]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة قصيرة : ناغار

بواسطة: حسين خويرة  |  بتاريخ: 2014-03-10 ، الوقت: 03:09:04
  • تقييم المقالة:
ناغار

يكادُ يستطيع فتح عينيه و صورة طائر العقاب المنحوتة تكادُ تُرى من على سقف هذه الغرفة التي لا تعرف الا نوراً خافتاً يأتي من مصباح زيتٍ معلقٍ على احد زوايا الغرفة الضيقة المغبره ..

 

 يبدوا ان ضيفيَ قد استفاق !!

 

ادار ناغار برأسه نحو الصوت العميق الدافئ القادم من على يمينه و قال بصوت يملؤه التعب : من انت ؟ و لم انا هنا ؟ و ما الذي اتى بي الى هنا؟

 

اقترب الشيخ اكثر و قال بصوت فيه رزانة و اطمئنان : اهدأ ! ستعلم كل شئ.

 

 تأمل ناغار ملامح الشيخ الذي يقف على يمينه و هو ما زال ممدد على ظهره غير قادرٍ على النهوض . عجوز كهل تبدو على بنيته الجسدية القوة , و نظرة متبسمة و لحية بيضاء تملؤها الحكمة , و وجه يكاد نوره يضيئ ظلمة الغرفه.

 قال بشكل جازم : لا بد انك عَطِش , و تناول من داخل عباءته الفاخرة قربة ماء صغيره, كانت ملابس الشيخ  تبدو غريبة عن تلك التقليدية لدى سكان مدينة الشاب ناغار.

 

اشرب, لا تخف و مد يده اليه بالقربه, انها من ماء دجلة ... هبة من الله.

 

 تسائل ناغار في داخله .. و ما الهبة في دجلة ؟ فهي لطالما كانت هناك و هناك الكثير مثله في بقاع الارض.

 

قال الشيخ : صحيح و لكن كل شئ في هذا الكون هبة من الله فمياه دجلة التي نشربها و نسقي بها زرعنا و نستحم بها ما هي الا هبة عظمى من الله, تماماً كالشمس و القمر و الارض و كل دابة على الارض .. هبة من الله الى عباده.

 

 تعجب ناغار و كاد يظن انه فكر بصوت عال فدوار قوي ما زال يحس به بالاضافة الى وضع الغرفة و الشيخ المريب جعلاهُ يظن انه في حالة غير مستقرة بالحديث.

 

 الاجابة لا .. قال الشيخ مع استقامة في ظهره و حدة في صوته ...لا لم تفكر بصوت عال .. لكن انا من يسمع جيداً.

 

 ظن ناغار بانه قد مات و هذه غرفة الاستجواب مع الله الذي بدأ الحديث باستعراض هباته و ما هي الا دقائق و يبدأ يحدثه عن خطاياه في الارض و يعاقبه عليها .

 

ضحك الشيخ بصوت هادئ و قال : حقاً ؟ !! لا يا بني .. اياك و الظن بهذا .

 

عم الصمت في الغرفة و الشيخ تبدو على وجهه ملامح الحيرة و هو يريد ان يقول شيئا.

 

 ساله ناغار : بحق الالهة من انت ؟

 

"ناغار" !! قال اسمه بصيغة المستجوب.

 

و يعرف اسمي ايضا !! فكّر ناغار.

 

الشيخ : من الله ؟

 

ناغار : رب الارباب و خالق الالهة ؟؟  

 

الشيخ : و ان كان الله على تلك القدرة حتى في خلق الالهة .. فلم يفعل و يخلق من ينافسه في المنزله؟ 

 

ناغار بحذر : لكي يساعدوه في الاصلاح بالارض؟

 

الشيخ: اوافقك الرأي بانهم اصحاب رسالة على هذه الارض .. لكنهم رسلٌ اصطفاهم الخالق و انتم احببتم فكرة تحويلهم الى الهة.

فعلها الكثير من قبلكم و ستفعلها امم و امم اكثر من بعدكم. فابناء الله عند البشر كثر و تعددت الالهة و الفكرة المغلوطة واحدة.و اصبحت الفكرة المغلوطة تقفز على كل شئ في الحياة, و سيطرت فكرة الدين و الهة الارض الخارقة على اذهان البشر في السياسة و الفلسفة و التجارة و الادب و حتى الفلك!! لكن لم تجدها ابدا في العبادة !!

 

ناغار : و لم نعبد الواحد الاحد الذي لا نراه و لا حتى نجسده ؟؟ و لم خلقنا في الاساس؟

 

 الشيخ: سؤالك الثاني اجابته في سؤالك الاول .. لكي نعبده , فنحن هنا خلفاء في هذه الارض.

 

 امثالك من البسطاء يظن ان العبادة مقتصرة على الركوع و السجود و القرابين , و لكن الحقيقة ان في كل خير تفعله على هذه الارض عباده .. في العمل المخلص عباده.. في المعاملة الحسنة عبادة ,و الحب الصادق عباده, حتى ان الابتسامة المرسومة على وجهي الان عباده.

 

 

اخفى ناغار ابتسامته عندما ذكر الشيخ الحب و تذكر محبوبته عشتروت. 

 

 ناغار بطمئنان و سكينه: ماذا تريد مني و لم انا هنا ؟؟

 

 يكذب !! "صوت ياتي من على يسار ناغار"

 

انكي عزيزي .. لقد اعتدت كذبك .. لكنك بالغت كثيرا هذه المرة.!!

 

ناغار : من انكي؟؟!!

 

 انكي الشيخ: ناغار اياك و ان تستمع اليه .. انه حاقد.

 

  ليليث: تتكلم و كانك لا تحقد يا انكي.

  

 

 

 ناغار : معناها النجار باللغة السومريه

 

انكي : الهة الحكمة و الرياح عند السومريين "استخدم في القصة للدلالة على الحكمة"

 

ليليث: شيطان وسواس عند السومريين " استخدامه في سياق رمزي لا اكثر"

 

عشتروت او عشتار : الهة الجمال و الحب "استخدام رمزي"

 

 

نعم يكذب... قالها بثقة عمياء.

 

 كان ليليث يبدو جميل المظهر .. شاب انيق يرتدي السواد الداكن .. طويل الشعر يحف ذقنه القصيره و عيناه ضيقتان .. طويل البنية و الثقة و الاصرار يبدوان جليان على هيئته.. على الاقل هكذا راه ناغار.. شخص مثير للاهتمام.

 

ليليث : قبل ان يسألك عن الله , كان الاجدر به ان يسألك من انت ؟ من انت ناغار؟

 

نظر اليه ناغار الشاب في حيرة عجيبه و اراد ان ينطق لكن سبقه ليليث و قد نزل اليه محدقا في عينه قائلا : لا تعلم .. اوليس كذلك؟

 حرك ناغار رأسه بالموافقه...

 نظر الى عينيه بحدة اكثر بعدما اقترب منه و قال .. انا أُعلِمُك من انت !! انهض, امسك ليليث بيده اليسرى و امسك انكي بيده اليمنى محدقا بليليث بتحد قائلا : دعك منه. حملاه و هو يهم بتثاقل و ما ان رفع رأسه الا و رأى رجلا عظيم البنيه , قبيح المظهر , اجعد الشعر,عاقد الحاجبين يحمله من ابطه.

 

قال: ما زلت تهذي ايها الاحمق؟!! و لطمه على وجه لطمة وقع على الارض من شدة قوتها.

 

رفع ناغار ظهره و هو يأن من الم في ظهره, اعتاد عليه مع اشراقة كل صباح, نظر ناغار حوله ليجد نفسه في منزله المتهتك, نائم على كومة القش التي لم تجلب له سوى الالم في الظهر و التعب الدائم.

 

لا بد و انني كنت احلم !! لكنه كان يبدو حقيقيا جدا!! احس ناغار بعطش شديد فهم ليشرب من فخارة الماء الموضوعة على شباك الغرفة, فارتطمت قدمه بشئ... ما ان نظر اليه ناغار حتى اصيب بالهلع و بدأت يداه ترتجف و التقط قربة الماء التي اعطاه اياها انكي !! و جلس باندهاش ينظر اليها و يتفقدها .. 

 

كان ناغار شاب بسيط و فقير في منتصف العشرينات من عمره .. يعمل على الاعتناء بارض زراعية لرجل من اثرياء مدينة اشور يدعى سمولاايل مقابل اجر زهيد جدا يكاد يكفي لقمة العيش .. كان دائما يحس ناغار بانه يعيش في وطنه عيشة العبيد المسبيين في بابل ..

 فهو من المستضعفين الفقراء في المدينه و الجميع يعامله على انه من الطبقة الادنى للمجتمع فهو لا يملك شئ سوى هذا المنزل القديم التي قاربت جدرانه على النوم و ملابسه الرثة المهترئة, و لا يملك زوجة و لا اطفال و عائلة فهو يعيش على هذه الارض شبه وحيد, يعمل في الارض طيلة النهار ليكسب قوت يومه الذي يكفي لجلب ما يسد جوع ما قبل النوم .و يعشق فتاة بالكاد يلتفت نظرها اليه.

 

اخذ ناغار القربه و خرج مسرعا باتجاه فرع من فروع دجلة المطلة على مدينة اشور, و جلس يترقب مجيء عشتروت لتملئ الماء ككل يوم, عشتروت فتاة جميلة جدا .. كل رجال المدينة يتمنون ولو محادثتها قليلا, طول فارع و شعر اسود داكن يصل الى منتصف ظهرها , عينان خضروان واسعتان تسحر كل من ينظر اليهما و بشرة حنطيه ذهبية..كما انها ابنة احد مستشاري الحكومة و له شأن عظيم في الدوله.

 

جلس كالعادة على التلة المقابلة للنهر و اخذ يراقب خطواتها و هي تمر من امامه و كالعادة لا تلتفت اليه!

 

و كيف لها ان تنظر الى من هم في مثل حالي , لا يكفني الفقر و الحظ التعس لا بل يبدو انني في طريقي الى الجنون "كان يحدث نفسه و هو ينظر الى قربة الماء التي بين يديه"

 

قطع خلوته مع نفسه صوت ناعم و دافئ : من اين لك بهذه و اخذت القربة من يده و هو متسمر في مكانه ينظر اليها بتعجب و اندهاش كانت تقف عشتار امامه و تخاطبه !! و هي تتفقد القربه ..

 اعادتها له : لا ليست نفسها استطيع الاحساس بذلك !

 

 بالكاد استطاع ناغار ان ينطق : عمَّ تتحدثين؟

 

هذه القربة... تبدو تماما كالتي اعتطني اياها جدتي و انا طفلة و فقدتها منذ سنين عدة و لم استطع ايجادها .. لقد كانت عزيزة جدا على قلبي فهي من جدتي الميتة .. هذه تبدو كذلك الا انها ليست نفسها... و ادارت ظهرها مغادرة.

 

فقال لها ناغار على الفور و بكل بلاهة : انا احبك و اريد الزواج منك.

 

التفتت اليه عشتار بخجل و قالت : ارجوك لا تفعل.. لا يمكنك الزواج بفتاة من عالم اخر غير عالمك , لن يحدث هذا ابدا !!! و همّت بالمغادرة متبسمة.

 

احس بقشعريرة في جسده و قال دون تردد : هل استطيع حمل الماء عنك و ايصاله الى المنزل ؟؟

 

ابتسمت عشتار و اومئت اليه بالقبول . حمل الماء و اخذ يمشي معها و هم يتبادلا بعض الحديث عن اخبار المدينة و تعبه في العمل في مزرعة سمولاايل و مللها من الوحدة في القصر حتى وصلا الى منزلها الكبير و وضع فخار الماء على عتبة المنزل و ادار ظهره مغادرا و قبل ان يخطوا خطوته الاولى قالت عشروت بصوت منخفض و هي تحمل الماء : ناغار! لقد رأيتك منذ زمن تراقبني كل يوم و انا امر بقرب النهر, هذا يعني انني سأراك غدا اوليس كذلك؟ و اسرعت بالدخول الى المنزل قبل ان ينطق بحرف.

 

 غادر ناغار بسعاده و هو ينظر الى القربة التي جعلته يتحدث مع من يحب بلا امل في مستقبل معها لا بل يستميل قلبها طلبا برؤيته مرة اخرى.

 

   ذهب ناغار مسرعا باتجاه المزرعة فقد تأخر على عمله,و هو في الطريق سمع صوت استغاثة امرأة, فوجد عدد من الرجال يتحرشون في امرأة مارة في هذه الطريق التي قلما يمرها الناس فقد كانت المزرعة على اطراف المدينه, همَّ بدون اي تردد للدفاع عن هذه السيده, مع انه لم يكن يوما من هذا النوع من الرجال ابدا,ما ان دخل في العراك حتى ضربه الرجال الاربعه ضربا مبرحا.

 

 

استفاق ناغار و هو ممدد على بطنه, احس بجلده يلامس حرارة رمل تكاد تكوي معدته,رفع راسه الممرغ في الرمال و يحجب بيده اشعة الشمس الحارقه ! يا الهي ! انها الصحراء!! بالكاد وقف على قدميه و بدأ يترنح و يمشي في صحراء واسعة جدا !! يمشي دون ان يعلم اين المسير و في اي اتجاه فكل ما يراه امامه ما هو الا صحراء بكل قسوتها!

 

 لمح من بعيد حصان يمشي ببطأ ! احس بالامل فهذه اشارة على وجود قبيلة قريبة تعيش بجانب واحة او ما شابه, فاصبح يسير نحوه و يهرول بسرعة و هو يملؤ جسده و وجهه و شعره التراب, حتى وصل الى الحصان ليجد عليه شاب ملقى ببطنه على الحصان, فانزله من على ظهر الخيل فاصبح يحاول جاهدا السماع الى ما يقول هذا الشاب الذي تبدو بنيته الجسدية قوية و ملابسه الغريبه تنم على الثراء, سمعه بالكاد يقول بلهجة غريبه لكنه فهمها! ماء .. ماء .. ماء نظر الى الخيل المحمل بكثير من الاكياس القماشيه, هم اليها ناغار باحثا عن الماء, ففتحها جميعها و لم يجد الا الكثير من السبائك الذهبيه, عددها كبير جدا يشكل ثروة ضخمة !

 

ما نفع كل هذا المال الذي لا يساوي حتى شربة ماء في عطش صحراء كهذه.

 

لم يجد ناغار سوى ان يؤثر نفسه و يشربه من قربته بعض الماء الذي يبقيه حيا, لم يعلم ناغار لم فعل ذلك, فقد يكون لصا او قاطع طريق و ما ان يستفيق حتى يدق عنقه.

 

لم يلبث ان شرب بعض من الماء حتى بدأ بفتح اعينه و خطف القربة ليشربها كلها.

نظر اليه ناغار و علم بان هذا الكائن الاناني الذي ساعده قد  قضى على اخر امل له في الحياة في الصحراء بعد شرب الماء الذي كان يحاول الاقتصاد في الشرب منه الا عندما تدنو روحه من المنيه. 

 

بعد ان شرب الشاب الماء و استطاع استجماع قوته جلس ينظر ناغار و إرا الا بعضهما البعض لدقائق عدة دون ان يتلفظا ولو بحرف... كسر إرا حاجز الصمت : كان بامكانك قتلي و اخذ كل ذلك المال ... انت تعلم ذلك جيدا !! عوضا عن ذلك انقذت حياتي !

 

اوتظن حقا ان كل هذا المال من الممكن ان يفيدنا الان؟! نحن بحكم الأموات !!

 

إرا: و لم تقل هذا؟؟  ما هي الا مسيرة ربع نهار على الخيل و نصبح بقرب واحة من هنا, انا ابن هذه الصحراء و من محاربيها الاشاوس .. انا الامير إرا ابن حاكم و ملك الصحراء , كنت في مهمة خاصة مع الفرقة و ذهبت وحيدا في طريق اخرى و اضعتهم ليلاً و انا مخمور و لم اكن احمل الماء و يبدو ان الشمس قد قست على جسدي و اصابتني بالاغماء, اما انت ! فأنت مدين لي بحياة , فاطلب ما شأت.

 

احس ناغار بان قواه خرّت و ما هي الا لحظات و غاب في في السواد من شدة العطش و التعب.

 

الموت .. الموت .. الموت .. الاف من سكان المدينة في الساحة الرئيسية يهتفون و يشتمون و يرمون ما بايديهم على العربة التي تجر القفص الخشبي الذي بداخله ناغار المكبل من ايديه و ارجله وهو مشبع بآثار الضرب و الجروح.

 

 وصلت العربة الى منتصف الساحة التي يتجمهر بها الناس. اخرج رجل مفتول العضلات ناغار من داخل القفص و همس في اذنه و هو يجره من شعره "انها النهاية ايها اللعين" .

 

بالكاد استطاع ناغار بالنطق: الرحمة!

 

رد عليه الرجل: تقولها و كأنك تعلم حقا معنى هذه الكلمة !!

 

رفع ناغار على صليب خشبي وصت الساحة في ما كان يهتف الجميع من اجل موته, لم يخطر على بال ناغار اي تفسير مقنع لما يحدث! اشور كلها تعرفني ؟! و كلها تهتف لاجل موتي ! لا بد انني اقترفت ذنبا لا يغتفر..

 سمولاايل: احد حكام الاسرة الرابعة لبابلإرا : اله الوباء و الحرب السومري

 

 

ناغار !! استيقظ...

 

ما ان فتح عيناه حتى اصابته قشعريرة بجسده, انه نفس المكان الموحش الذي قابل به انكي و ليليث من قبل... كما يعلم تماما ان صوت ليليث هو من يحدثه...

 

ناغار : لم ان هنا من جديد؟ و ما الذي يحدث؟ هل انا احلم؟ و الاهم من هذا كله لم لست قادرا على تحريك ساكن ؟!!

 

ليليث : كل هذا لا يهم الان , اريد ان اعلِّمك الاهم, الطريق الاصح و الاسرع التي يجب ان تسلك لتحصل على مبتغاك من هذه الحياة !

 

ناغار : لكنني لم افهم شئ مما كان يحدث .. لا اعلم ما علي فعله.

 

اقترب ليليث من اذنه و قال بثبات و هو يكاد يحرك شفتيه : عزيزي ! انه المال ..

 

المال يشتري كل شيء على الارض, فالمال يشتري الراحة و الطعام و المسكن كما يشتري السلطة و يشتري الحب "الا تعتقد بانك لو ملكت المال و الجاه لما تزوجت من عشتروت البارحة قبل اليوم"؟؟!

 

نظر اليه ناغار و هو موافق على ما يقول و قال بنبرة خيبة امل : لكنني لا املك شيئا من هذا " انا لا شيء"

 

ليليث: بل على العكس ناغار!! انت تملك الكثير و لكنه ليس بجوزتك.

 

ادار ليليث ظهره لناغار و اسهب في الكلام : انت لم تأخذ حقك من هذه الدنيا ! انت من يتعب و يفلح ارض المستبد سورلاايل و هو يتاجر بالمحصول الذي اختلط طعم ترابه بعرقك و يجني المال الوفير , بينما يرمي اليك بالفتات, الا ترى بان هذه المعادلة ليست عادلة البتة؟ انت تتعب و لا تحصل على شيئ و هو يجلس في قصره العاجي يزداد ثرائا؟؟

 

ناغار : و لكنه يملك الارض !! و هذا يجعله صاحب الحق في محصولها و استأجرني للعمل بها و ما ياتيني منها الا كل خير يكفيني للبقاء على قيد الحياة.

 

استدار ليليث الغامض مرة اخرى و فتح فمه و امال برأسه : و من قال لك بانه صاحب الارض؟

 

ماذا تقصد؟

 

اقترب ليليث من ناغار اكثر و جلس على الارض بجانبه و قال و هو يخلع قلادة من عنقه تحمل شعار هرم اسود و يلبسها في عنق ناغار. لقد كانت هذه القلادة يوما ما لجدي الاكبر و ورثها من بعده جدي الذي كان رجلا بسيطا يقبل بانصاف الحلول , و لانه كذلك للاسف استبده الاقوياء حتى استولوا على هذه القلادة, و بقت معهم لزمن طويل لكن هذا لا يعني انها لهم , لقد خضت حربا ضروس لاستعادتها , و ها هي كما تراها الان , ملكي و انا اقرضك منافعها الان.

 

ناغار: و ما منافعها؟؟ هل من قلادة تنفع؟

 

ابتسم ليليث و هو يعيد القلادة الى عنقه و قال : على الاقل كانت مجدية بالنسبة لي, فلقد منحتني سلطة لا محدودة على الكثيرين.

 

سمع ناغار صوت خطوة من يمينه, انه اينكي يمشي بثبات يتبادل مع ليليث نظرات مريبه, و دون ان يحرك احدهم نظره عن الاخر, سال انكي : اين القربة يا ناغار؟

 

ناغار: ليست معي الان لكنني اخر مرة رايتها فيها كنت في الصحراء مع شاب يدعى إرا قبل ان اغيب عن الوعي.

 

حرك الاثنان راسهما باتجاه ناغار و قال انكي في ريبة فيما كان ليليث يضحك بصوت متعال : هل قلت الصحراء؟ و إرا ؟

 

ليليث بسخرية : عزيزي انكي الست انت من يبدأ كلامه التافه دائما بالحديث عن القدر؟! الم تقل يوما بان كل شيء مكتوب؟

 

انكي : نعم كل شيء حتما مكتوب و لكن ...

 

قاطعه ليليث و قال ايضا بسخرية : لا لا اياك عزيزي انكي ! اياك و الكفر .. ان الامر مقضي.

 

انكي بحذر : نعم كل شيء مكتوب ايها الاحمق و لكنه ما زال يملك فرصة التغيير , كان نظر انكي مسلط بطريقة مخيفة على القلادة التي برقبة ليليث.

 

نظر ناغار الى اعلى السقف, لكنه لم يرى هذه المرة العقاب بشكل واضح, بل كان يبدو كطائر الفينيق اكثر.

 

كل شيء مكتوب .. كل شيء مكتوب .. كل شيء مكتوب.. كانت تتردد هذه العبارة في ذهن ناغار و هو يستيقظ من نومه, لكنه الان على فراش كبير و مريح جدا, سرير بملائة ناعمة و مطلية بالذهب,هم ناغار بالنهوض بسرعه, نظر الى ما يرتدي فهو يلبس رداء حريريا مليء بالنقوش الساحرة, نظر الى مرآة موضوعه في احد زوايا الحجرة الواسعة جدا فوقف امامها و جلس يتأمل مظهره و يحدث نفسه " انني ابدو اكبر ببضع سنوات و كذلك املك المال الوفير, ثم القى بنظرة على النافذة المحاذية للمراة و التي تحظى باطلالة ساحرة على دجلة و كما يبدو قصرا كبيرا تحيط اسواره اشجار النخيل الشاهقة. " يبدو انني لست املك المال الوفير فقط! بل الكثير و الكثير منه "

 

احدهم يدخل الحجرة : مولاي ! لقد اعددت لك الفطور الذي تحب. و سوف امر الفتيات بتحضير غرفة الاستحمام ريثما تنهي تناول وجبة الفطور.

 

يا رباه ! انها خادمة ! لا بل املك الكثير منهم ! هل نادتني بمولاي!!!!!

 

ما بال مولاي؟! هل هناك ما يزعجك ؟

 

اجابها بتردد : لا .. انني بخير , انا قادم .

 

ما ان خرج من الحجرة حتى سمع صوت امراة تبكي بكتمان من احد الغرف التي في الردهة الرئيسية للطابق العلوي.

 

دخل الغرفة فوجد عشتروت تبكي و هي تضع يدها على وجهها. عشتروت!! ما بالك تبكين ؟؟

 

ارتعدت عشتروت خوفا عندما رأته : مولاي!! و كانت تمسح دموعها من على وجهها.

 

ما بالك ؟ اهدأي!! لست سوى ناغار.

 

نظرت اليه بطريقة مريبة: ناغار؟ او ما زلت تذكر اسمك يا مولاي ؟ ايها الملك الجبار المفدى؟!!

 

تلكأ ناغار و قال : هل قلت ملك للتو؟!

 

ابتسمت بطريقة بائسة: و انا زوجتك الملكة! اتصدق هذا؟ يبدوا ان كثرة الشراب اعادتك عشرة سنوات الى الوراء ! هيا ان الفطور بانتظارك.

 

لكن.. الن تتناولي الفطور معي؟

 

نظرت اليه باستغراب و اومئت بعدم القبول برأسها و غادرت الحجرة.

 

ناغار : عشتروت انا احبك.

 

توقفت عشتروت عن المشي و اجابته من اخر الردهة: اعلم هذا ! و انا احب ناغار كثيرا.

 

اقترب منها ناغار و حضنها بشدة.

 

لا بد انك مجنون "قالت عشتروت و هي بالكاد تحتمل"

 

نعم انني مجنون في حبك.

 

نزل ناغار على الدرجات المؤديه الى الاسفل و هو يقول لعشتار : سأكون بانتظارك على المائدة.

 

لم يصدق ناغار هول ما راه, كل ما تشتهيه العين من طعام, بعض انواع الطعام كان يحلم بها ليلا فقط, و معها زجاجة نبيذ فاخرة كان على استعداد لدفع عمره ثمن رشفة واحدة منها.

 بدأ بتناول الطعام بشهية عجيبة و فتح زجاجة النبيذ و بدأ بالشرب منها بشكل جنوني و ما ان افرغ من الطعام و الشراب حتى احس بدوار شديد من شدة السكر مما القى به على الطاولة مغشي عليه.

 

  

 

رفع ناغار راسه من ماء عذب شديد البروده قد اعتاد عليه منذ سنوات, انه ماء نهر دجلة فيما يبدو انه كان يغسل وجهه الذي راى صورة انعكاسه في الماء و صعق من عدد الكدمات و الازرقاق الشديد فيه.

 

  سمع صوت عشتار قادم من خلفه  يرتعد خوفا. هيا لا تملك الكثير من الوقت!! ما هي الا دقائق و يلحقوا بك .. اجاب ناغار و هو يبدو عليه الارتباك الشديد: لكن ! الى اين ؟ و من يلحق بي

 

 عشتار : ارجوك ناغار خذ حصاني و اهرب الى ابعد مكان تستطيع الذهاب اليه .. اذهب غربا ... الا ارض كنعان او يبوس و فينيق.. ابتعد قدر ما استطعت.

 

 حضنته بشده و هي تبكي .. انني احبك .. احبك جدا .. لكنك اذا ما بقيت سوف تُعدم , عليك بالهرب الان. لقد ساعدك ابي بالهرب فقط مرضاة لي ! و لن يكتشف اي احد ذلك ! و انا الى الان مصدومة مما حدث و لا اعلم لما اقدمت على هذه الفعلة ... يبدو انه القدر الذي اراد لنا ان نفترق بهذه الطريقة.

 

كانت عشتار تتحدث و يكاد ناغار يسمع حديثها و هو يحضنها و يبتسم, فقد قالت اذهب غربا! و اذا ما اراد ان يصل الغرب في اسرع وقت فعليه ان يسلك طريق الصحراء.التي لن يلحقه احد اليها, هذا ما كان يدور في باله على الاقل.

كانت تبكي, فمسح دموعها بيده و قبلها قبلة شاعرية و حميمة و قال: اعدك , سأعود و ستكونين زوجتي. انه القدر!

 

عشتار: اذهب ناغار! كنت احب مزحة الملك تلك, لكنها لا تبدو مناسبة الان في مثل هذا الموقف.

 

ابتعد خطوة عنها و نظر اليها بتعجب "فمن اين لها ان تعلم بما يدور في خلده عن ملك اشور"

 

امتطى الحصان و بدأ في الذهاب مسرعا  بموازاة دجلة حتى يصل الى احد الاماكن الغير عميقه ليستطيع عبور النهر باتجاه الصحراء, وبعد مسير قرابة الساعة وصل الى احد فروع دجلة التي يعرفه جيدا فقد كان ينتظر مرور عشتار في هذا المكان كل يوم فقط ليرى حب حياته دون اي امل, لكنه يمر به اليوم هاربا و هو يعلم في قرارة نفسه انه سيعود الى هنا ملكا و زوجا لعشتار.

 هذا ما كان يفكر به الملك ناغار في لحظة فراره الى الصحراء ليذهب للغرب كما قالت له عشتار و هو ما زال لا يعلم ما الذي فعله ليهرب. انه فقط يهرب الى الصحراء املا في ان يجد إرا و ينقذه مرة اخرى فهو بحاجته الان اكثر من اي وقت.

 

صعق ناغار من هول ما رآه امامه .. انها عشتار ! كيف اصبحت هنا و قد تركها منذ ما يقارب الساعة !!في مكان بعيد جدا

 

اقتربت منه و هي تقفز مرحا ازداد عليه الدلع, ترجل ناغار من الحصان.

 

عشتار : انه جيد اليس كذلك؟ قالت و هي تربت بيدها على ظهر الحصان, قلت لك بان ابي يعلم جيدا كيف بربي الجياد. الن تربي الجياد عندما تصبح ملكا؟ "قالت ذلك و هي تضحك و باستهزاء"

 

ابتسم ناغار لانه علم الان عن مزحة الملك التي قالت عنها منذ قليل و من اين علمت بذلك...

 

نعم يا حبيبتي سوف اشتري لك افضل الجياد و سنجمعها في اسطبل قصرنا العظيم.

 

اصبحت تضحك اكثر.

 

 

تعالت صوت الضحكات في راس ناغار و هو يفتح عيناه في مكان يبدو له مألوف جدا.

 

إنليل: يضحك بصوت عال, ملك ها ؟ مسك بشعره فنظر اليه ناغار من اسفل, انه الرجل الضخم ذو الشعر الاجعد الذي  ضربني في نفس هذا السجن من قبل ! و الذي اخرجني من القفص الخشبي و وضعني على الصليب الخشبي!

 

إنليل : على السذج امثالك ان يعلموا جيدا بان هذه البلاد لها سيادة و قوة ! و لا تسمح ابدا بتافه مثلك بان يزعع استقرارها و امنها بنشر اشاعة بين الناس بانه سيصبح ملكا يوما ما !!

 

ما ان يكلمك اي شخص في المدينه و تهدده بمستقبلك عندما تمسي ملكا ! اعلم ان الجميع سخر منك و جعلت من نفسك اضحوكة في المدينة لكن هذا لا يمنع بأن تأخذ عقابك على هذا الهراء. فلم يجرأ احد على ان يأتي بمثل هذا من قبل!

 

و بدأ بضربه بشكل مبرح من جديد حتى غاب عن الوعي!

 

استفاق ناغار على صوت إنليل الهائج و المستشيط غضبا, كان ناغار هذه المرة مكبل بسلاسل من حديد تتدلى من السقف و تنتهي برسغيه.

 

إنليل : ماذا فعلت بحق الالهة ايها الحقير! لقد كذبت الكذبة و قادك جنونك لاقتراف هذه الفعلة الشنيعة؟!!

 

كان ناغار يسائل نفسه مرتبكا.. و ماذا فعلت ؟!؟! انا غائب عن الوعي ههنا منذ زمن.

 

إنليل : قادك جنونك و هوسك الى قتل من مد يد العون اليك ! من كان عملك في مزرعته يضمن لك قوت يومك.. اهذا هو جزاء من اعطف عليك و حاول ان يساعدك في هذه الحياة الصعبة؟!

 

علم ناغار للتو انه قتل سورلاايل صاحب المزرعة لكنه اجابه دون تردد: سورلاايل لم يعطف علي .. و لم يعطني شيئا من ماله الخاص , لقد سرق ما املك و جعلني اعمل مقابل اعطائي القليل مما هو ملكي في الاصل..

 

جن جنون إنليل : انا اعلم كيف اتعامل مع المجانين امثالك, سوف تُعدم ايها الاحمق! لكن قبل ان تموت سوف اضمن لك في هذه الفترة اكبر قدر ممكن من العذاب. و اخرج من عبائته سوطا ضخما و بدأ بجلد ظهر ناغار بعنف مفرط.

 

اقترب إنليل من اذنه و قال : فلترجو من الالهة بأن لا اقتلك قبل الاعدام على الملئ!

 

اجابه ناغار التي خرت قواه و هو يتصبب عرقا و يتألم جدا :و انا بدوري اضمن لك بانني عندما اصبح ملكا سوف تدعو الالهة كل يوم لكي تموت و ترتاح من العذاب, ثم غاب ناغار عن الوعي من شدة الالم.

 

 

استفاق ناغار في داخل خيمة كبيرة تدخلها اشعة شمس الصحراء الحارقة من عدة اماكن, نظر الى إرا الذي كان في داخل الخيمة.

 

ناغار: لقد قلت بانك على استعداد بان ترد لي جميل انقاذي لك باي طريقة اليس كذلك؟ . و كان صوته يملؤه التعب.

إيرا : نعم بالطبع اي شيء.

 

ناغار : اريدك ان تساعدني في الحصول على ملك اشور.

 

ابتسم إيرا, عزيزي ناغار انك حقا شخص مثير للاهتمام بثقتك في نفسك و معرفتك لما تريد لكنك غريب الاطوار في نفس الوقت.

 

اقترب منه إيرا : لقد قلت لي هذا منذ اكثر من شهر, و منذ ذلك و نحن نجهز في الجيش للمسير الى اشور و منحك الملك, على العموم كنت اود ان اقول لك باننا سنبدأ المسير غدا, طريقنا طويل و متعب و علينا المسير ببطأ كي لا ينهك الجيش قبل الوصول, انهم اقسى جنود على الارض لكن في الحرب عليك دائما الا تستهتر بالخصم و ان تستعد له بكامل القوة حتى لو كنت متأكد بأنك ستسحقه بسهولة.

 

إيرا: الا يبدو لك هذا الكلام مؤلوف؟

 

اجابه ناغاربحيرة :لا, لكن..  لماذا؟

 

إيرا : حقا امرك عجيب ! لقد قلت لك هذا الكلام البارحة بالضبط ! في الحقيقة سنتحرك اليوم ! بدأت تخيفني يا ابن الرافدين, يبدو ان روح الصحراء تؤثر عليك. "قالها بسخريه"

 

 

إنليل : ألهة الرياح و العذاب عند السومريين.

 

 

ناغار !! ناغار !! فتح ناغار عيناه فيما كان يبدو مكانً ظبابي يكاد يرى به قدماه و لكنه لا يستطيع الحراك و كما انه لا يستطيع سماع صوت المتحدث اليه بوضوح لكنه يتكلم كثيراً و بسرعة. فجأة رأى وجه الشيخ انكي الذي كان لا يبعد عن

 

 

 وجهه سوى بضعة سنتيميترات و سمعه بوضوح يقول : القربة يا ناغار ! القربة هي فرصتك الاخيرة !

 

اشتم ناغار رائحة الصحراء مرة اخرى . 

 

ايرا : لقد نمت نوم عميق, ما زلنا في الثلث الاول من الطريق.

  

ناغار : لم اصدق يوما بان هناك احدٌ يَأْمن النوم في الصحراء لساعات دون خوف من قطاع طرق او ..

 

 

قاطع ايرا حديثه : ناغار ! نحن اسياد هذه الصحراء فكيف لنا ان نخاف من شيء .. !

 

ثم اسهب : اترا تلك التلة التي على يمينك ؟

 في الخلف يقطنها قبيلة رجالها كانوا اشداء . عنيدون . لا يقبلوا بأنصاف الحلول, في الحقيقة, لقد كانوا جُهّل,يقتلهم العطش و الجوع, إن توغلت في عقل احدهم لن تجد بداخله شيءٌ يستحق لاجله ان يسمى كائن حي ! كانوا شبه اسياد لهذه المناطق.

 

 الا ان اتى يوم و اكتشف احد مفكرينا بان قبيلتهم تعوم على بحر من الابار الارتوازية التي قد تروي عطش الارض كلها الا مالا نهاية.

 

 كانت فكرة مهاجمتهم و احتلال قبيلتهم شبه انتحار. فبكلمة من سيدهم ستجتمع قبائل الصحراء و الجوار و تفتك بجيشنا. استطعنا اقناع سيد القبيلة باننا نستطيع استخراج هذا الماء لاجلهم و ان نقدم لهم الحماية لهذه الابار و القبيلة كذلك على ان يسمح لنا بالشرب من الماء و الحصول على صداقتهم.

 

 كنا مَكروهون جدا منهم انذاك, بعضهم رفض الفكرة بشدة لكن ما ان اصبح الماء الوفير يغدق بهم بحياة مريحة و ثراء فاحش من ريع بيع الماء للقبائل الاخرى حتى اصبحوا كالخاتم في الاصبع.

 

 لم اكن اعلم ان المال يستطيع شراء كل شيء.. حتى انهم ابقوا على جهلهم. لان عالِمنا في الحقيقية لم يكتشف الابار فحسب لكنه اكتشف الذهب الذي تحويه الابار..

 

فاصبحنا نشرب الذهب و هم يشربون الماء.و ان كنت تملك حليفا غبيا ذو نفوذ و ثري في ان واحد .. فاعلم انك محظوظ جدا.

 

حتى اللحظة و انا افكر ! عندما قبلوا بعرض الحماية ذاك, ممذا ارادوا الحماية بالضبط؟! اوتعلم ما كان اسمنا في الصحراء انذاك ؟؟!

 

ناغار: ماذا؟

 

ايرا : قطاع طرق ! و المثير للسخرية اننا ما زلنا كذلك لكن الفرق انه لم يعد احد يطلق علينا هذه التسمية !

 

ناغار : ماذا عن القبائل الاخرى ؟!

 

ايرا : كل القبائل التي كانت تحت نفوذ قبيلة الابار اصبحت تحت نفوذنا بشكل غير مباشر , فوضعنا فيها عدد من رجال جيشنا يخبرونا بكل كبيرة و صغيرة و ان حدث امر قد يهدد مصالحنا نتدخل سريعا.

 

 و القبائل التي كانت خارج نفوذهم كانت اصلا ضعيفة و مفككة . الا ان اهلها ليسوا باغبياء ابدا ! لذلك لم تنطلي عليهم اي حيلة ! فلجأنا الى احتلالهم و قتل اي امل لهم في النهوض و جعلنا بينهم الكراهية و الضغينة , و هنا لا اتكلم عن القبائل و لكن اتكلم عن ابناء القبيلة الواحدة , فاصبحت مشاكلهم الداخلية لا تنتهي ابدا كما اننا استطعنا كسب ود اسيادهم ببعض الماء من الابار ظنا منهم بانه قد يسكت سكان القبيلة الذين عاثوا في قبائلهم خرابا و كله بمكيدة من اسيادهم المسيرون منا.

 

 و بذلك احكمنا قبضتنا على كل الصحراء و الجوار . صحيحٌ اننا قد لا نزال مَكروهون هنا. و لكننا اسياد الجميع و بكلمة منا نحرق الاخضر و اليابس. هم لا يعترفون بتلك الحقيقة . لكنها بالنهاية "حقيقة" .

 

 

لقد اخذنا الحديث .. اصبحنا الان في منتصف الطريق ! هنا في هذه المناطق انقذت حياتي .. و ها نحن في طريقنا لنجعل منك ملك لاشور.

 

 ابتسم ناغار و رفع رأسه ينظر السماء.

 

 

 

ما ان اخفض ناغار راسه حتى وجد نفسه في القصر مرة اخرى و حوله حاشية كبيرة و البعض يهلل باسمه داخل القصر.

 

يحيى الملك ناغار ! يحيى الملك ناغار!

 

 اقترب منه ايرا و قال بصوت منخفض : ها قد وفيت بوعدي لك ! فانت الان الملك .

 

و زوجتك هي الفتاة الاتي اردت "نظر الى عشتار التي كانت واقفة بين الحاشية و تملأ عيناها نظرات رعب غريبة" اخذ ناغار يمشي باتجاه عشتار في بهو القصر المليء بالجنود و متملقيه من الشعب. 

 

قال ايرا بينما كان ناغار يمشي: سيدي الملك . لقد قبضنا على المدعو انليل و هو الان يقبع في احد السجون التي لا تدخلها الشمس . كما يتلقى عذاباً شديداً طيلة الوقت كما امرسموكم .

 

ناغار : نعم ايرا . اريده حي ! اياك و ان يموت. اريده ان يتعذب قدر الامكان.

 

اقترب من عشتار فناحت عنه وجهها.

 

 فقال : الم اقل لك بانني سأكون ملك البلاد و بانك الملكة.

 

 فنظرت اليه و الدموع تملئ وجهها . نعمُ الملك و نعمُ الملكةِ التي تجلس على عرشٍ من دماء و عظام اهلها.

نظر اليها باستغراب : عمّ تتحدثين؟ ابتعد عنها و هو يمشي في بهو القصر : ظننت انك ستكونين الاسعد هنا!

 

لاحظ ناغار من النافذة و هو يتحدث بان هناك حريق يشتعل يالمدينة. فاقترب اكثر من النافذه فراى مشهد رهيب للمدينة من بعيد. اشجار محترقة و منازل استوت على الارض.

 

ابتعد ناغار عن النافذة بخطوة ثم هم بالخروج من القصر مسرعا و خلفه عشرات الحراس و المتملقين الذين يهتفون باسمه. امتطى اقرب حصان و اخذ يجول شوارع و ساحات اشور المليئة بجثث الرجال و النساء و الاطفال في كل مكان. و الحرائق و الدمار اصاب كل شيء! نظر الى جثة احدهم ملقاة في منتصف الطريق و قد اصابها التنكيل. فعلم انها جثة مستشار الملك "والد عشتار" اصبح كل شيء الان يتضح لناغار .

 

 دموع عشتار في بهو القصر منذ قليل , و نظراتها المرتعدة في القصر بعد عدة سنوات من الان ! قاطع افكار ناغار صوت انكي مذكرا اياه في القربة . 

 

ما ان ادار ناغار ظهره مرة اخرى حتى وجد نفسه في الصحراء يقف الى جانب جيش ايرا مرة اخرى.

 

ايرا : ناغار ! ناغار!نظر اليه ناغار و كان ما زال مشهد اشور المحترقة يسيطر على مخيلته.

 

ايرا : ماذا دهاك يا رجل ؟ احس ناغار ببرودة فظيعة بجسده و اخذ يتصبب عرقا. من شدة الارتباك كان يتلعثم و يرتجف و هو يسأل ايرا : لقد ذكرت بانني هنا بالضبط وجدتك و انقذتك ؟

 

 ايرا : نعم كان هذا من عدة ساعات لكننا ما زلنا قريبين من تلك المنطقة و كنت سعيداً مبتسما حينذاك . و الان انت تبدو تماما و كأنك رأيت شبح.

ادار ناغار حصانه و اصبح يسير به مسرعا الى الخلف املا في ايجاد شيء كان قد تركه خلفه في هذه الصحراء يوما ما.صاح ايرا في الجيش : الجميع خلفه ! اريده حيا !

 

 

كان ما زال ناغار يبتعد عن جيش ايرا في الصحراء باتجاه قربته او مخرجه من المستقبل ان صح التعبير... كان يحس بخطوات خيل الجيش تتبعه من الخلف و يشتم رائحة رمال الصحراء الهائجة من تحت حذوات الخيول حتى  تعثر خيله ليسقط و اياه في حفرة عميقة بعض الشيء تبدو و كانها من صنع صانع.

 

 

اختصار الوقت.. لطالما اردت لك اختصار الوقت .. هذه كلمات ليليث التي سمعها ناغار و هو ممدد على ظهره في قاع الحفرة. 

 

 

هم ناغار في القيام قائلا: لا اريد التحدث معك, اين الشيخ اينكي ؟

 

 ليليث: لا اينكي بعد الان . لديك ليليث فقط "قالها بصوت هادئ" لقد اخترتني منذ البداية. لا يمكنك العودة الى اينكي الان. مستقبلك كُتب معي انا و عليك بالتالي التعامل معي انا.

 

 لقد قطعت نصف الطريق الى مرادك و انا اعلم تماماً لم انت هنا الان.

 

لاجل هذه اليس كذلك؟

 

 نظر ناغار الى القربة التي اخرجها ليليث من عبائته باتجاه ناغار.

 

لا تخف! يمكنك اخذها لكن عليك ان تاتي معي اولا, اريد ان اريك شيئا هام للغاية.

 

 

تردد ناغار قبل ان يسد ليليث الطريق امامه مرة اخرى بكلمات جادة و حادة: ليس لديك خيار ! اما ان تاخذ قربتك و تخرج الى جيش ايرا الذي في انتظارك في الصحراء فإما يجدوك او يقتلك العطش و ثعالب الصحراء او تاتي معي الى داخل ممرات الحفرة و انا منجيك الوحيد هنا. هيا ليس لدينا الكثير من الوقت. 

 

 

 

قام ناغار يتبع ليليث الذي اومأ بيديه فبدا نور خافت في ممرات الحفرة الطويلة جدا.

 

ما ان مشيا حتى سمع ناغار صوت عزف ناي مبهر جدا قادم من اخر الممرات فقال: ما هذا الصوت؟؟

 

 ليليث: ستعلم في النهاية "قالها دون حتى ان ينظر اليه و هو يتابع المسير متقدما على ناغار قليلا في ممر ضيّق الجدران" 

 

 

اخذ ليليث يمسح بيده اليسرى على الجدار الايسر و هو يمشي الهوينة و ناغار يتبعه ليرى صورا تبدو جلية واضحة على الجدار . رجل امامه الاف راكعون يلبسون ملابسا غريبة و هو يقول باعلى صوته : انا ربكم الاعلى

 

 فقال ليليث متبسما: لقد كنت هناك !

 

 

و مشى مرة اخرى و هو لازال يمسح على الجدار و صور اخرى تخرج لرجل في ملابس فاخرة جدا و يرتدي الحلي و هو يجلد احدهم على رمال الصحراء و هو يكرر : اعلو هُبل ! اعلو هُبل!

 لقد كنت هناك ايضا "كرر ليليث المقولة مرة اخرى" 

 

و صور اخرى تخرج من الجدار لرجال يركبون الات سريعة يفتكون بها الارض و اخرى لرجال يبنون اهرام عتيدة و صور اخرى كثيرة لم يفهمها ناغار و كان ليليث يكرر الجملة ذاتها : كنت هنا و هنا ايضا و هناك كذلك . حتى مسح مع الاقتراب من نهاية الممر و كان صوت الناي يعلو اكثر.

 

 

مسح ليليث مرة اخرى على الجدار و هو يستدير ليصبح وجها لوجه مع ناغار و هو يؤشر باصبعه على الصورة الخارجة من الجدار قائلا : و هنا انا كنت ايضا . 

 

 

ظهرت الصورة على الجدار و كانت صورة انكي يقول ارجوك: بني .. عليك ان تجد القربة ! انها فرصتك الاخيرة 

 

 

نظر اليه ناغار متعجبا و قد اتسعت عيناه و تجمد مكانه ! قال : لا !

 

 لا يمكن ان تكون هنا .

 

 

بلا بني ! قال اينكي و ناغار يستدير اليه من الخلف .

 

 

انا كنت هناك ايضا ! كنت في كل مكان 

 

تحدث ليليث : الوقت بالنسبة لنا كالماء في وعاء مغلق .

 

نراه الاف المرات بل ملايين المرات . لطالما رايتك بسيطا يهنئ الحياة الفقيرة ..

عشت و مت الف مرة كذلك . ما المانع ان تحيا مرة ملكا !؟ 

 

ادار ناغار وجهه نحو اينكي ليراه يتحول اليه .. انه ناغار نفسه فنظر برهبة نحو ليليث ليراه ايضا يتحول الى ناغار اخر.

 

 

قال اينكي في هيئة ناغار: كلانا يعلم انك ما اردت القربة ! و لا عدت هنا حتى تُنهي ما يحدث او ما سوف يحدث.

 

 قال ليليث في هيئة ناغار: عدت و في نصب عينيك مُلك اشور فقط.

 

 

اينكي "ناغار" : لكنك عدت طمعا في مستقبل افضل و مُلك اهنئ.

 

 

ليليث "ناغار" : لا يهم الدم و الخراب .. لا يهم من يقتل و لا حتى عشتار تهمك !

 

 

اينكي "ناغار" : اردتها ان تحبك كالسابق, لكي تكون اسعد لا اكثر.

 

ليليث "ناغار" : لا تخف ! هي مثلك تماما ! عندما قتلت ابيها اختارت اينكي و راتك وحشا لا تستحق الحب.

 

اينكي "ناغار" : لكنك ان عدت هناك مرة اخرى و اخذت المُلك و جعلت من ابيها وزيرا لك ستختار ليليث حتما و سترى فيك بطلا يستحق الحب و التقدير.

 

 

نظر ناغار باتجاه الناي الذي صمت صوته فجأة و كان موضوع على عتبة مخرج الحفرة الذي تدخل منه الشمس و صمت معه مشهد اينكي و ليليث الذان لم يعد لهما وجود .

 

 

 

 

 

 

 حمل ناغار الناي و خرج بخطوات بطيئة نحو وسط الصحراء . اخذ يتفحص الناي الذي نقش عليه جملة واحدة

 

 

"يمكنك احيانا الكذب على الناس و حتى على نفسك , لكن لا يمكنك ابدا الكذب على ما بداخلك" 

 

 

رفع ناغار رأسه باتجاه السماء غير ابه بصوت جيش ايرا الذي اصبح حوله من كل الجهات حتى قطع صوت ايرا خلوته مع السماء قائلا : اين ذهبت ؟؟ هل جننت يا رجل ؟ 

 

 

اخفض ناغار راسه و نظر الى ايرا متبسما بثبات و قال : بل اصبحت عاقلا ! انا اعلم تماما ما اريد الان ... 

 

 

 

النهاية

 

 

 

حسين خويرة


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق