]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أيوب (ملك البناء)

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2011-11-16 ، الوقت: 17:31:34
  • تقييم المقالة:

أيوب (ملك البناء)


جمال الظاهري


 - قبل أن يأوي الى الفراش، كان قد عزم على النهوض باكراً ومعاودة البحث عن عمل.. يغط في نوم عميق لم يوقظه منه إلى صوت المؤذن عبر مكبرات الصوت مناديا المصلين لأداء صلاة الفجر.. يرمي غطاءه جانباً ويشمر لأداء الفريضة مع من يحضر إلى الجامع من جيرانه .. يعود إلى منزله وقد أْعدت له أروى (زوجته) كوب القهوة الذي يفضله، يحتسي منه بضع رشفات ثم ينهض لتفقد عدته، يحملها على كتفه ويغادر المنزل ..يتوقف على عتبة البيت لبرهة متأملاً  أشعة الشمس التي بدأت تغزو النوافذ والطرقات وكأنه يسألها عن ما يخبؤه له يومه الجديد.
- يغادر حارته وكله نشاط وحيوية ليوم عمل جديد، يسلم على زملائه في الجولة المعروفة لجميع الباحثين عن العمل ومن يبحث عن عمال يحدق في المارة من الناس علَّ أحدهم يبحث عن عمال، أينما كان ومهما كان نوع العمل الذي سيطلب منه فكله استعداد للقبول بأي عمل يعرض عليه، لن يتأفف أو يتعالى وسينسى أنه كان في يوم ما بناء يأمر العاملين معه بعمل هذا وترك ذاك، تمر الدقائق الأولى وتعقبها الساعات، يقترب النهار من الانتصاف وما من أحد ينادي ( يا شاقي فارغ) ..أدرك أن اليوم قد ذهب وأن لا فائدة من بقائه لبقية النهار في الجولة.
 - يشرد بعينيه الكسيرتين بين جموع الناس المتزاحمة حيناً ويتفقد بها حال رفاقه في الجولة أحايين آخرى .. يهمس في نفسه .. لا جديد المنظر غير واضح والرؤية محجوبة عدا بضعة أمتار تمكنه من رؤية ماقد يتعثربه ..  يقف بين لحظة وأخرى يلتفت يمنة ويسرة، عله يرى ما لا يدركه عقله الشارد بين متاهات الأحجية التي شلت تفكيره، وأفقدته السيطرة على حياته ..
 - هاهو الآن يقفل عائداً إلى حارته ويعجز عن طرق باب بيته، يبحث عن عذر لعودته الباكرة، فيقرر أن يقف تحت شمس الشتاء الضارة، يتعرى أمامها عارضاً عليها جسده المنهك بعد أن قرر ان يعطي عقله إجازة إجبارية كي يرتاح جسده وتهدأ نفسه..
 - يتوجه صوب المسجد القريب يستلقي في باحته الخارجية عاري الصدر والظهر يقلب جسده الصلب على تلك الأحجار البركانية الملتهبة بفعل أشعة الشمس متلذذا بلسعاتها المحرقة..
يحدق الى الشمس من خلال أصابعه المشبكة على وجهه ويطلق عدة زفرات ثم يعقبها بضحكة ساخرة وحزينة في نفس الوقت..
- يلتفت اليه أولئك العابرون في الباحة بعيون متسائلة محدقة الى بعضها البعض تارة ومصوبة نحوه تارة أخرى كلها رغبةفي معرفة سبب تلك الضحكات التي أطلقها »أيوب».
- ينتهي من تلك الحال الضاحكة التي  يختتمها بتلك العبارة (إيهْ يازمن) ليزيد المحدقين اليه من الفضوليين حيرة وشجنا عن سبب تلك الحالة ..يستوي قاعدا يمسح وجهه المائل الى ألاحمرار بفعل أشعة الشمس التي شربتها بشرته القمحية.
 - يخرج علبة سيجاره من جيب جاكيته الذي شاركه الاستمتاع بحلب أشعة الشمس.. يشعل سيجارة ويبدأ في امتصاص دخانها بعنف ثم يطلقه بعنف كعاشق وجد معشوقته بعدطول غياب فلم يدر كيف يهدأ من شوقه إليها بضمها الى صدره أم بإبقائها أمام عينيه الذائبتين بجمالها،
 - لم يعط تفسيرا لأحد من المحدقين اليه وربما أنه لم ينتبه لوجودهم أصلا هم أيضا لم يسألوه عن شيء وعادوا الى حركتهم الطبيعية.. وبين  شفطة) وأخرى لدخان تلك السيجارة يعدل من وضعيته بين القرفصاء وضم ساقيه وركبتيه الى صدره.. وبينما هو على هذه الحال يسمع صوت يعرفه.. بابا..بابا..  يلتفت الى مصدر الصوت.. يلتفت إليه ثم يعود الى الاستلقاء على تلك الأحجار (الحبش) الملساء وكأنه يحن الى معانقتها من جديد وكأن روحه قدعقدت معها عهدا على أن لا يفترقا مدى الحياة.. لأنه لم يفارقها مذ كان شابا ومذ بدأ حياته العملية، كيف لا يحن إليها وهي كل حياته وهي الشيء الذي برع فيه وأجاد التعامل معه وعرفه الناس عن طريقه فهو وبناء ماهر يشهد له الجميع بذلك لهذا فهي ملكه ومملكته ومفتاح سعادته وفخره، منها يحصل رزقه ويعتاش أهله وعياله..  وحين يعتلي جدران هذا البناء الحجري أو ذاك يشعر أنه في مملكته وأنه سيد عالم البناء لا ينازعه على تلك السيادة احد.
تعاود تلك الأصوات رنينها في أذنيه.. بابا.. بابا..  فيلتفت الى مصدرها يبتسم ثم يفرك رأسه ويمسح عينيه، كشخص يستيقظ لتوه من نوم عميق، يأخذ ثيابه ويقف وهو يتمتم ببضع كلمات وكأنه يحدث شخصاً أمامه: لابد أن الفرج قريب، لابد أن تفرج فقد ضاقت واستحكمت حلقاتها، ولابد من فرج قريب؟
يتوجه صوب (معين) أبنه صاحب الست سنوات، يمسك بيده ويمسح رأسه بيده الاخرى: نعم يا بني ماذا تريد؟ .. يسحب معين يده من يد أبيه ويقفز خطوتين إلى الأمام مستديراً صوب والده قائلاً اليوم ذهبت إلى المدرسة، ويبدأ بسرد الأحداث التي عاشها في أول أيام دراسته، ويعقب قائلاً أن (الأبلة) قد طلبت مني أن أقول لك بأن تشتري لي زياً مدرسياً .. يقف أيوب أمام فرحة ابنه حائراً عاجزاً عن الحديث كولد صغير قد ارتكب حماقة تستوجب العقاب .. لحظات ويعاود الانتباه إلى حالة الفرح التي يعيشها أصغر أبنائه  وأهمية مشاركته لتلك الحالة التي تستدعي منه أن لا ينتقص منها بمشاكله وهمومه المعيشية وعجزه عن دفع كلفتها شيء .. يجذب أيوب طفله القافز فرحاً إليه ويحمله على ظهره وهو يداعبه ويقول: زي مدرسي قالت لك الأبلة .. من العيون أحسن زي لأشطر (معين) .

aldahry1@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2011-11-16
    قصة واقعية يعيشها المواطن العربي الحرفي في أوقاتنا هذه حيث
    كل شيء اصبح بعالمنا شحيح , فمواردنا من كل شيء باتت تفتقر لنا او نحن نفتقرها
    جميلة طريقة سردك فقد كانت باسلوب تعايش المرء مع واقعه فعشنا معه كذلك
    شكرا لك لتلك القصة ارائعه وبارككم الله وسلمتم من كل سوء
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق