]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تكنولوجيا الطرق عند اليونان والرومان بقلم : د.فتحي عبد العزيز محمد

بواسطة: Fathy Aziz  |  بتاريخ: 2014-03-12 ، الوقت: 23:49:12
  • تقييم المقالة:

 

 

 

  تكنولوجيا الطرق عند اليونان والرومان

 

 

 

إن كلمة technologyعبارة مركبة من كلمتين مأخوذتين أصلا من اليونانية Technoومعناها المهارة أو الفن ومــــــــــنLogoوتعني العقل وهي هنا بمعني علم وبذا تعني العلم المرتبط بشكل منظم بالفنون الدقيقة أو التطبيقية ...غير أنه يمكننا القول أن التكنولوجيا في العصور القديمة في أدني مستوي لها هي المحاولة التي يقوم بها الإنسان للسيطرة علي الطبيعة , فيغيرها لتصبح بيئة أكثر ملائمة له . والتكنولوجيا هي الأعمال التي عن طريقها يحدث ذلك التغيير . ولم يأت ذلك التغيير إلا مما يراه في الطبيعة ذاتها من أمثلة , حيث كان الإنسان يقلد ما يراه بوسائل حرفية ليرقي ببيئته . إن ملاحظة ذكية لشجرة تميل في نموها علي نهر جعله يفكر في إنشاء الجسور , وتم ذلك بطريقة علمية مع مضي الوقت . وهنا نجد اختلافا في تناول كل من اليونان والرومان لمسألة العلم النظري وتطبيقه .

 

ومن الشائع عن الإغريق حبهم  للعلم النظري عن التطبيقي , وأن الرومان يحبون التطبيق للعلم النظري والاستفادة منه . غير أن ذلك التصور مبالغ فيه . حيث ابتكر الإغريق واستخدموا اختراعات تقنية , وأنفق الرومان الوقت علي ملاحظات نظرية .

 

 ومهما يكن من أمر, فقد حسنت التكنولوجيا بغير شك حياة القدماء , واستمرت في ذلك الدور إلي يومنا هذا . ومما استرعي انتباه القدماء صعوبة الانتقال من مكان إلي آخر . حيث واجهتهم عوائق طبيعية مثل الجبال والغابات , ودفعهم ذلك إلي العمل علي شق الطرق وتمهيدها وتعبيدها . ومن الطرق القديمة طريق سارديس ـ سوسا وهو يبين مدي اهتمام الفرس بإنشاء  الطرق بين المدن المهمة في إمبراطوريتهم . وكان ذلك الطريق يربط بين سارديس في غربي آسيا الصغرى وسوسا بالقرب من الخليج العربي , ويعرف بالطريق الملكي . وقد استخدم لإيصال البريد السريع بتناوب الخيالة . وقد بهر ذلك الطريق اليونانيين . وكانت الخيول تقطعه في تسعة أيام ( 2600كلم ) . وعلي الرغم من أن الطريق لم يكن ممهدا ؛ إلا أنه كان ملائما للمركبات . وأحيانا ما كانت تربته الطينية تعوق تلك المركبات عن الحركة خاصة عقب الأمطار . وقد ذكره هيرودوت حيث سلكه ذات يوم .

 

وبالنسبة لطرق اليونان, فإن هوميروس الشاعر اليوناني المعروف , لم يتحدث مباشرة عن الطرق في أيامه , إلا أن حديثه عن العربات المتنقلة بين البلدان ألمحت إلي وجود أكثر من طريق مستخدم في ذلك الوقت . وقد كان بإمكان تليماخوس أبن أوديسيوس القيام برحلة داخل اليونان بين بيلوس واسبرطة في يومين , وهي  مسافة تقدر بأكثر من 75كلم . ولدينا نص تاريخي يقول : " شرع أولادي في إحضار الخيول ذات الرقاب الطويلة التي ينسدل عليها الشعر الذهبي الجميل لتليماخوس وشدوها إلي عربة حتى يمكنه أن يأخذ الطريق " هكذا تحدث نسطور ملك بيلوس , وقد استجاب أبناؤه سريعا بربط تلك الجياد الرشيقة  إلي العربة . وسرعان ما اعتلي تليماخوس المركبة الرائعة , وصعد إلي جواره بيسيستاريوس ابن نسطور قائد الرجال . وأخذ العنان بيده وساط الجياد , فأسرعت إلي السهل تاركة خلفها قلعة بيلوس . وظلت الجياد تهز النير فوق أعناقها طوال اليوم . تلك الصورة الرائعة لرحلة تليماخوس اليوناني تبين التكنولوجيا المستخدمة في النقل والمواصلات في حقبة زمنية سحيقة القدم .

 

وفي الحقبة الرومانية , لم تمتد الطرق اليونانية أكثر مما كانت عليه , ولعل ذلك ناجم عن طبيعة سطح اليونان وجغرافيتها , أو لتضاؤل أهميتها في عهد الإمبراطورية الرومانية . غير أن المؤرخ بوسانياس ـ صاحب كتاب " وصف اليونان" ـ أبدي دهشته لمناسبة تلك الطرق لحركة المركبات بأنواعها المختلفة . وذكر أن الطريق من ميجارا إلي كورنثة كان مشيدا للمتهورين والعقلاء للسير عليه . وقد قام الإمبراطور الروماني هادريان بتوسعته . وكان  يمكن لاثنتين من المركبات أن تتجاوز إحداهما الأخرى إذا تقابلا ( طرق مزدوجة بالمعني الحالي ) . وظلت الطرق جيدة في مقدونيا باليونان حتى عام 190 ق.م  كما ورد في كتاب " تاريخ روما ". حيث كان الطريق من تيجا إلي أرجوس مناسبا للعربات الثقيلة . وكان بالفعل طريقا عاما جيدا يشبه الطرق السريعة حاليا . أما الطريق عبر براناسوس فلم يكن جبليا بالكامل . وكان مناسبا أيضا للعربات الثقيلة .

 

  ومما يلفت الانتباه , أن تشييد الطرق سواء اليونانية أو الرومانية لم يكن اعتباطا , وخاصة فيما يختص بأطوالها وأهميتها. ويمكن أن نطلق علي ذلك لفظة التوجه إن أحد أسباب التباين بين طرق اليونان والرومان كان الاختلاف في نظر كلا منهما تجاه المنفعة من إقامتها ولم يتجاهل اليونانيون ذلك لكنهم لم يعلقوا عليه أهمية مثلما فعل الرومان . فكان الإمبراطور جايوس جراكوس يعطي كبير اهتمام للطرق ويدرك أهميتها إلي جانب الحرص علي جمالياتها . وأن تكون مستقيمة قدر الإمكان. وكانت توجد في مداخل الطرق حجارة تذكارية تبين متى بني الطريق وطوله . ولدينا نقش لابن جايوس يذكر فيه : "  لقد شيدت هذا الطريق من ريجيوم إلي كابوا وأقمت عليه الجسور ومهدته بحجارة صلبة وأقمت عليه العلامات الإرشادية". ولا يغيب عن البال المثل القائل كل الطرق تؤدي إلي روما .  ولم يغفل الرومان أمر صيانة الطرق , فلم يبخلوا عليها لما تمثله من قيمة في حال السلم والحرب لنقل التجارة والناس والجيوش . 

 

                                                                 د.فتحي عبد العزيز محمد

 

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق