]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القذارة لا يشعر بها أهلها

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-02-12 ، الوقت: 17:55:52
  • تقييم المقالة:

القذارة لا يشعر بها أهلها  

      قرات ذات يوم عن انسان كان يعمل كناسا يكنس القاذورات ،  وكان يعاني بداية أمره من رائحتها التي لا تفارق أنفه فتسبب له الغثيان والقيء ، ولكن ضرورات الحياة ألجأته إلى هذا العمل الذي يكرهه ولا يستسيغه ، ومع مرور الزمن ألف تلك الرائحة حتى لم يعد يشعر بضيق منها ومرت الأيام وتقلبت الدهور فتغير حاله بورث ورثه من أقاربه وصار من أصحاب الأموال والقصور والخدم والمكانة ، فكان كل فترة يركب سيارته الفارهة ويغير ملابسه ويذهب إلى مكب النفايات حيث الذكريات الجميلة التي لا تنسى،  حصيلة عشر سنوات قضاها في مكب النفايات فكان يجلس لساعات يستنشق عبيرها "الرائع" ثم يعود قافلا إلى قصره .

     وقرأت نحوا منها عن امرأة كانت تعمل بالبغاء في احد دور اللهو ترقص شبه عارية للناس وتبيع جسدها لأول راغب وتنام كل يوم في فراش ،  وذات يوم دخل احد الاثرياء المرقص على غير عادته فلمحها ورق لها ثم جلس اليها وعرض عليها ان يخرجها من هذا المستنقع الآثن ويتزوجها ويخلصها من لابتذال والمهانة فوافقت دون تفكير وكانت تعاني من سوء حالها الكثير ، فوجدت فيه المنقذ الذي جاء لنجدتها وقد تنكر الناس لها الا طالبا للذة عابرة ، فحملها إلى قصره وجعل منها سيدة القصر ولها من الخدم والحشم ، ونظفها من الادران التي علقت بها ، لكنها وبعد مدة حنت لتلك الأيام ورقت لتلك الأحوال وما كان لها ان تنسى تلك اللذة المحرمة التي تتنوع كل يوم ما ألفته نفسها واعتادت عليه سجيتها فصار بمنزلة الطبع الغالب على التطبع ، فحزمت أمره وهربت من القصر تاركة كل شيء وراءها ولا يعلم احد وجهتها وعادت إلى ذلك الملهى لتستعيد تلك الذكريات والملذات السالفة .

   وسمعت عن رجل يعمل في ثلاجة المشفى حارسا ، كان في بداية عمله لا يستطيع النوم من شدة الفزع ويخاف ان يجلس وحيدا في الغرفة دون أنيس من الأحياء ، وتمضي الأيام ليألف الأمر فكان يضع ابريق الشاي والسكر وبعض الغذائيات في احد الدروج التي عادة ما تحوي أحد الموتى وينام معهم في نفس الغرفة ملئ عينه دون أن يشعر بأي شيء يعكر صفوه ..  

    ومر في خاطري بعض الحوادث المماثلة التي لا تختلف عما رويت الا من حيث الصورة الخارجية ولكن الماهية الحقيقية تؤكد حقيقة راسخة لكل عاقل ومتفكر في مثل هذه الحوادث وهي ان القذارة لا يشعر بها أصحابها . والرائحة الغريبة لا يستغربها من ألفها .

        ان الظالم لا يستسيغ الظلم أول أمره وينكره وينكر أهله ولكنه مع تواتر الحوادث وتناول البغي يألف الظلم حتى يصير بمنزلة السمة النفسية التي يتصف بها ولا ينفك عنها بل ، ويرى ان من ينكر عليه انما ينكر عليه صوابا لا مراية فيه ولا يشعر بظلمه وبغيه ..

وكذا الطبيب أول أمره لا يجرء على حمل  الابرة ثم تمضى الايام فيألف الأمر ويمضي بمشرطه يقطع الأوصال والأحشاء ..

ومثله القاتل الذي يفزعه قطرة الدم وتؤلمه ابرة الطبيب لكنه مع كثرة الألف يصبح الأمر منه كشربة الماء لا يحرك فيه ساكنا ويقتل وكأنه يلعب بكرة التنس .

       وكذا شارب الخمر يشربها أولا فيصاب بالغثيان والقيء وينكر رائحتها ويصف شاربيها بالجنون والحمق ولكنه ومع طول الألف لا يرى فيها رأيه بادئ الأمر ويشعر بلذتها وروعتها فينظم فيها الاشعار ويضرب فيها الأمثال وينفق في سبيلها ماله وحياته ..

       ونحوه فاعل الرذيلة ينظر إليها نظرة المحتقر الشريف الذي يرى فيها منتهى الخسة والدناءة وينظر إلى فاعيلها نظرته إلى الحيوان الذي بالغ في حيوانيته فلم يرع حرمة لمجتمع ولا لدين وعرف ،وما ان يذوق عسيلتها حتى يناله منها لعنة الفاحشة فتملك منه لبه وقلبه وتصير في نفسه رغبة جامحة لا فكاك عنها الا بشق الأنفس ..

       وهنا نرى دقة الشرع في النهي والأمر فنعلم ان الاسلام نهى عن الاقتراب من المعصية لانه وبالقرب منها يصيبه مسها ويعتاد انفه على رائحتها وعقله على تردداتها فيجري نحوها وتملكه حتى لا يستطيع منها فكاكا ولا عنها بعدا . فنرى أنه يلفت نظرنا إلى معنى ينبغي التنبه له والوقوف عنده وهو قوله عليه الصلاة والسلام عن ذم الخمر وأن معاقرها من أهل النار بقوله في احدى الروايات ( مدمن خمر ) ولم يقل شارب خمر لان الادمان صورة من صور الألف التي تجعل الانسان معتادا عليها لا ينفك عنها حتى تخرج روحه دونها وهن يظهر كلام ابن القيم رحمه الله " إن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك؛ فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله"

ونجد ان الاسلام لم يذم في الخمر فقط شاربها بل " والناظر أليها " ولك أن تقول وماذا يصيب الناظر إليها منها وهو يراها لا يشربها ، لتعلم ان النظر بريد الالف والالف بريد الوقوع لذا حرم الاسلام النظرة إلى المرأة الأجنبية لأنها ليست عابرة وتمر بل محركة وباعثة .. 

والألف كالألم الذي يزول بعد فترة من الضرب على نفس المكان  ويتخدر الإنسان فيفقد حاسة الحس ولا يشعر بشيء معه ، كذا يتخدر الضمير ويموت شيئا فشيئا فلا يحس بوخزاته ولا بأناته .

      لذا لا تتعجبوا عندما ترون بعض السفهاء يتغنى بالرذيلة ويهلل للظلم ويكبر للموبقات ، فهو لا يشعر غضاضة ولا عيبا فيها ولا يحس قذارتها ، انه لا يملك منها الا بقدر ما تملك هي منه ولا يتمكنها الا بقدر ما تتمكن منه وتسيصر عليه فيكون بمنزلة العبد لها المأمور بأمرها ..

ألفها حتى صارت عادة له وطبعا متمكنا في نفسه ، سيطرت على كيانه وملكت فؤاده .

     وحقيق بنا أن نتنبه لهذه الكارثة التي تعصف بمجتمعنا الانساني وذروته الأخلاقية من انتشار تلك الروائح التي تزكم الأنوف بصور متنوعة تكاد تأخذ بألبابنا وتقود نساءنا ورجالنا إلى أحضان الموبقات وتفسد شبابنا وبناتنا ..

     ان المفسدين في الأرض ومهندسو الرذيلة لا ينفكون عن السعي لتنفيذ مشروع الشيطان الأب بدقة المهندس وروعة البناء سعيا وراء اغواء المجتمع وجره إلى مشاركتهم في رذائلهم  .

      يجلس أحدنا أمام الرائي ليتابع الأفلام والمسلسلات التي تحكي في ظاهرها قصة من قصص الحياة فيرى فيها الحب الممزوج بالخيانة والتمرد المختلط بالعقوق ، ويرى الفجور والبغي والظلم والكيد والمكر والكبر والغرور وغيرها من مفاسد الأخلاق فيراها وهو يستنكرها ويكره أهلها كما يرى أفلام الرعب فترتعد فرائصه وصور القتل فتشمئز نفسه ، وتمر الأيام فيألفها بل ويجد متعته بها ويتأثر بها فلا ينظر إليها اليوم نظرته نحوها بالأمس فلا يرى في الخيانة الا نوعا من الثأر المحمود أو الحق المسترجع ولا في الظلم إلا قوة الارادة وجبروت الحاكم وعظمة الملك ولا يشعر بشرب الخمر رذيلة تمنعه من معاقرتها ولا بالزنا والنظرة والقبلة واللمسة رذيلة تستحق الرجم والتعزير والنفي من البلاد ، ويرى في السرقة ذكاء ودهاء وفي أفلام الرعب متعة لا فزعا والضرب والقتل اثارة ورياضة .وفي الاختلاط طبيعة اجتماعية ، والتعري حرية شخصية ،  بل ويزيد على ذالك بأن ينكر على من ينكر عليه ويصفه بالمبالغة في التصور والشطط في التحذير والنهي ..

لم تتبدل المفاهيم ولكن تبدلت حالة الألف واعتاد الانسان على قذارة القذارة فلم يعد يشعر بقذارتها .وهذا معقل الأمر فنحن نسمي هذه الحالات بالألف ويسميه أرباب الصناعة في الغرب الإدمان .

ولا يقولن قائل اترك لنفسي او لأهلي ان يجربوا المنكر حتى يعلموا نكارته والخطأ حتى يشعروا بخطيئته فأدرى الناس بالأمر اهل التجربة للأمر  ؟

فنقول له اياك ان تقع في فساد هذا الراي فتندم ولات ساعة مندم لأنك ان احسنت الدخول قد لا تحسن الخروج ، ولان التكرار يولد الألف فتصاب بزكام الخطيئة فلا تفرق بين رائحة القذارة والعطر الجميل بل قد يزيد الأمر بك حتى تنكر رائحة العطور وتسفه محبيها فقد قيل قديما : لاشك ان ريح المسك ينكره ....من قد تعود شم الثوم والبصل

 

الكاتب مصعب الأحمد بن أحمد


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق