]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صـوْتٌ مَـكْـتوبٌ !! (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-02-21 ، الوقت: 11:36:15
  • تقييم المقالة:

منذ أعوامي الأولى ، وأنا أجمعُ الكلمات ، وأَرُصُّها ، وأُرتِّبُها ، وأحاولُ أن أُلْقي بها في أذان الآخرين ، ولا أستطيعُ ... تظلُّ عالقةً على طرف لساني ، وتتدافع قليلاً ، ثم تتراجع إلى الداخل ، ولا تخرج إلى الهواء ... !!

ينظر إليَّ الآخرون بحيرةٍ ، وتساؤل ،  فيهزُّون أكْتافهم ، أو يُحدِّقون فيَّ لثواني ، ثم ينصرفون عني .

أبي وأمِّي يدركان جيِّداً أني أختزنُ كلماتٍ كثيرةً ، وأني أفهمُ أكثر من إخوتي ، بل وأُحْسِنُ التَّصرفَ والسُّلوكَ ، ولكني أخجلُ عندما يدورُ الكلامُ بين الناس ، ولا أنطقُ بما أفكر فيه ، وأطْرَقُ دائماً ... !!

أجيدُ الملاحظة ، والمقارنة ، والتحليل ، وأفهم أموراً صعبةً ، حتى أنَّ أمي تفخر بي ، وتقول إنني (أفهمها وهي طايرة) ، ولكن كلماتي لا تطيرُ ، بل تظلُّ حبيسةً في قفصي الصدري ، وأشعر بها حزينةً في نفسي ... !!

حتى وأنا أتعلم في المدارس ، كنتُ أحتفظ بكلماتي داخلي ، ولا أجعلُ يطَّلعُ عليها إلا أساتذتي في أوراق الامتحانات ، وكانت تُعْجبهم ، ويَشيدون بها ، ويمنحونني بسببها درجاتٍ حسنةً .

أمَّا أن أشاركَ بها في الفصل ، وأُمَكِّنَ زملائي من سماعها ، فكان ذلك مُمْتنعاً ، وبسبب هذا التناقض كان أقراني لا يبالون أن يحْتكُّوا بي ، ولا يرافقونني في الطريق .

وكبرت هذه العادةُ معي ، وصرتُ مع الأيام أكثر صمتاً ووحدةً ، ولكنني كنتُ أتعذب كثيراً ، خاصةً حين بدأتُ أعرف قيمة الكلام ، ومعنى الكلمات ، وأنواع البلاغ ، وأشد الأساليب إقناعاً وتأثيراً ...

وأقول لكم إنَّ أشد ما يغيظني حين أسمع كلاماً تافهاً ، أو لَغْواً ، وأجدُ الناس يستمعون إليه باهتمامٍ ، ويتواصلون فيه أطول مدةٍ ، دون أن ينتبه أحدٌ فيستنكره أو يَرُدَّهُ أو يُصحِّحه ... حينئذ أصابُ بالجنون ، وتُصابي كلماتي بالسُّعار ، وتشرعُ تغلي وتحتدمُ في جوْفي ، ولكنها لا تكادُ تبلغُ طرف لساني حتى تخمد أنفاسُها تماماً ، وتتحول إلى رمادٍ يسْري إلى داخلي من جديدٍ .

جاءت عليَّ فترةٌ من الزمن ، كرهتُ فيها الكلمات الصائتة ، وكرهتُ كلَّ الأصوات أيضاً ، وحاولتُ أن أقمعَ صوتي الداخلي ، وأخنق كلماتي لأنها تخنقني ، ولكني لم أفلحْ أبداً ، فقد كانت مثل الروح حية ما دمتُ حيّاً .

وكنتُ أستحضرُ باستمرارٍ رُباعيَّةَ صلاح جاهين :

( أنا شاب لكنْ عُمْري ألف عام

وحيدْ لكن بين ضُلوعي زِحامْ

خايف ولكنْ خُوفي منِّي أنا

أخرس ولكن قلبي ملْيان كلامْ

عجبي !! ) .

غيرَ أنِّي في ساعةٍ من الزمن كانت صافيةً  اهتديْتُ إلى وسيلةٍ عجيبةٍ ، اكتشفتُ أنها لا تجعل الكلمات مسموعةً فقط ، بل ومنظورة أيضاً .. وليست عشوائيةً ، ولكنها منظمةٌ .. وليست عابرة ، ولكنها معبرةٌ ... وليس هذا فَحَسْبُ ، وإنما جعلت هذه الوسيلة كلماتي جميلةً ، وعذبةً ، وساحرة ، يلتفُّ حولها كثيرون ، ويتواصلون معها ، ويطلبون مني المزيد منها ..

وتلك الوسيلة هي الكتابة والتأليف ؛ وبفضلها لمْ أَبْقَ أخْـرس !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق