]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قراءة للثورة الإليكترونية وآثارها على المُجتمعات المعاصِرة

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2014-02-16 ، الوقت: 17:15:52
  • تقييم المقالة:

الشبكة العنكبوتية أو مايُطلق عليها شبكة الإنترنت العالمية قد غيَّرت كثير المفاهيم والنظريات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وقد أحالت كل هذا الكون المُذهل الرهيب إلى محض قريةٍ صغيرة يمكن لمن فى أقاصى الكون أن يتعاطى مع  من فى أطرافه الأخرى أو حتى فى إدغال إفريقيا أو أواسط آسيا أو حتى جنوب إستراليا  وفى نفس اللحظة ..

وقد ساهم هذا فى حراك سياسى وعلمى واجتماعى واقتصادى عالمى كذلك وعلى أوسع نطاقات .. صحيح هذا قد ساهم فى إحداث نقلة نوعية رهيبة لدى البشرية .. من تطور علمى مذهل نتج عن التعاطى بين الشعوب والأُمم وبين عقولها العلمية فائقة القُدرة ليبنوا مع بعضهم البعض آخر تطورات ماوصل لهُ آحادهم ليبنون عليه تقدماً آخر يقبل للتطوير من آخرين ..

وباتت وبموجب هذا التطور المذهل أفكار توماس هوبز ورأسمالية آدم سميث وإشتراكية كارل ماركس  كما والنظريات الإجتماعية لإميل دوركايم وأوجست كونت محض تُراث  لايُلبِّى حاجات الشعوب التى أوجدتها مضامين تلك التقنية العظيمة .. وكيف لا .. وقد صار أحد الأشخاص فى أقاصِى الكون بُمُكنتِه أن يُشعِلَ ثوراتٍ شعبيَّةٍ على الأنظمة فى كافة بقاع الكون ومن خلال بث أفكاره عن طموحات الشعوب فى الحرية نحو المُطلقة ..

تلك حقيقة .. لم تعد أفكار كارل ماركس فى محاربة البُلوريتاريا لديكتاتورية البرجوازية كافية لمواجهة شَبَح الرأسمالية المخيف واللذى نال من كافة القيم والتى ناضلت لأجلها الماركسية .. بل حتى أن الأخيرة باتت لم تستطِع أن تُقنِع شعوبها بالمحافظة عليها كفلسفة إجتماعية وإقتصادية وقد هجروها إلى وَحش الرأسمالية عديمة القلب .. كما وأن الرأسمالية ذاتها وقد أسَّست وبقوة للملكية الخاصة بل والعمل الخاص والإنتاج الخاص بكون هذا أفضل للمجتمع ألف مرة من العمل الجمعى لأجل المجتمع – وعلى حد قول آدم سميث - قد ثبت فشلها إذ تعاظم دور الملكيات الخاصة وتغوَّلت على مصالح المجتمع العامة وقد مات الفقراء تحت وطأة عجلات الرأسمالية عديمة القلب ..

كما وأن حقوق العمال لم تعُد الإضرابات وهى إحدى أدوات العمال الضاغطة على أصحاب رؤوس الأموال وأدوات الإنتاج  بذات  فاعليةٍ تحمى حقوق هؤلاء الضعفاء بل ساعدت ثورة المعلومات والثورة الصناعية الكبرى لميكنة الإنتاج فى  إحلال  الماكينات الصناعية محل الأيدى العاملة فبات  العمال غير قادرين على الضغط على أصحاب رؤوس الأموال والمصانع وأدوات الإنتاج لمنافسة الماكينات الصناعية لهم  .. كما وباتت المجتمعات الاشتراكية تزهد فيها نحو الرأسمالية وقد استغوتهم نظريات الرأسمالية والتى تعزز من الملكية الفردية والحريات وتنتهج  حق الاضراب للعمال واللذى تفتقر له الاشتراكية حيث تراه ضد مضامين الدولة فيبات محظوراً لنرى سقوط ماكان يسمى بدول الاتحاد السوفيتى على ايدى صاحب البروسترويكا الزعيم الروسى جورباتشوف  وقد انبهر بالرأسمالية الغربية وهو الخارج من رحِم الاشتراكية ليستحيل  الاتحاد السوفيتى إلى أشلاء ولولا ثورة المعلومات كما وشبكات التواصل الاجتماعى ماتناقلت الافكار عبر حدود القارات والدول ولاتغيرت قناعات بين الشعوب ومذاهبها وأيديولوجياتها التى تعتنقها ..

حتى فكرة العقد الاجتماعى كرابطة بين الشعوب ودولها ككيان  والتى  نادى بها جان جاك روسو  قد صارت هى اليوم محل تناول تبعاً لتقاعس الدول عن أداء إلتزاماتها لشعوبها  مما جعل الأخيرة تبحث وعبر تناقل الأفكار فى شبكات التواصل الإجتماعى عن آلية محددة  غير آلية العقد الاجتماعى تلك التى تفرض الشعوب بموجبها اراداتها لاستعادة حقوقها والتى تنازلت عنها للدولة بينما فلم توفِّ الدولة التزاماتها المعنية بها لقاء هذا التنازل.. سبب هذا هو تناقل الأفكار المؤثِّرة والموجهة عبر العالم وعبر تلك الشبكات العنكبوتية ..

ملمحٌ آخر وأخير قد ظهر لتوِّه من كون هناك صناعات معلوماتية بات يمكن من خلالها اجراء اصلاحات  لأنظمة المعلومات والتى تقوم عليها العديد من الصناعات فى العديد من البلدان المترامية فى قارات مختلفة وبإستخدام تلك الشبكات العنكبوتية وكأن العالم قد بات مصنعاً صغيراً يمكن لمن هو فى تايوان أن يوجه الإنتاج وعبر مؤشِّر الماوس فى يده بإحدى مصانع جنوب إفريقيا .. كما وأنه قد ظهرت أساليب جديدة للتسويق للمنتجات وقد حققت خلق أسواق مترامية الأطراف  عبر قارات العالم عبر ذات الشبكات .. ناهيك عن تقسيم صناعة المنتج بين عدة بلدان وعن طريق ذات الشبكات الأمر اللذى وفََّّرَ فى تكلفة المنتج  لتكون الصناعات فى بعض البلدان مجرد قائمة على الصناعات التجميعية فقط قليلة التكلفة بما قد ساعد فى ضرب كثير من الصناعات الوطنية لقاء المنافسة فى سعر المُنتج بل وجودته على السواء..

كل تلك الملامح قد غيَّرت ومن دون نقاش  أفكار الإقتصاديين القُدامى  بل وحركات التجارة البينية والعالمية على السواء حسب مافرضته تلك التقنيات خطيرة التعقيد عظيمة النتائج .. ناهيك عن دور تلك التقنية  فى تناقل الثقافات والخبرات والمعلومات بين الشعوب وقد باتت ثقافة أهل الصين مثلاً فى منال شعوب دول بالقارة الإفريقية وغيرها من الدول .. كما وقد ساهمت فى ثراء وحراك ثقافى  بين الأمم لم يكن ليحدُث من دونها .. 

وكما كانت هناك العديد من الأسئلة التى فرضتها تلك التقنية الحديثة على المستوى العلمى والفكرى والفلسفى والإجتماعى والسياسى بل والتثقيفى والإعلامى على السواء هناك أسئلة باتت تحتاج لإجابات منها :

هل صفحات التواصُل الإجتماعى كتويتر والفيس بوك تخلق حميمية فى العلاقات .. هل ذلك العالم الإفتراضى ولو بكل زخارِفِه وإثاراته يمكنه أن يكون عوضاً للمرء عن عالمه الواقعى ولو بكل آلامه وكآبته .. هل علاقات التواصل تلك يُمكن أن يُبنى عليها مشاعر حقيقية  وروابط حقيقية كتلك التى نراها فى عالمنا الواقعى .. وما طبيعة قرارات إنشاء تلك العلاقات وطبيعة قرارات إنهائها .. كما والآثار التى تترتب على تلك القرارات معاً سلباً وإيجاباً مُقارنةً بما فى عالمنا الواقِعِى ؟!..  ..

وللإجابة على تلك الأسئلة ينبغى علينا إستجلاء تلك العلاقات الإليكترونية طبيعتها ونتائجها للوصول لإجابات دقيقة عليها ....

فى نظرى أن صفحات التواصل الإجتماعى قد أحدثت شرخاً فى العلاقات الإجتماعية الواقعية إذ قد إستبدل الناس واقعهم الحقيقى بعالمهم الإفتراضى .. فى هذا الأخير كانت طموحاتهم فى حياتهم كاملة من خلال تلاشيهم كل من يتنافرون معه وتعاملهم مع كل من يتواءمون معهم نفسياً على عكس عالمهم الواقعى واللذى يفرض عليهم تعاملاً من البعض قد يرونه متنافراً مع قبولهم النفسى والإجتماعى بل وربما السياسى على السواء .. فى هذا العالم يجد المرء كافة طموحاته  من أفراد باتوا يمثلون واقعه يستشيرهم عُوضاً عن أهله وذويه .. يشاركونهُ وجدانياً  فيحزنزن لأحزانه ويفرحون لأفراحه ويشاركونهُ ميوله وهواياته وإبداعاته ..

هنا بات هذا العالم  قد بلغ فى روعته أعظم طموحاتهم ذاتها .. كان من نتاج هذا أن حلَّت كثير الروابط الإفتراضية محل مثيلتها الواقعية .. ليصير الحُب الإفتراضى عُوَضاً عن الحب الواقعى بمشاعره الحقيقية .. إنما تلك المشاعر الإفتراضية  تتداخل معها مكامن الإثارة المُتزامنة مع بُعد المسافات بين أطراف العلاقات .. تلك المضامين تخلق حالة من الوهج فى العواطف والمشاعر قد لاتتوافر بالطبع فى عالمهم الواقعى .. فى العالم الإفتراضى يهرب أطراف العلاقة من محاذير العلاقات الواقعية .. فمثلاً القيود الإجتماعية المنطلقة من العادات والتقاليد والتى قد تنال من استواء العلاقات العاطفية والإنسانية هى لاتستطيع تقييد العلاقات الإفتراضية إذ يمكن فى العالم الإفتراضى علاقة حب بين أطراف  كُلٌّ منهم متزوج فى واقعه الحقيقى بمالايمكن معه استواء علاقةٍ يرضى عنها المجتمع ويباركها ..

لكن فى العالم الإفتراضى يُبارك هذا العالم الجديد مثل تلك العلاقات فيعتبرها سويَّة على خلاف مايعتبرها العالم الواقعى ويرتب عليها عقوبات من مُنطلقات الدين والقانون والعُرف .. فى هذا العالم الإفتراضى  يتوافر عنصر الخيال فى العلاقات الإنسانية فيحاول كل طرف إخفاء أسوأ مالديه وإبداء أجمل مامعه فينظر كل طرف فى الآخر للوحة جمالية من دون ثمة عيوب تُلبِّى كافة طموحاته فى الآخر هى بالضرورة لاتتوافر فى العالم الحقيقى .. تلك الصورة قد تستجلب مشاعر حقيقية ليست توازى تلك التى فى العالم الواقعى فحسب بل ربما تتجاوزها لتوافر عوامل الإثارة وتأجيج العلاقات من ذاك النوع اللذى قد لايكون متوافراً بالطبيعة فى العالم الواقعى .. ومن ثم علاقات الحب والعشق بل وربما الوجد الغاية فى النقاء والدفء تجده فى العالم الإفتراضى أكثر حالاً من ذاك اللذى بالعالم الواقعى ..

ولكن السؤال  المُهِم اللذى يستحق الإجابة عليه وهو مكمن وطبيعة تلك العلاقة وآثارها سواء الإيجابية  ببناء العلاقة وتنميتها واستثمارها ايجابياً لعالمنا الواقعى .. أو السلبية لدى ارادة أحد الأطراف تقويضها وهدمها بالإنسحاب المفاجىء منها واللذى هو أيسر حتى من حالات الزواج العُرفى والإنتهاء منه بمجرد تمزيق الورقة الرابطة للعلاقة .. إنما هنالك بالعالم الإفتراضى يكفى أحد الأطراف لينهى العلاقة أن يلغى صفحته الإليكترونية أو إسمه الإليكترونى أو حتى حذف الطرف الثانى من قائمة معارفه .. وكأننا وبرغم عظيم تداعيات تلك العلاقة والتى تتجاوز آلاف المرات تأجيجاً للعواطف فى العالم الإفتراضى الا أن هدمها هو أيسر ألف مرة من تلك التى هى فى عالمنا الواقعى ..

لذا فى نظرى .. إن ممارسة جوانب المشاعر والعواطف فى العالم الإفتراضى يجب أن تكون لها حدود تحافظ على آثار العلاقة وقت هدمها  على نفسَى  طرفَى العلاقة من دون فاجِعةٍ نفسيةٍ تتهددهما فى كل لحظة .. إذ قد يفاجأ كل طرف أنه قد صار من دون الطرف الآخر والأكثر إرتباطاً به ومن دون ثمة مقدماتٍ كذلك .. وتلك مكامن الخطورة بمافيها من عظيم آثارٍ نفسية على كليهما بما له من آثارٍ ناقلة الى عالمنا الواقعى  وبكافة  مردوداتها السلبية ..

كما وأن كثير هذه العلاقات قد صارت لدى البعض عوضاً عن العلاقات الأُُسرية والإجتماعية فى عالمنا الواقعى  بما فى هذا من عظيم خيالٍ مُمتِع لأطراف العلاقة لتتهدد بها العلاقات الزوجية والعائلية الواقعية .. ليصير الكافة ومن وراء أجهزة حواسبهم كما الأشباح يتعاملون مع بعضهم البعض من خلال ضربات أصابعهم على لوحات الكيبورد خاصتهم وهم لايعرفون أن صورهم ولا حتى أصواتهم وطبقاً للتحليل العلمى ليست حقيقية بل هى ناتج ضرب وحدتى البايت الإليكترونية من البايت السالب والبايت الموجب .. بينما يستتبعهما عظيم المشاعر والوجادين الحقيقية بل وربما الآلام الحقيقية كذلك .. ناهيك عن آلاف الحالات من الخداع بين أطراف العلاقة يستغل فيها البعض جموح الآخرين نفسياً  لتبدو إحداهن أمام الآخر وهو شاب فى العشرينات أنها كذلك مثله بينما فى الحقيقة تكبره عشرات السنوات بمافى هذا من عظيم تباين فى الثقافات والسلوك والحاجات النفسية بما تتحقق معه نقلة نفسية غير ضرورية بل وسلبية أحياناً لدى العديد من أطراف العلاقة ..

لذا وفى النهاية قد بات من المُلِح وجود تشريعاتٍ عالمية مُنظِّمة لهذا العالم الإفتراضى تحد من آثاره السلبية كجرائم النشر الإليكترونية والتى باتت تهدد  سُمعة الناس على أوسع نطاقات  كما وتُعظِّم من آثاره الإيجابية كتلك المتصلة بالأبحاث وتلاقى الأفكار والرؤى كما والتى تحقق الثراء المعرفى  من خلال تبنى بنك للأفكار وهى فكرة قلتها سابقاً يمكن بها استغلال آلاف الرؤى والأفكار التى تملأ الصفحات الإليكترونية ليل نهار ولاينتبه لها أحد .. كما وبالتوازى لابد من قيام علماء الدين الإجتماع  بالقيام بالعديد من الأبحاث فى هذا المجال تحليلاً لواقعه الإفتراضى سلباً وإيجاباً وآثاره على المجتمع  بمافى هذا من القيام بحملات توعية يمكن من خلالها تقويض آثار هذا العالم الإفتراضى من الناحية الإجتماعية والتى هى باتت مُدمِّرة تعصِف بكل مقومات المجتمعات الحديثة ومن دون جدال.. !!! 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق