]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المخرج عايز كده!

بواسطة: محمد البرقي  |  بتاريخ: 2014-02-24 ، الوقت: 23:26:08
  • تقييم المقالة:

"أنت و مالك ملك أبيك"
و دي أخر جملة بأسمعها قبل ما يجمّع بابا الفلوس مني و من إخواتي , لتذهب إلى سكة الـ"مافيش رجوع" أو اللي يبسميها بابا " هأحوّشها لك عشان يكتروا و ماتصرفهمش" , بعد محايلات طويلة منّي و التعهد بإني هأتصرف في فلوسي كويس و إني مش هأبذّرها تاني, رغم إني لم أفعل ذلك أولاني لكن المهم إن أي تصرف كان بيعمله والدي كان مصحوب بمشاعر ذنب من ناحيتي كأن هذا الكيان الأسطوري اللي كنت بأشوفه في والدي - ولازلت- لا يتحرك سوى لتقويم إعوجاجي و محاسبتي على كوني عربيدا يستحق السلخ بالكرباج.
بسرعة كنت بأجري على والدتي لأدخل في مفاوضات تفوق مفاوضات مسرح موسكو طرّا عشان تقنعه بإنه يترك لي ولو نصف المبلغ المسحوب عشان أخرج للمكان اللي بأحبه و أنا طفل, و اللي كان مش موجود لإني ببساطة مش عارف إزاي هأروح هناك بدون مساعدة لكن مَلَكة تكوين الأعذار لدي كانت لازالت في طَورها الأول و تتضمن الكثير من السذاجة و الطيبة و 80% من الحقيقة.

المهم تحاول أمي نص محاولة تبوء بالفشل و أرجع متحسرا لرصيدي الصفري, و أسألها "ليه يا ماما بابا عامل كده؟, أنا كنت عايز الفلوس و هو قال لي ان فلوسي بتاعته, مين اللي قال كده؟"
فتجيب و آيات الحكمة السرمدية ترتسم على وجهها و كإنها هتجاوب أشد الأسئلة إزعاجا لأنفس المفكرين:
"ربنا عايز كده"..

مع إحترامي لكل ماتؤمن به عزيزي القاريء لكن لك أن تتفهم إن إجابة زي دي لم تكن شافية لطفل صغير, لكن إهتمامات الأباء لا تتضمن إشباع فضولك المعرفي كطفل بل إخراسك في أقصر فترة ممكنة , و الحقيقة هم بيحطموا الأرقام القياسية في الموهبة دي, لدرجة إني لفترة إعتقدت إنه لا يستحق أن يكون أب اللي ماعندهوش موهبة "إخراس الأطفال" دي .

المهم إني كنت صغير جدا ساعتها على إكتشاف التشابه الغريب بين اللي ربنا عايزه و اللي بابا عايزه, لكن دي ماكانتش أكبر مشاكلي في وقتها.
بعدها بكام سنة إتوفى جدّي اللي كنت بحبه جدا, و كان الشرخ جوايا كبير لأول مرة هأرجع من السفر لمصر هيكون جدي مش موجود هناك , واحد من الأسباب اللي كنت بأجي مصر عشانها و بأتصبّر على السعودية بيها هو جدي, فقدت مصر جزء من بريقها بالنسبة لي لكن فضلت باقي الأجزاء, سألت بابا ليه ده حصل , ليه ممكن حاجة بهذا السوء تحصل, لو هيموت ليه خلانا نحبه؟ أنانية؟ , ولا عبث؟...و كان رد والدي و الدموع في عينيه :
"ربنا عايز كده"..

لما سافرت مصر السنة دي , إكتشفت إن خالي إستنى لما جدتي أخدت الميراث بتاعها و حطته في دفتر توفير و حتى الان الدفتر ده تحت تصرفه و مارجعلهاش, و إكتشفت لتاني مرة تشابه آخر بين اللي ربنا عايزه و اللي خالي عايزه.

علاقتي بالمتزمتين دينيا كانت مضطربة طول حياتي, و من المعتاد عني مبكرا إن أسئلتي كانت متمردة و نمطية الإمام و التابعين دي مش بتاكل معايا فكان طبيعي جدا يحصل الصدام المحتوم بيني و بين التيار الإسلامي , خصوصا لما كبرت و إندلعت الثورة و بدأت أعبر عن كرهي لهم بحرية اكبر من المعتاد وقتها , و حتى الوسطيين و اللي هم مجرد وقود للمتطرفين و حالة أضلع سوءا منهم بقوا يستنكروا عليا كلامي .. بما إني كنت إشتهرت نسبيا و الناس بتسألني أسئلة كتيرة بتبتدي بـ (ليه) , و كان ردي متهكما, "ربنا عايز كده" تعليقا مني على كل ماهو صدفي عبثي غير مبرر بأي شكل من إدارة رحيمة أو فكر إستراتيجي متواضع, و أخيرا إنتفضت الجموع و لكن ضدي و لم يثوروا على أي سلبية أثرتها في مجتمعنا , كان كل غضبهم بسبب العبارة المستخدمة في التعبير..

و هنا قررت إني أستجيب لمطالبهم و أقلل من حدة الإستفزاز الفكري لهم و أسلك طريق أكثر نعومة, و إفتكرت زمان لما كنت بأتفرج على فلم أجنبي و أستغرب مشهد عجيب زي حضور الشرطة دائما متأخرة في آخر الفلم فكان والدي - كأي والد مصري أصيل - يسكتني بعبارة "المخرج عايز كده", و قررت أن أستخدم نفس التعبير بتاع والدي للتلميح لنفس الإستنكار و هنا هدأت الجموع.

وافقوا على نفس الإستنكار, و نفس الشخص و نفس الأفكار, لكن تغير اللفظ فهِديوا, إن ميول الناس للتغير بتلمس فقط الملامح اللي بتبين قبحهم بشكل صريح, و التغيير فقط بيشمل إعادة تغطية القبح بأي مسكّن, يصبرهم أو يوهمهم إن المراية اللي بصوا لها أخيرا مكسورة أو مغشوشة.

فلو في حاجة ماعجبتكش عزيزي القاريء في المقال ده و عندك أي تساؤل عن سبب كتابتي لِيه, و ليْه في الوقت ده بالذات تذكر دائما..
إن "المخرج عايز كده".


http://brqi.blogspot.com/2014/02/blog-post_24.html


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق