]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دفاعاً عن الالحاد.. والحقيقة أيضاً

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-03-13 ، الوقت: 20:45:22
  • تقييم المقالة:

فكري آل هير

كتبت إحداهن في منشور لها على صفحتها في الفيس بوك:

‹‹لا يمكن النظر الى الإلحاد الذي يعلنه البعض اليوم، إلا باعتباره مذهباً دينياً››..

ما فهمته من هذه العبارة، هو أنه أصبح بمقدورنا ولأول مرة أن نقول بأن هناك إلحاد إسلامي وإلحاد مسيحي... الخ.

بيد أني أميل الى التعامل مع مصطلح آخر وهو الإلحاد العربي.. كما أننا بحاجة فعلاً الى وقفات هادئة على ما يعتبره البعض ويراه البعض الآخر بأنه ظاهرة إلحاد بدأت تزحف بقوة وتمتد في نسق الثقافة العربية المعاصرة.

مفهوم الإلحاد:

مفهوم الإلحاد – بديهياً – موقف ينكر صاحبه فيه (وجود إله)، الأمر الذي ينسحب ليكون إنكاراً لكل ما تعرضه الأديان من أفكار ومعتقدات.

وبالطبع، فإن الإلحاد وفق هذا المفهوم البسيط، يختلف تماماً عن (اللادينية/ العلمانية) و(اللاأدرية) و(الشكية)، ولكن يبدو أن هناك خلط كبير بين هذه المفاهيم، ناجم عن قصور فكري ومعرفي في وعي الملحدين الجدد.

والخطأ الأكبر – باعتقادي - هو الاعتقاد بأن الإلحاد يمثل الطرف النقيض للإيمان. أو أن الإلحاد قائم على أساس حقائق العلم المادي،  وأن العلم المادي يقف الى جانب الإلحاد ضد الإيمان وضد الدين، لأن الإلحاد – بكل بساطة – موجود منذ القدم، أي من قبل أن يكون هناك طائرات وأقمار صناعية وأنترنت.. ومن ثم فالعلم الحديث ذريعة سيئة لدعم الفكرة.

كما أني أعتقد أن للإلحاد طبيعته الخاصة المتنوعة والمتعددة، والتي تستعصي على أن تتقيد بمفهوم محدد أو بتعريف يعمم على الإطلاق، وبالمثل فالإيمان أيضاً على نفس الشاكلة.

 

تاريخ لم يكتب:

تاريخ الملحدين لم يكتب، فكل ما هو مدون في كتب التاريخ المسيحي أو الاسلامي أو اليهودي عن الملحدين، يتضمن قدراً عالياً من المغالطة، فما كانت تعتبرهم الكنيسة (هراطقة)، وما كان يعتبرهم فقه الحسبة الاسلامي (زنادقة )، لم يكونوا ملحدين على الإطلاق.. هذه هي الحقيقة؟

الزنادقة والهراطقة في الاسلام والمسيحية هم أولئك الذين خرجوا بفكرة أو بموقف أو برأي على المذهب الديني الذي كانت تفرضه السلطة، وتسميتهم بهذه التسميات كانت مجرد صبغة دينية لتبرير اضطهاد وقمع كل أشكال التمرد الفكري أو الديني على السلطة الدينية (الكنيسة/ الفقيه)، باعتبار ذلك دفاعاً عن الدين وتنفيذاً لأوامر وتعاليم الله.

فمثلاً، نجد في التاريخ الإسلامي أن كل زندقة كانت توصف وينظر إليها بأنها إحدى نتاجات التشيع، إذ لطالما أعتبرت كل الفرق والتيارات الخارجة على السلطة الدينية الحاكمة بأنها (شيعية)، بحيث أصبح مفهوم (الشيعة) مرادف لمفهوم (الزندقة)، والعكس صحيح في العصور والأمصار التي آلت فيها الحاكمية للطائفة الشيعية، فقد كانت كل الطوائف الدينية الأخرى المناهضة للطائفة المهيمنة على السلطة تعتبر بنظر الأخيرة طوائف زنديقة.. وكذلك الأمر في الكنيسة المسيحية، فلطالما اعتبرت الطوائف المسيحية الأخرى الخارجة والمتمردة على سلطة البابا بأنها طوائف هرطوقية.

بل ولقد اعتبر الكثير من المتكلمين وأصحاب الرأي والفلاسفة والشعراء والكتاب والزهاد والمتصوفة، سواء كأفراد أو كأعضاء في جماعات بأنهم (زنادقة).. ومنهم: ابن المقفع، ابن الراوندي، ابن سينا، ابن رشد، الفارابي، بشار بن برد، الحلاج، ابن عربي، ابن الرومي، الشنفري وغيرهم.. مع أن الحقيقة تقول بأن هؤلاء كلهم لم يكونوا سوى مسلمين. تماماً مثلما أعتبر أريوس وكوبرنيكوس وجاليليو ورموز عصر النهضة الأوروبية وكذلك أتباع المذهب الوحداني المسيحي بأنهم هراطقة.

وهذا ما يفسر لماذا أطلق الأشعري على فرق المتكلمين - اصحاب علم الكلام - اسم الإسلاميين) تمييزاً لهم عن عامة المسلمين/ الأمة، فهو لم يخرجهم من حظيرة الإسلام، بل من حظيرة مذهب السلطة المهيمنة والتي كانت تسمى مجازاً (سلطة الجماعة/ الأمة).

نخلص بهذا الى أن الزندقة في الموروث والذهنية العربية، هو كل خروج عن دين السلطة بالقول أو الفعل أو الفكر.. وهو ما ينطبق على (الهرطقة) في المسيحية والتي تتخذ نفس المعنى، الذي يشير الى  كل خروج عن دين السلطة الكنسية.

فقد كانت هذه السلطات تحاسب الناس على أفكارهم من منطلق مخالفتهم لها، وليس من منطلق مضمون أفكارهم .. فقد تختلف الأفكار، ولكنها تجتمع على مخالفة الدين الرسمي.. فيشملها الوصف نفسه وتقع تحت طائلة الاضطهاد دون تمييز، وبشكل أو بآخر فإن الممارسات السلطوية القمعية والعنيفة التي استمرت تحدث لقرون, غرست في الثقافة العامة نزوعاً خانعاً للإتباع وتجنب مواطن التفكير، فالتفكير هو من اختصاص رجال الدين، تماماً كنموذج التفكير السيكولائي والتفكير النقلي في كل من المسيحية والإسلام.

إذن، فتاريخ الإلحاد لم يكتب..

ولهذا السبب، فنحن أيضاً قد لا نكون على معرفة كاملة بماهية الإلحاد ولا بمن عساه يكون (الملحد). لأن ما نعرفه هو نماذج الهراطقة أو الزنادقة، أو نموذج المعارضة للسلطة الدينية، وفي كل الأحوال.. فالتطرف يخلق تطرفاً مضاداً، وكل المواقف والصراعات التي تنتج عن ذلك تظل وليدة ظروف تاريخية ومجتمعية معينة، لاسيما تلك الظروف التي تصادر فيها الحقوق وتقمع الحريات وتحارب التعددية، لصالح مشروعات السيطرة والهيمنة الأحادية والشمولية.

 

من هو الملحد؟

تقول أكثر الآراء بأن هناك نوعين من الملحدين:

النوع الأول: الملحد الضعيف (الهش): وهو الذي فشل في أن يحقق من خلال الايمان الديني حاجاته ورغباته، والأمر في هذه الحالة مرتبط بنكوص نفسي.. (ضعف إيمان/ انتكاس سيكولوجي).   

النوع الثاني: الملحد القوي (المتين): وهو غالباً ما يكون صاحب معرفة وفكر عاليين، وإلحاده قائم على موقف فكري ومنطقي جاد.. (ايمان من نوع آخر).

والحقيقة أننا نستطيع أن نلمس هذا الفرق بين النوعين، من خلال ذكر نماذج شهيرة، فلدينا من جهة: كارل ساجان، اسحق عظيموف وتشارليز دوكينز، ومن جهة أخرى لدينا: مصطفى محمود، روجيه جارودي، أنتوني فلو.

سيتساءل البعض، لماذا تم اختيار الأمثلة الثلاثة الأخيرة ممن عرفوا لفترات طويلة من حياتهم بكونهم ملحدين، ولكنهم عادوا في النهاية مؤمنين؟!

وسأجيب بكل بساطة، لأن الإلحاد والإيمان وجهان لعملة واحدة، وليس نقيضان على الإطلاق إنهما وحسب تعبيران لحالة فكرية وعلاقة معرفية واحدة، ولطالما قال المتصوفة بأن الإلحاد هو النصف الأول للإيمان، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي يأتي بعد الإلحاد..

حتى لغوياً، نجد أن الإلحاد هو (الميل) عما الأكثرية عليه، وبمعنى آخر هو الحفر للوصول الى العمق حيث تكمن الحقيقة، وهو المعنى الذي ينطبق على الإيمان، والحنيفية التي تعتبر جوهر الإسلام تعرف أيضاً بأنها الميل عما الأكثرية عليه.. فالإلحاد هو ثورة تحررية يخوضها الفرد للتحرر من قيود النزعة الآبائية ورفض للتبعية الخانعة لما كان عليه الأباء والأجداد، والإيمان هو الناتج الطبيعي للعقل المتحرر.

***

قال "نيتشه": لقد مات الله.

ورد عليه فولتير بقوله: "ان فكرة وجود الله فرض ضروري، لأن الفكرة المضادة حماقات".

فإذا كان "نيتشه" دليلاً لدى البعض على الإلحاد، فإن فولتير أيضاً يمكن أن يكون دليلاً على الإيمان.

بيد أن الملحد الحقيقي والمؤمن الحقيقي، هو ذلك الشخص الذي يقرأ كل التوجهات ولا يجد نفسه معنياً أو ملزماً بالأخذ بأي منها، لمجرد أن ذاك "نيتشه" وهذا "فولتير".

ولنا أن ندرك الآن لماذا امتنعت الكتب السماوية – وبالأخص القرآن – عن التعرض للملحدين، أو إدانتهم أو اعتبارهم أعداء للدين، لأنهم بالحقيقة ليسوا إلا مؤمنين ولكن بطريقة أخرى، وبنموذج فكري ومعرفي آخر، لا يقل وقاراً وعظمة عن ايمان المؤمنين.

إن وجود الإلحاد ضرورة جوهرية، وإلا فإن حوار البشرية حول الحقيقة ودوافع بحثهم عنها ستنعدم، وهذا بحد ذاته يعني تعطيل مسيرة الفكر الانساني، ولا ينبغي لهذا أن يحدث، بل يجب أن يحظى الإلحاد باحترام الناس له، على أساس الحق الطبيعي للإنسان في أن تكون له كامل الحرية في تشكيل وتكوين قناعاته ومعتقداته، وأن تسود بين البشر أجواء التسامح والحوار والتفكير المتبادل، لتستمر الحياة وتستمر البشرية في صنع إبداعاتها التاريخية العظيمة، وإن كان لابد أن يكون هناك موقف مشترك، فهو حتماً الموقف الذي ترفض فيه كل أشكال التطرف والتعصب والهيمنة.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق