]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الهرة بين الحياة والموت

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-02-19 ، الوقت: 21:29:08
  • تقييم المقالة:
الهرة بين الحياة والموت

       نظرت إليها وهي طريحة الفراش ، ذابلة العينين ،وقد سرى المرض في جسمها سريان النار في الهشيم فما ترك فيه نضارة ولا ربيعا ، استحال وجهها كالدينار الزائف في صفرته وبؤسه ، كان الطعام أمامها مما تشتهيه وتحبه  ولكنها تعافه ولا تنظر إليه ، وهي التي كانت بالأمس مفعمة بالحركة مليئة بالنشاط ، تذهب أينما تشاء وتنام أينما تريد وتأكل ما تحب وتشتهي من كد يدها وعرق جبينها ، وليفة لطيفة تنساب في المكان انسياب النسيم العليل في رائعة الربيع ، يأنسون بها فهي جار كريم لا يؤذي جاره في مقال ولا أفعال ، تنفعه وقد تضره ، تأجره وقد توزره .  

        ولكن أي بلاء نزل بها ؟ أهو وباء انتشر فأصابها منه ما أصاب غيرها ، أم يكون طعاما فاسد أكلته فتسمم الدم في عروقها وهي بحاجة إلى مصل يرفع غائلة السم ،أم هو مرض الشيخوخة وقد آن موعد الرحيل وبدأة جذوة النار تنطفئ رويدا رويدا ،  أم لعله الألم نفسي فتراها وقد فارقت حبيبها الذي كانت تؤمل ان تجتمع به وتعيش حياتها معه  فانتهشه الموت من بين يديها فما وجدت للحياة بدونه طعما ولا ضرورة وقررت ان تعاف الطعام حتى تدرك حبيبها الذي سبقها فلا معنى للحياة ان كانت مليئة بالألم والأسى والأحزان  ، أم تراها فقدت فلذة كبدها وهي التي حملته في بطنها ثمانية أسابيع وأطعمته من لبانتها حتى اشتد عوده فاستله القضاء من يدها أو فارقها فراق مودع ، أم هو البرد قطع أوصالها وجفف الدم في عروقها وهي التي لا تجد مدفأة تخفف عنها لسعاته التي تنهشها كل شتاء أم ماذا ؟

رجعت إلى مكتبي وأنا أتألم لألمها ، سألت أحدهم ما بها ؟ قال : انها يا استاذ  تقيء الطعام وتعافه وهي على هذه الحال منذ أيام ربما تموت ..

أغمضت عيني وأنا أتأمل حالها وحالنا معها ، أعني بني الانسان .

الجسد هو الجسد والروح هي الروح ولكن العقل هو الفارق بيننا وبينها فهي تسير بتقدير الهي ونحن نسير بتقدير وعقل يملكنا زمام التصرف .

       تأملت حالها وهي التي تمرض فلا أحد يمرضها وتشكوا فلا يسمع شكايتها إلا ربها وخالقها تئن فلا رفقة تخفف عنها ولا أهل يؤنسوها ولا صحبة يزورونها ، وينتشر المرض في احشائها فلا تجد من يداوي جرحها ويخفف ألمها ، ولو تذكر الانسان حاله وهو يتألم وهو غير قادر على ايجاد ما يخفف ألمه كيف يكون حاله لرحمها كرحمته لنفسه ، انها المسكينة ليست كغيرها من أهل الحظوظ ، تنظر في بعض بنات جنسها ـ وقد امتدت اليهم يد الانسان بالعطف والحنان لا اكراما لها ولا اسعادا بل اسعاد لأنفسهم  ـ  فتراها تعيش في القصور الحمراء والأروقة البديعة وتنام على الفرش  الوثيرة وتأكل أفخر الأطعمة وتداوى عند أمهر الأطباء ، وتنظف وتغسل وتعطر وتطيب ، يهتمون بها أكثر مما يهتمون بإخوانهم من أبناء جنسهم ويتألمون لها ما لا يتألمونه للبشر من اخوانهم ،

       لا تجد من حقوقها ما تجده بنات جنسها في بعض المجتمعات التي تحركت فيها فضلة الانسانية فوضعوا حقوقا للحيوان يراعونها ويقفون عندها ما تتعجب منه غرابة وروعة وأنت تعلم ان في أمريكا 110 جامعة من أصل 180 تدرس مادة مخصصة بحقوق الحيوان ، وفي كندا نحو 6 جامعات وفي سويسرا يعد الحيوان الأكثر حظا حيث سنت له قوانين صارمة وحقوق ملزمة 1874 م فمنعت ذبح الحيوان دون تخدير مسبق ، لكنك تتعجب أكثر عندما تراهم لا يراعون تلك الحقوق في بني جنسهم ولا اخوانهم فلعل صلة القرابة بينهم وبين الحيوان في بلادهم أرعى ذمة وأبلغ أثرا من صلتهم بإخوانهم من بني جلدتهم .

     ان حالها يشبه حال الفقير المعدم في مجتمعاتنا ، وقد قل ماله فانفض الناس عنه حتى لا يتحملون من تبعاته ما يعكر صفو حياتهم وجمالها فهم يرون ضرره أكثر من نفعه ، وشره أكبر من خيره ، يمرض فلا يزورونه ويجوع فلا يطعمونه  ويعرى فلا يكسونه ، ويتألم فلا يساعدونه ، ويجهل فلا يعلمونه ، ويتزوج ويولد له فلا يهنئونه ويموت فلا يشيعونه لا يحس به أقرب الناس اليه ،  تعقد الموائد فلا يدعى ويقضى في الأمور فلا يذكر ، ويفرح الناس فلا يناله من فرحهم الا حزن على حاله وبكاء على مآله ، يمرض فلا يجد من يخفف عنه ألمه ولا يستطيع ان يذهب إلى الطبيب لأنه لا يجد أجرة الطبيب وهو ان وجده لا يجد ثمن العلاج وان وجده لا يجد أجرة العملية ولا الرحمة في القلوب ، فيلجئ إلى المشافي العامة التي هي بمنزلة رفع العتب عن الانسانية في ظاهر الانسانية وينظرون اليه دون رحمة أو شفقة فلا أهمية لحياته حيث لا منفعة لهم منها ، ولا مضرة من آلامه فهو المتألم لا هم ، لا يعطى فيها ما يعطى الهر في بيوت الأغنياء أو بعض الدول من الرعاية ان كان يحتاجها .يعطونه فضل طعامهم ان فعلوا كما يعطون كلابهم وقططهم  فما أقرب الشبه بين الهرة والفقير وقد تساوت الأمور في النظرة والفكرة .

    الا ان الفقير يتألم فيصرخ فيخفف الصراخ عنه ما يجده من المرض ، ويبكي في فيزيل البكاء بعض أحزانه و آلامه ولكنها لا تصرخ ولا تبكي عند كثيرين وهي  عند مارك بيكوف استاذ علم الحيوان تبكي ، وليس حولها من تشكو اليه وتبث أحزانها بين يديه ، فالهرة لا تتكلم ولكن العلماء يؤكدون انها تتألم وتشعر وتخاف وتغضب .

ندرك ذلك وهي التي يثور غضبها غاية الثوران عندما يقترب احدهم من أطفالها ، وهي التي تفرح عنما يقدم لها الطعام فتأنس للمحسن وتهش له وتحن إليه وتعرفه وتدنوا منه شاكرة مثنية . ويؤكد لنا رسول الانسانية محمد عليه الصلاة والسلام ويقرر هذا المعنى وهو ينظر أحدهم يمد يده الي شفرته ليذبح شاته فينهى ان تذبح الشاة أمام أختها معللا ذلك بقوله " أتريد أن تذبحها مرتين "

      ونحن ننظر مشاعر الأمومة في الحيوان وهو يعتني بأولاده فيقدم لهم الطعام والحماية والرعاية ما يفتقده بعض بني الانسان في بيوتهم ومجتمعاتهم ، فيتركون أولادهم ويرحلون ويرمونهم لقطاء في سابغة الطريق ، فهل رأيتم هرة ترمي بأبنائها أو عصفورة تلقي بهم من شاهق للتخلص منهم أو شاة تفعل الكورتاج لتتخلص من الجنين الذي بين أحشائها فتجني عليه دون ذنب اقترفه ، أو تتركهم وتهاجر لتجد زوجا آخر فتريح نفسها من هم العيال ، انك تجد أكثر من هذا في مجتمع الانسان ما لا تجده في مجتمع الحيوان فأيهما أرحم بأخيه ؟

         في مجتمع الحيوان يقتل الحيوان ليعيش ولكن في مجتمعنا يقتل ليقتل ، يقتل لكي لا يعيش غيره ، يقتل لينتصر لرأيه ومذهبه . فأيهما الحيوان على الحقيقة وأيهما يستحق التكريم والإجلال والعناية والرعاية ؟

         اننا ولزمن ليس بالبعيد وقبل ان يمن الله بالعلم علينا أشبه حالا بها فقد كان المريض أسير أحزانه حبيس آلامه ، كانوا ينظرون إلى المصروع على انه اصيب بالجنون او تلبسه الأرواح الشريرة التي تسيطر عليه فلا يقربونه ولا يجالسونه وربما يقتلونه ليتخلصوا منه كان مرض الدرن أو ما يسمى السل مرضا مميتا يقتل معظم من يصيبهم لعدم معرفة سببه وعلاجه كان الانسان يصاب بنزلة برد وحرارة تفقده عقله وربما حياته لانه لا يعرف كيف يخفض تلك الحرارة ، كان مرض الرجل الذي يبول سكرا ، أو مرض العطش يحصد الآلاف من الأرواح وهو ما يعرف في أيامنا بالسكري يقضي على الشباب والأطفال  في شهرين ، حتى فتح الله للناس بالأنسولين . كان يعتقد ان الجن اذا تلبس بالإنسان يسبب له الأمراض النفسية والعقلية والجسدية فهو السبب دون سواه ، كانت العين ترمد فيفقدها ثم يفقد أختها  وهو اليوم ليس بحاجة الا لقطرات من المضاد الحيوي ليستعيد نضارتها  كان الدم ينزف من الجرح الصغير حتى ينفذ ولا يعرف الانسان كيف يوقفه ويلثمه ، فأين كنا وأين وصلنا ..

     ولكن يتألم الانسان في النظرة الدينية اوالعلمية  امتحانا واختبارا ، يتألم ليكون الألم دافعا الى العلاج فهو بمنزلة جهاز الانذار  والمنبه الداخلي عن وجود المشكلة ، يتألم ليعرف قيمة الصحة ، وليعرف خطورة  ومشقة المرض فيجنب نفسه ما يضره ويؤلمه ، انه يعاني لكي يحس بمعاناة غيره فيعينهم ويحسن اليهم ويخفف عنهم ويعالجهم ، فلو جلست تشرح آلاف السنين لاحدهم وهو لم يتألم مدة عمره  ولا يعرف ما هو الألم لم يدرك قولك ولأنكر عليك اشد مما تنكر عليه . فكان الألم هو المعرف له .

ان الألم هو المحرك للعلم فلولا الألم لما ترحك العلماء والباحثون حياتهم كلها وهم في المخابر والمعامل يحاولون ايجاد الأمصال المناسبة والعلاجات الازمة .

ان وفاة ثلثي البحارة بمرض الاسقربوط  أثناء رحلة فاسكو دي هو ما دفع جمس آند لاكتشاف فيتامين c  الذي يعالج هذه المشكلة .

وليس العلاج هو سبب الشفاء ولكنه من أسبابه فالتداوي مطلوب والشفاء معلق بمشيئة الله تعالى .

ان الانسان يعطى اللقاحات اللازمة لتحميه من الأمراض ولكن من لك ايتها الهرة المسكينة ومن يعطيك تلك اللقاحات أم انه لا قيمة لك ولا احد يشعر بك فالانسان يتألم اختبار وامتحانا فأنت لم تتألمين ؟ واي حكمة في معاناتك ومرضك ؟

إن المرض في الانسان والحيوان  هو المقياس الدقيق لتديننا والتزامنا ، وهو المقياس الثابت لأخلاقنا وانسانيتنا فالأخلاق هي الأخلاق لا تتغير ولا تتبدل بين الحيوان الناطق وغير الناطق فكل منهما ذي روح وكل منهما يحس ويتألم ويمرض ويهلك ، والتعاليم الاسلامية تقر هذه الحقيقة وتجعل منها قانونا لم تعرف البشرية في عصور حقوق الحيوان المزيف بل ولا الانسان شيئا يدانيه ويماثله . ليجعل من التعامل مع الحيوان بابا للأجر ودخول الجنة وظلمها بابا للوزر ودخول النار ، و لنجد في تعاليم الإسلام قول نبي الاسلام محمد عليه الصلاة والسلام  " دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي اطعمتها ولا هي تركتها تاكل من خشاش الأرض "  ويقول " سقى رجل كلبا شربة ماء فشكر الله صنيعه فغفر له " ويقول "  بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به" ويدخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي –صلى الله عليه وسلم- حن وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فمسح ذِفراه فسكت فقال: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟" فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: "أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه"  أي تتعبه

وحتى في القتل وهو مشروع لغرض الحياة فينتفع منه أو يرد أذاه عنه جعل له ضوابط مشددة  فيقول " ‏إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته ‏وليرح ذبيحته"  ويقول " ما من إنسان يقتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها إلا يسأله الله عنها يوم القيامة". قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي به"

يمر على حمار قد وسم في وجهه فيقول " لعن الله من وسمه "        

وغضب غاية الغضب وهو ينظر في عصفورة قد أخذوا ولدها يلعبون به فقال " من فجع هذه بولدها ردوا اليها ولدها "

اننا وقد فتح الله علينا في شتى أصناف العلوم الطبية والصحية والعلمية مما جعلنا إلى حد ما قادرين على التحكم بأجسامنا ومعالجة الكثير من أمراضنا حري بنا ان نكون دعاة رحمة لا دعاة عذاب لأمم أمثالنا .

ان حكمة الله البالغة لا يدركها احد الناس فهو أعلم  بمن خلق وهو اللطيف الخبير .

 فمن الحري بنا ان ننظم شؤون الحيوان ونعتني به عنايتنا بالإنسان فنكون حقيقين بإنسانيتنا فالأخلاق جزء لا يتجزأ فنحسن لأنفسنا باحسننا إلى مخلوقات الله تعالى ونذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر"  .

مسكينة مسكينة أيتها الهرة  !

استشرت لها طبيبا فوجهنا إلى مصل يوضع في طعامها يخفف عنها ما هي فيه ويعالج ربما شيئا من حالتها ، ولكن القضاء كان اسرع اليها منا وأمر الله لا مرد له

ماتت وهي نموذج من النماذج الحية التي يجب ان تحرك قلوبنا وعقولنا لنكون أهلا لعمارة الارض ماتت ولم يشيعها أحد ولم يحزن عليها ذووها وأهل قرابتها ولم تجد من يرعى حق مماتها كما لم تجد من يرعى حق حياتها ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق