]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رسالةٌ من امرأة إلى رجل جاحدٍ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-03-11 ، الوقت: 10:34:38
  • تقييم المقالة:

عزيزي الرجل :

ما تفتأ تُردِّدُ أنني أفسدتُ عقلك ، وأغويتُ قلبك ، وكنتُ سبباً قوياً في طرْدِك من الجنة ...

هلاَّ كنتَ مُنْصفاً ، واعترفتَ بأنك من ضعفتَ أمام نفسك ، واستسلمتَ لشيطانك ، وسحبتني من يدي إلى الشجرة ، فهزَزْتَها ، فطرحتْ تفاحة ، قدَّمْتَها لي كهدِيَّة ، فأكلنا منها معاً  ، و كنتَ تعلم نهْيَ ربك ، وأنا لم أخضع إلا لأمرك ؟

هلاَّ كنتَ شجاعاً ، واعترفتَ أنك من مثَّلَ عليَّ دورَ الإنسان الحزين والمهموم ، وألقيت برأسك في حضني ، وضممتني بشدة ، فكشفت سوأتي وسوأتك ؟

واليوم تُداري هذه الحقيقة ، وتمسحُ خطيئتك في جنسي ...

ولم يكفك هذا ، بل رُحْتَ تعلنُ في العالمين أنني سبب الشرور كلها !!

أحقّاً أنا الشريرة ..؟!

إذن ، من كان أول من قتل أخاه ، فأنا لا أذكر أنني قتلتُ أختاً لي ؟

من أشعل نيران الحقد ، والحروب ، في الدنيا ، فأنا لم أكتشف ناراً ، ولم أخترع سلاحاً ؟

أنت من قتل أخاه بعظمةٍ من عظام حيوان .. أما أنا فقد صنعتُ من العظام حليّاً وخرزات ... !!

أنت من تجبَّرَ ، وطغى ، وأفسد في الأرض ، وسفك الدماءَ ، وتحدَّى اللهَ ، وقتل الأنبياء والمرسلين ...

أنت من نصبَ ذاته شيخَ قبيلة ، وأمر أفرادَها بالإغارة على قبيلة أخرى ...

أنت من تزعَّم أقرانَه من الرجال ، وحرَّضهم على أن يفتكوا برجالٍ آخرين ، كي يحصلوا على ممتلكاتهم من الأراضي والأنعام والخيل والنساء ...

أنت من ادَّعى السيادة ، فسادَ بالجوْرِ والطغيان ...

أنت من حكم البلاد والعباد ، وسيطر على البر والبحر ...

عزيزي الرجل :

أنسيتَ أنك من يُفرِّقُ ميراث الآباء ، ويتصرف في تراث الأجداد ، ويقيمُ التفاوت بين الطبقات والأجناس ؟

أتذكر سيدنا يوسف ؟ .. من نزعه من حضن أبيه يعقوب ، وألقاه في غيابات الجُبِّ ، واتَّهمَ الذئب بأكله ـ كما هي عادتك دائما في اتهام الآخرين ـ ... هل هي أختٌ له ، أو حتى زوجة أبٍ ؟ .. أم أنك أنت أيها الرجل وإخوة لك ، كنتم أنتم الذئاب !!

ثم من نادى بالألوهية ، وأراد أن يستعبد الخلقَ ، فاخترع الكسرويَّةَ ، والقيصرية ، والإمبراطورية ، والفوهرورية ... ؟

من قسَّمَ البلدان .. ورسم الحدود .. وسنَّ القوانين .. وأيقظ الفتن والثورات .. وملأ الدنيا يباباً ، وحروباً كبيرةً وصغيرةً ، أهلية ، وإقليمية ، وعالمية ... ؟

من غزا القارات ، والبحار ، والكواكب ، والنجوم ... ؟

من نشر الأوبئة الفتاكة ، والأمراض الخطيرة ، في الإنسان ، والنبات ، والحيوان ، والهواء ... وخرق الجبال والأوزون ... ؟

دُلَّني على اسم امرأة واحدة ، قامت بعملٍ واحدٍ من هذه الأعمال !!

أؤكد لك ـ يا عزيزي الرجل ـ أنك لن تعثر على امرأة واحدة ... حتى البارود ، لم يكن من اختراع امرأة ، بل كان من اختراع رجلٍ ، تحتفلون به كل عامٍ ، وتمنحون باسمه جائزة عالمية لرجلٍ واحد ، وأحياناً قليلة لامرأة ، ثم تقتلون آلافاً مؤلفة من الرجال والنساء والولدان ... !!

والمرأة لم تخترع إلاَّ الكُحْلَ وأزرق العينين وأحمر الشفاه والخدين ...

ويعجبك اختراعُها ، وتستمتع به ، ثم تلعنه بعد أن تقضي وطرك ، وتعُضُّ اليدَ التي تمسح على رأسك ، وتضمُّك إلى صدرٍ حنونٍ ...

ما أقساك أيها الرجل !!

وما أعظم كيْدك أنتَ ، وتقولَ بمكْرٍ : (إنَّ كيْدَ النساء عظيم) !!

وها أنتَ تحرِّضُ عليَّ أبناءً لك ، ولا تستحيي أن تجعلَ منهم أعداءً لي ، وتقول فلانٌ (عدوُّ المرأة) ، ولم أكن عدواً لرجل يوماً ما ، بل على العكس كنتُ الحضْنَ الذي تربَّوا فيه جميعاً .. ولم يتربَّوْا فيه فقط ، بل فعلوا فيه أشياءً عجيبةً ، منذ أن كانوا صغاراً يضعون الحفَّاظات ، إلى أن صاروا كباراً يجْلبون الحفَّاظات ... ولا داعي لذكر أفعالٍ أخرى .. فأنت من طبْعك الجحودُ والنكران ، ومن عادتك أن تلقي التبعة على الآخرين ؛ فإمَّا أنا ، أو الشيطان ، أو الحيوان !!

عزيزي الرجل :

اسأل نفسك ؛ هل كنتَ يوماً عبداً لي ؟ .. ولكن كنتُ أنا العبدة ، وكنتُ الجاريةَ ، وكنتُ زينتك في المجالس والحفلات .. وأنتَ من قرَّرَ ذلك ، ولستُ أنا ...

وكنتُ محظيتك في القصور ، وخادمتك في البيوت ، وأسيرتك في الحروب ...

وكنتُ أمَّكَ ، وأختك ، وزوجتك ، وابنتك ، مسؤولة منك في جميع الحالات ، تفعلُ بي ما تشاءُ ، كيفما تشاءُ .. ولم أكن أعلى منك ، ولا أقوى .. ولا تَني تزْعُمُ أنني ناقصةُ عقلٍ ودين ... حتى المساواة أنتَ من طالبَ بها ، ونادى بها بين الرفاق والأصحاب ، ولكنك تذبذبت فيها ، ولم تقف بها عند قرارٍ أخير ... وأنا لا أنتظر منك إلا أن تكون رجُلي ، وأكون امرأتك ، وتكون لباساً لي ، وأكون لباساً لك ...

وإن كانت من خطيئةٍ ، فقد كانت الخطيئةُ رجلاً ...

وتقبل مني مودَّتي ، واحترامي ، وحناني ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق