]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحديد جنس الجنين بين الإرشاد الطبي والحكم الفقهي

بواسطة: شرافة أشلحي  |  بتاريخ: 2014-02-27 ، الوقت: 23:30:13
  • تقييم المقالة:
             لما استطاع علماء الطب – في زمن غير بعيد- أن يكشفوا عن جنس الجنين في بطن أمه أثار ذلك جدلا كبيرا بين علماء الشريعة، وفي عصرنا الحاضر، ومع التقدم العلمي الملموس الذي عرفه ميدان الطب عموما وميدان علم التوليد خصوصا، استطاع العلم أن يقتحم أفق المجهول ويحاول تحقيق رغبة البشرية في الاختيار المسبق لجنس المولود المرغوب فيه ( ومعناه تدخل الإنسان بوسائل قد تكون مادية أو معنوية من أجل أن يرزقه الله مولودا ذكرا أو أنثى)، حيث توصل علماء الطب إلى سبب الإذكار والإيناث في الجنين.            بيد أن قضية اختيار جنس المولود قبل الحمل وُجدت في مختلف الحضارات الإنسانية:   * ففي عصر الجاهلية: كانوا يلجأون إلى نكاح الاستبضاع المنهي عنه شرعا لإنجاب الذكر، حيث إن الرجل في الجاهلية كان يعتزل زوجته ويرسلها إلى شخص اشتهر بالذكاء والقوة وإنجاب الذكور، حتى إذا تبين حملها منه أتاها، وذلك رغبة في إنجاب الذكور.[1] فعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء ومنه نكاح الاستبضاع ومفاده أن يقول الزوج لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبعضي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في إنجاب الولد الذكر.[2]   * في الشريعة الإسلامية: فقد جبلت القلوب على طلب الأولاد، والسعي في تحصيلهم وتفضيل أحدهما عل الآخر. فهذا نبي الله زكريا عليه الصلاة والسلام يدعو ربه أن يهبه غلامًا زكيا قال الله تعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّي رَضِيًّا﴾[3]، وقد بين الراغب الأصفهاني أن المراد بالولي في هذه الآية الابن، أي ابنا صالحا يكون من أولياءك[4]، وهذا أيضا ما أشار إليه الإمام السيوطي.[5] وهذه امرأة عمران رغبت في الذكر ونذرته لله سبحانه وتعالى فقال الله عنها: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّي إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ الآية[6]. ولقد كانت امرأة عمران مسنة لم تلد، فبينما هي تحت شجرة فنظرت إلى طائر يطعم فرخا له، فرغبت في أن يرزقها الله الولد ونذرته لخدمة بيت المقدس، وكان لا يحرر لخدمته إلا الذكور.[7] فنذرها الولد لخدمة بيت المقدس طلب للولد الذكر لعدم قبول الأنثى في ذلك.[8] وما يعضد ذلك هو قوله تعالى على لسان امرأة عمران: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ الآية[9]؛ أي ليس الذكر الذي كانت تطلبه كالأنثى التي وهبها الله سبحانه وتعالى.[10]      فهؤلاء أنبياء الله عز وجل يطلبون الذكر من الولد ويوثرونه على الأنثى، وذلك من أجل خدمة دين الله وتبليغ الدعوة وليس انتقاصا وبغضا للأنثى. وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقائق عن سبب الإذكار والإيناث في المولود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي الذي جاءه يستفسر عن سبب الإذكار والإيناث: " ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإن اجتمعا وعلا مني الرجل مني المرأة اذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله  تعالى، فقال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي"،    وفي شرح هذا الحديث أشار العلماء إلى أن سبق ماء الرجل ماء المرأة  وعلوه سبب في إذكار المولود، وسبق ماء المرأة ماء الرجل وعلوه سبب في تأنيث المولود؛ فالإذكار والإيناث إذن لمن علا ماؤه من الزوجين، فالمراد بالعلو هنا الغلبة، إذ العلو يكون بعد اجتماع مني الرجل ومني المرأة، والاجتماع مرحلة متأخرة عن السبق، وعند الاجتماع ينتهي السبق وتبدأ الغلبة وهذا ليس له سبب طبيعي وإنما هو مستند إلى مشيئة الله تعالى وإلى أمور خارجة عن الإرادة لكن الأخذ بالأسباب جائز، فجنس الجنين من مشيئة الله واختياره  يقول تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ الآية[11] * في الطب القديم: برزت مجموعة من النظريات التي تؤكد ما توصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا في سبب الإذكار والإيناث، ومن أقدم النظريات المتعلقة بهذا الموضوع نجدها في عصر اليونان القدماء. وقد جاء في المقالة الثانية لأبي قراط[12] من كتاب الأجنة أن تركيب الجنين الذكر يتم في اثنين وثلاثين يوما، والأنثى في اثنين وأربعين يوما وقد يزيد على ذلك أو ينقص قليلا، وقد استنتج ذلك من طهر المرأة بعد الولادة؛ فإن كانت أنثى فإن ذلك يتم في حدود اثنين وأربعين يوما، وإن كان المولود ذكرا فإنها تطهر في حدود اثنين وثلاثين يوما. ومن أفكاره أيضا أن رحم المرأة ينقسم إلى جزء أيمن وجزء أيسر؛ فالجزء الأيمن عنده خاص بالجنين الذكر، أما الجزء الأيسر فهو للأنثى، وللتحكم في جنس   الجنين، كان ينصح النساء بالتمدد على الجنب الأيمن بعد الجماع في حالة الرغبة في إنجاب الذكر، والتمدد على الجنب الأيسر في حالة الرغبة في مولود أنثى.[13]        ومن أفكاره أيضا تأثر جنس الجنين بالرياح، فإذا تم الجماع في الرياح الشمالية كان جنس الجنين ذكرا، أما إذا تم في الرياح الجنوبية كان المولود أنثى. وأشار جالينوس[14] إلى أن الخصية اليمنى تحدد المولود الذكر، والخصية اليسرى تحدد المولود الأنثى.[15]

 

     وفي عصرنا الحالي استخدمت مجموعة من الطرق الطبيعية والطبية لتحديد جنس الجنين قبل الحمل ومن أهم الطرق الطبيعية التي استخدمت في ذلك:

أولا: الجماع بالنظر لوقت الإباضة  (العزل)

 

        من أهم الطرق التي اعتمدها الأوائل في تحديد جنس الجنين توقيت الجماع، إذ أثبتت الدراسات العلمية أن للعلاقة الزوجية أثر في ذلك، وتعتمد هذه الطريقة على تحديد الخصائص المميزة لكل من الحيوانات المنوية الذكرية عن الحيوانات المنوية الأنثوية، فالحيوان المنوي الذكري يتميز بخفة وزنه وسرعة حركته وهذا ما يمكّنه من الوصول إلى موقع الإنجاب قبل الحيوان المنوي الأنثوي، لكنه في نفس الوقت يتميز بقصر مدة عيشه، في حين يتميز الحيوان المنوي الأنثوي بثقل وزنه وبطء حركته ولكنه يدوم لمدة أطول في الوسط الحامضي من الحيوانات المنوية الذكرية.[16] كما تعتمد أيضا هذه الطريقة على تحديد وقت نزول البويضة، وذلك غالبا ما يقع في منتصف الدورة الشهرية، وبناء على معرفة موعد الإباضة يمكن للزوجين التدخل لتهيئ الظرف الزمني المناسب للجماع للحصول على جنس الجنين المرغوب فيه. وغالبا ما يستعين الزوجان في هذه الطريقة بالعزل (والمراد منه عزل الماء عن النساء حذر الحمل)[17]، حيث إنه إذا ما تم الجماع في فترة الإباضة تكون نسبة إنجاب الذكر أرجح، وذلك لأن الحيوانات المنوية الذكرية أخف وأسرع في الوصول إلى موقع البويضة، بخلاف الحيوانات المنوية الأنثوية التي لا تصل إلا بعد فترة من الزمن، ولكنها في نفس الوقت تدوم مدة أطول من الحيوانات المنوية الذكرية، وهذا ما قد يمكنها من تخصيب البويضة إذا ما تم الجماع قبل فترة أطول من نزول البويضة  الأنثوية[18]       وعليه فلإنجاب مولود أنثى- اعتمادا على هذه الطريقة – فعلى الزوجين اتباع الخطوات الآتية: - استحضار النية المشروعة في طلب الذرية - أن يتم الجماع قبل فترة نزول البويضة بثلاثة أيام على الأقل - تفادي أي علاقة زوجية في فترة الإباضة        ولتحقيق الرغبة في أن يكون جنس المولود ذكرا بإذن الله على الزوجين اتباع ما يلي:  - أن يتم الجماع في نفس اليوم الذي يتوقع فيه نزول البويضة من المبيض  - أن يمتنعا عن الجماع قبل فترة الإباضة.[19]            ثانيا: النظام الغذائي

 

      من الطرق الطبيعية التي اعتنى بها الأوائل في اختيار جنس المولود طريقة النظام الغذائي، وقد بنيت هذه الطريقة على تأثير وجود أملاح الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم في الجسم، حيث تعمل هذه الأملاح على تغيير الوسط الحمضي والقاعدي في عنق الرحم والمهبل؛ فالبوتاسيوم والصوديوم يجعلان الوسط قاعديا مما يرفع من نسبة إنجاب الذكور. أما المغنسيوم والكالسيوم فيجعلان الوسط حامضيا وهذا ما يرفع من نسبة إنجاب الإناث.      وعليه فعلى المرأة التي ترغب في تهيئ جدار رحمها لمولود ذكر أن تتبع الخطوات الآتية: - الإكثار من تناول الأطعمة المملحة - تجنب تناول المأكولات البحرية - تجنب تناول المكسرات بأنواعها (اللوز، البندق...)     أما التي ترغب في تهيئ جدار رحمها لمولود أنثى فعليها اتباع الخطوات الآتية: - تجنب تناول الأطعمة المملحة - الإكثار من الحليب ومشتقاته - الابتعاد عن المشروبات الغازية         وتبدأ المرأة في اتباع الحمية الغذائية لمدة زمنية لا تقل عن الشهرين قبل الحمل؛ وبمجرد حدوثه تقوم المرأة بإيقاف نظام الحمية، حيث إن جنس الجنين يتحدد فور تلقيح البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي.[20]             ومع التطور الذي عرفه الطب حديثا في ميدان الإنجاب ابتكرت مجموعة من الطرق الطبية لتحديد جنس الجنين قبل الحمل ومن أهم هذه الطرق:   أولا: تغيير ظروف القناة التناسلية عند المرأة (الوسط الحامضي والوسط القاعدي)           تقوم هذه الطريقة على تغيير الوسط الحمضي في القناة التناسلية  إلى وسط قاعدي أو العكس، حيث أثبتت الأبحاث العلمية أن الوسط الحامضي هو أكثر ملائمة للحيوان المنوي الأنثوي، بخلاف الوسط القاعدي الذي يناسب أكثر الحيوان المنوي الذكري، وتجدر الإشارة إلى أن المحاليل المستعملة لتغيير الوسط من حامضي إلى قاعدي أو العكس يجب أن تكون محضرة بدقة، ويمكن الحصول عليها من مختلف الصيدليات لتفادي تحضيرها منزليا، لما قد يكون لذلك من آثار سلبية على خصوبة المرأة وإنجابها.[21]   ثانيا: التلقيح الصناعي كوسيلة لاختيار جنس المولود          مع التقدم العلمي الذي عرفه ميدان الإنجاب، برزت فكرة التلقيح الصناعي في محاولة أولى لمعالجة عقم الزوجين، والمقصود منه: كل طريقة أو صورة يتم فيها التلقيح [ التقاء الحيوان المنوي بالبويضة ] والإنجاب بغير الاتصال الجنسي الطبيعي بين الرجل والمرأة[22]، وهو إما تلقيح داخلي أو خارجي:            * طريقة التلقيح الصناعي الداخلي:          يعرّف أهل الاختصاص التلقيح الصناعي الداخلي بأنه: "الحصول على المني من الرجل وحقنه في فرج الأنثى ليصل إلى البويضة في قناة فالوب ويعمل على تلقيحها، وتكمل بعد ذلك البويضة المخصبة التكوين الجنيني الطبيعي"[23].     وفي هذه الحالة لا يتم سحب البويضة الأنثوية من المبيض، بل يتم تلقيحها مباشرة داخل قناة فالوب بالحيوان المنوي الذكري أو الأنثوي.             * طريقة التلقيح الصناعي الخارجي: (أطفال الأنابيب)            "وهي عملية تلقيح البويضة بحيوان منوي خارج الجهاز التناسلي للمرأة"[24].          ويوضح الجدول الآتي نسبة نجاح كل طريقة من الطرق المستعملة لاختيار جنس المولود في العصر الحاضر[25]:     الطرق المتبعة نسبة النجاح الطرق الطبيعية الجماعبالنظرلوقتالإباضة  70 % النظام الغذائي 70 %     الطرق الطبية تغيير ظروف القناة التناسلية عند المرأة بين 55و70 % الفصل الجيني عن طريق الغربلة 80% الفصل الوراثي 90% الطرد المركزي 80 %  

 

 

         إن التطور المذهل الذي عرفته التقنيات المستعملة في اختيار جنس المولود القادم والنتائج التي أسفرت عنها أثارتجدلا بين علماء الشريعة الإسلامية ومفكريها، وذلكراجع إلى فهم كل واحد منهم للنصوص الشرعية المتعلقة بخلق الجنين وتكونه، وعليه جاءت فتاواهم في ذلك متباينة بين: * الجواز: ومن أهم الفقهاء المجيزين لعملية تحديد جنس الجنين قبل الحمل: مصطفى الزرقا والشيخ عبد الله ابن بية والدكتور علي جمعة ومحمد علي البار...واستندوا في ذلك إلى مجموعة من الأحاديث النبوية التي بين فيها الرسول صلى الله عليه وسلم السبب الطبيعي الذي يوجب الإذكار والإيناث، ففي صحيح مسلم من حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب اليهودي الذي سأله عن الولد، فقال صلى الله عليه وسلم:  "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله" الحديث[26] فهذا الحيث صريح في موضوع اختيار جنس المولود، وإن جاء على سبيل الإخبار وإجابة عن تساؤل، إلا أن دلالته واضحة، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى للسائل طرقا ظاهرة عن الكيفية التي يمكن أن يتم بها إنجاب المولود المرغوب فيه، وهذا ضبط لجنس المولود قبل حصول التلقيح بين الحيوان المنوي والبويضة، وهذا يفيد أن الإذكار والإيناث في الجنين أمر يستند إلى سبب طبيعي معلوم، وليس في هذا الحديث ما يشعر بأنه مما استأثر الله بعلمه.[27] كما استند أصحاب هذا الرأي إلى القاعدة الفقهية " الأصل في الأشياء الإباحة"، وأن أخذ الإنسان بالأسباب في اختيار جنس المولود المقبل لا يتنافى مع إرادة الله عز وجل ومشيئته يقول صلى الله عليه وسلم: "ما قدر في الرحم سيكون"[28]، وأن اختيار الله لما في الأرحام غير مقصور على جنس الجنين، بل هناك أمور غيبية لا يعلمها إلا هو، أما اختيار الإنسان لذلك فلا يتجاوز جنس الجنين من ذكر أو أنثى؛ فلا تعارض إذن بين اختيار الإنسان لمن في الأرحام، وبين خلق الله ما يشاء. * المنع: أخذا بظاهر النصوص الشرعية التي مفادها أن اختيار جنس المولود المقبل بيد الله، وأي تدخل في ذلك منازعة لله في خلقه وإرادته،فالله سبحانه وتعالى وحده الذي يعلم ما في الأرحام، ووحده الذي يخلق، فيهب لمن يشاء الذكور، ويهب لمن يشاء الإناث، ويجمع لمن يشاء الذكور والإناث، ويحرم من يشاء من الاثنين يقول تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾[29]. فأي تدخل بشري في جنس الجنين يُعد تطاولا على إرادة الله ومشيئته، وإفسادا في الأرض، وعبثا في النظام العام للكون.[30] كما أن طرق تحديد جنس المولود القادم قد تؤدي إلى تشوهات خلقية في الجنين، إذ الحيوانات الشاذة والمريضة في حالة الإخصاب الطبيعي تموت قبل أن تصل إلى البويضة، وذلك عكس الإخصاب الاصطناعي عن طريق عملية الفصل الذي يزيد من احتمال وصول الحيوانات المنوية الشاذة، وقد ينجح أحدها في تلقيح البويضة، وهذا قد يؤدي إلى الإجهاض، أو ظهور تشوهات في الجنين.[31]فضلا أن التدخل في تحديد جنس الجنين قد يوقعفي اختلاط الأنساب؛ إذ التدخل لسحب البويضة الأنثوية، وفصل الحيوانات المنوية الذكرية عن الأنثوية يكون في معمل خاص قد لا يأمن فيه اختلاط الأنساب.[32]       إلى جانب هذين الاتجاهين: اتجاه المجيزين واتجاه المانعين، نحا بعض الفقهاء منحى وسطا في قضية الاختيار المسبق لجنس الجنين، إذ ذهبوا إلى القول بعدم جواز ذلك إذا كان على مستوى الأمة، وبجوازه إن كان على المستوى الفردي لما يحققه من رغبة الزوجين المشروعة في أن يكون الجنين ذكرا أو أنثى، وقد برر الدكتور حسان حتحوت – وهو من أهم أنصار هذا الاتجاه – رفضه لقضية اختيار جنس المولود على المستوى الجماعي لارتفاع نسبة احتمال اختلاط الأنساب، وأضاف بعض الفقهاء أن كل مباح، فهو ليس على الإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك.[33]         ونخلص من خلال الترجيح بين مذهب المجيزين والمانعين إلى ما يأتي:       إذا كان الأصل في المسلم أن يسلم كل أموره لله تعالى، فمن باب أولى أن يسلم له الأمر في اختيار جنس المولود المقبل، لكن ما دام هذا الأمر مسألة اختلاف بين العلماء، وما دامت الآيات القرآنية لم تصرح بتحريم ذلك، فإن التدخل البشري لاختيار جنس دون الآخر هو من باب الأخذ بالأسباب التي أباحها لنا شرعنا الكريم، مع حسن التوكل على الله وعدم الاعتقاد بأن هذه الأسباب هي الموصلة إلى المراد، بل كل ذلك بتوفيق من الله تعالى، يقول عز وجل: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾[34]، وقال صلى الله عليه وسلم: " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا"[35]، فالطيور تخرج أول النهار جياعا وترجع آخر النهار شباعاً، وذلك بأخذها بالأسباب وعدم تعطيلها، مع حسن توكلها على الله.[36]وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أعقلها وأتوكل أو أطلقها أتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل"[37]. فنحن مأمورون باتخاذ الأسباب في الرزق، والمولود رزق من الله فلا بأس من الاستعانة ببعض الأسباب الموصلة       إلى جنس المولود المرغوب فيه، لكن لا نقول إن هذه الأسباب مؤثرة بنفسها وإنما بإرادة الله عز وجل، وهي ليست على الإطلاق، بل هي في حدود ما أجازه لنا علماؤنا الأجلاء، مع احترام الضوابط والشروط التي وضعوها لذلك، وخصوصا ما يتعلق بالطرق الطبية ( التلقيح الصناعي)، حتى لا ندمر الضروريات - وهي حفظ النسب الذي جعله الإسلام أعظم ضرورة يجب الحفاظ عليها- على حساب الحاجيات والتحسينيات.ورغم أن ترك الأمر على طبيعته هو المسلك القويم في الإنجاب، لا ننكر ما قد يكون للطرق المشروعة في اختيار جنس المولود القادم من إيجابيات في إنقاذ بعض الأسر من التفكك وخاصة في بعض المجتمعات الذكورية التي تفضل الذكور على الإناث والتي تظن أن المرأة هي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين فتلجأ إلى طلاق الأولى  أملا منها في زوجة أخرى تنجب الذكور.   ضوابط اختيار جنس الجنين:         لقد أحاط الإسلام النسل بهالة من الضوابط والاحتياطات التي تضمن له الحفاظ على سلامته من الشكوك والشوائب التي قد تخدش في مصداقيته، ولما كان موضوع اختيار جنس الجنين بالطرق الطبية من المواضيع التي قد تثير مجموعة من الشكوك في سلامة هذا الجنين وحفظ نسبه، وضع أنصار ومؤيدي فكرة الاختيار المسبق لجنس الجنين مجموعة من الضوابط والشروط لذلك، والتي قد تضفي عليه شيئا من المصداقية وتجعله ذات صبغة شرعية قانونية؛ ويمكن أن نجمل تلك الضوابط في الآتي: أن يتم اختيار جنس المولود القادم بواسطة التلقيح الصناعي بين الزوجين، أي أن تكون البويضة الملقحة للزوجة والحيوان المنوي للزوج، دون تدخل لأي طرف ثالث.   أن يتم التلقيح حال قيام العلاقة الزوجية، وذلك شرط لثبوت نسب المولود إلى والده، فالولد ينسب لأبيه ما دام عقد الزواج قائما ولم ينحل بطلاق أو وفاة، إذ التصريح بولادة الأبناء لدى الضابط يقتضي إثبات قيام علاقة شرعية بين أب المولود وأمه بواسطة عقد زواج شرعي. أن يتم اختيار جنس المولود المقبل برضا الزوجين معا، حيث إن لكل واحد منهما الحق في اختيار جنس الولد المرغوب فيه، فإن اتفقا فذاك، وإن اختلفا فيرجع الأمر إلى حاله الطبيعي وهو عدم التدخل في اختيار جنس الجنين مطلقا وترك الأمر لله.[38] أن يتم ذلك تحت مراقبة دائمة للجنة المختصة بنسب المواليد، وذلك لتجنب اختلاط النطف والبويضات الذي يؤدي إلى التلاعب بالأنساب. أن يكون القائم على عملية اختيار جنس المولود طبيبا مسلما، يتخذ كل التدابير الوقائية لحفظ النسب الذي يعتبر أهم الضروريات في شريعتنا الإسلامية، وذلك لأن غير المسلم متهم ولا يُؤمن أن يدخل في العملية ما هو محظور طمعا في رفع نسبة النجاح.[39]        وختاما أقول إن موضوع تحديد جنس الجنين قبل الحمل من الموضوعات التي أثارت جدلا كبيرا بين علماء الشريعة الإسلامية، لارتباطه بموضوع ذي أهمية بالغة ألا وهو موضوع النسل الذي جعل لكل من انتهك حرمته حدا شرعيا لا يستهان به.                                                   

 

2-  محمد علي البار، طفل الأنبوب، أورده محمود أحمد طه، الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر،دبي : ندوة الثقافة

والعلوم، 2005، ص 245.

-  أبو سليمان الخطابي ، معالم السنن، بيروت: المكتبة العلمية، ط. 2، 1401هـ/1981م، ج 3، ص 277.[2]

- سورة مريم الآية 5-6.[3]

- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نديم مرعشلي، دار الكاتب العربي، ط. 1392هـ/1972، ص571..[4]

- جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص9.[5]

- سورة آل عمران الآية 35-36.[6]

- الإمام الطبري، نفسه، ج5، ص334.[7]

- الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج3، ص133.[8]

- سورة آل عمران، الآية 36.[9]

- أبو السعود العمادي ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، ج1، ص230.[10]

- سورة القصص، الآية 68.[11]

[12]- أبو قراط هو طبيب يوناني ولد سنة 460 ق.م وتوفي سنة 366 ق.م، يلقب بأبي الطب، يعتمد في ذلك على الملاحظة الدقيقة في  مكونات جسم الإنسان، وكان يؤمن أن لكل حالة مرضية هناك تفسير علمي لها عكس ماكان منتشرا في عصره،وقد كان أبو قراط من أشهر أطباء القرن الخامس قبل الميلاد.  

- أمل شاهين، كيف تتحكمين في جنس الجنين، مصر: دارالكلمةللنشروالتوزيع، ط. 1427هـ/2006م،ص 49.[13]

3- جالينوس  كاتب وطبيب إغريقي شهير ولد سنة 130م وتوفي سنة 200م، متخصص في علم التشريح، أول من توصل إلى العلاقة بين الكسر وانقطاع الحبل الشوكي والشلل، صاحب العديد من النظريات المهمة في مجال عمل العضلات وتكون الدم.

[15]- أمل شاهين، نفسه،  ص49، 50.

- عبد الرحمن اليحيى، المختصر المفيد في تحديد جنس الوليد، ص 20.[16]

-  ابن منظور، لسان العرب، القاهرة: دار الحديث، ج6، ص233.[17]

- عبد الرحمن اليحيى، مرجع مذكور، ص20،21.[18]

- عبد الرحمن اليحيى، مرجع مذكور، ص  20.[19]

- أمل شاهين، مرجع مذكور، ص 35-36.[20]

[21]-  نجيب ليوس، مقال اختيار جنس المولودwww.layous.com.

- محمد عقلة، نظام الأسرة في الإسلام في الإسلام، عمان : مكتبة الرسالة الحديثة، 1983، ج 1، ص 149.[22]

-  صالح عبد العزيز كريم، المدخل إلى علم الأجنة الوصفي والتجريبي، دار المجتمع للنشر، ط 1411، ص 198.[23]

[24]-  زهير أحمد السباعي ود. محمد علي البار، الطبيب أدبه وفقهه، دمشق/ بيروت: دار القلم / الدار الشامية، ط.2، 1418ه- 1997 م، ص337.

- عبد الرحمن اليحيى، مرجع مذكور، ص31. [25]

- صحيح مسلم، ج1، كتاب الحيض، ص 252-253 .[26]

 

- عباس أحمد ابن الباز مرجع مذكور، ص 875.[27]

- النسائي، السنن بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، كتاب النكاح، باب العزل.[28]

- سورة الشورى، الآية49-50.[29]

- إياد إبراهيم، مرجع مذكور، ص 127.[30]

- محمود أحمد طه محمود، الإنجاب بين التجريم والمشروعية، الإسكندرية : منشأة المعارف، ص 242.[31]

- - محمود أحمد طه محمود، مرجع مذكور، ص 243.[32]

- محمود عبد الرحيم مهران، مرجع مذكور، ص 437.[33]

- سورة آل عمران الآية 159.[34]

- الترمذي، السنن، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، رقم الحديث 2344.[35]

- أبو العلي المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، دار الفكر، ج 7، ص 8.[36]

- الترمذي، السنن، كتاب صفة القيامة والرقاق والورع، باب 60، رقم الحديث 2517[37]

-  محمود عبد الرحيم مهران، مرجع مذكور، ص 626.[38]

- إياد إبراهيم، مرجع مذكور، ص 132.[39]


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق