]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أدركوا العلم لأنه يحتضر !

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-02-23 ، الوقت: 16:06:30
  • تقييم المقالة:

  أدركوا العلم لأنه يحتضر !

تبدأ النار بشرارة ثم مع توافر مؤهلات الحياة لها تزداد قوة ومنعة ويكبر قدرها لتأكل الأخضر واليابس ، وتفتك كل من يقف بوجهها من غير هيبة ولا وجل ، وتأخذ بطريقها كل معترض لها حتى ولو كان أعدى أعدائها وهو الماء فلا ينفع الماء الذي خلق لتبديدها عندما تكون في أوج قوتها ومنعتها فهي التي تبدده فتفصل بين أجزاءه فيركض الأكسجين هاربا مولولا ويفر الهيدروجين لا يلوي على عقب ، ثم ما هي الا ايام أو ساعات وتبدأ هذه النار تخبوا وتتراجع وتبدأ جذوتها بالانطفاء ، ما لم تجد من يجدد لها قوتها ويزيد اضطرامها وعنفوانها .
هذا حالها وحال كل مخلوق في هذه الدنيا ، فكذا الانسان والحيوان والنبات له أول وآخر له مرحلة قوة وضعف وشدة ولين ، وزهو وتناهي .
بدأ العلم قليلا كجذوة النار فكان الانسان أجهل شيء به هو الإنسان نفسه وكان جهله بغيره يفوق جهله بنفسه ، فيجهل أبسط الأمور وبديهياتها ويجد نفسه عاجزا عن المعرفة الانسانية وتفسير الأمور التي تجري من حوله ، ومرت الأيام ليزداد نهر العلم وتتكدس المعارف وتتوالي المعلومات وتتنوع فروع السواقي التي تخرج عن النهر ثم يكبر النهر ليصير بحرا لا يدرك مداه ، حتى وصل علماء الانسانية الى حد كبير في موازين الانسانية لكنه لا يذكر في موازين الالوهية ، لدرجة انهم استطاعوا ان يطوعوا جملة من خدمات الكون بما يؤمن لهم أكثر وسائل العيس والرفاهية وحسن الاستخدام فكانت الاتصالات والمواصلات وتخزين المعلومات وطرق البحث ، مما وفر على الانسانية الوقت والجهد فتطورت العلوم بسرعة فائقة وبشكل لافت ، وكأنه كان مدفونا جملة فظهر جملة ، ووصل الانسان الى القمر وحلق في السماء وركب البحار وغاص في الاعماق وأضاء الليل وأعتم النهار وتخطى حواجز الفصول الأربعة فلم يعد الشتاء عائقا ولا الصيف كذلك ، وتعرف على الطاقة الكامنة والطاقة الغير منتهية ، واستطاع من في الشرق ان يعلموا خبر من في الغرب في لحظة ، وكان حال العلماء فيما مضى بشير خير فقد كانوا على قلة المعلومات والمراجع وأدوات الاتصالات والمواصلات الأكثر علما وتفننا وكان الواحد منهم يقدم من الكتب والمعارف ما يعجز عن قراءته طلابنا في هذه الايام لو أرادوا ، وكان عندهم من سعة الأفق والاتقان والمكنة وفهم علوم الأولين الشيء الكثير كأنهم يعاصرونهم ويجالسونهم ، ودونوا تلك العلوم في الكتب فقدموا للمكتبة العامة والانسانية الشيء الكثير ، حتى حق للعلم ان يمشي الخيلاء بما حققه من التقدم على كل المستويات .
ثم قامت ثورة العصر الحديث تنقلب على العلم فتسلبه أهله وتقضي على طلابه وهي بالتالي انما تقضي عليه ، فما قيمة الكنز ان كان لا يستطاع الوصول إليه وما فائدة الماء ان تعذر الحصول عليه ، فضعف العلم هو ضعف طالب العلم وكذا العكس ، وهو آفة العلم وهلكته .
ظهرت الجرائد والمجلات وكان فيها من كل زهرة بستان فكأنهم يقولون للناس ما لكم وللكتاب هذه بضع ورقات يكتب فيها أكابر الكتاب ومثقفو العصر وفيها من الغنية والتنوع ما يكفيكم مشقة البحث ومغبة العناء من مطالعة الكتب والمراجع ، وهو زمان السرعة فدونكم ما تريدون من المعلومات تنوعون معارفكم وتزيدون ثقافتكم بأقل جهد و كلفة و زمان ودون الحاجة للأستاذ والمعلم ، فاعجب طلاب العلم بذلك وانفضوا عن الكتاب لقراءة الصحف والمجلات وكانت القطيعة بينهما أولا ، فكان هذا هو المسمار الأول الذي دق في نعش العلم وكانت بداية الانهيار ..
ثم قامت ثورة المدارس والجامعات فقسموا العلم وجعلوا بين معارفه سايكسبيكو شتت الشمل وأوهن العلم وأضعف التوسع والتنوع دون اكتراث بتلك الصلة بين العلوم والمعارف وحاجة بعضها للبعض فكان كل له تخصصه لا يتعداه وكتبه لا يتخطاها ، وألزم الطالب بمقررات علمية لا تزيد ان تكون نوعا من الثقافة العلمية لا المعرفة الحقيقية ولا الملكة الحقة ، وفيها من الاختصار والايجاز والعصر ما يعجز العاصر عن عصره ان يخرج نقطة بلل بعده ، وأطالوا زمان الدراسة وساووا بين الناس في القدرات فكان الطالب الغبي كالطالب الذكي لكل منهما منهاج واحد يتمكن الذكي ان يحوز في شهر ما وضع منهجا لسنة ، فكان هذا هو المرض الثاني الذي اقض مضجع العلم ، ثم ظهرت كارثة الشهادات العلمية فصارت غاية الطالب الورقة لا العلم وتصدى للتعليم حملة الشهادة لا حملة العلم وصار غاية الطالب الشهادة فان نالها اعرض عن العلم وصار العالم عالم كتاب لا عالم علم وشيخ مسألة لا أستاذ فن ، وازري بأهل العلم لانهم ليسوا أهل شهادات ، وصار الطالب العاجزا عن درك العلامة مع توفر العلم ممنوعا من تناول العلم لانه لم يكن قادرا على تحصيل العلامة المناسبة فيختص في غير ما يهوى ، مع أن ضعفه في علم لا يعني ضعفه في آخر فكان هذا بمنزلة الطرد له والرسوب في مدرسته وعدم تمكنه من التقدم بحجة أنه فاشل لا يستطيع المضي، وهذا المرض الثالث ثم ظهرت ثورة حفظ المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا التي سخرت وسائل حفظ العلم والبحث عنه والوصول إليه فلم يعد الطالب يرى حاجة في حفظه للعلم لانه لا يريد ان يزيد حافظة على الموجود وما قيمة ذلك ، وصار الطالب ازهد بالمعلومة لانه يجدها مبتذلة أمامه يمكنه الوصول إليها متى شاء وبسهولة واضحة ، فزهد في الطالب وأهمل الحفظ وترك الفهم ، وأعرض عن المطالعة وترك الكتب وصارت حاجته إلى وسائل الراحة والرفاهية أحوج عنده من العلم والمعرفة والكتاب وأقفرت المكاتب من رغبيها والكتب من قارئيها فقل عدد الطلاب مما يستدعي ضرورة ان يقل معه العلماء ، فكانت هذه الثورة بمنزلة الطلاق البت الذي لا رجعة بعده ، وهي بمنزلة المرض الذي يعدل كل ما سبق من الأمراض ، فصار الطلب عاجزا ان يتخصص في علم فيتقنه فضلا عن أن يتقن عددا من العلوم وأصبح العلم حكرا على طبقة ضيقة من الناس فقط وهم يتفانون واحدا تلو الآخر
وانشغل الناس بوسائل الإعلام وما تبثه من تحطيم لقيمة العلم وأهله وما تشيعه من فتن ومؤامرات وتحارب هنا وهناك فتشتت الطلاب وخارت عزائمهم ووهنت قدراتهم وهم يرون علوا أهل الجهل ومنزلتهم والزراية بأهل العلم ومكانتهم ، ويرون الجاهل أشهر من بيرق على علم والعالم أخفى ما يكون فزهدوا بالعلم وأهله .
ولعلي كنت في بداية للطلب لا أعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال " ان الله لا ينزع العلم انتزاعا من قلوب الناس ولكن بموت العلماء"
فكنت أقول فليمت العلماء وما الريب اذا كان العلم مدونا في الكتب ومحفوظا في وسائل الحفظ ومحميا من الضياع ، ولم أكن أعي ان العالم بمنزلة المترجم للكتب والمفهم والشارح المبين لما غمض منها وهو صانع الآلة والقادر على اصلاحها وهو الوقود للطالب الذي يمده بما يحتاج عند انطلاقه في سماء العلم ، حتى رأيت بعض الناس من مدعي العلم ينظرون في كتب بعض المتقدمين ، وكأنهم يقرأون تعويذة آشورية أو كتابات آرامية أو فلسفة عميقة وكأني بهم لا يفهمون لغتهم كعدم فهمهم للغة غيرهم ويعجزون عن معانيها وكأنهم أعاجم في ميدان البلاغة العربية .
ولا يغرنك التقدم العلمي اليوم فتقول وكيف هذا ونحن بلغنا ما بلغنا ؟ فأقول أنك ترى نفسك في القمة عاليا لأنك وصلت اليها في ظنك وتظل ولأنك ترى نفسك أعلى من الوادي ولأنك ما زلت تهوي ولكن هذا لا يعني انك تتقدم وترتفع بل تهوي وتنخفض ، فالتقدم العلمي الحقيقي عند الأمم يقاس لا بما توافر من المعلومات بل بالقدرة على توفير ما لم يتوافر وبذل الأمة لتوفيره والحصول عليه ، والا فما قيمة أمة تجهز الجاهز وتحاول أن تبلل الماء .
إن العلم يتراجع بموت العلماء وتخلي طلاب العلم عن المعرفة وطلب العلم للعلم ، واعراضهم عن الكتاب فأنت تجد أن كثيرين من الطلاب والمثقفين يمر عليهم العام الكامل دون أن يقرأوا كتابا كاملا في فن من الفنون ، أو يضيفوا للمكتبة العلمية والمعرفة الانسانية ما يعبر عن مستواهم الفكري والنفسي ، محتجين بأنه ما ترك الأولون للمتأخرين شيئا يضيفوه ولكنهم أساؤوا كثيرا فان الأولين تركوا الكثير الكاثر ، وان ما نحتاجه من العلم أكثر مما نملكه وكلما زاد الانسان علما كلما ادرك جهله للعالم من حوله ..
فهل سيقوم العلماء والأطباء بادراك العلم فينقذوه من براثن المرض ام انهم سيتركونه يحتضر أم هو الآن في سكرات الموت ؟

الكاتب مصعب الأحمد بن أحمد


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق