]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اخفاقات العقل التقني العملي الغربي

بواسطة: Mohamed Yasser Saad  |  بتاريخ: 2011-11-16 ، الوقت: 22:42:53
  • تقييم المقالة:

 

إخفاقات العقل التقني العملي الغربي  ــــــــــــ                                                                                           محمد سعد*  

في الوقت الراهن يبدو مسار الوضع البشري يتجه نحو إعادة التشكل عبر سلسلة من الانهيارات المتلاحقة داخل مجالات العقل التقني العملي : الجيوـ ستراتجي و السياسي، و الاقتصادي المالي ، و البيئي ، و السبرنيطيقي. و تشهد وثيرة هذا التحول  في العقد الأخير تسارعا هائلا  يخلف وراءه مشهدا مليئا بالقلق و التوتر، و كأن طوباوية الوعد العلمي و التقني بدأت تفقد شيئا كبيرا من بريقها الذي سوقته في بداية القرن العشرين بجلب السعادة و الاطمئنان للناس. الاحتباس الحراري و الكوارث المتلاحقة و الشديدة للمناخ، و التهديدات الإرهابية ، و الحروب المحتملة بين الأديان، و انهيار الأسواق المالية ، و إفلاس الدول ، و انهيار السيادة الاقتصادية و الثقافية من جراء قوة التيار الجارف للعولمة، كلها معطيات مستجدة تلاحقت دفعة واحدة دون أن تمنح الإنسان  الفرصة و الوقت الكافي لاستيعابها و التأقلم معها. ينطوي الوضع على مفارقة غريبة : هذا الإنسان المزهو بنرجسية الذي يدفع عقله التقني العملي إلى الإفصاح عن كل ما فيه من طاقات و إمكانات  إنجازية ، و يرغم النظام الطبيعي إلى  فضح  كل تركيباته و أسراره و كل الفراغات التي يمكن للعقل اللعب فيها و التلاعب بها. و من جهة ثانية يقف هذا الإنسان نفسه مشدودا كالقوس متوترا و متوجسا من كل ما يعتمل أمامه و عاجزا على التحكم في النتائج.

يتضمن مفهوم الإنسانية قدرا كبيرا من الميعة  و لا يساعدنا على الخروج من هذه المفارقة التي تستبد بعقولنا ، ليس الإنسان مفهوما منسجما سوى نظريا و من المطلوب الوعي بحدود الاختلاف داخل الحقل الدلالي للمفهوم في تاريخيته .فإنسان العقل الطبيعي و الإنسان الصانع يختلفان بشكل جذري عن الإنسان السيبرنطيقي الذي يمثل فصيلة أعلى في سلم التطور النوع البشري. فالإنسان المزهو بإنجازيته المتصاعدة و اللانهائية ، و ذكاءه العلمي و التوقعي يقف اليوم مثل الساحر الذي رمى بالعصا و إذا بها ثعبان يسعى دون أن يتوقع أنه سرعان ما سيقف أمامه متربصا به لينقض عليه. في قلب هذا المفارقة يتضمن الذكاء الإنساني الجديد قدرا من السذاجة بفعل عدم توقع النتائج المأساوية، فالعقل التقني العملي و العلمي يسير نحو تحرير مساحات كبيرة من الغموض و الجهل دون أن يفكر في تمشيطها و تحصينها من الأخطار القائمة و المحتملة. تضعنا الانفجارات الأخيرة في المفاعلات النووية اليابانية بفعل زلزال و أمواج تسونامي أمام السؤال الحقيقي: هل بإمكان العقل العلمي و التقني التحكم في تكنولوجيا النووية في سياق النظام الطبيعي الذي يخفي قدرات هائلة على الحركة اللامتوقعة؟ إن أغلب الذين ماتوا في هذه الكارثة الطبيعية المزدوجة كانوا ضحايا انهيارات للمساكن العمودية و للمعدات و الوسائل التي جرفتها السيول كقذائف تسحق الناس و تهشم أجسادهم.ولم يكن عدد الضحايا ليرتفع إلى الرقم المخيف لو واجه الناس الكارثة في ظروف طبيعية و معيشية عادية، بمعنى لو لم تكن اليابان هذا الرقعة الأرضية المتخمة بالاسمنت و السيارات و الحديد و المعدات الصناعية لكان عدد الموتى اقل مما حصل.و لو لم تكن هناك مفاعلات نووية في فوكوشيما لن يموت الناس في السنوات اللاحقة بفعل كل أنواع السرطانات. و لو لم تكن هناك أبراج شاهقة في مانهاتن بنيويورك على درجة عالية من التعقيد ، و لو لم تكن هناك طائرات ضخمة  لن يقضي الآلاف من الناس تحت الأنقاض حتى لو فكر إرهابيون في قتل الناس. لم يكن أحد من خبراء الأمن و الهندسة المدنية يتوقع سلسلة من الانفجارات المتتالية في ستة مفاعلات نووية دفعة واحدة، و لا هذا الكم الهائل من السيول الجارفة . و لم يكن أحد من الخبراء الأمريكيين في كافة مجال الدفاع و الأمن و الهندسة المدنية يتصور إمكانية حصول مثل هذا الهجوم بهذه الدقة و القوة، حتى أن الأميركيين لم يستيقظوا بعد مرور عشر سنوات من صدمتهم و دهشتهم. كما أن التوسع الهائل و السريع للثروات المالية بفعل تحرير الأسواق من الرقابة و القيود و الحواجز و الاعتماد المفرط و الساذج على  النظم الرقمية  خلق تضخمات مالية أشبه بأورام حميدة في بدايتها تنتشر بسرعة و تنمو لتنقلب فجأة إلى سرطانات خبيثة. لو لم تكن البورصات و الأسواق المالية القاطرة التي تجر اليوم الاقتصاديات ، و لو لم تكن النظم الرقمية التي تحرك  نشاطات هذه الأسواق و البنوك، لظل الاقتصاد واقعيا صلبا قادرا على المقاومة و يمكن التحكم في حركاته لأنه يسمح بالتوقع و يمنح وقتا للتدخل. غير أن ما هو افتراضي الذي تدعمه الرقمية و السلسلات الرياضية المعقدة يتميز بالحساسية المفرطة في الفعل و رد الفعل ، و بهشاشة و ضعف خطير للمناعة، و ما أن يصدر تقرير مبني على مؤشر توقعي لشركة متخصصة في الخبرة المالية حتى تدخل الأسواق المالية في ميكانيكا معقدة و باثولوجية تخلف وراءها محصولا ماليا سواء كان كاسدا أو خصبا غير قابل للانتفاع به واقعيا . إن التعاملات في الأسواق المالية و البنوك اليوم أشبه بتعاملات لعبة مونوبولي الشهيرة، فالأموال و الأصول و قواعد اللعب لها معنى داخل النسق المغلق للعبة، و لا يمكن بأي حال أن تكون ذات قيمة واقعية . و يبرر هذا الوضع الأصوات التي ارتفعت من هنا و هناك لأناس حكماء و عاقلين يطالبون بالعودة إلى الاقتصاديات الصلبة و الحقيقية ، و الحد من التبعية للأسواق المالية بوضع تشريعات صارمة للحد من المضاربات و التعاملات المغشوشة. يقف الجميع حائرا أمام الأزمة التي تنتقل مثل جرثومة وباء معد دون القدرة على فعل أي شيء، كل الحلول مؤقتة و لا تضمن الشفاء، و أعراضها الجانبية خطيرة. لكن السؤال الساذج و العميق الذي يطرحه المواطنون في جميع الدول هو أين ذهبت كل هذه الأموال؟ كيف حدث هذا؟ الأمر أشبه بثقب أسود هائل انفتح على حين غرة في الاقتصاد المالي المعولم ، ابتلع كل شيء ، و لا يمكن محاصرته.

عبر كل هذه الكوارث و غيرها يتبين أن العقل العلمي التقني المفرط في عتاده المفاهيمي و الحسابي و التكنولوجي لم يكن على درجة بسيطة و ضرورية لتوقع كل هذه الأخطار، و الغريب أن هذا العقل بلور مفاهيم و نظريات و براديغمات عملية في تدبير الأخطار بكل أنواعها في كل المجالات. كيف حصل هذا الكم الهائل من الخطر دون أدنى انتباه؟ هناك نوعان من الفرضيات التي يمكن أن نبرر بها هذه الثغرة التي حصلت في جدار العقلانية التقنية العملية، تقضي الفرضية الأولى في حالة الأزمة المالية و السياسية ، و ما يشبها من الأزمات المحتملة في مجال تدبير ما هو إنساني مثل الهندسة الوراثية و الجينية و المعطيات المناخية و البيئية، أن العقلانية المعاصرة التطبيقية تعيش حالة من الفصام الايطيقي ، و ما نقصده هنا هو الاستبعاد الكلى للانشغالات الأخلاقية و القانونية في تدبير التطور العلمي و الصناعي. و هذا الاستبعاد هو في واقع الأمر ارث تمت تنمية باستمرار عن الفلسفة الوضعية المنطقية التي أطرت تطور العقل العلمي في بداية القرن العشرين، من خلال تصعيد قوي للحداثة المظفرة و قدرتها على توسيع مملكة العقل التحكمي  . مقابل الاتيطيقا الممكنة للفعل العلمي  هيمن اورغانون الحساب الرياضي التجريبي، و تحرر النشاط العلمي من كل مساءلة و متابعة ثيولوجية و أخلاقية و قانونية، و تحول إلى حركة حرة تحتكم إلى قوانين ميكانيكيتها الخاصة. و من شأن هذا العقل المصاب بالنرجسية الإنجازية أن يتجاوز حدود الحرية المسئولة إلى حرية مطلقة تمكنه من بسط إرادته الخاصة على الحياة الإنسانية، التي ليست كلها حقلا علميا و عقلانيا. و بعد أن حول الطبيعة إلى نسق من المعادلات الرياضية الميكانيكية، و المجتمع إلى نسق من المتغيرات الإحصائية و شبكات نمطية للتفاعل ، و النفس إلى تفاعلات كيمائية و عصبية ، و التواصل البشري إلى نظم سبرنطيقية ، و الاقتصاد إلى سلاسل من الحسابات الرياضية المالية،  تمكن هذا العقل أن يفتح جبهات متعددة حقق فيها انتصارات سريعة و مدوية على حساب ما هو إنساني و طبيعي. العلم لا يفكر ، هكذا تكلم هايدغر في نقد التقنية، فالعقل التقني العملي أحادي البعد ، و حسابي  ، و ينتج السلاسل النمطية فقط. و يبدو أن هذا العقل قد خدع الإنسان المعاصر و خلف وعده البراق في توفير السعادة و الأمن ، و هو اليوم بفعل أزماته يكشف عن  مدى محدودية الدوغمائية العلموية الحداثية، و بالمقابل تعود الحقوق بالتدريج إلى الميتافيزيقا و اللاهوت و الأخلاق. فالتقنية العلمية هي مجرد مرحلة من مراحل تطور طويل للعقلانية نحو النضج، و يحدث أن يتوهم العقل أن هذه العقلانية التقنية العملية هي منتهى حركة العقل. و ما يعتمل اليوم من أزمات سيكشف مع الوقت أن هذا العقل يحتاج إلى تهذيب ميتافيزيقي جديد ليخرج من حالة مراهقته و اندفاعه التحكمي و الحسابي إلى حالة الرشد و المعقولية الإنسانية و الأخلاقية.

من المخجل سماع المحللين و الخبراء الاقتصاديين يردون الكارثة المالية الحاصلة إلى عاملين أساسيين: المضاربة المفرطة في أسواق المال و عدم شفافيتها، ثم عدم صدق البيانات الاقتصادية و المالية التي تقدمها الدول و الشركات. و دون الاهتمام بالعوامل التقنية التي سرعت الأزمة و وسعتها تكون نواة هذه الأزمة أخلاقية بالدرجة الأولى تدور في حلقتها ثلاثة رذائل : قاعدة كل ما يحقق الثروة و النجاح هو مشروع، و البقاء للأقوى و الأصلح و كل وسائل المنافسة مشروعة، و الرفاهية غاية في حد ذاتها و لا يهم أن تتجاوز الإمكانيات الحقيقية لأفراد و الدول.

العقل التقني العملي هو بصدد انجاز عقله الأخلاقي العملي، عبر نحث قوانينه ومقولاته ، و القانون الأخلاقي الأسمى في منظومة هذا العقل هو  الاستهلاك كمبدأ للحياة الحداثية. حتى أن مفهوم الحرية يعاد نحثه و فق مقولات الأخلاق الاستهلاكية، و بواسطة وسائل الدعاية و العلوم الاجتماعية و النفسية التي تخدم التسويق، و توهم الناس و تخلق فيهم حوافز و استجابات لاشعورية . و لا يشعر الإنسان الحداثي بالحرية إلا من خلال قدرته على الاقتناء، لأن الإرادة بما هي تعبير عن الحرية  هي في الأصل القدرة على تحقيق الرغبة. غير أن رغبات إنسان المجتمعات الحداثية  أصبحت مائعة، و من الضروري دفعها إلى المزيد من الميعة لتصبح استيهامات و فنتازيات تحقق شعورا داخليا بالأمن و اللذة. و إن كان تحقيق الرغبة يقوم مبدئيا على القدرة التي يتمتع بها الفرد على إنجاز الرغبة ، فالعقل التقني العملي في صيغته الرأسمالية الاستهلاكية قام بزحزحة محتوى القدرة مما هو كائن إلى ما هو ممكن أو بالقوة، حيث أصبحت القدرة ذات محتوى افتراضي، و لم يعد الاستهلاك يحتاج إلى قدرة مالية حقيقية بل إلى شهوة سيكولوجية فقط تتمثل في المزيد من الشعور بالحاجة و التملك، و التغطية المالية للمقتنيات تتم بواسطة المال الافتراضي و المحتمل من قبيل القروض و بطاقات الائتمان الالكترونية. و من الشعارات الساذجة و المضللة في نفس الوقت ما يروج في الكثير من الدعايات الاستهلاكية مثل :اشتر اليوم و ادفع في العام المقبل، و اشتر و اربح قسيمة شراء أو شارك في قرعة . هذه الذهنية الاستهلاكية الجديدة التي تمثلها اليوم علوم التسويق تهدم رياضيا معادلة الدخل و الاستهلاك ، و تهدم في نفس الوقت على المستوى الأخلاقي مبدأ المسؤولية في الفعل. فلم يعد الاستهلاك يخضع لتوازن الدخل و الإنفاق، و أصبح بإمكان إنسان المجتمع الاستهلاكي أن ينفق أكثر من القيمة الحقيقة لعمله الإنتاجي. و العامل الذي أدى إلى انهيار الأسواق العالمية هو السندات المسمومة التي أصدرتها بنوك الرهن العقار الأمريكية نتيجة عجز المستدينين عن الوفاء بتسديد ديونهم، لأن لأبناك تحت ضغط السيولة المالية المتراكمة كانت في حاجة إلى تصريفها في قروض متوسطة و طويلة الأجل من دون وجود ضمانات حقيقية.  استدرجت فئات اجتماعية قسرا و بخداع إلى استهلاك منتج يفوق دخلها. و نفس المبدأ كان وراء المأزق الاقتصادي الذي دخلته اليونان و معها فضاء الأورو و الأسواق المالية العالمية ، و تداعياتها تمس كل البلدان بما فيها المغرب. و كم كانت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" ماكرة لتبرير تردد بلدها في تقديم العون المالي لليونان حين صرحت بأن دافعي الضرائب الألمان ليسوا مستعدين لتحمل أخطاء دولة كانت تعيش فوق مستوى قدرتها الاقتصادية. بمعنى أن المسؤولية الأخلاقية في الاستهلاك و التعاملات المالية لم تعد ممكنة. حينما يستبد "ليبيدو" الاستهلاك بالفرد أو الدولة يخرس صوت الضمير الأخلاقي الاقتصادي و يتعطل قانون "استهلك بقدر ما تنتج".

كان اليونان الجدد في العقود الأخيرة منذ انضمامهم إلى فضاء الاتحاد الأوروبي يجهدون أنفسهم في الحلم و الاشتهاء للحاق بركب رفاهية مواطني ألمانيا و فرنسا، و تناسوا أن قدرتهم الحقيقية لا تسمح لهم بذلك. و لكي تخرج البلاد من  ورطة انهيار الحكومات التي أصبحت صفة يونانية عمدت الحكومة إلى فتح خزائنها للإنفاق عبر الاقتراض الداخلي و الخارجي و كأنها تريد شراء السلم الاجتماعي، و فتح المواطنون شهواتهم للاستهلاك الشبقي ، و في نهاية النفق و جد الجميع نفسه غارقا في مستنقع المديونية الداخلية المفرطة، و الدولة على مشارف إعلان الإفلاس و العجز التام عن سداد ديونها الداخلية و الخارجية. فالوصايا التي تقدم لليونان و لجميع الدول التي مستها الأزمة بما فيها المغرب هي المزيد من التقشف و الحد من النفقات الاجتماعية ، و حذف مناصب الشغل، و تعطيل الترقيات و الزيادة في الأجور، و الرفع من الضرائب. و الشك يحوم حول قدرة هذه السياسة على إخراج اقتصادات هذه البلدان من جب الأزمة، إذ يمكن للحكومات توفير بعض المليارات بفعل التقشف الصارم لتخفيف العبء على المالية العمومية ، لكن هذا لن يمر دون عواقب اقتصادية شديدة على الاستهلاك و أيضا على الاستثمار البشري و الاجتماعي ، و ستجد الدول نفسها في مأزق الانكماش الاقتصادي من جديد.

إن النمط العام للوجود الراهن هو التمدد ، فالعولمة دخلت مرحلة التحقق بعد أن ظلت لقرون عديدة فكرة و طموحا يعبر عن نفسه فلسفيا و سياسيا . لكن المجالات التي تمتلك الوسائل و القابلية للتمدد أكثر من غيرها هي المجال الاقتصادي و التقني، في حين أن المجال الفكري و السياسي يشهد مقاومات شديدة. في المجال الاقتصادي الذي تتحكم فيه الشركات المتعددة الجنسيات و الاستثمارات العابرة للقارات تحللت حدود سيادة الدولة الأمة و تحللت معها تبعية الاقتصادي للسياسي، و لم تعد الدول قادرة على التحكم في تدفق الراسميل من و إلى حدودها ، حركات كثيفة و سريعة و هي في غالب الأحيان ذات حساسية مفرطة إزاء الوضع الأمني و الاجتماعي. في العشر سنوات الأخيرة تدفق إلى دول شرق أسيا ما يقرب من 12 تريليون دولار، و هرب ما يقرب من 3 تريليون دولار من منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا في اتجاه أوروبا و الولايات المتحدة. و على المستوى التقني تتسع تكنولوجيا النظم و الشبكات السيبرنطيقية بسرعة هائلة لدعم هذا التمدد الاقتصادي و المالي، فالاستعمالات الفكرية و التبادلات الثقافية مثلا على شبكة الانترنت لا تمثل إلا 6 في المائة  بالقياس مع الاستعمالات الاقتصادية و العسكرية و الأمنية. و يبدو أن العولمة كوعد و رهان حتمي لحركة تطور العقل التقني العملي في سعيه لتصفية تعارضه بين الذاتي و الكوني ،و المحلي و العالمي تقع في إخفاقات متتالية ، و لا يدل هذا على فساد الفكرة أصلا و إنما على خلل في منطق حركة العولمة . فالعالم كفضاء متعدد و مشترك و مجال لصراع الإرادات و القوى ليس مهيئا كله لدخول مغامرة التمدد، و حدها الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية و اليابان و الصين و ألمانيا التي تستوفي الشروط الموضوعية للتمدد، و تختلف هذه الاستعدادات من مجال إلى أخر حسب هذه الدول. فإن كانت أمريكا و ألمانيا قادرتين على التمدد الاقتصادي و الثقافي ، فان اليابان و الصين غير قادرتين على تصدير ثقافتيهما نظرا لطابعهما المحلي و التقليدي. في حين أن الدول الأخرى من العالم تتوزع بين مجموعة الدول القادرة على الانخراط الايجابي في العولمة و المساهمة فيها و تشمل دول أوروبا و القوى الناشئة ، و دول تتفاعل بشكل موزع مع العولمة بين الإيجاب و السلب مثل المغرب، و دول تتحمل الثقل السلبي للعولمة بشكل كلي و تشكو من هشاشة اقتصادية و سياسية و ثقافية و تضم إلى جانب الدول المتخلفة اغلب دول الخليج العربي، بالرغم من الطفرة المالية التي جنتها من ارتفاع عائدات البترول و ساعدتها في تحسين شروط العيش، لكنها على مستوى الفعل الاقتصادي و الثقافي تظل مجرد سوق فقط ، يخيم جمود على نظمها السياسية و الاجتماعية و الثقافية. فالعولمة على الرغم من نتائجها المرحلية غير المشجعة تعد خطوة على درب طويل للعقل في حركة التشميل ، و الخطوات التي أنجزها هذا العقل تتصل بالتشميل الذاتي لأفكاره و مفاهيمه ، و يبدو أن هذه الحركة النظرية لا تواجه صعوبات جمة لأنها تتم في البيت المنطقي  لهذا العقل. غير أن نضج المفاهيم العقلية للتشميل تقتضي استيعاب معطيات الواقع كمحتوى لمفاهيم العقل و تصوراته، و فتح كل المداخل و المخارج بين الفكر و الواقع، و تحمل التعارضات التي تفرضها هذه الحركة الموضوعية. فالعولمة هي اختبار سطحي لمفهوم الكونية كمبدأ تصوري في الفكر، و تنبع سطحيتها من طابعها الجزئي ، لأنها  حركة العقل التقني العملي في فاعليته المادية و الاقتصادية ، دون أن تشمل هذه الحركة المجالات الروحية. يقود هذا الوضع المطبوع بالمفارقة إلى تصور الفكر منقسما على ذاته بين حركيتين متفاوتتين في إيقاعيهما و غايتيهما: من جهة، يتجه العقل التقني باضطراد نحو تمدد كوني غير محسوب،و من جهة ثانية تراوح حركة  العقل الروحي بكل تجلياته الدينية و الثقافية و الفنية مجالها المحلي. و ما تستدرجه هذه المفارقة من احتمالات مصيرية بشكل عام : احتمال أن العقل التقني العملي سيحرز المزيد من الظفر و الانتصارات  العلمية و التقنية التي ستفرض حركة قسرية عنيفة تجر معها المجالات الروحية و الثقافية . و ينتج عن هذا المزيد من التهديد و التمزق و الصراع الثقافي بين القوى و الأمم تنتهي بسيطرة التقني المادي، و بلورة نظم ثقافية تقنية و عملية جديدة. و لن يكون الأمر ممكننا سوى بامتلاك هذا العقل التقني القدرة على إنتاج ثقافة بديلة، و الحال أننا نسأل هل يمتلك هذا العقل روحا؟ أما الاحتمال الثاني فيبدو مأساويا و يعبر عن مواجهة مفتوحة بين نزعة العولمة و نزعات الهويات المحلية و الوطنية، و يقود هذا الصراع إلى بروز مقاومات ذات توجه هجومي مثل ما عبرت عنه النزعات الدينية المتطرفة و الجماعات المسلحة في العالم الإسلامي. و نحن نشهد أن العالم الإسلامي يسير في حركتين متعارضتين: من جهة تسعى الجماعات و الأفراد و الدول للاستفادة من العرض التكنولوجي لكن من دون كلفة أو فاتورة ثقافية و سياسية و روحية، و كأن هذه المجتمعات تقبل التحديث و تتراجع نحو المزيد من الاحتماء وراء حواجز الماضي و التقليد و السلفية، و الحال أننا نسأل هل يمكن انجاز التحديث من دون روح الحداثة؟

يطرح التطرف الإسلامي و النزعات الدينية الأصولية بكل توليفاتها تحديا استراتجيا أمام العولمة و القوى المدبرة لها خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، و ما يزعج في هذا الوضع هو القدرة الكبيرة التي أبانت عليها هذه النزعات في استيعاب و إدماج الوسائل التقنية و العملية في منظومتها العقدية و الجهادية. فأحداث الحادي عشر من سبتمبر و غيرها من العمليات الجهادية، ذات مدلول روحي و ثقافي تقليدي، كشفت عن الاستعمال المكثف لتكنولوجيا المعلوميات و البث الرقمي في توجيه الرسائل و استقطاب المزيد من الأفراد عبر العالم، كما أصبحت هذه التنظيمات على كفاءة قتالية شبه احترافية في تنظيم الصفوف و استخدام السلاح.

فالعقل التقني العملي يشتغل داخل سياق العولمة بمنطق إنتاجي و اقتصادي غرضه تحقيق المزيد من الربحية و الترويج لبضاعته ، فلا يهم الأيادي و الجهات التي سينتهي إليها السلاح أو المواد و التكنولوجيا كيفما كانت، لأن هذا الأمر يدخل في باب التدبير السياسي و الأخلاقي ، الذي غالبا ما يكون عائقا أمام هذه الربحية الاقتصادية. و تكشف الكثير من الوثائق التي سربها موقع ويكيليكس  صفقات تجارية مع جهات و أنظمة سياسية لا تحترم القوانين و المواثيق المعمول بها دوليا. يجد العقل التقني العملي نفسه باستمرار في مواجهات فعلية مع السياسة و السلطة هنا و هناك، و داخل نفس الدولة هناك مواجهة مفتوحة بين القوى الاقتصادية التقنية و القوى السياسية، و رهان هذه المواجهة هو ترتيب العلاقة بين الطرفين بين حدود السيد و التابع. و يبدو أن هذه العلاقة تسير في اتجاه هيمنة جماعات ضغط ذات نفوذ مالي و اقتصادي على دواليب صناعة القرار السياسي، فالدولة الحداثية الرأسمالية تتنازل بالتدريج عن وظيفتها الأخلاقية كضامنة للقيم و قوانين العدالة و الفضيلة ، لتكون دولة محايدة أخلاقيا تنحصر مهمتها في تشريع القوانين التي تشجع الاستثمار و تنمية الثروة دون التوجد في وضعية مواجهة مع الرأسمال. و ما يدل على هذا الحياد السلبي هو النقاش الدائر اليوم في الأوساط السياسية و المالية في أوروبا حول مشروعية الدولة في التدخل لمراقبة البورصات و الأسواق المالية للحد من التلاعب و فرض أخلاقيات للمضاربة.

لا يمكن للعقل السياسي أن يتحول بفعل نزعة وضعية إلى وكيل أعمال العقل التقني العملي إلا في حال ما إن كان هذا العقل التقني يستجيب لطموحات فئات عريضة من الناس. و الحال القائم يكشف أن هذا العقل هو بطبيعة غائيته نخبوي و لا يتوجه نحو الجماهير إلا كقطيع من الوسائل و القوى العاملة أو قطيع من المستهلكين النمطيين. و من تجليات هيمنة العقل التقني، و في نفس الوقت تراجع العقل السياسي عن مهامه الجوهرية ،ما يلاحظ عبر إرجاء المعمور من سطوة ضخمة لوسائل الإعلان و الإشهار، و الميزانيات الضخمة و الوسائل الموضوعة رهن الإشارة، و أصبح مباحا جر الناس نحو الاستهلاك مهما تكن الطرق و وسائل الدعاية غير مشروعة. فقطاع الإعلام و الإشهار ينفلت بالتدريج من الرقابة السياسية الأخلاقية، لأن العقل التقني العملي يحاول إعادة بناء تصور للسياسة على قيم تجارية. فالاستقرار السياسي و حقوق الإنسان و العدالة تتم من خلال ازدهار اقتصادي تكون قاطرته الاستثمارات الخاصة في إطار مناخ من التسهيلات و الامتيازات ، و ضمان الاستهلاك و تنميته باستمرار. فلا حرج أن يتم اللجوء إلى الدعاية الكاذبة أو التدليس لجلب المزيد من المستهلكين، و في الكثير من الحالات نحصل على مبرر أن قطاع الإشهار قد تم تحريره من كل رقابة و تدخل سياسي للدولة، و كأن سلطة القرار هي للمستهلك في اختيار التجاوب  من عدمه مع هذه الدعاية أو تلك.

من أهم المقولات التي نحتها العقل السياسي المعاصر لتغطية فضائح تحالفه مع العقل التقني العملي نجد مقولتي التنمية البشرية المستدامة و  المحافظة على البيئة. فمشاريع التنمية المستدامة التي تروج لها مؤسسات دولية التي تتحكم فيها التوجهات المالية و الاقتصادية بالدرجة الأولى هي مشاريع جزئية لجبر الضرر الفادح الذي خلف الاستغلال البشع للثروات و البشر في بلدان كانت فيها الدولة كسلطة سياسية متحالفة بشكل أهوج مع قوى المال و الإنتاج، و لم تتم مراعاة التوازن بين التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. و من مكر الطبيعة أن البلدان التي ترفع شعار التنمية البشرية لم تحقق التنمية الاقتصادية التي كانت تمني بها النفس، فرفع القيود الجمركية و القيود القانونية و الاقتصادية أمام الشركات الدولية لم يولد قيمة اقتصادية و اجتماعية مضافة، بل نتج عنه المزيد من تهريب الأموال إلى الخارج ، و المزيد من الإفقار للطبقات الاجتماعية الهشة أصلا، و التباين الطبقي بن قلة من المغتنين خارج الضوابط القانونية و غالبية اجتماعية تجد نفسها خارج كل الرهانات السياسية و الاقتصادية. أما مقولة المحافظة على البيئة فتبدو كتكفير عن خراب الطبيعة الذي خلفه وراءه العقل التقني الصناعي، و  نعلم كيف تنصلت الدول الصناعية في قمة كوبنهاغن من كل التزاماتها بالحد من انبعاث الغازات السامة، لأن ذلك يقتضي في نظرها الحد من التصنيع و الإنتاج ، و بالتالي الحد من مؤشرات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. فالذين حددوا القرارات في هذه القمة أو الذين عرقلوا قرارات المنظمات المهتمة بالبيئة هم رجال الصناعات الكبرى. فالمعادلة الرأسمالية الاستهلاكية تقول: إن المزيد من الإنتاج الاقتصادي يقود إلى المزيد من الاستقرار السياسي و الاجتماعي. و لا يبدو في القريب المنظور أن هناك دولة ما قادرة على الانفلات من فخ هذه المعادلة الساذجة نظريا.

إن هذا العقل التقني العملي المفرط في جشعه للمزيد من الإنجازية و التفوق الرقمي و الحسابي و المادي يعرض تربة الحياة الإنسانية لسموم " أخلاق نفعية عشوائية " دون أن تكون لديه الإمكانية الحقيقية لمشروع حياة تضمن للإنسان قدرا أصيلا من الإنسانية، التي تظل في عمقها أخلاقية قائمة على الحرية المشروطة أخلاقيا ، و على الإرادة الغائية للتحكم في الذات و الحياة الشخصية تبعا للقوانين الأخلاقية ، و الإحساس الجمالي الأصيل. بصيغة أخرى ، إن العقل التقني ليس بإمكانه أن يضمن للإنسان المقومات الأساسية للحياة الكريمة: الخير ، الجمال و السعادة. كل شيء في منطقه خير إن كان مربحا كميا، و الجمال يفقد أصالته الطبيعية و الفكرية لمصلحة الاصطناعي و العرضي و المعمم، و السعادة كوعي تتسطح بسرعة لتصبح إحساسا بالتخمة، و الدولة ككيان سياسي مهمتها تدبير الحياة الأخلاقية و الاجتماعية تبهت بالتدريج لتصبح في النهاية مجرد "مقاولة للتدبير المفوض" للشؤون الإدارية و البيروقراطية للمجتمع كمجال عمومي.

 

*أستاذ مبرز في الفلسفة مركز تكوين المعلمين ببن سليمان ـ  المغرب      

 

 

 

 

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق