]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا أجد من يقرأ لي ! مقبرة المبدعين والموهوبين

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-02-05 ، الوقت: 18:24:23
  • تقييم المقالة:
 لا أجد من يقرأ لي ! مقبرة المبدعين والموهوبين

 

القلم بيدي والأوراق أمامي ، والمعاني تهيج وتختلط في نفسي كالريح في يوم عاصف ، والأفكار تتلاطم على صخور عقلي كالموج ، وفكري مليء بالحوادث التي تنتظر مني ان افرغها فأسود بها بياض الصحف التي أمامي ولكن يا سيدي لمن أكتب ومن يقرأ ؟

      من أنا حتى أكتب ولست بذلك الكاتب المشهور التي يكتب الدرر فتمسكها الناس ولا تترك منها درة ، ولا بذائع الصيت حتى تركض ورائي دور النشر تتصارع أمامي ليحظى الواحد منها بكتاباتي فيبيعها وينال بها مكاسبه المادية ، أوليس من العذاب ان أضيع وقتي وأنهك ذهني ويدي في الكتابة بالكتابة  لمن لا يقرأ ، والناس تميل في زماننا إلى الكتاب المعروفين فيقرؤون لهم ولا يعيرون انتباها للمغمورين ولو جاءوا بأفضل مما جاء به أولئك ، فما أفعل وكل هذه عوائق تمسكني عن الكتابة وتشتت ذهني وفكري ؟

     وأقول لك يا بني : ان ما قلته يحمل شيئا من الحقيقة ويعبر عن بعض الواقع ،  ان السؤال الذي يدور في ذهنك هو ذات السؤال الذي دار في ذهن من وصفتهم بأنهم مشهورون في بداية حياتهم ، يوم كان الواحد منهم يجلس وحيدا شريدا لا يعرفه حتى بعض جيرانه ولا يقرأ له أحد من القراء فيقول في نفسه ومن أنا حتى أكتب ويقرأ لي ..

ان هؤلاء الكتاب المشهورين لم يكونوا في بداية أمرهم الا كما انت الآن ولكنهم كتبوا ونشروا فلقيت كتاباتهم مدحا وشكرا كما لقيت ذما وهجاء  ، أعجبت أناسا وأسخطت آخرين ، ذاع صيت بعضها وخفي صيت الآخر منها ، انهم يوم كتبوا لم يكن في ذهن أحدهم ان يقرأ كتاباته بضع من الناس ، ولكنه كتب فتلقت الناس ما كتبه بالقبول وذاع صيته وانتشر ..

      ولقد سمعت ذات مرة من كاتبة ذائعة الصيت فاقت مطبوعات احد كتبها المليون نسخة وهي تقول : ما كنت أحسب وانا جالسة في غرفتي المتواضعة أنظر إلى الشارع من الشرفة المطلة عليه وأخط هذه الكلمات أن أجد لكلماتي ألف من القراء وكنت شديدة الخوف من أن أقابل بالرفض والسخرية والاستهزاء والانكار ولكنني تركت كل تلك الشواغل وكتبت وكان لكتاباتي ما كان ..

       وسمعت احد أشهر الكتاب وصاحب الكتب الاكثر مبيعا على مستوى العالم كنت في مرحلة من حياتي اعمل بجلي الصحون في مطبخ في فندق ولم أكن اعتقد ان يكون لكتاباتي صيت وقبول .

       كما انه وان اشتهر بين الناس كتابات لا تستحق القراءة ولكنه في وسط لا يستحق التقدير ، وكذا لم تلق كتابات بعض الكتاب المشهورين جدا أي قبول فلم يطبع لبعض روايات نجيب محفوظ أكثر من ألف نسخة وهو الحائز على جائزة نوبل للآداب فهذه الامور بتقدير الله لا بتقديرك ..

      اياك يا بني ان تظن أن أحدا من الناس وصل إلى المجد بين ليلة وضحاها وصار كاتبا مميزا يستحق القراءة بمصادفة خارقة للعادة .. ان من الأخطاء الشائعة اعتقاد ان الكاتب هو من يصنع الكتابة الجميلة  بل الكتابة المميزة هي من تصنع الكاتب الرائع ، لا تعتقد ان الكتابة فن يحتاج إلى موهبة بل هي من تصنع الموهبة فيك ،  ان الكتابة مهنة كأي مهنة كلما ازداد الانسان فيها ازدادت خبرته ومعرفته واسلوبه  ، وقد كان بعض الكتاب يكتب بعض المقالات في بادئ أمره ثم يمر عليه زمن فيقرأ ما كتب قديما فيضحك ويستهجن ويظن انه كان يمزح حينما كتبها ولا يرتضيها .

     اكتب يا بني كل ما يخطر في بالك دون نظر إلى من يرضى ومن يسخط ومن يقرأ ومن يهجر ، اكتب لتفرغ عواطفك ومشاعرك ، اكتب ليكون ما تكتبه تاريخا لك يدون مواقفك وأفكارك وعلمك وخبراتك ، اكتب لكي لا تكون حبيس أفكارك وآراءك وخبراتك ، اكتب لنفسك فأنت حقيق بها كما تقرأ لنفسك وتتعلم لها أيضا ، اكتب لآخرتك فأنت مجازى على نيتك فيما تكتب ، اكتب ما يزيد الفضيلة وينمي الأخلاق ويهدي السبيل القويم ، اكتب حتى لا تكون وحيدا ، فالكتابة قول ما لا تستطيع قوله بلسانك ، لا تنتظر ثناء من أحد ولا تعويضا على ما كتبت إلا من الواحد الأحد ، سطر في أوراقك ما يجعلك تحيا بعد موتك وتذكر بخير بعد ذهابك ، أضف للدنيا شيئا ولو قليلا حتى لا تكون أنت اضافة عليها .

     ولكن يا بني ؛ قبل أن تكتب عليك ان تحوز أدوات الكتابة فليست أدواتها القلم والورق ولا القدرة على الكتابة وتسطير الحروف فهذا شيء يستطيعه أي أحد ومن أهم أدوات الكاتب المبدع  ان يكون كثير المطالعة التأملية لا مطالعة التسلية ، فالكأس الفارغ لا يفيض وعلى قدر الامتلاء يكون الفيض والعطاء ، اقرأ لا لتكتب بل اقرأ لتزداد علما وفكرا وتكون شخصية مستقلة واعية مدركة ، اقرأ وافهمقارن وناقش اسأل وتعلم ، ان أي مهنة تحتاج قبل المباشرة فيها إلى أدواتها وخبراتها فان رأيت في نفسك قدرة وخبرة فاكتب ولو كانت بسيطة ولكن لا تنشر واصبر على ما كتبته حتى ينضج فالأفكار كالثمار ان لم تكن ناضجة لا تجد من يشتريها ولا من يرغب بها ، الأفكار كاللؤلؤ تعيش في داخل المحار سنين عديدة لتنضج وتصبح ذات قيمة وفائدة ،

اقرأ لكتاب العرب تعرف على مقدرة الجاحظ وروعة  المعري ومكنة ابن المقفع وبلاغة الانباري والجرجاني وسلاسة أبي العتاهية وحكمة المتنبي والغزالي وابن رشد واقرأ للمعاصرين من أمثال العقاد والرافعي والزيات والمنفلوطي والطنطاوي ومحمد كرد علي وأحمد أمين وطه حسين وميخائيل نعمة  وسيد قطب وغيرهم . اقرأ لكتاب غربيين لتتعرف على ثقافات مختلفة فاقرأ لهوميوس وفكتور هوجو و بوبليوس وميغل ويوهان غوتة ولويس البرتغالي ودانتي الإيطالي ويوست فان دن فوندلالهولندي .

اكتب لنفسك ولأولادك ولأصدقائك ، اكتب لتكون موجودا ..

لا تكتب فكرة لم تفهمها ولا معنى لم تدركه ولا في علم لم تعرفه فيكون مثلك كمثل من يبيع السمك في الماء ، والطير في الهواء فتسقط من أول أمرك ولا تجد بعدها من يقرأ لك وان أحسنت وأجدت ، فتكون محل نقد وسخرية ..

لا تكن صورة لغيرك ولا نسخة عنه فتعرف به ولا تعرف بنفسك اقرأ لكل الكتاب واستفد من خبراتهم ولكن لا تحاول أن تقلد أحدا منهم وكون لنفسك بناءها الجيد فأنت لا تقل أهمية عنهم ان أحسنت وأجدت .

لا تكتب وأنت لا تحب الكتابة أو لا ترغب بها ، فعلى قدر علاقة الحب بينك وبين الكتابة يكون الابداع والاختراع .

احذر من الغرور ومحاولة ارضاء النفس والغير والسعي وراء الشهرة والنجاح فتكتب أشياء تافهة ومواضيع لا قيمة لها او أمورا تافهة لا تستحق القراءة .  لان الشهرة والنجاح هي من يجب ان تسعى وراءك  لا العكس ، فيسعى القارئ إليك ليقرأ ما تكتب لا ان تسعى اليه انت ، فالبضاعة المرذولة توجد في كل مكان وعلى أي رصيف لكن الماس والذهب لا يوجد الا في أنظف الأماكن وأرقى الدكاكين ، وتلك يعرض الناس عنها وهذه يقبل الناس عليها .

لا تكتب الكثير ولا تعد الصفحات التي كتبت واعلم ان أوقية من الذهب خير من قنطار من الحطب فالقضية في الكيف لا في الكم وان كان الناس لا ينظرون إلى الكيف بل إلى الكم ، فقد قلت لك سابقا لا تكتب لإرضاء الناس فالعقلاء يقدرون قيمة ما تكتب ولو كان قليلا . بخلاف الطفل لو أعطيته خاتما من الذهب رماه في القمامة ولو أعطيته كرة كبيرة مليئة بالهواء فرح بها كثيرا ..  

لا تكترث بتنميق العبارات وتزيين الألفاظ وتتابع المرادفات وتسعى وراء التقعر في الكلام والتكلف في استحضار المعاني ، ولكن عليك ان تتقن اللغة بشكل تقيم به لسانك وقلمك ، فإن أجمل المعاني ما عبر عنه صاحبه بسهولة ويسر فانت لا تكتب لنفسك بل لغيرك وفي الناس تفاوت فعليك أن تسير على سير أضعفهم دون اسفاف وابتذال ، واياك والاختصار المخل أو التكرار الممل أو الاطالة دون حاجة او كثرة الكلام في معنى يمكن تأديته بأقل التراكيب ، ولا تخرج عن الموضوع المحدد الا بما يخدمه ويغنيه حتى لا تشتت القارئ فلا يعلم من أين خرجت ولا أين ولجت ، فرغ كلما في رأسك على الورق ثم عد اليه بعد حين واختصر منه الكثير واجمع كل فقرة ان أمكنك بجملة واحدة ،

    وتخيل يا بني انك تكتب لمئات الملايين وانهم ينتظرون كل كلمة تكتبها فما عساك ستقدم لهم وبماذا تنفعهم ، واعلم ان فيهم المثقف والواعي والقارئ والعالم ومن هم أقدر منك وأعلم لكن هذا لا يمنعك ان تدلي برأيك فقد ينتفع بك كما لم ينتفع به من غيرك ، ولا تسري فيك فكرة مدمرة تقض مضجع الكتاب وتقول أين أنا من الكتاب ومن أنا حتى اضارعهم أو أصارعهم لانهم لو قالوا بمثل قولك فيمن سبقهم لما كتبوا كلمة من الكلمات ، ان الجمال لا يخفى على أحد والابداع لا ينكره الناس ان وجد . فحاول أن تبدع وتأتي بشيء جديد أو معنى فريد ، واجتهد جهدك أن لا تكرر ما قيل الا ان أضفت له من نفسك وعقلك وروحك وقلبك فما خرج من القلب ادعى لان يستقر في القلب وأصدق الناس بوصف الهم صاحب الهم والثكلى أبلغ في بكاء ولدها من المستأجرة  . فالناس ليست بحاجة إلى آلة نسخ لانهم أقدر منك على النسخ والاقتباس .

     واعلم يا بني أن على كتفيك ملكان موكلان يكتبان كل كلمة تقولها لتجزى بها خيرا وشرا فالكتابة سلاح ذو حدين قد يكون سبب لأجرك أو لوزرك ، ورفعتك أو ضعتك ، فلا تكتب الا ما يزيد في ميزان حسناتك واياك ان تسن سنة سيئة يكون لك وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة

راجع ما كتبت اعرضه على أهل الذوق والعلم والأدب اقرأه مرات ومرات عدل وصلح واحذف وزد وبين واشرح . حتى تصل إلى مرتبة تقتنع منها ان فيها فائدة وتستحق الاحترام والإكبار فانشرها اينما تسنى لك في الكتب أو الصحف الالكترونية وتكون بذا قد أديت مهمتك ورسالتك وما عليك بعد ذلك ان تنظر في العواقب لانك ستجد من يقرأ لان الجمال لا يخفى والبضاعة الجيدة تجد من يشتريها وان كانوا قلة ..

       وتأكد يا بني ان المبدعين الذين تعرفهم او سمعت لهم ما اجادوا في كل ما أتو به فقد كان لهم النفيس ودونه والجيد والرديء فقد كان للمتنبي وهو الشاعر المبدع أشعار لا مثل لها وكان له سفاسف أيضا .

      أقولها ودائما ما أكررها كم دفنت كلمتك  من موهوبين ومبدعين وكم عطلت من عقول وكم اثنت من عزائم وكم أذهبت من خير انني اسميها مقبرة الكتاب والمبدعين فكن من اهل الحضور لا من أهل القبور ...

من مقالات الكاتب مصعب الأحمد بن أحمد

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق