]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

درسٌ في التاريخ

بواسطة: حسين خويرة  |  بتاريخ: 2014-03-09 ، الوقت: 06:44:13
  • تقييم المقالة:


قال جورج هيجل - الفيلسوف الالماني الشهير - : نتعلم من التاريخ ان احداً لم يتعلّم من التاريخ.. 
لقد عمدت ان استهل النص بهذا الاقتباس اعتقاداً بصحة هذه المقولة من جهة و متمنياً لتفادي تبعاتها في المستقبل القريب من جهة اخرى.

ان تاريخ الحروب الدينية ليس بتاريخ هين على القارئ و الباحث، و لا يمكن اختصاره بمقال او حتى مجلد، فهو حافل بالاحداث التاريخية الدموية و اللاانسانية بشكل متفرّد على مر العصور، لكن ما هي حقيقة هذه الحروب و ما هو اصل جدواها؟


لقد عانت اوروبا من ويلات الحروب الدينية الداخلية خلال القرنين السادس و السابع عشر ما لم يعانه احد على مر العصور، و هي حروب امتدت على مدار 131 سنة متعاقبة، كان اكثرها قسوة ما عرف باسم حرب الثلاثون عام، ذهب ضحية هذه الحروب حسب المؤرخين ما يقدر بحوالي ثلثي سكان اوروبا. جميعهم ذبحوا و نكّل بهم بإسم الرب و الدين. امتدت هذه الحروب على رقعة واسعة جدا من اوروبا الحالية و كانت كلها بسبب خلافات ظاهرها ديني بين البروتستانت و الكاثوليك ، الا ان اسبابها الخفية هي سياسية بحت. 
و كان من الطبيعي كردة فعل من سكان اوروبا بعد انتهاء هذه الحروب ان ينتقموا من سبب هذه الويلات،و يلقوا بجام غضبهم على مصدرها الظاهر. لقد بلورت كوارث هذه الحروب ابان عصر النهضة الاوروبية عدد من الظواهر اللا دينية ابتدأت بجماعة الا ادريون او الاجنوستيكس بالانجليزية و هم من يقولون بعدم علمهم على اساس منهجي علمي بوجود خالق ام لا و من ثم انتهت باتجاه جزء ليس بيسير من سكان اوروبا الى الالحاد و انكار الاله بشكل مطلق ، محتجين بانه لطالما كان سببا بشكل او بآخر بإراقة الدماء و ويلات الحروب. 
لا يخفى على احد بان شيئاً من هذا سبق و ان حدث في التاريخ الاسلامي فترة ما بعد وفاة الرسول محمد (صلعم) الا انه اقل حدة و معكوس الاتجاه ، بمعنى ان جميع الانقلابات و الفتن في التاريخ الاسلامي كانت تبدأ على خلاف سياسي و سرعان ما يجد المختلفين اساسا دينيا للاختلاف ليقوي كلاً منهم حجته على الاخر؛ و ما اسهل ذلك!
فعلى سبيل المثال؛ في الفتنة الكبرى بدأ الامر بخلاف سياسي بين الصحابة على الخلافة بين معاوية بن ابي سفيان و علي بين ابي طالب (كرم الله وجهه) ،لكن سرعان ما استطاع الطرفين ايجاد مخارج دينية لكل من الطرفين انتهت على مر زمن ليس ببعيد بمذاهب اسلامية و مسميات مختلفة كالشيعة و السنة - او الروافض و النواصب - ان شئت تسميتهم بذلك ، اخرون منهم يتلاقفون القاباً اخرى كأبناء المتعة و ابناء المسيار.


و كذلك الخوارج - الذين خرجوا على الامام علي رفضا منهم لقراره السياسي بقبول التحكيم مع معاوية- سرعان ما وجدوا عقيدة تخصهم انتهت الى عصرنا هذا باسم المذهب الاباضي المنتشر بعدد من اصقاع البلاد العربية.


و من ثم سلسلة انشقاقات المذهب الاسماعيلي ، اخواتها من النصيرية و الدروز. الذين رفضوا سياسياً بيعة الامام موسى الكاظم و اعتبروا اسماعيل هو الامام و انتهى بهم الامر الى تأليه حكامهم و امامهم الاسماعيلي.. 
كل هذه كانت امثلة سريعة و مقتضبة من التاريخ الاسلامي على استخدام الدين كقاعدة لتقوية موقف سياسي ما.
ما يثير الريبة بحق انه و بعد ان رست هذه الخلافات العقائدية في قواعد هذه المذاهب، اصبحت منطقتنا مرشحة و بقوة لحرب دينية واسعة شبيهة بتلك التي حدثت في اوروبا و من ثم تقود المجتمع العربي الى الالحاد الكامل ، غير اننا بدأنا نرى تفشي الالحاد في مجتمعاتنا حتى قبل الحرب المفترضة.


مما سيزيد من كارثية هذه الحرب و دمويتها هو الدعوات و التصريحات التي نسمعها بشكل متكرر من رجال الدين و العامة الذين يعتبر اغلبهم مخالفه بالمذهب هو اشد اعدائه . بل اشد عداوة لاعداء الامة التارخيون!!
ان لم نتدارك الامر مبكرا و نجد الحلول و يبدأ الحوار بشكل جدي لانهاء هذه الخلافات او تقريب المسافات على اقل تقدير، فحضروا انفسكم لحرب ابادة كاملة و لا اعتقد ابداً ان غلاة المذاهب هؤلاء يكتفون قتلا و تعذيبا في البشر ، فهؤلاء التكفيريون لا يجدون حرجا ابدا من انتقاء عدو جديد في حالة الانتهاء من العدو الحالي، فلا يستطيع احد كائنا من كان ان يفترض بان هذه الحرب ستجلب السلام فيما بعد، لانهم و بكل بساطة سيجدون عدوا جديدا ليمارسوا عليه هواية اصطياد الارواح البريئة. و بهذه الحالة لن يتوقف نزيف الدم ابدا.. 
ارجوا حقاً يا هيجيل ان نتعلم من التاريخ هذه المرة...

 

بقلم : حسين خويره


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق