]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بين الموامرة و القدر، ضاع الربيع

بواسطة: Ayoub Touati  |  بتاريخ: 2014-02-05 ، الوقت: 05:53:40
  • تقييم المقالة:

لنتأمل سويا المشهد التالي: جمهرة من الشعوب المكلومة تخرج إلى الشارع لتصدح بأعلى صوتها أنها تريد قطف رؤوس فساد أينعت. تصيح الجحافل بإرادة حديدية لعزل رؤساء ظنوا أنهم خالدين أبد الدهر في كراس لن يتزحزحوا عنها إلا بفعل عامل بيولوجي محض حين سيأتي عزرائيل لأداء مهمته. يتدخل العسكر لفرض سطوته على الجميع فيعزل الديكتاتور حتى تنظيم انتخابات نزيهة. سيذهب الشعب إلى مكاتب الاقتراع آملا بتغيير منشود و حالما بديمقراطية طوباوية ستغدقها عليه أمريكا بحكم أنها عراب هذا العالم و كل من فيه بمقتضى قانون الوصاية الذي صاغته هي. في الغد تعلن النتائج و تتقاطر على الرئيس الجديد رسائل التهنئة من كل حذب و صوب، بل من تلك الأنظمة أيضا التي كانت بالأمس فقط لا تتورع عن كيل أسمى عبارات المدح و الثناء للدكتاتور الذي غادر غير مأسوف على حاله. الذي يحدث بعد هذا أن الدولة العميقة تنتبد بنفسها مكانا قصيا و تبدأ اللعبة التي تنتهي غالبا بانقلاب عسكري مدبر عادة ما تسبقه هندسة عجيبة للتوافق حتى تترسخ في الأذهان صورة الدبابة المنقذة من بطش هذا الذي انتخبنا عليه بطريقة ديمقراطية.         

كان لنا حظ بئيس ربما أننا عشنا في منطقتنا العربية كل هذا الزخم الهائل من الأحداث منذ 2011 حتى صرنا لم نعد نفهم شيئا مما وقع البتة. بعض السذج (عن حسن نية ربما) حسبوا أن الذي حرك الجماهير إنما هي ثورات كاملة لكن بمجرد أن بدأت الردة عن المسار الحقيقي لفعل الثورة، أكاديميا على الأقل، انقلبت القناعات رأسا على عقب و سلمنا أن ما حدث منذ البداية لم يتعد كونه إحدى فصول نظرية المؤامرة التي لطالما فسرنا بها، نحن العرب، كل ما لم يكمن لعقولنا أن تجد له تفسيرا منطقيا عير مسطح للأشياء.

في الحقيقة، أي استناد غير علمي لتفسير المؤامرة لم يبعث فقط على زيادة الشرخ الفكري الذي نعاني منه منذ عهود سحيقة فقط، بل أيضا عمل على استصغار أنفسنا لدرجة جعلت من تصورنا لذواتنا مختزل في كون إرادتنا ملك للآخر الذي سيخطط لمصائرنا بدلنا و ما علينا نحن العرب إلا أن نذعن لرغبات أمريكا التي بلغ منا الجنون حد أن نصورها قادرة على تحريكنا كقطع شطرنج وفقا لحساباتها هي و ليس ما تريده نحن. يستبد بنا اللبس و ضبابية الرؤيا فلا نعود قادرين إذن على تمييز الحدود الفاصلة بين المؤامرة و ما ليس بذلك فلا نجزم فعلا إن كانت لنا قوة صنع تاريخنا بأيدنا أم أن ذلك لم يلبث مجرد كونه أحد الألاعيب بالمنطقة... و الحال أنهما معا. كيف ذلك ؟

كل المؤشرات كانت تدل على أن العالم العربي عرف وضعية سبات عميق بفعل الفساد الذي استشرى في الأنظمة الحاكمة. فكأنما إذن ذلك الجمود الذي ساد قبل أن تصرخ الحناجر بمطالبها كان من قبيل الهدوء الذي يسبق العاصفة. فنظرة فاحصة للأوضاع تفضي بالتسليم بأن الدولة بتغولها الأمني و القطري انزلقت شيئا فشيئا إلى ما أضحى ما لا محيد عنه: مواجهة مفتوحة الشعب غير معلومة النتائج. الملفت للنظر هنا أنا الولايات المتحدة الأمريكية وعت بخطورة المسألة فأرادت بخبرتها الطويلة أن تحرك المسيرات الحاشدة نحو الهدف الذي يبقي الأمور تحت السيطرة و يجعل النتائج متحكما فيها سلفا. كل الحسابات أيضا كانت توحي بأن مصر هي التي ستنطلق منها الشرارة الأولى لحركة المطالبة بالتغيير الواسعة، و إلا فكيف نفسر زيارة الرئيس أوباما لمصر سنة 2008 و تأكيده من هناك على أن مستقبل المنطقة سيعرف تغيرات جذرية لصالح ترسيخ أسس ديمقراطية؟ و سيتأكد هذا بالفعل حين نلاحظ أن طلبات الاعتماد التي قدمها الصحفيون الأجانب تضاعفت ثلاث مرات بين سنتي 2008 و 2010 بالمقارنة مع ما كانت عليه عشر سنوات قبل ذلك، و قد وقفنا على الدور الحقيقي الذي أدته وسائل الإعلام فعلا عندما قامت المظاهرات. يدل ذلك على شيء واحد فقط: هناك نية لاستباق أي مغامرة غير محسوبة العواقب، تماما كما فعلت إدارتي الرئيسين "هاري ترومان" و "دوايت أيرنهاور" سنة 1952 مع الضباط الأحرار اللذين دعمتهم سرا ليقينها المسبق أن أيام الملك فاروق باتت معدودة لأنه احترق على جميع الأصعدة، و يمكن الرجوع لكتاب "ثورة يوليو أمريكية" للكاتب محمد جلال كشك للتأكد.

كان لابد إذن من تأطير جهات ستقود العصيان المدني فيما يشبه التحركات المدنية السلمية، هنا برز اسم "بوبفيش" بصفته مؤسسا سابقا لحركة "أوتبور" التي أطاحت بالرئيس الصربي ميلوزوفيش. فقد تحرك هذا المناضل الصربي عبر شبكة علاقات واسعة مع المخابرات الأمريكية التي أسست لمركز "كانبانس" فتدرب فيه العشرات من المصريين لإجادة تقنيات النضال السلمي .نفهم الآن فقط لماذا أطلق على الانتفاضات العربية صفة "الربيع" في إحالة إلى ما عرفته أوروبا الشرقية في التسعينات من انتفاضات شعبية تطلعا إلى ديمقراطية حقيقية، من خلال هذا التشابه في الذي أطلقته نفس وسائل الإعلام التي تابعت كلا الحدثين نستشف وحدة مصدر "الربيعين".

للتخطيط الإنساني خاصية مهمة، إنه نسبي و متغير حسب الظروف الطارئة، فعامل جديد واحد فقط كفيل بجعلك تتخبط في مشاكل لا حصر خاصة إن حول ما خططت له إلى "لا معنى". عندما احرق "البوعزيزي" نفسه بتونس، فإنه نسف كل ما بنته المخابرات الأمريكية في سنوات ثلاث ما دام أقد أعطى انطلاقة العملية من تونس و ليس من مصر كما تصور أوباما. أمام هذا المستجد، تبين أن قوى أخرى تفوق القدرة الإدراكية للبشر، مهما علا شأنه، في استباق المستقبل المجهول و خوض غماره لأن التكهنات دائما تبقى رهينة لافتراضاتها التي يجب عليها أن تتحقق حتى تكتمل الخطة بحذافيرها. المفاجأة كانت من أن تونس نفسها اعتبرت آخر دولة يكمن أن تقوم فيها مظاهرات بذلك الحجم الهائل نظرا لكونها دولية بوليسية بامتياز، فلا يكاد يقع شيء ما في أحد الأطراف الهامشية البعيدة عن العاصمة بمئات الأميال حتى يصل إلى علم الرئيس نفسه فيتخذ في الحين ما يلزم من إجراءات. وزير الداخلية الفرنسي أكد هو أيضا ذهوله مما وقع لأنه لم يكن يتوقع ذلك تماما لتمكن الآلة الأمنية من الشعب و إحكام سيطرتها عليه. هذا هو القدر عينه الذي صنعته الشعوب العربية لأنها أرادت ذلك فتمسكت به. و لأن أمريكا دائمة على الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية بالمنطقة، كان لابد لها أن تعيد تكييف ما رسمته مع ما ظهر في الساحة. فكيف إذن نفسر التخبط الذي حصل حينما أعلن "بنعلي" عن تنحيه عن الرئاسة؟ فها هي طائرته في فرنسا التي رفضت استقباله فظل يطوف فيها إلى أن قبلت به السعودية بموافقة أمريكية.

في مصر، عندما تنحى مبارك عن السلطة، ظن الكل أن تلك ثورة حقيقية مكتملة الأركان، لكن قلة من المثقفين كان لهم رأي آخر. حين ندقق في الوقائع فإننا نجب أن نسأل عمن كان يحكم قبل و بعد ذلك الذي اصطلح عليه، إعلاميا على الأقل، "ثورة الياسمين". الجواب بسيط للغاية و يحمل لنا في طياته إجابة أخرى حتى لما يحصل اليوم أيضا: حكم العسكر قبلا منذ حقبة عبد الناصر ثم استمروا حتى بعد سقوط النظام. بالإضافة إلى هذا، لطالما عرفت أمريكا بعلاقتها مع المؤسسات العسكرية في البلدان التي تدور في فلكها، ففي النهاية هي من سيقوم بأداء المهمات الميدانية لمنع العدوان الأحمر (أيام الإتحاد السوفياتي) أو الظلامي (منذ بدأ الحرب على الإرهاب). يبقى لنا أن نتساءل هنا: لماذا تأخر انقلاب السيسي في الحقيقة؟ و ليس لماذا القيام به؟ فهو تحرك متوقع يحيلنا إلى انقلابات عسكرية متشابهة تماما لا من حيث الحبكة و لا من حيث الأهداف كانقلاب جواتيمالا بقيادة "ريوس مونت" أو انقلاب "سوهارتو" بأندونيسيا ل تطول القائمة و تشمل كل تقويض للديمقراطية لأنها هي الخطر الفعلي الواجب تجنبه حفاظا على مصالح عراب العالم مع الأخذ في الحسبان أن الديمقراطية في مصر ستعني صعود من يحمل العداء التاريخي المبطن لإسرائيل.

قدمت لنا هذه الانتفاضات العربية فرصة مثالية لتحريك مياه آسنة و نفهم "ما الذي يريده حقيقة" العم سام كما عبر عن ذلك الكاتب العملاق "نعوم تشومسكي" لمن الجدير بالملاحظة هو أن النقاش الذي رافق هذه الظاهر لطالما افتقد إلى السند العلمي فنطق الكل عن هواه محاولا من وجهة نظره الخاصة فقط فكانت النتيجة أن تخبطنا فقط في فهم ما الذي يجري فعليا خاصة عندما تسابقت الجماهير لقطف ثمار لم تقم بزرع بذروها حتى. فما أطلق عليه اسم "ربيع" تحول بسبب عدم الإدراك الواعي للحقائق إلى تخبط ثم إلى "صيف قائض" فصدق الإمام أحمد الغزالي رحمه الله حين قال "مازلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب, أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك".


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق