]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

الطريق إلى نسيان الحب القديم ( رائعة )

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-03-08 ، الوقت: 19:47:56
  • تقييم المقالة:

الطريق إلى نسيان الحب القديم  ( رائعة )

 

أكتب اليك وكلي أمل أن تساعدني في بلواي ، وتخلصني من شكواي ، ومشكلتي يا سيدي أنني أريد النسيان ولا أستطيعه  ، نسيان الحب و تلك العلاقة العاطفية التي جمعتني بفتاة كنت أرى فيها جمال الكون وروعة العاطفة ورقة المشاعر ،ولطافة الحس، وجمال الظاهر، وطيبة الباطن ، كنت أراها فأرى السعادة مجتمعة في عينيها ، واسمع كلماتها فيخيل الي اني أطير بلا جناح ، واملك الدنيا بين يدي ، لم يكن يعنيني شيء كما كان يعنيني أمرها ، أحببتها كما لم يحب أحد أحدا ، ولكن قدر الله والنصيب كانوا اسرع اليها مني ، ولست ساخطا على قضاء الله ، ولكني اريد ان انسى ؟  فدارت علينا الأيام وكتب لنا ان نتفرق بالأجساد فكان منها ان تزوجت ، وانا أعيش ألم الذكرى وحسرة الماضي ، اسودت الدنيا بعيني حتى لم أعد أرى طعما للحياة ، وحاولت جاهدا ان اتناساها ، وقرأت كل ما يساعد على النسيان واستشرت الناصحين والأطباء والعارفين فكانت مصيبتي مع الناصحين والاطباء لا تقل عن مصيبتي بفقدها فما أفعل يا سيدي ؟

         قدم الناصحون لي طرقا شتى ووسائل عدة  ، فقال البعض العلاج يكون  بالتغيير والتخلص والانشغال : غير عملك وسكنك وهاتفك ووسائل التواصل القديمة  ،  وتخلص من كل ما يتعلق بذكرياتك القديمة مع من تريد ان تنساه .

وانشغل حتى لا تجد وقتا للتفكير فيه .

        ففعلت وغيرت سكني وعملي وكثيرا من أموري ولكنني لم استطع ان أغير نفسي وعقلي وتفكيري ، فتغير الظاهر ممكن لكن من لي بتغيير الباطن                       

إلا انني يا سيدي قادر على تغيير المكان والاشخاص ولكنني غير قادر على تغيير الآثار النفسية والذكريات العقلية فكيف أتخلص منها وهي شديدة التوارد على الذهن .

وتخلصت من كل ما يتعلق بآثارها مهما دق أو جل  ،  وجربت الانشغال فانهمكت بالعمل حتى لم يعد عندي وقت للتفكير الا في العمل ،  ولكنني في لحظات راحتي وقيامي في الصلاة وذهابي وعودتي وكثير من أحوالي تراودني الذكرى ،  فلم يكن الانشغال دافعا للنسيان الا في حالة الانشغال فما نفع الانشغال  وقد وضعت جنبك على وسادة فذهب النوم من عينيك .

 

      ورجعت إلى الناصحين فقالوا: أين أنت من العلاج بالداء ، وقد قالت العرب ، وداوها بالتي كانت هي الداء ، عليك بان تحب من جديد فلا يفل الحديد الا الحديد ، ولا ينسي المرأة إلا المرأة ، والحب الجديد يدفن الحب القديم ويمسحه عن بكرة أبيه ، ولا يمنعك الفشل في حب قديم من العشق من جديد ، ولكني قادر على ان احب وأعشق من جديد ، لكني لا اثق بقدرتي على النسيان ، فكيف أقدم على تجربة  وأنا غير واثق منها لان عقلي وقلبي منشغلون بالماضي وذكرياته ، فكيف أعيش في صراع بين حاضر جميل وماض أجمل فيزداد الطين بلة ، اذ كيف أعيش مع امرأة وقلبي وعقلي مع أخرى ، فيزداد همي بآخر وما ذنب المسكينة التي سأتعلق بها ان اكون معها روحا بلا جسد ، وجسما بلا روح فتنال مني من الأسى ما نلت من الأسى في حياتي .

وهب أني فعلت : أيكون ذلك كفيلا بالنسيان ، ولعلي يجب ان أستشير من فعل فاستشرتهم فقالوا : لا تتأمل لأنه لا ينسى الحب القديم أبدا . فكان هذا بمقام السيف القاطع والمضاد لهذا العلاج .

 

         ولما ملَّ الناصحون مني ومن شكواي قالوا لا نرى لك الا أطباء الجسد أو سيكولوجيا السلوك والنفس لعل عندهم ما ليس عندنا ، فاذهب اليهم فانت بحاجة للإرشاد النفسي السيكولوجي ، فتجد عندهم ضالتك ، فذهبت وكانت مصيبتي معهم شرا من مصيبتي مع الناصحين ، وبدأت جلسات العلاج على اختلاف التشخيص فقائل هي الصدمة النفسية ، وقائل بل الاكتئاب المزمن ، وقائل لا شك أنه الذهان المرضي ، وتتالت الجلسات وكثر الدواء الذي لا شغل له الا ان يساعدني على النوم فصرت انام طرفي النهار وفي عملي حتى كدت ان أخسر عملي واصبت بالنسيان فنسيت عناوين وأرقام وأسماء وأشخاص وكثيرا من المهارات والعلوم  ، ولكني لم استطع ان انسى ما جئت من أجله وهو حبي القديم وباءت كل تلك المحاولات بالفشل  ..

      ومضت بي الأيام وانا في يأس شديد وحنق بالغ ، وكارثة عظمى  ، حتى اجتمعت برجل ليتني ما عرفته ، فعرف شكواي ورثى لحالي ، وقال لا علاج الا علاج سيدي ابي مفتاح ! فقلت ومن أبو مفتاح  ؟ قال : رجل يفتح الأبواب وبيده فصل الخطاب ، واصل للعالم العلوي والسفلي ، وله قدرة على التسخير وفك المربوط ، والسيطرة على ملوك الجان ! فقلت وكيف لي أن أذهب إليه وقد كذب المنجمون والعرافون ،  وأنا صاحب العلم والمعرفة ، أفأومن بالخرافات ؟  ، قال : لا تقل ذلك فيسمعوك ، ومن قال انها خرافات ؟

 وذهبت معه ! ووصف لي بعض الوصفات العجيبة التي لا لم تبق مرضا في الدنيا الا وألحقته بي ،  وصرت أهذي ولا ادري ما اقول ولا ما افعل ، فلا بارك الله في مفتاح ولا بأبي مفتاح ، واستغفرت الله تعالى من هذا الذنب وتبت إليه.

ولن اتكلم يا سيدي فأطيل عمن دعاني إلى الخمر والقات ، والبانجو والمخدرات ، ومن دعاني إلى غيرها من الموبقات ووعدني بأنها تسلي القلب والخاطر وتنسى الانسان كل شيء ومن دعاني إلى الانتحار اذ ادرك أنه لا علاج ولا دواء ، فلا معنى لحياة مليئة بالألم والمعاناة .

          فهل لك يا سيدي ان ترشدني لما فقدت فأجد عندك ما اريد . وهل يمكنني أن انسى . وما السبيل إلى ذلك .

 

ولكاتب الرسالة أقول :

     يدعوك الآخرون الى النسيان ، نسيان الماضي ، و نسيان الحب والمشاعر والعواطف والايام الجميلة  وكذا نسيان الأسى  ، وكأن النسيان عبارة عن رشفة قهوة في الصباح ، او ازالة للغبار عن النافذة ، ويصفون قدرتهم على النسيان وانهم قاموا بمسح للذاكرة حتى عادت وكأن شيئا لم يكن ؟ فما اعظم هذيانهم  وما أشد مغالاتهم .

    حلم الانسان من فجر التاريخ ان يكون قادرا على النسيان ومحو الذاكرة حتى ينتهي من الألم فهو حبيس آلامه وآماله وذكرياته ، وجهد الناس ان يجدوا علاجا للنسيان وخاصة العواطف ،  لأن اشد ما يتطلب النسيان هو ما يرتبط بالعاطفة ، وعلى قدر تملك الموقف للعاطفة واثره فيها يكون اثره في الذاكرة .

    فمن قال بأن الاسى يمكن أن ينسى ، ومن قال بأن الحب الحقيقي يمكن أن يذهب مهما تعاقبت الأيام والسنون ، ان الأمطار تزيل الغبار عن الاشجار وتغسل الارض من التراب فتحوله إلى طين ولكنها لا تزيل الاشجار والآثار وتبقى الآثار خالدة في القلوب لا يذهبها مرور الأيام ولا تعاقب الحوادث ...

 

وهم اذ يصفون قدرتهم على النسيان فما شعروا بما شعرت به ولا أدركوا ما ادركت ، فهم يصفون لك الدواء الذي يناسبهم ويرونه ، ولكن ما ادرانا انه يناسبك ويشفيك، وقام الناس في محاولة ايجاد مصل للنسيان أو رياضة أو تدبر فاختلفوا اختلافا شديدا .  

      فقال أهل الهوى لا ينسى الحب الا بحب أقوى منه وأمضى في النفس فدواء الحب حب جديد ، ولعلهم غير مقتنعين بجدوى قولهم ، ولا ما وصل اليه علمهم . 

وقال أطباء الجسد : بالنوم فابتكروا العقاقير اللازمة فشربها الناس وناموا فرأوا بأحلامهم ما يزيد عن يقظتهم ، ولكنهم لم ينسوا لان لحظة الاستيقاظ هي الكفيلة بسرد كل شيء مضى  .

وقال أطباء النفس وعلماء السيكولوجيا : بعقاقير الذهان ومضادات الاكتئاب فهي كفيلة ان تخفف حدة الشعور وتساعد على النسيان وتزيد القدرة على النوم  وتفرح القلب وترفع عتبة الألم .

وقال بعضهم بالخوف : فالإنسان عندما يخاف على نفسه ينسى كل شيء مضى .

وقال المدمنون هي الخمر لا سواها : اشربها ونحن كفليون بأنك ستنسى اسمك ووالديك والدنيا من حولك ، وحبذا ان ترافقت مع شيء من المخدرات والقات ، التي تنقلك من عالم الى عالم .

ودعا آخرون إلى الانشغال والتغيير والتبديل ، ولكنهم انما غيروا الظاهر دون الباطن ووضعت كتب ومؤلفات ، وأبحاث ودراسات ، ولكنهم جميعا عاجزون عن ايجاد حل جذري للنسيان ليس له آثار جانبية أسوأ منه وتكون دائمة لا مؤقتة .

 فالتسامح  والتعايش  والتصبر والتجمل والتغاضي عن الالم أيضا يسير ولكن النسيان شيء عسير ، تدك ذكراه النفس البشرية فتقض مضجع العقل والقلب ، وتبعثر المشاعر ، فلا انت قادر على محو ما سبق ولا على النسيان حقيقة ، وكلهم يعلم ذلك واقعا ملموسا  .ويتواتر المتكلمون فمن قائل العلاج السحري والخلطة الذهبية للنسيان ! وقائل ثلاثون طريقة لتنسى ! وغير ذلك مما هو أقرب إلى الهذيان منه إلى العقلانية والحقيقة  .

    ولعل العلاج الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يكمن في أمرين ، أولاها بزيادة معرفتك للدنيا وثقافتك للحياة بالقراءة الواعية ، مما يجعل تعلقك بالأشياء أقل مما انت عليه الآن مهما كانت هذه الاشياء وتعطيك نوعا من الرياضة السلوكية التي تخفف هيجان العاطفة وتغلبها على العقل ،  وثانيها : الانشغال بطاعة الله تعالى والعبادة والقرب منه واللجوء اليه ،  وما لك وقد عجز الناس عن علاجك الا من بيده الأمر كله  ، فهو وحده مقلب القلوب ، وعندما تتعلق به ستنسى كل من سواه ولن تجد في الدنيا شيئا يستحق ذكراك ، وستدرك بقربك منه منزلة الصالحين الذين انشغلوا به عمن سواه فنالوا من الرفعة في الدينا والآخرة ما لم يكونوا يتوقعوه ، وسعدوا حقيقة السعادة ونالوا مطلق اللذة التي لا يطمح إليها بشر ، فعند الله وحده الطمأنينة والسكون والراحة والتسلية . ولا تكن من ذلك في موقف المجرب بل الواثق الطامع الراجي رحمة ربه ، ثم ان مرت الأيام ولم يشأ الله سبحانه أن تنسى لحكمته وعلمه فانه يهبك من الراحة والطمأنينة ما يسعد قلبك ويخفف حرارة الجوى في نفسك ، وتذكر الخنساء وقد فقدت أخاها فبكته كما لم تبك انثى فقيدا ولم تستطع تحمل الفراق ولما اسلمت مات لها ثلاث من الاولاد مرة واحدة فلم تزد على قولها " لله ما أخذ وله ما أعطى " وما ذاك إلا بقربها من الله تعالى ، وستجد من الطمأنينة ما يغنيك عن النسيان ويجعل الذكرى نوعا من الماضي الذي لا بد منه كالمرض وقد زال وجاء الشفاء ، فيذهب الألم وتبقى الذكرى ولكنها لا تعيق الحياة .ولا تقض المضجع ..

 

الكاتب مصعب الأحمد بن أحمد


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق