهما:
    إما أن يكون قولنا دولة اسلامية من قبيل العام. أو أن يكون معناها من قبيل المطلق.
وهنا وجب علينا أن نشير إلى أن افراد تلك الكلمة هي تلك المعاني والتعريفات المختلفة عند قائليها والتي أشرت إلى بعضها في بداية المقال. وأقول إذا اعتبرنا أن قولنا دولة إسلامية من قبيل العام، لزم من ذلك بالقطع أن يشمل هذا اللفظ لكل أفراد، ويكون مقصودنا أن الدولة الاسلامية هي الدولة التي أغلبية سكانها مسلمون وأنها دولة تقع في المحيط العربي فقط  بجانب أنها تطبق التشريعات والحدود بالمفهوم الاسلامي كما كان في صدر الاسلام وأن تكون أيضا تلك الدولة هي مركز الخلافة الاسلامية للعالم الاسلامي ويكون قائدها هو ذلك الخليفة الاسلامي الذي يتبعه العالم الاسلامي بأسره. وبالطبع هذا كله باطل وغير متسق مع واقعنا المعاصر، إذ يلزم من ذلك أن عدد الخلفاء المسلمين سيكون بعدد الدول التي تدين بالإسلام وهذا مما لاشك فيه منافي لمعنى الخليفة الحقيقي الذي هو في الأصل فرد واحد يحكم العالم الاسلامي بأسره أما باقي الحكام الأخرون بمثابة أمراء له ونواب عنه فقط. وبالتالي لا مفر بأن يكون مصطلح دولة إسلامية من قبيل المطلق، وإذا صح ذلك فإنه يصح لنا أن نطلق على أندونسيا أنها دولة إسلامية وستكون إيران وباكستان وتركيا بهذا المعنى أيضا دول إسلامية. وبالطبع ستكون مصر وشمال أفريقيا والسودان والشام و دول الخليج دولا إسلامية. وإذا كانت الدولة الإسلامية بهذا المعنى البدلي متحقق في كثير من البلدان والمناطق فلماذا نتعارك ونتراشق بالكلمات الحادة ويقذف بعضنا بعضا بجريمة الكفر والخروج عن الملة، إذا كنا جميعا -في مصر وتركيا وليبيا والسعودية وغيرهم- يتحقق فينا معنى دولة إسلامية فلماذا نختلف ولا نأتلف. ألا ترون أن ما اتفقنا عليه أعظم بكثير مما اختلفنا فيه. لماذا لا نحاول أن نوحد ما اتفقنا عليه وننحي ما اختلفنا فيه ولو بشكل مؤقت حتى نتمكن من استعادة هيبتنا بين الدول كما كنا سلفا. إن المتأمل لحال الغرب يجد أمرا على النقيض تماما، تجدهم – تقريبا– اتفقوا على انهم دول علمانية حتى ولو كانوا يدينون بدين سماوي أو غير منتسبين لدين أصلا، تجدهم جميعا يعيشون تحت سقف سياسي عقائدي واحد وهو أننا دولا علمانية، ولكن الأعجب من ذلك على الرغم من المباينات الشديدة بينهم في التفاصيل إلا أنهم أتفقوا على معنى واحد للعلمانية. أو على الأقل نستطيع القول بأنهم يطبقون تلك السياسة العلمانية بشكل متناسق وموحد. قد يكون تعريفهم للعلمانية يبعد كل البعد عن عقائدنا وديننا، ولكن على الأقل أنهم اتفقوا على الرغم من تفاوت ألوانهم وأديانهم ومصالحهم الدنيوية والسياسية. أما نحن فإن ما نملكه من توافق أكثر بكثير مما نملكه من اختلاف، فالمسلمين كلهم يؤمنون بإله واحد ونبي واحد وكتاب واحد وعقيدتهم واحدة ولو اختلفت في التفاصيل كالشيعة والسنة مثلا. إن الغرب حينما اتحد على معنى واحد ولو كان فاسدا من وجهة نظرنا، إلا انهم بلا ريب أثبتوا للعالم أنهم أقوياء بتماسكهم واتحادهم حتى ولو كان اتحاد في الظاهر والمظهر فحسب. ونحن حينما اختلفنا وتفرقنا أصابنا الوهن والضعف حتى ولو اتحدت آمالنا وعقائدنا في أصلها...ألا يدعوا ذلك للتوقف...     

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق