]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يا حبّذا الإمارة ولو على الحجارة

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2011-11-16 ، الوقت: 17:26:46
  • تقييم المقالة:

يا حبّذا الإمارة ولو على الحجارة



جمال الظاهري

‮{ ‬من جميل القول وأنصع التبيان تسمية الأشياء بمسمياتها دون تدخل سجعي‮ ‬أو كناية أو إشارة،‮ ‬غير أن هناك أموراً‮ ‬ومواقف‮ ‬يكون الإنسان فيها مضطراً‮ ‬لاستخدام الإشارة والتورية والكناية وغيرها من أدوات الكلام التي‮ ‬يستخدمها البعض لإيصال رسالته،‮ ‬رغم قلة من‮ ‬يهوى هذا الأسلوب،‮ ‬إلا أنهم‮ ‬يمثلون شريحة لها وزنها،‮ ‬ليس بالضرورة وزنها العددي،‮ ‬لأن وزنها المجتمعي‮ ‬ودورها وأثرها في‮ ‬أوساط الناس قد‮ ‬يكون هو ما‮ ‬يعطيها هذا الوزن والثقل والدور الهام في‮ ‬الحراك الاجتماعي‮ ‬ويشار إلى هذه الفئة بـ‮ »‬المثقفين‮«.‬
‮- ‬قيل قديماً‮ »‬من‮ ‬غرس شجرة الحلم اقتنى ثمرة السلم،‮ ‬ومن طال تعديه كثر أعاديه،‮ ‬ومن صحّت ديانته تمت مروءته،‮ ‬ومن طال عدوانه زال سلطانه،‮ ‬ومن أعرض عن الحزم والاحتراس بنى على‮ ‬غير أساس،‮ ‬وزال عزّه وتفرق عنزه،‮ ‬وقد جاءتنا السير بالكثير من هذه الإشارات التي‮ ‬يصح لنا الاسترشاد بها‮.‬
‮- ‬هذا رَجُل‮ ‬يقول لهشام بن عبدالملك‮ : ‬يا أمير المؤمنين،‮ ‬احفظ عني‮ ‬أربع فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك،‮ ‬قال هشام‮ : ‬هاتهن،‮ ‬فقال الرَّجُل‮ : ‬لا تعدن عدة لامر لا تثق من قدرتك على إنجازه،‮ ‬ولا‮ ‬يغرنك المرتقى وإن كان سهلاً،‮ ‬إن كان المنحدر وعراً،‮ ‬واعلم أن للأعمال جزاء،‮ ‬فاتقِ‮ ‬العواقب،‮ ‬وأن للأمور بغتات فكن على حذر‮.‬
رغم قوة المعنى والمغزى لهذه الكلمات الموجهة من قبل رَجُل عادي‮ ‬لأمير بحجم هشام بن عبدالملك الذي‮ ‬وصل حكمه حداً‮ ‬لم‮ ‬يصله أحد قبله،‮ ‬إلا أن القدرة اللغوية لهذا الرَّجُل في‮ ‬استخدام التضمين والتلاعب بالألفاظ لم تجلب عليه حنق وغيظ الأمير من جرأته،‮ ‬وهنا تبرز أهمية من‮ ‬يجيدون فن الحديث‮ ‬غير المباشر وقوة تأثيرهم،‮ ‬فأين نحن اليوم من هذا الأسلوب في‮ ‬المخاطبة لبعضنا البعض أو لحكامنا على حد سواء‮.‬
‮- ‬لكم أن تتخيلوا الفارق بين خطاب اليوم وخطاب الأمس البعيد،‮ ‬ومع الفارق الكبير في‮ ‬مستوى التأدب واختيار لغة التخاطب ندّعي‮ ‬زوراً‮ ‬أننا متحضرون وننشد المدنية،‮ ‬أية مغالطات هذه حين‮ ‬يكون السلوك في‮ ‬وادٍ‮ ‬والطرح في‮ ‬وادٍ‮ ‬آخر‮.‬
‮- ‬أدوات الكلام هذه التي‮ ‬تتجنب المباشر في‮ ‬الحديث عن أمر ما ازدهرت وراجت في‮ ‬العديد من الحقب الزمنية،‮ ‬وعلى وجه الخصوص تلك الحقب التي‮ ‬عرفت بفترات الازدهار الحضاري‮ ‬والمعرفي‮ ‬والثقافي،‮ ‬بل إن هذه الأساليب في‮ ‬المخاطبة قد ميزت أصحابها وأوصلتهم إلى مراتب عالية في‮ ‬مجتمعاتهم وقضت حوائجهم وغيرهم بعد أن كانت قد تعسرت وهضمت عند ملوك وأباطرة‮ ‬يحبون المواربة في‮ ‬الحديث ويفضلون أن‮ ‬يخاطبهم الناس بلغة الإشارة التي‮ ‬لا تبتعد كثيراً‮ ‬عن أساليب الغزل الذي‮ ‬يتجنب التصريح والتشخيص المباشر للمحبوب‮.‬
‮- ‬إرثنا الحضاري‮ ‬واللغوي‮ ‬غني‮ ‬بمثل هذه التجارب وأساليب المخاطبة الراقية التي‮ ‬تنم عن وعي‮ ‬ورقي‮ ‬في‮ ‬التعامل وانصاف الناس حال النصح لهم أو الاختلاف معهم إلا أن شعوب المنطقة العربية على وجه الخصوص تعيش حالة من الانفصام في‮ ‬الشخصية أو الغربة عن الذات الإنسانية،‮ ‬وعن ماضيها،‮ ‬لذا نجدها اليوم تجهل الكثير من حضارتها،‮ ‬وقد استبدلت هذا التاريخ العريق بتقليد الآخرين،‮ ‬فصارت اشبه بالثعابين التي‮ ‬تنسلخ من جلدتها تحت تأثير وهم زائف،‮ ‬ظناً‮ ‬منها بأنها تمارس سنن التغيير عبر تبديل أثوابها،‮ ‬فمن معطف ذئب تخلعه لتستبدله بمعطف ضبع‮.‬
يقول عالم الاجتماع الأمريكي‮ »‬باسكال‮« : ‬ما هذا الإنسان الذي‮ ‬يجمع بين الحكمة وبالوعة الضلال،‮ ‬فهو قديس ووحش في‮ ‬آن واحد،‮ ‬أفراحه أحزان وحياته مآتم،‮ ‬فمن‮ ‬يحل هذا التناقض‮.‬
الإنسان العربي‮ ‬اليوم‮ - ‬ونتيجة عيشه في‮ ‬وهم الربيع العربي‮ ‬يتغذى على حالة الغربة التي‮ ‬يعيشها وعدم معرفته لما‮ ‬يريده مجتمعه ووطنه‮ - ‬يجمع بين الجلاّد والضحية،‮ ‬يتقمص وداعة الحملان،‮ ‬مخاتلة حتى تحين له الفرصة لينقضّ‮ ‬على أبناء جلدته،‮ ‬منقاداً‮ ‬تحت وطأة حب السلطة والذات ونشوة الطغيان التي‮ ‬عرفها الغزالي‮ ‬بقوله‮ : ‬إنها أعظم اللذات قاطبة‮ »‬السلطة‮«‬،‮ ‬إنها ممارسة الألوهية بدون اسمها،‮ ‬وهي‮ ‬آخر ما‮ ‬يخرج من قلوب الصالحين‮.‬


aldahry1@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • شذرات | 2011-11-23
    عزيزي هارون اسعدني توقفك أمام هذه الاسطر .. ليس هناك ما يدعو إلى الاختلاف فكل لهه اسلوبه المهم ان يختار الاسلوب الذ يقضي غرضه وفقا لشخصية من يوجه اليه كلامه وليس في هذا انتقاص من قدره وسبحان الله لكل شخص طباع وميول
  • هارون غزي | 2011-11-18
    مقال ثمين ، ينم عن ثقافة راقية واسعة. ونقد قد لاأتوافق معه ولكني احترمه . اذأن الأساليب اللغوية في التعبير الصريح أو غير المباشر ربما يكون الدافع لإستخدام غير المباشر منها ليس ضعف المستوي اللغوي او البلاغي للمتكلم وانما هو يلجأ لغير المباشر في ظروف يحكم فيها المستبدون والطغاة الذي يكممون الأفواه ويكسرون الأقلام بل يقطعون الألسنة الصريحة والمباشر .
    ولذلك يلجأ من يكتب في هذه الظروف الي الأسلوب غير المباشر في النقد وعرض أفكاره مثلما نجد في رواية جلفر في بلاد الأقزام . وعلي العموم امتعتني المقالة واستفدت من علم وثقافة كاتبها الواسعة.
    • جمال الظاهري | 2012-05-23
      اكشف لك سر اليوم فقط عرفت من اين احصل على الردود فعذراً لتأخري في الرد ، وهنا اثمن تقديرك لما حملته المقاله مع خالص التقدير لذوقك في انتقاء المفردة . طابت ايمك بالسعادة والهنا
    • جمال الظاهري | 2012-05-23
      اكشف لك سر اليوم فقط عرفت من اين احصل على الردود فعذراً لتأخري في الرد ، وهنا اثمن تقديرك لما حملته المقاله مع خالص التقدير لذوقك في انتقاء المفردة . طابت ايمك بالسعادة والهنا

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق