]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علماء بلا سراويل

بواسطة: طارق المخلافي  |  بتاريخ: 2011-11-15 ، الوقت: 19:38:59
  • تقييم المقالة:


 

 

 

علماء بلا سراويل

 

سألني صديق لي من عدن , ونحن نقلب في أيدينا أوراقا للشركة :

-   ماهو الشيء الذي يزيد بالضرورة مع ازدياد عدد سكان بلد ما ؟

 

-   قلت له بعفوية : أعضاء مجلس النواب . فبادرني مسرعا :

 

-   لا .

 

-   قلت له : السجون .

 

-   لا

 

-   تجار السوق السوداء

 

-   لا

 

-   جدتك !

 

-   قال لي وقد تفتحت مناخيره كأنه ثور أسباني !الكهنة..

 

-   كهنة ؟! أي كهنة وأي بهنة ؟!! نحن في عصر المجمعات الفقهية والمؤسسات الدينية و..و

 

-   ياروح روحي افهمني الله يرضى عليك ! إن الطاغية قليل ٌ بنفسه حقير وضيع . قل لي بالله عليك !

 

-   أها ماذا ؟

 

-   كيف ينظر الفاشل إلى نفسه ؟!

 

-   قلت له بينما كان هو يقف بالسيارة أمام محطة بنزين  !

 

-   ينظر  ؟!؟! إن الفاشل أخرق بلا عقل أعمى بلا عين .

 

بعد فترة وجيزة وبعد أن تحولت السيارة إلى ريح فأخذت ترمي الطريق ورائها كما تـُرمى أكياس القمامة !

-   إن الطغاة لابد لهم من صانع , ولا يصنع الطغاة على مر العصور مثل الكهنة !

 

كان صديقي صافي الذهن سريع البديهة عميق الفكرة ! تبدو على صلعته الملساء مخايل النجابة عيناه تلمعان كالنجوم ! كان لكلماته بريق الذهب .لقد كنت أرى في شخصه أسطورة الحي بن يقظان  الذي استطاع أن يغوص وهو في الغابة وحيدا في طبائع الأشياء ليصل إلى حقائق الوجود والكون عن طريق التأمل .

-   أجل إنهم الكهنة ! إن قلت لهم إن الشمس تدور حول نفسها .

 

-   قالوا : أنك سيء العقيدة .

 

-   ياعالم إن العام يتكون من اثني عشر شهرا قالوا : لابد أنك من الخوارج !

 

******************

 

دارت بي وبصديقي الأيام . تأخدنا من هنا وتركلنا إلى هناك ! تعركنا بيديها عركا وتطحننا في رحاها طحنا ! من شؤون البيت إلى شؤون العمل إلى شؤون الناس إلى شؤوننا الخاصة ! أوراق في أوراق تذهب إلى المستشفى فتخرج بأوراق تذهب إلى البنك بأوراق تذهب إلى البيت لتستريح فتسقبلك قائمة طويلة عريضة من الأوراق .

-   هل عاد الولد من المدرسة ؟!

 

-   بابا أوراق من المدرسة ! يغمزك ولدك بشقاوة !

 

ياناس هل أنا في مستعمرة للأوراق ؟! أي نوم ينفع كلها أحلام من الأوراق طائرة ورقية زورق ورقي ! تستيقظ وفي فمك أوراق !

-   ماهذا ؟

 

-   قائمة جديدة من الطلبات ماذا تظن قائمة فيها مفاهيم دعوية ؟!!

 

كانت الأوضاع في بلادنا تسوء يوما بعد يوم . بح صوت المنادين بالإصلاح السياسي . حتى لقد أصبنا بعاهة في أصواتنا ! أي علاج من الصيدلية وأي طب أعشاب ؟؟!! نضع قارورة الدواء عند مقدمة أفواهنا ثم ندفع بها دفعة واحدة إلى حلوقنا كأننا نشرب عصيرا ! ثم لا تزال بحة الصوت ! ألا يوجد علاج أقوى ؟! لدرجة أن الناس في دول الخليج يميزون اليمني عن غيره ببحة الصوت !

وأنا في غمرة الحياة وبعد عشر سنوات من لقائي بصديقي العدني إذا بي أجده صدفة يجوب مابين الخيام التي أصبحت فيما بعد محافظة تعز  !

-   ها أنت من جديد , أهلا أهلا . كان صديقي متعبا , وبعد عناق طويل وكلام كثير  قال لي واليمن تعيش حالة من الذهول لما أقدم عليه بعض المنتسبين للعلم الشرعي بفتوى تبيح إراقة دماء المتظاهرين :

 

-   لقد فقد هؤلاء شرفهم ! فهم بلا شرف !

 

-   من هم ؟ من تقصد ؟

 

لم تطرف له عين كأني لست هنا قال متابعا :

-   أشك بأنهم يرتدون تحت أسمالهم شيئا , إنهم بلا سراويل . إنهم يعلقونه في غرفة المكياج قبل بدء التصوير !

 

-   سراويل براويل ؟؟! قلت له متسائلا وقد أخذت عيناي في الرمش والغمز كلمبات الزينة : فلان ! أأنت بخير ؟!! تبدو متعبا ياصديقي ؟!

 

-   أنا بخير  .لا عليك . شكرا .

 

-   حسنا ! مارأيك لو عدلنا عن الشمس إلى هناك قليلا ؟! ونحن على مقربة من المستشفى الميداني قلت له : كأني سمعتك قبل قليل تذكر لي قوما فقدوا شرفهم ؟

 

-   الكهنة

 

-   أي كهنة ؟ ودارت بي الأيام إلى لقائنا الأول قبل عشر سنوات أيها الفيلسوف أما زلت في الحديث عن الكهنة !

 

-   إنهم مشكلتنا منذ بدء التاريخ ! لم تكن مشكلتنا مع الدينصورات ولا الزلازل بأفظع من حالنا مع هؤلاء البغاة ! ألم تسمع بالفتوى الأخيرة ؟

 

-   وهل للرئيس كهنة ؟ أجابني على الفور :

 

-   وهل للرئيس علماء ؟

 

-   قلت له مداعبا : وهؤلاء الذي يتحلقون في قناة الإيمان الفضائية وعليهم الطيالسة والعمائم والطواقي يكاد أن يقطر الخزي من لحاهم؟!

 

-   وهل تحت كل ذلك مسكة ٌ من عقل أو ذرة من ضمير ؟!!! قلت له محاولا تلطيف الجو :

 

-   حسنا ! ماشأن السراويل ؟! بدرت منه ضحكة حلوة وهو يقول متفلسفا :

 

-   ماقيمة السروال بالنسبة للإنسان ؟

 

-   الشرف ! قلت له : يعني الشرف !

 

-   إذن إن من يتخلى عن الدور المنوط به كمن يتخلى عن سرواله ! أليس كذلك ؟!!

 

-   هههه ! بلى بلى ! ههه !

 

-   هههه ! ماقيمة السروال إن كان محشورا بين الأفخاذ لا تراه العين أو كان معصوبا على الرأس عمامة أو طاقية طالما وأن صاحبه بلا شرف !

 

إن حال هؤلاء في تخليهم عن شرف المهنة كحال من فقد سرواله في الزحام .

فكما أنه لايوجد تحت الكوافي والعمائم والمشاد عقول , فكذلك لا يوجد تحت تلك الثياب سراويل .

قلت له وأنا أغرق في نوبة من الضحك : المشكلة في صراخهم يقولون مائدة علمية ويصرخون ! وكأنهم على يقين بما يقولون ؟!

-   الصراخ يعني فلوس : لايوجد شيء اسمه صراخ علمي . توجد مناقشة علمية ! فكل شيء على قدر الفلوس ! فمنهم من يبلغ صوته أذنيه ومنهم من يبلغ صوته حقويه ومنهم من لا يتجاوز صوته قدميه !!

 

-   أعتقد أنهم يهددون الرئيس بهذا الزعيق على طريقة اللعب على الحبلين ! وكأنهم يقولون للرئيس إن هذا الصوت المجلجل هو لك اليوم فاحذر أن ينقلب عليك غدا ! ادفع أكثر نزعق لك أكثر!

 

غبت عن صديقي برهة ثم عدت وإذا به يعتلي مكانا بين الناس وهو يخطب بأرشق عبارة وألطف إشارة :

أيها المعتصمون ! إن الشرف هو الشرف لايوجد للشرف معنى آخر ومعاني الشرف لا تتجزأ لايوجد ربع شرف ونصف شرف وثلث شرف ! إن الإنسان حي ٌّ بشرفه يتنفس في محيطه ! والذي يفقد شرفه يموت كما تموت السمكة خارج البحر  !

ألم يقل رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام : إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام ..؟!

-   صاح الشباب في حماس : بلى بلى !

 

-   فما بالهم يبيحون قتلنا ؟ أليس لهم في عثمان بن عفان رضي الله عنه أسوة حسنة ؟!

 

-   اعترض أحدهم وكأنه يطلب مزيد إيضاح : كيف ؟! قل لنا بالله عليك كيف ؟ إننا في شك مما تقول !!

 

-   قال بكل هدوء : قبل يوم مقتله جاءه جيش من الصحابة وأبناء الصحابة ليحموه ليذودوا عنه وكان من بين أولائك سيدا شباب أهل الجنة : الحسن والحسين رضي الله عنهما فماذا قال عثمان بعد أن أمر الجميع بالانصراف : معاذ الله أن تراق قطرة دم واحدة بسببي ! معاذ الله ! لكن الجيش لم يتحرك وأبى إلا الدفاع عنه .

 

-   أيها الناس إن كنت ُ لا أزال أميرا عليكم فاسمعوا وأطيعوا . إن كانوا يريدون رأسي فليأخذوه ولتحقن دماء المسلمين ! انصرفوا مأجورين .

 

كان صديقي يحدثهم عن الشرف وأهميته بينما كانت الشمس تخلع ملابسها على قمة جبل صبر والشوارع تمشي بالأحرار ! كانت صورة تتشكل في ذهني مروعة عن كهنة بلا سراويل !

ياللفظاعة !! 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق