]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لوحة فلان الفلاني

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2014-02-03 ، الوقت: 19:28:48
  • تقييم المقالة:
في يوم من أيام الزمهرير،في ليلة ظلماء افتُقد فيها البدر،اسودت الدنيا بوجه "فلان الفلاني". أضاء اللمبة لكنها كانت محروقة،فأراد أن يطلب رجال الإطفاء في زمن عزّت فيه الرجولة،لكنه لم يجد رصيداً كافياً في هاتفه المحمول الذكي الفائق البشاعة،كأنما الذكاء يجب أن يقترن دوماً بالقباحة .
استهدى "فلان" بالله وصلى على النبي وأشعل شمعةً وبكى معها،اختلطت دموعه بدموعها فما بات يعرف إن كان يبكي لأنه وحيد أم لأنه يحترق.
لطالما جلس "فلان" في غرفته وحيداً لأنه لم يمتلك ثمن شراء تمثال يشاركه عزلته. غرفته تتألف من تخت خشبي لونه بلون الأشجار،ومن مكتبٍ معدني لونه كلون السماء الممطرة. كما أنها تحتوي على مدفأةٍ كهربائية محروقة فيوزاتها. لطالما شبهته أمه بهذه المدفأة من ناحية الفيوزات المحروقة.
لم يكن يريد أن ينام لأن سريره بارد،فأشعله بالشمعة وشب حريق في شراشف التخت وفي وسادته وفرشته. ما عاد السرير يصلح للنوم،لكنه صار يصلح للتدفئة،فرمى "فلان" المدفأة من الشباك كي لا يتذكر هزائم دماغه الفاصل والبعيد كل البعد عن أرض الواقع.
حين ارتفعت حرارة الغرفة كثيراً،أراد "فلان" أن يطفئ نار السرير لكن المياه كانت مقطوعة من شجرة والحنفية مسدودة السبل بوجه خزانها الخاوي على عروشه. هدأت نيران السرير من ثم تلاشت مع الغيوم لكنها خلّفت الكثير من السواد على أغطيته المزركشة. لم يكن "فلان" بحاجة لمزيد من الظلمة في غرفته هذه الليلة،إلا أنه عض على جرحه النازف وطول باله ولم يرم السرير لأن الصباح رباح.كما أن السرير ليس ملكاً له، فهو استأجره من السوبرماركت بعقد طويل الأجل. خاف فلان أن ينتهي أجل العقد قبل أن يأتي أجله هو فيضطر لأن يدفع ثمن السرير بالمعاملات الصعبة.
ذهب فلان إلى المسجد لكي يصلي ركعتين على نية الفرج والقبول و العفو و العافية،وبعدها ذهب إلى المكتبة التي اسمها مكتبة لكنها لا تحتوي سوى على كتب الطبخ والنفخ والأبراج العاجية. اشترى من المكتبة ألواناً مائية وهو يعتقد أن صفة المائية في الألوان ستطفئ برده أو عطشه.
بدأ فلان يلون السرير بأبهى الألوان وعاد للشراشف بريقها وللمخدة نضارتها، فصار السرير لوحة فنية معبرة تشبه لوحة الموناليزا ولوحة فان (الشويفات-عرمون) في موقف الكولا. 
جاع فلان وأراد أن يأكل لكنه لم يمتلك مزيداً من النقود فقرر أكل اللوحة-السرير، لكنه اكتشف أنه لا يؤكل من العضة الأولى. الفن لا تأكله الأفواه،لكن الجائع لا يشبع دون أن يحرك ثغرة صعوداً وهبوطاً، ودون أن يصدر صوت مضغ الطعام بأسنانه الفسفورية التي لطالما حمته من صدمات السيارات ليلاً.
على كل حال ومن دون تطويل السيرة،جاع "فلان"،وطال جوعه. زقزقت عصافير بطنه وأشرقت الشمس وظل جائعاً،لو أن الشهر كان شهر رمضان لما كان اشتكى من الجوع،لكن الجوع في غير رمضان كافر،وسيدخل إلى النار.
حينها اكتشف فلان أن لا حياة مع اليأس،لا حياة للأمعاء الخاوية،لا حياة للوحدة، ولا حياة ولا ممات للوحته الخالدة،التي لا يُؤكل كتفها.
 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق