]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يطعمه الغناءَ

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2014-03-03 ، الوقت: 13:26:07
  • تقييم المقالة:

 يُطْعِمُهُ الغِناءَ

 

بقلم: أحمد عكاش

 

            يَبْدُو لَهُ مِنْ بَعِيدٍ تَلٌّ قَليلُ الارْتِفَاعِ، فَيَجْتَازُهُ بَعْدَ حِينٍ، لِيَنْبَسِطَ أَمَامَهُ سَهْلٌ يَتْلُوهُ مُرْتَفِعٌ مِنَ الأَرْضِ، وَتَمُرُّ السَّاعَاتُ بَطِيئَةً، وَتَدْرُجُ الشَّمْسُ فِي قُبَّةِ السَّمَاءِ قَليلاً قَليلاً، وَتُرْسِلُ عَلَى الأَرْضِ أَلْسِنَةً حَارَّةً مِنْ لَهَبِها، وَيُتَابَعُ (عُمَرُ الرَّازِيُّ) تَرَحُّلَهُ، وَكُلَّمَا مَرَّ الوَقْتُ يَصْعُبُ السَّفَرُ، وَجَعَلَ حَلْقُهُ يَجِفُّ، وَرِيقُهُ يَتَكَاثَفُ فَيَجِدُ مَشَقَّةً فِي تَحْرِيكِ لِسَانِهِ، فَقَدْ غَادَرَ مَكَّةَ قَاصِداً (المَدِينَةَ) فِي سَاعَاتِ الفَجْرِ الأُولَى، وَنَسَائِمُ الصَبَاحِ مُنْعِشَةٌ لَطِيفَةٌ، فَكَانَ السَفَرُ سَهْلاً، أَمَّا الآنَ وَقَدْ قَوِيَتِ الشَمْسُ صَارَتِ الأَرْضُ هِيَ الأُخْرَى حَارَّةً، وَهُوَ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ، فَمَا شَعَرَ إِلاَّ بِصَوْتٍ عَذْبٍ رَقِيقٍ كَأَنَّهُ كَأْسُ مَاءٍ بَارِدٍ يَطِيرُ فَوْقَ هَذِهِ الأَرْضِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ، فَانْتَعَشَتْ رُوحُهُ، وَرَاحَ قَلْبُهُ يَرِفُّ شَوْقاً إِلَى المَزِيدِ، فَالتَفَتَ نَاحِيَةَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ يَتَلَقَّفُ النَّغَمَاتِ بِتَعَطُّشٍ وَلَهْفَةٍ، فَلَقَدْ سَمِعَ غَناءً لَمْ يَسْمَعْ مِثْلَهُ فِي حَياتِهِ، وَقَالَ:

-وَاللهِ لأَتَوَصَّلَنَّ إِلَيْهِ.

وَسَارَ يَتَتَبَّعُ الغِنَاءَ، فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ فِي خَيْمَةٍ صَغِيرَةٍ مُنْعَزِلَةٍ، فَأَلْقَى (عُمَرُ الرَّازِيُّ) عَلَيْهِ السَّلامَ، فَرَدَّ العَبْدُ السَّلامَ.

وَقَالَ عُمَرُ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ مَا سَمِعْتُ، فَقَدْ كَانَ غِنَاءً رَائِعاً سَاحِراً.

فَقَالَ العَبْدُ مُعْتَذِراً: وَاللهِ لَوْ كَانَ عِنْدِي طَعَامٌ أَوْ شَرابٌ أُضَيِّفُكَ لَقَدَّمْتُهُ لَكَ، فَأَنَا فَقيرٌ لا أَمْلِكُ شَيْئاً كَما تَرَى، وَلَكِنْ سَأَجْعَلُ هَذَا الغِنَاءَ ضِيافَةً لَكَ، فَهَلْ تَقْبَلُ مِنِّي هَذِهِ الضِّيَافَةَ؟.

قَالَ (عُمَرُ الرَّازِيُّ) مُغْتَبِطاً: هَذَا كَرَمٌ زَائِدٌ مِنْكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ، فَأَنَا مُغَنٍّ، أُمَيِّزُ بَيْنَ الجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ مِنَ الغِناءِ، وَأَعْرِفُ قَدْرَ الغِناءِ وَالمُغَنِّينَ، وَالغِنَاءُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرابِ.

قَالَ الرَّجُلُ: إِذَنْ سَأُكْرِمُكَ غِناءً، فَإِنِّي وَاللهِ رُبَّمَا تَغَنَّيْتُ بِهَذَا اللَّحْنِ وَأَنَا جَائِعٌ فَأَشْبَعُ، وَرُبَّمَا غَنَّيْتُهُ وَأَنَا كَسْلانُ فَأَنْشَطُ، أَوْ عَطْشَانُ فَأَرْوَى.

ثُمَّ انْدَفَعَ يُغَنِّي، وَأَخَذَتْ (عُمَرَ الرَّازِيَّ) حَالٌ مِنَ الطَّرَبِ عَجِيبَةٌ، كَأَنَّمَا تَنَاوَلَ خَيْرَ الأَطْعِمَةِ، وَشَرِبَ أَشْهَى الأَشْرِبَةِ، وَزَايَلَهُ الإِرْهَاقُ، وَحَلَّ مَكانَهُ نَشَاطٌ خُيِّلَ إِلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اجْتِيازِ هَذِهِ الصَّحْرَاءِ بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ، خِلالَ سَاعَاتٍ قَليلَةٍ مُعْدُودَةٍ، وَبَدَأَ المُغَنِّي (عُمَرُ الرَّازِيُّ) يُرَدِّدُ اللَّحْنَ مَعَ الرَّجُلِ حَتَّى حَفِظَهُ عَنْهُ وَأَتْقَنَهُ.

ثُمَّ وَدَّعَ الرَّجُلَ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَتَابَعَ سَفَرَهُ نَشيطاً سَعِيداً كَأَنَّهُ نَهَضَ مِنْ فِرَاشِهِ السَّاعَةَ.

وَكَانَ (عُمَرُ) يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: تَغَنَّيْتُ بِهَذَا اللَّحْنِ عَلَى الحَالاتِ الَّتِي وَصَفَها إِلَيَّ العَبْدُ الأَسْوَدُ، فَإِذَا هُوَ كَمَا ذَكَرَ تَماماً، وَاللهِ إِنَّهُ لَيُشْبِعُ الجَائِعَ، وَيُنَشِّطُ الكَسْلانَ، وَيَرْوِي العَطْشَانَ.

انتهت

 

 


من كتاب

(قصص من تاريخنا)

تأليف: أحمد عكاش

دار الإرشاد للنشر - حمص


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2014-03-03
    استاذي الراقي أحمد عكاش :
    تبقى دوما في القمة حينما تكتب بشأن السيرة ,, 
    تجعلنا نمضي معك خطوة اثر خطوة حتى نتقمص تلك الشخصية 
    يا لإسلوبك المستمد من تلك البلاغة التي في حرفكم السامق 
    ستبقى قصصكم مصدر اعجاب لنا ولمن يعشق السرد 
    بوركتم ووفقكم الله , لقد عاد الموقع يضيء بحروفك التي تنسج خيوطا أدبية منيرة 
    سلمكم الله وسدد خطاكم 
    طيف بكل تقدير 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق