]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فارس في بلاط صاحبة الجلالة

بواسطة: ثقافة الطفل ثقافة الاجتماع  |  بتاريخ: 2014-03-02 ، الوقت: 13:30:39
  • تقييم المقالة:

 

الأستاذ عبد الجليل دمق:

                               فارس في بلاط صاحبة الجلالة

 

                                         رضا الزنايدي

 

            ،، يزعم أهل الفلسفة أن في الكلمات ما هو مصائر وأقدار،،إلا أن قدرنا نحن أهل القلم أن تلح الكلمة على فكرنا فنصوغها جملة أو فقرة أو مقالا ينشرها القلم ثم تنشرها المطبعة ليقرأها الناس،، يقرؤونها وقلما يعرفون أنها صيغت بأناة وبحرارة في آن واحد، وذلك في سياق حدث ما أو تناغما مع إصلاح ما، ولكن العارفين منهم والمتأملين يدركون ماهيتها، ولا يغيب عنهم إنها قد رمت إلى تفعيل القوى الاجتماعية لاستخراج ما في الحدث من قيم من شأنها أن تنفع الناس، أو لإثراء تيار الإصلاح والتغيير بمزيد من قوى الدفع، ولا سيما في مجتمع تواق للنهضة، متطلع إلى المزيد من حوافزها في نظام سياسي يبرز فيه الفكر الإصلاحي ويبرهن عن حيويته، وخصوبة منجزاته،،.

                                                                                              عبد الجليل دمق ـ العسل المر ـ

 

                يقول عبد الحميد بن يحي كاتب مروان :" القلم شجرة ثمرتها المعاني، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة،،" ففي الحياة صور، ولها ألوانها، وجلها يستوقف نظر الرائي حينا من الزمن يطول ويقصر، ولكن أقل هذه الصور والألوان، ما يبقى في الذاكرة على مر الزمان، له جدته الباقية، كأنه قطعة من الخلود أو الخلود بذاته. ومن بين ما عرفت من الأحياء، وما شاهدت من الأشياء، ما أجزم بأنه احتل في ذاكرتي الواعية مكانا ثابتا مثل هذا الفارس من فرسان القلم الذي صال وجال في بلاط صاحبة الجلالة. فعلا، هو واحد من فرساننا الأشاوس، وعاشق من عشاق صاحبة الجلالة إنه الأستاذ عبد الجليل دمق أو محمد عبد الجليل دمق كما أراد والده رحمه الله تسميته بإضافة "محمد" استبشارا وبركة ولكي تحمد عقباه، فهو من مواليد 10 أكتوبر 1933 بصفاقس.

                التحق الأمير ببلاط صاحبة الجلالة في الفاتح من شهر نوفمبر 1954 وهو ابن الحادي والعشرين ربيعا، على اثر إعلان من إدارة الصباح ـ أبرز مؤسسة صحفية عرفتها تونس ـ وبعد عدة سنوات من العمل كشف الأستاذ الحبيب شيخ روحه عن كيفية تدرج الأستاذ عبد الجليل في سلم المراتب الصحفية بالجريدة أمام مجلس التحرير، من عون وقع اختياره بعد اختبار كلل بالنجاح في المواد الإدارية والحسابية وفي الرقن على الآلة الكاتبة ليصبح بمرور الزمن:

رئيس تحرير جريدة "الصباح" اليومية من 1975ـ1988

مدير تحرير جميع دوريات "دار الصباح" 1970 ـ 1988

الطموح إلى ما هو أفضل:

                عرفته يتقد نشاطا وحيوية في رحاب صاحبة الجلالة إلى جانب ذكائه وسعة اطلاعه وغزارة علمه وتحليه باليقظة والذاكرة الحية والفكر الخلاق، والبحث عن دقائق وتفاصيل الموضوع الذي يكتب فيها بالإضافة إلى الدقة والوضوح، فهو يمتلك في يده أعنة الألفاظ يتصرف فيها كيف يشاء حتى أنه ليعبر عن أقسى المعاني وأخشنها بأرق الألفاظ وأعذبها وأخفها وقعا على النفوس واقتداره على إسناد كل جزئية من جزئيات المسائل الاجتماعية أو الإقتصادية أو السياسية إلى قاعدتها العامة التي توضح طريقها وتكشف الغامض منها ، فللأستاذ عبد الجليل دمق حديث حلو ومنهج نافع، فياض كالنبع الذي لا ينضب، قوي الحافظة غزير المادة  حاضر البديهة، لقد صدق حدس الذي كان أشار إليه معلمه السيد الهادي الدوُ في مرحلة التعليم الابتدائي وهو يصحح له مادة الإنشاء متنبئا له بأنه سيكون مؤرخا،  لقد صحت فراسته بعض الشيء فها إن الأقدار هيأته لأن يكون صحفيا أي في زمرة الصحفيين المشار إليهم بالبنان، لقد استطاع أن يحقق التحول في حياته الصحفية من صحفي صغير ليتسلق المدارج حتى يبلغ رئاسة التحرير في "الصباح" التونسية باقتراح من أستاذه الهادي العبيدي في عام 1975 عند اجتماع اللجنة المتناصفة لترسيم  الإطارات الصحفية بالجريدة، إذ كان في ذلك العهد الصحفي الوحيد في المؤسسة الذي التحق بمعهد الصحافة في سنته الأولى من تأسيسه ـ 1956 ـ،، ولو عدنا قليلا إلى الوراء وانطلقنا من سنة 1970 حين كان الأستاذ عبد الجليل دمق مديرا لجميع دوريات "دار الصباح" ـ التونسية ـ وألقينا نظرة سريعة على تلك "الارتسامات" المنحوتة نحتا فنيا، أو "الافتتاحيات" المنقوشة بأنامل فنان مقتدر، أو حتى، حين تعلقت همته بتأسيس وإدارة جريدة "الرأي العام" سنة 1993، لتجده كاتبا مبدعا يتصرف من خلال ما يكتب بمسؤولية الفرد الكامل، دون أن يعزل نفسه عن مجتمعه، إذ تتعلق جميعها بمحور أساسي هو تيار الإصلاح في وطنه الغالي ـ تونس ـ والحوار على قاعدة حرية التعبير، إيمانه في ذلك بأن الحرية تستحق ولا توهب، ـ فالصحافة حرة، تقول في حدود القانون ما تشاء، وتنتقد من تريد، فليس من الرأي أن نسألها لم تنتقدنا، بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه، إذ أن ـ كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد ـ حتى ليخيل إليك  ومن خلال كتاباته وكأنه يعمل لوضع بصمة، ومن خلال اللغة التي يتملكها ببراعة وتفرد،على خلق حياة لا تقهر، وتكوين ملامح وجود إنساني قادر على أن يحيا بحرية، ويقول عما يرى ويعتقد بصوت عال، وكأنه من خلال هذا كله يعمل على التغلب على تناقضات الحياة. فهو في الوقت الذي يختار فيه الحياة يسعى إلى التأثير في الحياة عن طريق ما يتملك منها من قيم نبيلة.  رغم أنه أحيانا لا يدري الصحفي، وبخاصة في البلاد النامية التي يتعامل بعضها مع الحرية تعاملا مفككا بلا أصول مع أي صنف سيلتقي في هذا المنتدى أو الساحة التي كثيرا ما يجد نفسه فيها إما مندمجا أو مجابه لها، باعتبارـ وهذه وجهة نظر أستاذنا ـ لا حجاب بين الصحفي والواقع، والفكر والمفكرين، والثقافة والمثقفين، والعالم بأحداثه وبساسته ومواقفهم المتناقضة،، إيمانه في ذلك أن للصحفي وقدرته على التصرف دخلا وافرا في تركيز حرية الصحافة في المجتمع الإعلامي والنهوض بإنتاجيتها وتطوير إمكانياتها باعتبار وأن هذه الإمكانيات قابلة للتفعيل والتوالد والتناسل مثلما يحدث في بقية المجالات. المهم أن يبرهن الصحفي على كفاءته في حسن التصرف لاكتساب القدر الوفير من الحريات وإحاطتها بعوامل التفعيل. فالصحافة عند الأستاذ عبد الجليل فن وهواية، فن نؤهله بالعلم والمثابرة.

مدير ومؤسس جريدة "الرأي العام" التونسية 1993 ـ 1998

 مدير مكتب تونس لدار "الشرق الأوسط" الصحفية بلندن 1980 ـ 1990

مراسل جريدة"الحياة" اللندنية من أندونيسيا 1999 ـ 2001

خبير بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو.

 وهكذا بدأ فارسنا يصول ويجول في بلاط صاحبة الجلالة مستخدما حينا الاسم المستعار "زيدان" لإمضاء مقالاته الافتتاحية "ارتسامات" أو "جلال" الخاص بركن "خواطر"، بينما يوقع باسمه الخاص على الريبورتاجات وكذلك على الأحاديث والتحقيقات الصحفية،، علما وأن الاسم المستعار "زيدان" كان قد تسلمه من الأستاذ الحبيب بولعراس الذي استعمله في كتابة "الارتسامات" لما كان سكريتير جريدة الصباح أي قبل أن يلتحق بوزارة الثقافة والأخبار في إثر حصول تونس على استقلالها،، عند ذلك أحيلت على الأستاذ عبد الجليل دمق "الارتسامات" باسمها المستعار. والجدير بالملاحظة أن الأسماء المستعارة كانت متداولة في الوسط الصحفي، والتنصيص على تلك الأسماء في البطاقة الصحفية المهنية واجب.

                الفارس الذي ينشد الحرية:

                ولعل أبرز ما يمكن ذكره من خلال هذه اللمحة الموجزة من تاريخ بحلوه ومره عن المواجهات التي تعرض لها فارسنا المغوار أثناء مسيرته الصحفية الطويلة في أبرز مؤسسة صحفية عرفتها تونس؛  لقد قام بجولات عديدة عبر قارات أوروبا ـ آسيا ـ إفريقيا ـ أمريكا ـ، وأجرى حوارات صحفية مع العديد من الزعماء والرؤساء في عديد من الدول. ونشر ريبورتاجات واسعة عن البلدان العربية وعدة بلدان آسيوية وخاصة زيارته للصين التي لقنته درسا آخر في الصحافة وفي التناول الصحفي، درسا مهما ما دام درسا في الحرية، وهو الصحفي الذي ينشد الحرية أخذا وعطاء، إطلاعا وتعبيرا، الحرية التي لولاها لما قامت في المجتمعات الإنسانية سلطة اسمها الصحافة أو كما يحلو للبعض بتسميتها "السلطة الرابعة".

                فالدرس العميق الذي أضافته إلى زاده المعرفي رحلته إلى الصين، بأن لا يترك الإنسان، والصحفي بخاصة، فرصة تفلت منه كلما تعلق الأمر بإشباع رغبة في الحرية وفي التحرر من قيود مهما كان مأتاها، خاصة إذا كانت قيودا أو حواجز مفتعلة لا تتفق لا مع العقل، ولا مع سنن الاستقامة في الحياة المهنية وفي الحياة الشخصية. لكن إذا تعلق الأمر بالحرية في التعاطي الصحفي والتزاماته، تصبح الرغبة مع الاستقامة عنصرا إيجابيا لبيئة طاهرة خصبة الإنتاج يكون فيها الصحفي والكاتب الإعلامي بوجه عام مخلصا لأدائه إخلاص القديسين لرسالتهم،،.

  إذن، نعود لأبرز هذه المواجهات الدقيقة التي وضعته وجها لوجه مع الوزير الأول في إثر زيارته إلى الصين في عام  1972ـ حين كانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين ـ وبدعوة من منظمة التحرير الفلسطينية التي سيتحول وفدا رفيع المستوى  إلى بيكين بمناسبة الأسبوع الثقافي الذي سيقام في جمهورية الصين الشعبية لأول مرة ولفائدة الثورة الفلسطينية. وقد شكلت المنظمة بهذه المناسبة وفدا إعلاميا عربيا لمتابعة هذا الأسبوع على أساس صحفي واحد من كل دولة عربية، وتم اختيار على الأستاذ عبد الجليل دمق من تونس ضمن هذا الوفد الإعلامي لمتابعة هذا الأسبوع وتغطية هذا الحدث السياسي الذي أعطوه صبغة ثقافية، فكثيرا ما تصطبغ السياسة بألوان ثقافية أو فنية أو رياضية لتقتحم طريقها وتبلغ الرسالة التي تريد إيصالها متجنبة الحساسيات الدولية.

مع شوان لاي:

                استقبل شوان لاي وزير الخارجية ونائب رئيس المكتب السياسي وعضو المجلس الثوري العسكري الصيني الوفد الرسمي الفلسطيني،  ومباشرة بعد هذه المقابلة، استقبل الوفد الإعلامي العربي وفي كلمة ألقاها بالمناسبة ذكر فيها بعلاقة الصين مع دولهم باستثناء تونس التي ظلت العلاقات بيننا مجمدة، ثم سأل بالمناسبة : أين الصحفي التونسي؟ الذي بادره بالسؤال عن الرئيس بورقيبة، مستفسرا بعناية عن صحته. كان وقتها الرئيس بورقيبة مقيما في سويسرا  للعلاج،،وأمام هذا الجمع الإعلامي الذي يضم نخبة من كبار الإعلاميين والكتاب الصحفيين العرب جعل شوان لاي ينوه بشخصية الرئيس بورقيبة باعتباره رئيسا فذا ورجل دولة محنكا، وأبدى إعجابه بجمال تونس وأن تونس تحتل مكانة مرموقة،،. فليس من الهين في أي دولة تقبل دعوة أي طرف ولا حرارة في العلاقات بينها مثل تونس والصين التي كانت علاقاتهما مجمدة، إلا أن هذه الحركة تدخل في العرف "البوليتيك"  لخدمة هدف سياسي محدد، هو طبعا تبليغ رسالة إلى الحكومة التونسية عن طريق الصحافة بصورة ذكية ومغرية،،. لم يكن من الأستاذ عبد الجليل دمق إلا استغلال الفرصة، وبسرعة البرق أرسل برقية إلى تونس باسم وزارة الخارجية، متضمنة ما دار بينه وبين شوان لاي في هذه المقابلة معه على مرأى من الصحفيين والكتاب العرب، إذ المسألة  تبدو واضحة وما هي إلا رغبة صينية في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا،، لكن هيهات فالسياسة كالريح تجري بما لا تشتهيه السفن،، إذ شاءت الصدف أن تحط البرقية بيدي الوزير الأول لأن وزير الخارجية ليلتها كان خارج تونس في زيارة عمل،، وأبلغاه كل من مدير الجريدة ورئيس التحرير أن كليهما تلقى مكالمة عاصفة من الوزير الأول الذي أيقضهما ليلا للاحتجاج على إرسال الصحفي إلى الصين من دون الرجوع إلى الحكومة والاستئذان منها !

                وفي بحر من المتناقضات، اخترقت الحكمة وبُعد النظر ورجحت كفة المنطق ومصلحة الوطن ونسفت كل ما كان قد دار فيه من توقعات مقلقة، وكانت دعوة رئيس الدبلوماسية ـ الذي عاد من الخارج ـ للفارس المغامر والذي أبلغه فيها أنه اتصل بالرئيس في سويسرا، وعرض عليه المسألة، وأن الرئيس سُر كثيرا بما حصل في بيكين، وطلب منه أن يبلغه شكره، وأوصى بنشر كل ما حدث مع شوان لاي في جريدة الصباح، موصيا إياه على أن تنقل كل أجهزة الإعلام التونسية بما فيها الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء ما سينشر في جريدة الصباح في هذا المضمار، كما بشره وزير الخارجية بأن العلاقات الدبلوماسية بين تونس والصين ستستأنف بعد أسبوع واحد.

                حفا إنه قرار حكيم هذا الذي اتخذه الرئيس الحبيب بورقيبة ردا على بادرة شوان لاي، وموقف شجاع متجاوب مع الدهاء السياسي الذي أبداه هذا الأخير، وتجاوبا مع العرف الدبلوماسي لفتح المجال أمام تسخير كل إمكانية واقتناص كل فرصة قابلة للاستثمار في خدمة المصلحة الوطنية، هذه المجابهة التي كللت في النهاية بالنجاح والتي غيرت مجرى التاريخ في الدبلوماسية التونسية لها وزن من ذهب.  ويبقى شعار فارسنا على رأي الأديب الألماني غوتة، فإن الضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك.

                أما المواجهة الثانية والتي لا تقل أهمية عن سابقتها والتي وضعته وجها لوجه مع الوزير الأول هي قضية ميونيخ التي قُتل فيه الفريق الرياضي الإسرائيلي في عملية فدائية قام بها في القرية الأولمبية في ميونيخ فريق فدائي قدم من فلسطين وأوقع تحت قبضته كامل أعضاء الفريق رهائن وتم نشر هذا الخبر في جريدة الصباح وفي صفحتها الأولى في كادر بارز الخبر القائل بأن الفريق الفدائي اتصل بتونس من ميونيخ، وقد اقتبس الأستاذ عبد الجليل دمق هذا الخبر الهام بالنسبة للرأي العام التونسي من الكتاب الأبيض الذي نشرته ألمانيا عن تلك الواقعة،، وطبعا هذه المواجهات والمواقف الحرجة في نظر الأستاذ عبد الجليل دمق ما هي إلا دليل واضح وأن حرية الصحافة هي أولا وأخيرا مسألة تصرف من الصحفي نفسه، فبالتصرف المحسوب، المتزن، الهادف، يستطيع الصحفي أن يقترب من الجزء الأوفر من حريته في التعبير، وأن يظل على إيمانه بأن هذه الحرية لا و لن توهب مهما كانت البلاد التي ينتمي إليها قاصرة في حرية التعبير أو متقدمة؛ وحرية الصحافة لا يمكن أن تعبر عن الحرية إذا كانت منحازة منطلقة من تمثيل ضاغط ومتحجر لحزب ما أو لقناة ما. غير أن ـ حسب رأيه ـ تسعة أعشار الإعلام في عالمنا اليوم من أمريكا إلى الصين مرورا بأوروبا والشرق الأدنى إنما هو إعلام منتم، وبالتالي فهو إعلام مقيد ومخيب للمثل العليا،، وتبقى حرية الصحافة مسألة نسبية وموقفا منتسبا، حرية لا يسعفها إلا المبادرة مع الإقبال على التصرف الحاذق.

                هكذا وصل انسياب المتناقضات الكامنة من خلال هذه المواجهات إلى نهاية هادئة سجلت للمتيم بصاحبة الجلالة نجاحا كصحفي محظوظ، نجاحا غنمت منه البلاد عندما عرف القائد السياسي كيف يكون صاهرا ماهرا لمعادن الأحداث. فالسياسة حسب وجهة نظر الأستاذ عبد الجليل ليست منتدى لا يضم إلا الأفذاذ، بل هي مدرسة يلمع فيها ذوو المواهب، لكن كفاءتهم السياسية تتفاوت بقدر ما تعتمد عليه من ذكاء ومن دهاء وحدس وجسارة وقدرة على التقييم، ومن ثم قدرتهم على صياغة الحدث أو صياغته، أو عجزهم عن التصرف، وقعودهم على اصطياد الفرص النادرة.

                أربع وثلاثون سنة قضاها الأستاذ عبد الجليل دمق في بلاط صاحبة الجلالة وحدها، متقلبا في جميع مناصبها من القسم الإداري إلى قسم التحرير حتى رئاسة التحرير، محتكا بأبرز رجالات الفكر والعلم في بلادنا، وملازما لرجلين يشهد التاريخ أنهما من أبرز بناة الصحافة التونسية الحديث، أحدهما الحبيب شيخ روحه، وثانيهما الهادي العبيدي عميد الصحافة التونسية.

                إي وربي، فكلما تخطر ببالي، في أي وقت من الأوقات، يُمثل لي التذكرُ منك محاسن ولطائف، تجذبني ميلا إليك، وشغفا بك واغتباطا بإخائك، فلا عجب أن كان شوقي لرؤيتك عظيما، لأنه كما قيل " من كرم الرجل حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه" .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         رضا الزنايدي / قليبية

                                                                                                                             المرجع : من كتاب المترجم له )العسل المر(

                


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق