]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاسترقاق في القرن الواحد و العشرين

بواسطة: حسين خويرة  |  بتاريخ: 2014-03-10 ، الوقت: 03:04:24
  • تقييم المقالة:

الاسترقاق في القرن الواحد و العشرين.

 

الرق هو ذاك المصطلح اللاإنساني الذي يظن القارئ بانه باد و درُس الى غير رجعة. في الواقع هذا غير صحيح، فما ان نظرنا للامور بشكل مختلف و اكثر دقة و منهجية. سنجد بان الرق و الاستعباد لا زال له وجود ، حتى في ظل المدنية الحديثة، الا انه اتخذ لباساً آخر. لباساً اكثر رونقاً يتماشى مع جمال الظواهر الحضارية الحديثة.

 

اذا ما عدنا الى الخلف قليلاً و نقلب ثنايا هذا التاريخ الاسود سنرى بان ما من امة و شعب الا و تعامل بالرقيق سواء في الاستخدام الشخصي او التجارة. يعتقد ويل ديورانت؛ الفيلسوف و المؤرخ العظيم ان الرق ظهر الى الواجهة قبل التاريخ المدون عندما انتقل البشر من الاعتماد على الصيد الى الزراعة، و ما ظهرت الا لانتباه البشر على ان استعباد الاسرى في الحروب يُمثّل فائدة اكبر من مجرد قتله و تناول لحمه. فهو يمكنه ان يقوم بتلك الاعمال الشاقة التي لا يفضل الانسان الاول انهاك نفسه بها.

اذن فهي ظهرت بسبب الحروب و من ثم اصبحت الحروب تشن لاسترقاق الاخرين.

 

و مذ ذلك اصبح الرق نظاما عالميا لا يمكن التخلي عنه، فهو يمثل تماما الالة التي نستخدمها في يومنا هذا، لا تحتاج الا الى بعض الصيانة الدورية المتمثلة في الطعام و ما ان تتلف حتى يلقى بها الى اقرب مخزن خردة او الى العراء. فتاجر الجميع بالرق الذين كانوا اما اسرى حروب او غنائم لقطّاع الطرق او مجرمين خطيرين. العرب و الصين و الهند و الرومان و اليونان و حتى اوروبا في العصور الوسطى و امريكا اخيراً. جميعهم شيدوا الاسواق لبيع البشر العاملين و المتاجرة بحريتهم و اعطائها بكل بساطة للمشتري الاسخى. حتى انك ترى في كتابات بعض فلاسفة اليونان كأفلاطون، يتحدث بكل صراحة باحقية الناس بشراء العبيد و بان العبيد ليس لهم اي حقوق و لا يصلحون ليكونوا مواطنين في مدينته الفاضلة !

 

مع انتهاء الرق بشكل قانوني في منتصف القرن التاسع عشر و توافر الصناعات الثقيلة التي انهت الحاجة الى استعباد البشر اصبح يظن الجميع بان الناس جميعاً احرار، للاسف ان هذا غير صحيح. فالمُستعبد الحديث ابتكر اسس جديدة وضعها في اطار حضاري محكم لاستعباد البشر بشكل تلقائي. و تماما كما كان الجميع مقتنع بان الاستعباد نظام عالمي و امر طبيعي لا بد منه، فهم تماما يظنون ذلك الآن. لقد كان ابن العبد يولد عبداً و لازال كذلك.

ما الذي اختلف اذا و ما هي تلك الادوات المستخدمة في استرقاق البشر في هذا العصر الحديث؟

 

لقد وضعت تلك الدول العظمى طريقة لا بد من الاعتراف بانها عبقرية لاستعباد العالم و بكامل ارادته متمثلة في العولمة و ما يتخللها من ادوات كنظام الاقتصاد العالمي و الاعلام المرئي و المسموع و غيرها.

لقد اصبح كل البشر كالآلة تماما، يستيقظ مع رنة المنبه في كل صباح، و يتوجه الى دورة المياه لفرشاة الاسنان و المعجون و يذهب بسيارته الى العمل تماما في الساعة الثامنة. ليجلس امام شاشة الحاسوب للعمل لمدة ثمانية ساعات او اكثر و من ثم يذهب الى المنزل و ينام لانه لم يتبقى في اليوم الا القليل لفعله. و يدفع له بفتات ما يجنيه ارباب الاعمال من الشركات متعددة الجنسيات ليسدد به فواتيره اليومية و ليجني قوت يومه الذي يبقيه على قيد الحياة. لم يعد احد يأكل مما يزرع لان الزراعة هي حكر على الشركات المتعددة الجنسيات و ما المزارعون الا عبيد عندهم، و ما عاد احد يرعى الحيوانات، فمراعي الحيوانات و تربيتها اصبحت حكرا كذلك للشركات، حتى ان الصيد اصبح يحتاج الى ترخيص. و اصبح الجميع شبه قانع بان البنوك هي الحل الامثل لكل شيء، فيضع الجميع فتات ما يجنون في حساباتهم البنكية و ما ان يقارب هذا الحساب على الانتهاء حتى يقفز الى محفظتك ذلك الصديق النذل، الذي يساعدك عندما تحتاج النقود و ما يلبث و ان يعود اليك في اقبح وجه و هو يحمل سياط الفائدة الذي سيجلد به ظهرك. هي تلك البطاقة الائتمانية و غيرها من القروض الشخصية، فاصبح الناس بكل بساطة يعملون كي يسددوا ديونهم لجابي البنك الذي استعبدهم ما ان وقّعوا على ذلك الطلب المشؤوم.

و اصبحت وسائل الاعلام بوقاً للنظام الرأسمالي، تعمل عمل المخدر لهذه الشعوب المستعبدة باغراق شاشات التلفزة و الراديو بوجبة متواصلة و دسمة من مواد التسلية. حتى اصبح الذي كان يسميهم اجدادنا بالمهرجين هم اصحاب اعلى دخول في العالم.

لم يتغير اي شيء من واقع الاستعباد القديم الا بعض الحضارة الزائفة، فما تغير الا ان اصبح العبد يلبس البدلة و الكرافاتة و يقتني انواع العطور الزائفة. ينتظر حتى آخر الشهر لكي يأخذ راتبه و ينقله مجرد نقل من حسابه الجاري الى حساب بطاقة الائتمان و قرض السيارة و المنزل. و يذهب كل ليلة الى بيته لكي يتعاطى جرعة من المخدر الاعلامي حتى ينام بهناء بعد ان يصلي لاجل غد افضل.


1- تاريخ الحضارة. ويل ديورانت . المجلد الاول 

2- المدينة الفاضلة - افلاطون 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق