]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

كانت طيْفاً من رجاءٍ !! (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-02-05 ، الوقت: 11:39:05
  • تقييم المقالة:

يا للعجب !!

الوليدة تتنفس ، ولكنها لا تتحرك ، ولم تصرخ ، كعادة المواليد !!

ما الذي حدث ؟!

هل هي حية ، أم ميتة ؟!

لا شك أنها حية ، فهي تتنفس ، ولكن عينيها مغمضتان ، وشفتيها مطبقتان ، ويديها جامدتان ، وكل جسمها لا ينتفض ، ولا يهتز !!

والأم قلقة ، والنساءُ حولها حائراتٌ ، والأبُ حزينٌ وحزينٌ جداً ، وهو الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر ، وملْءِ الرجاء ...

يا لها من مولودة عجيبةٍ ، قدِمت إلى الدنيا بصمتٍ رهيبٍ ، وحلَّتْ على أبويْها بسكينةٍ مزعجةٍ ؛ فهي لم تُثِرْ ضجَّةً كبيرةً أو صغيرةً ، ولم  تملأْ الآذان ببكاءٍ ، أو العيونَ بسناءٍ ، بل ملأت القلوب بخوف ممزوج بقلق ، وحيرةٍ ، ورجاءٍ ...

واختلطت المشاعر ، واختلفت الأفكار والظنون ، ولم يستطع أحدٌ أن يجزم ويقول إنها حية أو ميتة . والأم مبتئسة أشد ما يكون البؤس ، أما الأبُ فكل حزن الدنيا قد تجمَّعَ في عينيه ...

وفوَّضَ أمرها إلى خالقه وخالقها ، ودعاه في صلواته أن يبثَّ في بَدنِها الحركة مثلما نفخ فيه الروح ، وأن يجعلها قرة عينه ، وفلذة كبده التي تمشي في الأرض ، ورجاه بكل جارحة وخالجة ، وأكثر من الرجاء ، وسمعته ملائكةٌ في السماء ، وأشفقن عليه ، وهبطن ـ بعد أن استأذنَّ اللهَ ـ إلى سرير الأم حيث ترقد الطفلةُ ، وحففْنَ بها بلُطْفٍ ووداعةٍ .

شعرت الطفلة بحفيف الملائكة ، وتنسَّمت هواءَهن ، واقتبست نورَهن ، وتطلعت إليهن بفرحةٍ مُستترة ، وكأنها تعرفهن منذ عهد بعيد ، فقالت لها كبيرةُ الملائكة :

ـ ما بك يا إنْسية لا تريدين أن تعلني حضورك إلى الدنيا ، وتُفْرحي أبويك المشتاقين المتلهفين ؟

قالت الطفلة :

ـ أبواي في الجنة ، وقد تركتهما هناك بين الأشجار والطيور ، وهذا العالم غريبٌ عليَّ ، ولا أريدُ أن أحُلَّ فيه .

قالت كبيرةُ الملائكة :

ـ أبواك في الجنة عهدا بكِ إلى أبويْن آخريْن في الأرض ، وهما سببُ مجيئك إلى الدنيا ، وهما سيفرحان بك أشد الفرح ، وفرحهما من فرح أبويك في الجنة .

قالت الطفلة :

ـ ولكن هذه الدنيا لا تشبه الجنةَ ، وأخاف أن ألقى فيها الشقاء والأحزان .

قالت كبيرةُ الملائكة :

ـ تلك إرادة الله ، وعليك أن لا تستبقي الأحداث ، وتعترضي على ما قدَّر لك من سعادة أو شقاءٍ ، ثمَّ إن كل ما ستلقينه سوف يكون امتحاناً لك وبلاءً ، ولك عليه أجر أو جزاءٌ .

ثم أضافت ، بعد أن التمست من الطفلة اصغاءً واهتماماً :

ـ إن حياتك عطاءٌ من الله ، وهو جلَّ جلاله أفاض عليك برحمته بعد أن كنتِ من العدم ، واقتضت مشيئتُه أن تصيري وجوداً يموج بالحركة ، وهو يحبَّكِ كما يحبُّ جميع خلقه في الكون ، فأطيعي الله وارضيْ بقضائه .

غشيت السكينةُ الطفلةَ ، وشعرت بدبيب الإيمان يسْري في فؤادها الصغير ، واقتنعت بكلام كبيرة الملائكة ، واستمدَّت منهن جميعاً القوة والارادة والأمل ...

وعرجت الملائكة إلى السماء بعد أن أخذن منها عهداً بأن تقوم من نوْمها الطويل ، وتتحرك في سبيل الله ، وتتصدَّى للحياة بحُلْوِها ومُرِّها ، وتختبر جميع أحداثها ، ولا يهمُها سوى أن ترضي خالقها ، وترضي والديْها اللذين ينتظرانها على أحرِّ من الجمر ...

وكانت خالةٌ لها كبيرةٌ ـ بعد أن وجدت أنَّ الأمر طالَ كثيراً ـ أشارت عليهم أن يشْرطوا نواحي من جسدها ، ويضعوا عليها كُحْلاً بواسطة ريش البُومِ ، لعلها تنتفض من الوخز والألم ، ويسيلُ منها الدَّمُ ، وتقوم تملأ الدنيا صراخاً وعويلاً وحركة ، وفعلوا ذلك ، وأمهلوا الوليدةَ يوماُ كاملاً بليْله ونهاره ، فإن لم تقُمْ بعد ذلك فالقبرُ سيكون مثْواها الأخير !!

والغريبُ أنَّ الوليدة أمعنت في عِنادِها ، ولم تتألم ولم تصرخ ... ولكنها استجابت لنداء الملائكة ، ولرجاء أبيها الكبير ، وأعلنت حضورها ، ولكن كطيْفٍ من الأطياف ...

وقد سمَّاها أبوها (رجاء) ، وسمَّت نفسها (طيف) ... !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق