]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أَوَليسَ التوفيقُ هو الرزقِ فى ذاتِه ياحضرات المُحلِّلين ؟!

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2014-02-24 ، الوقت: 20:19:57
  • تقييم المقالة:

ليس الرزق فيما أوهب الله المرء من ذكاءٍ وعبقرية .. وليس الرزق هو إغتنام المال فى ذاتِه ولا السُلطة ولاالمناصِب فى ذاتيهما إنما الرزق هو التوفيقُ فى ذاتِه ..

فقد يبذُل المرء عظيم ذكائه .. وقد يُكافِح طوال عُمرِه بينما فلايُحالفه التوفيق..بينما فمن كان يحسبهُ خائباً من بين أقرانهِ قد صار صاحب نصيبٍ وافرٍ فى الحياة رغم وضاعة قُدراتِه.. وقد يُفرز المرءُ من عقلِه عظيم الأفكار والفلسفات والنظريات العلمية والإبتكارات والإكتشافات أو حتى الإبداعات الفنية أو الأدبية وبصورة لايدانيه فيها أعظم العلماء والكتاب والمبدعين الأكثر شُهرةً ومكانةً .. بينما لايحالفه التوفيق فى كل هذا فلايأبه بإنتاجِهِ ثمة أحد ..

حتى أن أحد الشعراء المغمورين قد تبات إحدى قصائده  وقد إشتراها منهُ أحد الملوك أو الأمراء لينسبها لنفسه فتُسجِّل إسمهُ فى وجادين الشعوب بينما صاحبها المغمور هذا فلم ينتبه له أحد ويموت كما عاش نسياً منسياً كحال الشاعر المصرى المغمور صاحب إحدى أعظم قصائد أم كلثوم  وقد إبتاعها منه أحد الأمراء العرب  ليلحنها السنباطى وتغنيها كوكب الشرق لتصير أعظم قصائد الحب فى عصرنا الحالى .. هكذا لم يحالف هذا الشاب المبدع المغمور بإحدى قرى الدقهلية  التوفيق بينما كان التوفيق هو حليف الأمير السعودى رغم عدم ذكائه ولا إبداعه بالأساس ..

كما وكثيراً مارأينا العديد من الإبتكارات ماظلَّت بيد أصحابها من دون ظهورها للنور حتى إذا مانالها آخرون منهم لقاء قليل مال فصارت مقرونةً بأسمائهم من دون أصحابها الأصليين فإرتفع قدرها وقيمتها وشهرتها بين الأُمم .. السبب هو التوفيق ووجوده لدى البعض وإن قلَّت مواهبهم.. وغير موجود لدى الآخرين وإن عظمت مواهبهم ..

حتى أننا لانتجاوز القول حين نُجزم أنه ليس نيوتن هو الأوحد اللذى كان يعلم عن الجاذبية .. كما وأينشتاين ليس بالضرورة أنه الأوحد اللذى كان يعلم عن النسبية .. بل حتى ديكارت وأرسطو وأفلاطون وكل أصحاب الفلسفة اليونانية ليسوا هم فقط من دون عشرات الآلاف اللذين كان لديهم مثل مالديهم من فلسفة وعظيم رؤى.. حتى أكاد أجزم أن كثيراً من العبقريات الأدبية والإبداعية والفنية والتى تفوق آلاف المرَّات مايكل آنجلو أو ليوناردو دافينشى أو بيتهوفن أو باخ أو موتسارت أو تولستوى أو مختار لدينا ونجيب محفوظ كما وغيرهم من الكتاب والروائيين والفلاسفة والموسيقيين والرسامين بل هناك عشرات الآلاف ممن تجاوزوا فى نظرى قيمة كل هؤلاء وأولئك لكنهم لم يكونوا مُوفَّقين .. فعاشوا وماتوا دون أن ينتبه لهم أحد ..

إذاً الرزق هو التوفيق بالأساس .. إذ من دونه يباتُ الرزق بكافة ألوانه مُعَطَّلاً لايُثمِر لصاحبه ثمة قيمة .. إذ قد يصير المال  وبرغم نحسبهُ عين الرزق ومهما كثُر موضع آلام الإنسان وشقاوته فى الحياة إن لم يُكلَّل بالتوفيق.. كما والجمال كذلك لدى الفتيان والفتيات  وهو نحسبهُ من الرزق الا أنهُ يظل موضع شقاوتهم الا إذا حالفهُ التوفيق فيكون مثلاً جواز السفر إلى عالم النجومية والشهرة بل وحتى العمل وحصد الرزق بقبول أصحاب الأعمال لصاحبه ..

إذاً التوفيق هو عين الرزق اللذى من دونه يباتُ المرء غير مُرزقاً وإن عظُم مالُه وإن حسُن جمالُه وإن سَمَت مكانته..

فمثلاً فى السياسة يأتى السادات يدفع به أصحاب مراكز القوى وقد ظنُّوا أنهُ إمَّعة لاقيمة له  كنائب للرئيس عبد الناصر فيُحالفه التوفيق ليكون أقوى وأدهى زعماء مصر قاطبةً فيتخلَّص منهم بركلة قدم ومن الإحتلال الصهيونى بركلة قدم أخرى ليبات هو من بعد أعظم نقطة مضيئة فى التاريخ المصرى رغم قِصر مدة حكمه مقارنةً بحكام مصر جميعهم وعلى مدى التاريخ المصرى ..

بينما فيأتى  الرئيس السابق مرسى وقد نال أعظم ماتمنى من طموحات الإخوان ومن بعد نضال ستة وثمانين عاماً الا أنهُ لم يُكلل بالتوفيق ولو للحظة واحدة .. فبرغم خضوع الجيش له وفى أعظم ضربة منه لقياداته حين أقال طنطاوى وعنان الا أن الجيش لم  يستنكف قادته ومن بعد ساعاتٍ قلائل على آداء التحية العسكرية له كرئيس شرعى للبلاد .. ومن ثم هو فى نظرى ساعتها كان أعظم قوة بل وكاريزما من السادات نفسه .. وقد عظمت ضربته قوةً عن ضربة السادات نفسه لمراكز القوى اذ قوة الرجلين الجنرالين هى أعظم ألف مرة من مراكز القوى لدى السادات .. كما وتوابع قرار السادات فى هذا الشأن ومخاطره عليه ليست هى أعظم فى الترقُّب من قرار مرسى ذاك .. ومن ثم هو لايقل فى نظرى قوة عن السادات .. لكنه رجُل لايحالفه التوفيق وبرغم وصوله لموقع المستحيل لدى الإخوان المسلمين كأول رئيس للدولة من بينهم وقد كانوا من قبل جماعةً محظورة ..

الرئيس السابق مرسى فى نظرى ليس كما سوَّقهُ الإعلام للعوام من كونه كما المساطيل لايدركون مايقولون .. بل هو الأستاذ الجامعى  ولإحدى أعظم كليات القمة كأستاذ للهندسة .. الرجُل ليس كما كانوا يظهرونه أنه لايجيد الإنجليزية حين راحوا يتهكمون عليه .. إذ كيف يمكن هذا وهو أستاذ الهندسة واللذى عاش لدى الأمريكان سنين عدة يتكلَّم بلسانهم ..

معنى هذا أن الرجل لم يكن ينقصه الرزق أى المؤهلات الحاصدة للطموحات وقد توافرت .. حتى أن مساندة الإستراتيجيات الخارجية له  وبدون تقييم لتلك المساعدات  من باب التخابر والعمالة حسب ماهو متهم الآن به وقد يثبت براءته أو إدانته من بعد لكن حتى الآن تحكمنا معه قرينة البراءة طبقاً للنظرية العدلية السامية .. ومن ثم كان مؤازراً مدعوماً من جماعةٍ ذات ثِقل فى الداخل .. وإستراتيجياتٍ ذات قوةٍ وتأثيرٍ فاعلٍ من الخارج ..

ومن ثم الأمر ليس غياب رزق بمؤهلات .. إنما غياب توفيق .. إذ وبرغم عظيم ملكات ومؤهلات وأدوات الكسب والرزق لدى الرجل الا أنه لم يُكلل بالتوفيق ولو للحظة واحدة منذ قدومه رئيساً .. فأفقدهُ عدم التوفيق كافة مؤهلاته وأدواته بل وحتى ذكاءهُ ذاته منه .. إذاً العبرة فى الرزق ليست سوى بالتوفيق ..  

ذات الأمر لو نظرنا للمشير السيسى .. فالرجل فى نظرى  ليس فى كاريزما المشير أبو غزالة .. ولا لهُ قديم بطولات من اشتراك فى حروبٍ وطنيَّة تُصعِّد من نجمِه .. ولم يكن أحد يتوقع صعود إسمه ولم يكُن يعرفه أحد بالأساس .. ولو كان الأمر مجرد دور ببطولة .. كان هناك فى وجدان الشعب اللواء الفنجرى مثلاً وقد إلتصق بوجدان الشعب حين ثورته الأولى حين أدى التحية العسكرية لشهداء الثورة فعشقه المصريون لكنهُ فى نظرى لم يكُن موفقاً إذ لو كان كذلك لأتتهُ الفُرص من كل صوبٍ وحدب كما المشير السيسى ..

فمثلاً المشير السيسى وبرغم لم يكن يعرفه أحد بل كان ضمن الجنرالات العظام وكآحادهم غير ذات وميض .. لكن عندما يأتى التوفيق .. فيعمد له الرئيس مرسى وفور إقالته للجنرالين العجوزين بحقيبة  الدفاع كوزيرٍ لها فى عزمٍ منه لإختراق جماعته المؤسسة العسكرية وبمخطط لاينكره الجميع .. وقد كان يعتقد أن الرجل كحال السادات ونظرة مراكز القوى له هو كذلك الرجُل الضعيف اللذى يمكن اللعب به .. ولم يكن يعلم أنهُ أتى برجُل يُحالفه التوفيق وتصُب فى مصلحته كافة العوامل المساعدة والتى أبرزت نجمه بل وغرسته داخل وجادين المصريين .. حتى صار الجنرال الضعيف فى نظره والمُوفَّق مؤازرةً .. هو أحد أدوات الإطاحة به وحسب نداءات الشعب والتى  كان سببها بالأساس عدم توفيقهِ هو كرئيس للبلاد ..

لاشك تقييمنا هنا هو لعنصر التوفيق ليس إلَّا .. وليس التقييم السياسى حتى لايتهمنا البعض بأننا  نُجمِّل صورة مرسى ونسيىء لصورة المشير .. بل محل التقييم هنا هو  زاوية التوفيق فحسب .. تلك الزاوية المفقودة لدى مرسى جعلت من إجتماع الأمن القومى اللذى راح يناقش الأمن المائى من وراء سد النهضة الأثيوبى  واللذى كان فضيحة عالمية أضحكت العالم بأثرِه  على مؤسسة الرئاسة المصرية على الهواء مُباشرةً .. أوليس هذا كان عدم توفيق .. كما وإسراعه فى خطوات التمكين والتى جعلته يواجه أعظم مؤسسات الدولة قوة فحفرَ عدم التوفيق قبراً لحُكمِه .. ومن ثم وفى رأيى لو كان مرسى مُوفَّقاً لصبَّت  كافة أدواته فى صالحِه حتى ولو كانت فى صورتها تلك من الضعف والإدارة الخائبة .. لذا لم يكن الرجل مُوفقاً ..

فى نظرى أن المشير أحمد اسماعيل وزير دفاع حرب أكتوبر كان هو الأولى لو كان مُوفَّقاً بموقع نائب الرئيس السادات رئاسة مصر من بعد السادات الأمر اللذى لو حدث لما كان مبارك موفقاً فى حصوله على المنصب ولكان من حظ شخصٍ آخر من بعد وفاة المشير الراحل عام 1974 وهو الرئيس الخائب واللذى لا أرى فيه ثمة عبقرية إنما كان الأكثر توفيقاً ..

ذات الأمر الفريق شفيق وبرغم عظيم رزقه فقد خانهُ التوفيق .. حيث أنه وبرغم كونه هو أعظم  الأسباب الخالقة لسقوط مرسى والثورة عليه ومنذ أول لحظة فوزه وخسارته هو أمامه فى السباق الرئاسى وقد غادر البلاد للإمارات فكان سبباً فى الدعم الخليجى لمصر كما ولعلاقاته برجالات حكم الخليج واللذين صنعوا معه إطار تفاهم مع الروس فكانت كثير من المساعدات العسكرية والمالية لمصر وحتى حدثت ثورة يونيو وهو الحاصل على أكثر من عشرة ملايين صوت من قبل ومن ثم كان هو الأولى والأعظم فرصة لو كان مُوفَّقاً ليتولى الرئاسة القادمة من بعد يونيو .. الا أنه لم يكن موفقاً وقد صعد نجم الفريق السيسى ساعتها لتسرق صورته فى وجادين الناس المشهد من الفريق شفيق .. فصار عدم توفيقه وبرغم عظيم أدواته ونشاطاته وقدراته ومؤهلاته  وأدواره العظيمة الخالِقة لقيادة رمزية ثورية من الممكن لو كانت موفقة أن تلتف حواليها الجماهير وهى متعاطفة معها .. صار عدم توفيقه هذا سبباً فى ضياع حلمه المرتقب ..

إذاً ومن دون حاجة لزيادة فى ضرب الأمثلة نرى أن التوفيق هو الرزق بعينه وليس كما يعتقد الناس أن الرزق فى المال فقط أو حتى فى الأولاد أو حتى فى الممتلكات والمناصب بل وحتى فى الذكاء والعبقريات ذاتها .. إذ كل تلك الاشياء والتى نظنها أنها هى الرزق بعينه قد تكون سبباً لأشد معاناة أصحابها إن لم تؤازر بتوفيقهم .. نصل من خلال كل هذا إلى أن التوفيق هو الرزقِ فى ذاتِه ومن دون ثمة جدال .. !! ..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق