]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طقوس //قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2014-02-14 ، الوقت: 20:25:39
  • تقييم المقالة:
       أطفأ المصباح الكهربائي وأنزوى في ركن من  أركان غرفته الصغيرة وأوقد فانوسه ليبرك أمامه .. أخذ يتأمل اللهبة المتوهجة وسط الفانوس ليتخيل أشباح الماضي والحاضر وهي تتراقص لتستعرض محطات الحزن واليأس في حياته المريرة على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الهادئة .. انها طقوسه الخاصة التي يؤديها عند الحزن.                  توالت رقصات الأشباح  داخل لهبة الفانوس ..قبل أن ينهي كل شبح رقصته يدخل الشبح الذي يليه ليبدأ رقصته لينسحب الشبح الذي سبقه مرغماً حيث أن الشبح الذي يليه سيحتل فكره ومخيلته ليستمتع بطقوسه الخاصة في التباكي على محطات حياته المريرة ..محطات لم يكن له يد فيها أصلاً بل سيق لخوض غمارها مرغماً ..كان كومبارساً في كل منها رغم كونه بطلها.       توالت رقصات الأشباح ..رقصة شبح اعتقال والده من قبل رجال الأمن حين كان هو طفلاً صغيراً بينما كانت أمه تستعطف الضابط بأن يدع الزوج لعائلته وتقسم له بأنه بريء ولا يزج نفسه بأمور السياسة  ..ولكن الضابط ينهرها بعنف مطلقاً عليها شتيمةً بذيئةً ويمضي في انهاء مهمته الشيطانية في اعتقال الزوج ..ثم رقصة شبح المهانة والقلق في بيت اختفى الأب منه فجأةً وأصبحت الأم المسكينة  هي التي تكد وتشقى من أجل أن توفر لقمة العيش لصغارها عن طريق الخدمة في البيوت ..ثم رقصة شبح عودة الأب بعد سنين منهاراً خائر القوى من الخارج ومحطماً من الداخل بعد رحلة السجن والتعذيب والاهانة  بتهمة لا يعرف عنها شيئاً ..ثم رقصة شبح تركه الدراسة بسن المراهقة والانغماس في العمل الشاق ليعيل عائلته ويعين أمه بالمصاريف التي زادت بعد عودة الأب من المعتقل مريضاً عاجزاً عن العمل وبحاجة لعلاج طويل ..ثم رقصة شبح التحاقه بالحرب ليعيش فظاعتها حيث تتقطع أجساد أقرانه لتتناثر أشلاءً أمام عينيه ..ثم رقصة شبح وقوعه بالأسر وتلقيه للكمات والركلات من الاعداء  ومن ثم سنين من الذل والجوع  وفراق الأهل والأحبة في الأسر ..ثم رقصة شبح عودته من الأسر بعد سنين طويلة ليجد أن أباه قد فارق الحياة حزناً وكمداً عليه .. ..ثم رقصة شبح زواجه وطلاقه ..ثم رقصة شبح خطف ومقتل شقيقه  من قبل مجهولين ..ثم ..وقبل أن تبدأ الرقصة الأخيرة ..رقصة اصابة شقيقته بجروح من جراء انفجار عبوة ناسفة في السوق ..سمع طرقاً على الباب المعدني البالي لبيته الصغير.    قطع طقوس أحزانه الخاصة بأن نهض على قدميه وأطفأ الفانوس وأوقف الموسيقى الهادئة وأنار المصباح الكهربائي ..خرج من غرفته بخطوات متثاقلة نحو الباب ليفتحه ..كان بالباب جاره وصديقه عزيز المحامي الذي بادره بالتحية مبتسماً: - مساء الخير ..كيف حالك يا كريم؟ - مساء الخير ..تفضل بالدخول يا أبا أحمد وهم المحامي عزيز ..أبو أحمد ..بالدخول ..وجلس الاثنان في غرفة المعيشة ..أو هكذا يصطلح عليها  ..غرفة صغيرة مساحتها ثلاثة أمتار بمترين ونصف ..تطل مباشرةً على الزقاق عبر الباب المعدني ..فيسمع من يجلس في غرفة المعيشة كل كلمة ينطق بها من بالخارج عبر تلك الباب ..وأي سيارة تسير في الزقاق فأن صوت هدير محركها سيسمع هناك واذا ما أطلقت منبهها فستدق كناقوس مقيت في رأس الجالس في غرفة المعيشة .. وكان الأثاث الذي تحتويه الغرفة تسمى أثاثاً مجازاً ..كنبة قديمة يتيمة وكرسيين بلاستيكيين مع طاولتين صغيرتين وجهاز تلفاز صغير ومدفأة نفطية ..وفرشت الغرفة ببساط رخيص يغطي عبثاً تشققات أرضية الغرفة ..تلك الأرضية التي تحوي تموجاً أحدثته الرطوبة بسبب تهرؤ أنابيب الماء والمجاري في البيت ..سأل كريم ضيفه:
    ماذا تود أن تشرب؟ ..الشاي؟ ..أم انك تفضل القهوة؟ لا داع لهذا ..لا تتعب والدتك العجوز ..فأنا في عجلة من أمري ..جئت فقط لأخبرك بأمر ما وبعدها فلن أتنازل عن حقي في وليمة فاخرة ستقيمها لي .. بالطبع فضلاً عن قيمة أتعابي الباهظة.
ابتسم كريم المنهك بخمسين عاماً من عمره الحافل بالألم والشقاء ..وسأل أبا أحمد بابتسامته التي بدت بليدةً نوعاً ما:
    وأي أمر ستخبرني به؟ قبل عشرين سنة ..وبينما كنت أنت بالأسر ..وكلتني والدتك في دعوى قضائية كانت هي يائسةً تماماً من كسبها ..حدث هذا عندما رأيتها في السوق وسألتها عن أخبارك ..وأثناء ذلك حدثتني عن ظلم شقيقها ..خالك الوحيد ..لها ..باستئثاره  بالبيت الذي تركه جدك لهما وكيف أنه أجبر والدتك بقسوته المعهودة على أن تتنازل له عن نصيبها ..كنت أنا حينذاك محاميا حديث العهد ..دفعني روح التحدي وكذلك دفعتني صداقتي لك والجيرة لأن أطلب منها أن تمنحني توكيلاً لرفع دعوى قضائية . نعم ..ولم تكسب الدعوى اذ أنك لم تتمكن من اثبات حقها .. ومات خالي بعد ذلك وترك البيت لابنه ولزوجته وانتهى الامر ..على كل حال لا أنا ولا والدتي سننسى جميلك بأن أتعبت نفسك وأضعت الكثير من وقتك في قضية خاسرة وتنازلت عن اتعابك ولم تتقاضى منا فلساً واحداً. ليس هذا هو الأمر الذي جئت لأخبرك به ..الخبر الجديد عليك هو الاتي.. ابن خالك قد تعرض لمصيبة كبيرة من جراء عمله بالتجارة حيث أطلق عليه بعض اللصوص النار ودخل المستشفى في حالة خطرة ..لقد نجى من الموت بأعجوبة وهو بحالة جيدة الان. الحمد لله ..أرجو أن لا تستغرب عدم انفعالي عند سماع هذا الخبر ..ليس السبب هو الكره فأنا لا أكره ابن خالي ولكن السبب هو انني لا أعرفه أصلاً ..اخر مرة رأيته فيها كنت فيها في السابعة من العمر. أعلم ذلك ..لأكمل لك القصة ..عند خروج ابن خالك من تجربته المريرة هذه ..حدثته أمه عن ما فعل خالك ..والده ..لقد أبدت ندمها وقالت بأن الله يعاقبها على سكوتها عن حق والدتك ..وان ما حل به ..أي بابن خالك هو  تحذير من الله ..وهكذا صحى ضميرها ..أما ابنها فلقد استنكر هذا الظلم الذي وقع عليكم ايضاً ..وقد اتفق الائنان على أن يؤديا لوالدتك بثلث ما يملكان على اعتبار أنه الحق الشرعي لها.
عرف كريم معنى الفرح الحقيقي لأول مرة في حياته ..انفرجت أساريره وعانق أبا أحمد وأخذ يقبل خده ..ولكن أبو أحمد ظل يواصل كلامه:
    وكما تعلم بأنه ليس لهما وسيلة للاتصال بكم ..فقد راجعاني الى مكتبي ..حيث أن خالك كان قد حدث زوجته عن الدعوى القضائية وذكر اسمي أمامها عدة مرات ..فبحثت هي وابنها حتى عثرا على مكتبي ..زاراني في المكتب وسألاني عنكما فتأكدا بأنني أنا المحامي المطلوب ..أرادا أن يأتيا اليكم بنفسيهما ليسلمانكم نصيب والدتك وليتعرفا عليك وعلى العائلة بعد طول القطيعة ..فطلبا مني العنوان الا أنني قلت لهما بأنه من الأفضل أن أخبرك بالأمر أولاً ..وأنا على موعد معهما في الغد ..لأرافقهما من مكتبي اليكم ومعهما نصيب والدتك. وكأنني في حلم ..ستحصل والدتي على نصيبها ..ثلث البيت ..أنا ممتن لك جداً.
  أطلق أبو أحمد ضحكة مجلجلة ..وقال:
    ثلث البيت؟! ..يبدو بأنك لم تسمع ما قلت جيداً ..لقد قلت لك بأنهما اتفقا على أن يؤديا لكم ثلث ما يملكان ..ما لاتعرفه بأنهما قد باعا البيت منذ سنين ..وأنه كانت لخالك أموالاً أخرى يتاجر بها كان رأسمالها مبلغ من المال أختلسه من جدك عند وفاته دون علم والدتك ..وبعد وفاته تاجر ابنه بالمال بعد أن أضاف اليه ثمن البيت ونجح في مضاعفتها خلال سنين قليلة ..وأصبح يملك عقارات كثيرة ..وبعد الحادث ومعرفته للحقيقة وندم زوجة خالك قاما بتصفية قسم من أملاكهما وجمعا مبلغاً نقدياً يعادل ثلث الممتلكات ..أي أنهما قاما باحتساب النصيب مع الأرباح ..المبلغ يا عزيزي هو أكثر من مليار دينار بقليل.
  لم يصدق كريم بأنه ما يزال على قيد الحياة بعد تلقيه لهذا الخبر المفرح ..أخذ قلبه يدق بشدة وعضلات وجهه ترتعش وعيناه تكادان أن تنطلقا من محجريهما من شدة الفرح ..مبلغ كبير سيعوض عنه وعن والدته وشقيقته كل سنوات الفقر والذل والألم ..انطلق راكضا نحو والدته العجوز ناسياً صديقه وضيفه في غرفة المعيشة ..أخبرها بالنبأ ..كان أبو أحمد قلقاً من أن لا يحتمل قلب العجوز مثل تلك الفرحة العارمة فيتوقف ..الا أن كل الذي حدث هو أن العجوز ابتسمت وقبلت ولدها مهنئةً له وقامت لتتوضأ لتصلي العشاء ..أسرع كريم الى هاتفه النقال واتصل بشقيقته الجريحة وأخبرها بالبشرى ..فزغردت على الخط ..ثم تذكر أبا أحمد فعاد اليه في غرفة المعيشة .. قال له وهو محمر خجلاً:
    أنا اسف ..فرحتي العارمة جعلتني أتصرف بشكل غير لائق ..لقد تركتك بمفردك من دون استئذان ..أعتذر لك جداً عن هذا لا بأس يا صديقي  ..عليّ أن أغادر الان ..وأنصحك بأن تحتفل مع نفسك وتسالمها لهذه الليلة ..الى اللقاء غداً.
ودع ضيفه ..كان مبتهجاً جداُ ..لم تكن هناك حاجة لتلك النصيحة التي أسديت له ..فمن البديهي بأن يحتفل وفق طقوسه الخاصة بالفرح. ذهب الى غرفته على الفور ..وبدأ طقوس الاحتفال .. أطفأ المصباح الكهربائي وأنزوى في ركن من أركان غرفته الصغيرة وأوقد فانوسه ليبرك أمامه .. أخذ يتأمل اللهبة المتوهجة وسط الفانوس ليتخيل أشباح الماضي والحاضر وهي تتراقص لتستعرض محطات الفرح والأمل في حياته المريرة على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الهادئة .. انها طقوسه الخاصة التي يؤديها عند الفرح !.              
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق