]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كلام

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2014-02-26 ، الوقت: 20:05:06
  • تقييم المقالة:

الطريق غارق بظلمته،والمقهى غارق بوحدته. أرى بعض المارة يسيرون بتكاسل دون أن يلتفتوا،عيونهم ورؤوسهم ثابتة نحو الأمام. طعم القهوة هذه برغم رداءته،تعودته. ولا أخفي بانني صرت أحب مذاقة ومرارته الزائدة.
أجلس وحيداً،أمامي رجل عجوز بحذاء رياضي قديم مهترئ،و أحد ربطات فردتيه مفكوكة. مظهره يدعو إلى الضحك إلى والبكاء.
أحاول أن أُغرق نفسي بالتفاصيل علني أُبعد عن صدري شبح الوحدة الذي يجلس بقربي. خرج العجوز من المقهى وما بقي أحد غيري. الآخرون كلهم يجلسون في مساحة المقهى الخارجية لكي يتمتعوا بهواء الليل المنعش غير البارد. دوماً ما أجلس على هذه الطاولة.
رأسي يعج بأفكار عديدة:شقتي الخالية والممتلئة بالفوضى،وجه أمي الطفولي، والتفجيرات التي يُحدثني عنها كل سائقي الأجرة.
أن تكتب يعني ألا تخجل. أن لا تخفي شيئاً عن الآخرين عن طيب خاطر،لا بل بمتعة أحياناً. هذا أمتع ما في الكتابة: التحرر من القيود.
حين أرى الآخرين يجلسون معاً ويتحدثون بحماسة أشعر بفضول كبير لأعرف إن كان كل منهم يستمتع حقاً بوجود مع (أصدقائه)، أو اننا اعتدنا على أن نعتبر الجلوس مع الآخرين متعة وترفيه عن النفس.
أتأمل كل النسوة هنا،هذا المقهى يعج بالجمال الأخاذ. كل واحدة منهن أراها لوحة فريدة. كلهن رائعات!
حين أنسى أن أحضر قلمي معي إلى المقهى أضطر لأن أستعير واحداً من عند العمال. يستغربون طلبي لكنهم اصدقائي فلا يمانعون. بل يصل الكرم بهم أحياناً لأن يعطوني القلم هذا دون الحاجة لأن أعيده.
دائماً ما أرى العاشقين يجلسون هنا،أشعر بأن شيئاً ينقص علاقتهم لكنني لا أعرف ما هو بالضبط.
أريد أن ألعب طاولة الزهر لكن لا شريك لي يلاعبني. بالمناسبة،هذه اللعبة رائعة وتحفز التفكير والتخطيط. بالنظر إلى أن معظم كبار السن يلعبونها عادة، لا يمكن لنا أن نستغرب انجازات الأجيال السابقة في حالتي السلم والحرب.
منذ عدة أيام قرأ لي عامل في المقهى قصيدة غرام كان قد كتبها. لم أستطع إلا إن أبدي اعجابي بها رغم أنها شديدة الرداءة لغوياً،معانيها مكررة ومباشرة واسلوبها أشبه بأسلوب تلاميذ الصف الثالث الإبتدائي،من دون مبالغة. لكنه كان فرحاً بها،وقد فرحت لفرحه. وحين ابديت اعجابي بما كتبه زاد تألق عينيه وفخره. لم ارتكب جريمة،لا بل على العكس.زرعت على وجهه بسمة.لا أحد سيموت من وجود كاتب جديد فاشل على الساحة الثقافية. وأنا أكبر مثال،لم يمت أحد بسبب كتاباتي على ما أعتقد.والله أعلم.
الليل هادئ جداً وصاخب جداً في آن. لم اقرأ كتاباً فكرياً عميقاً واحداً في حياتي،مثل كتب السياسية أو الثقافية أو الفلسفية.وأفتخر،نعم افتخر. لا لأن هذا الأمر عظيم وعميق،بل لأن أمي تفتخر بكل ما أفعله. بعض العظماء يفتخرون لاحقاً باخطائهم،فيصير عامة الناس يمجدونهم أكثر،ويعتبرون أن أخطاء العظماء هذه هي تجسيد آخر لعبقريتهم، بينما هي تجسيد آخر لإنسانيتهم،ماذا وإلا كنت أنا عظيماً جداً.
القراءة والكتابة على الهواتف الذكية والحواسيب لا أعتقد أنها ارتقت وارتفعت بمستوى الثقافة بشكل عام. الكتاب بأوراقه المادية يجعلنا نمسك بما نقرأه،بأن نشعر بالكلمات تخترقنا. أشبّه القراءة الإلكترونية بحالات الحب الإلكترونية.
لا أعتقد أن أحداً سيخرج بنتائج عظيمة بعد أن يقرأ ما كتبته للتو،لكن من قال بأن كل أدب عليه أن يكون أدباً جاداً؟ و أن يكون صاحب قضية؟ أو كل جملة تّكتب عليها أن تحمل حكمة؟ وكل قصة عبرة؟ الكتابة والقراءة ليستا بالضرورة أمر تعليمي أو تلقيني،لا بل على العكس.التلقين يفقد القراءة جوهرها وروحها. القراءة تشبه الحياة،الحياة تفاصيل كثييرة،بمعظمها. الكتابة التي تشبه الحياة،ببساطتها وتفاصيلها وعشوائيتها تكون أقرب لنا أكثر،وتشبه أيامنا أكثر.
حاولت أن لا اكتب بأسلوب تلقيني ممل،رغم أن آخر جملتين فلتتا مني وكانتا "فزلكة خالصة". الطبع يغلب التطبع،وبالطبع،يغلبني أحياناً.أو غالباً.أو دائماً.والله أعلم.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق