]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(قصة لمن كان له قلب)

بواسطة: مجحود شمسان  |  بتاريخ: 2014-02-02 ، الوقت: 19:16:30
  • تقييم المقالة:

 

[بداية]?
بسم الله الرحمن الرحيم??وبه نستعين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.?
روي بالإسناد الصحيح أن وافداً وفد على عالم من علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل: إنه القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فلما نظر إليه الوافد نظر رجلاً جسمه لا يشبه اسمه، فسلم عليه، فرد العالم السلام، وأطال الوافد الوقوف، وأطال العالم السكوت.
فقال الوافد: إن لكل طالب حاجة.?فقال العالم: ولكل كلام جواب.
فقال الوافد: صدقت، إن الله سبحانه يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النحل:43] فعلم العالم أنه يريد منه علماً.
ــــــــــــــ

[المعرفة ورسومها]??فقال له العالم: إن العلم بحر عميق.
فقال الوافد: ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها.
فقال العالم: وما سفينة بحر العلم؟
فقال الوافد: المعرفة.
فقال العالم: المعرفة اسم أم رسم؟
قال الوافد: اسم ورسوم.
قال العالم: كم رسوم المعرفة؟
قال الوافد: يكفيك منها خمسة.?
[رسوم المعرفة]?
قال العالم: وما هي؟
قال الوافد: تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف دينك، وتعرف دنياك، وتعرف آخرتك، فإذا عرفت ذلك كله فلا حاجة لك إلى غيره.?
[معرفة النفس]?
قال العالم: كيف تعرف نفسك؟
قال الوافد: أعرف حدثها، وأعرف صنعها، وأعرف عجزها، فأجهدها في طاعة ربها، وأحملها على الخوف بحالها واحتمال الأذى، وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها، وأصرفها من الكذب إلى الصدق، ومن الطمع إلى الورع، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشرك إلى الإخلاص، وأخرجها من محبوبها في الدنيا، وأريضها في السفر حتى تنال كرامة الله في الآخرة.
 
[معرفة الله]?
قال العالم: وكيف تعرف ربك؟
قال الوافد: اعرفه بما عَرَّفَ به نفسه من الوحدانية، ولا أشبهه بشيء من البرية، لا يحد بالحدود، ولا يوصف بالصفات؛ إذ هو سبحانه خالق كل صفة وموصوف.?
[معرفة الدين]?
قال العالم: وكيف تعرف دينك؟
قال الوافد: أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقها المحكم من التنزيل، وشهدت لها غرائز العقول، وهي على ثلاثة وجوه: قول وعمل واعتقاد، فسبيلها واضح، وطالبها رابح، قد تميز دليلها، وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها، فقد كفونا مؤنة الطلب بباهر الاحتجاج، وقطعوا عنا علائق الاعوجاج، حتى ما بقي في ذلك شك ولا اختلاج، فقصدت رغبة بذلك بنية صحيحة، حتى عرفت الأصل والفرع، وبحثت بغامض عقلي فوجدت ذلك صحيحاً واضحاً مبيناً، وفي كتبهم مشروحاً معيناً، كلاماً مبرهناً، قد حملوا صلوات الله عليهم عنف ذلك وثقله، وأوضحوا فرع ذلك وأصله، حافظين فيه الأمانة، مجتنبين الغش والخيانة، وقد شيدوا بنيانه، وعظموا سلطانه، وأثبتوا في العقول برهانه، فليس لأحد من بعدهم مطلب، ولا لمسترشد من دونهم مذهب، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب.?
[معرفة الدنيا]?
قال العالم: فكيف عرفت دنياك؟
قال الوافد: عرفت فناها وتقلبها وغدرها وخدائعها فحذرتها، ونظرت وميزت فإذا الدنيا تغر طالبها، وتقتل صاحبها، تفرق ما جمع، وتغير ما صنع، فعرفت أنها تفعل بي كما فعلت بالأولين.

[معرفة الآخرة]?
قال العالم: فكيف عرفت آخرتك؟
قال الوافد: عرفت أنها منقلة‏[‏1‏]‏ باقية فيها الحسنات والعقاب، والمجازاة والثواب، يبلغ أمدها، ويطول أبدها، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كان من أهل الجنة فشاب لا يكبر، وغني لا يفتقر، وقادر لا يعجز، وعزيز لا يذل، وحي لا يموت، في دار قرار، ونعيم مقيم، وسرور وقصور، وأبكار راضية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، وملك لا يحد سعته، ونعيم لا تحصى صفته.
وإن كان من أصحاب السعير: فحمل ثقيل، ومقام طويل، وبكاءٌ وعويل، وخشع ضعيف، وقلب خفيف، في دار جهد وبلية، وغَمِّ ورزية، وضيق لا يتسع، وعذاب لا ينقطع، وحيث السلاسل والأغلال، والقيود والأكبال، والضرر والنكال، والصياح والإعوال، وأكل الزقوم، وشرب اليحموم، ولفحات السموم، وظهور المكتوم، ولباس القطران، وزفرات النيران، والخزي والهوان، داخلها محشور، وواردها مضرور، وساكنها مدحور، وصاحبها مقهور، واللابث فيها مهجور.?
[عمل من وعد بالدارين]?
قال العالم: كيف يصنع من وعد بهذين الدارين؟
قال الوافد: ينبغي لمن قد وعد بهذين الدارين أن ينظر إليهما ويتصور ما أعد الله فيهما، فينظر إلى الجنة وقصورها، وما وصف الله فيها من النعيم المقيم، والفواكه والأزواج من الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، والأنهار الجارية، والأشجار الدانية، والسرر المصفوفة، والزرابي المبثوثة، وأشيائها‏[‏2‏]‏، ولباسها، وفراشها، وحجراتها، وطعامها، وشرابها، ونعيمها، ودوام ذلك فيها فيخاف ألاَّ يكون من أهلها، فهنالك تتابع زفراته، وتكثر حسراته، وتفيض عبراته، ويطيع ربه، ويعصي هواه، ويترك دنياه، ويطلب آخرته، ويعلم يقيناً أن إلى الله مصيره.?
فلما انتهى الكلام من العالم والوافد إلى هذا الحد، وعلم أنه ذو فطنة ونباهة ونبالة ونظر وتمييز في طلب العلم -سأله لينظر معرفته.?
[اختبار العالم للوافد]?
فقال: من أين؟
فقال الوافد: من فوق الأرض ومن تحت السماء.
قال العالم: كم لك؟
قال: كذا وكذا من سنة.
قال العالم: ما ترى؟
قال الوافد: أرضاً وسماء وما بينهما.
قال العالم: ما ترى في السماء؟
قال الوافد: أرى عبراً: شمساً تحرق: وقمراً يشرق‏[‏3‏]‏، ونجوماً تزهر، وماء يمطر، ورياحاً تذري، وسحاباً تجري، وطيراً يهوي، وليلاً ونهاراً وأياماً مختلفة.
قال العالم: فما ترى في الأرض؟
قال الوافد: براً، وبحراً، وسهولاً، وتراباً، وأحجاراً، وأشجاراً، وأثماراً، وأنهاراً.
قال العالم: فكم الدنيا؟
قال الوافد: ليل ونهار.
قال العالم: فكم الخلق؟
قال الوافد: ذكر وأنثى.
 
[أنواع الناس وأنواع الكلام]?
قال العالم: فكم الناس؟
قال الوافد: أربعة: واحد فيه خير وشر، والثاني شر بلا خير، والثالث خير بلا شر، والرابع لا خير فيه ولا شر.
قال العالم: فما هم بعد ذلك؟
قال الوافد: نبل وسفل، فلا النبل لهم قدر عند السفل، ولا السفل لهم قدر عند النبل.
قال العالم: فكم الكلام؟
قال الوافد: أربعة: خطاب، وجواب، وخطأ، وصواب.?
[العجب من سبعة]?
قال العالم: ففيم العجب؟
قال الوافد: في سبعة.
قال العالم: من هم؟
قال الوافد: عبد عرف الله فعصاه، وعرف الشيطان فأطاعه، وذكر الموت فطابت نفسه، وعرف الدنيا فجمع لها، وعرف الآخرة فبغضها، وعرف الجنة فلم يرغب إليها، وعرف النار فلم يرهبها.
 
[خير الأشياء والإيمان وشهوده]?
قال العالم: فما خير الأشياء؟
قال الوافد: خير الأشياء الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين.
قال العالم: كم شهود الإيمان؟
قال الوافد: أربعة شهود: محكم الكتاب، ومحكم السنة، وحجة العقل، وإجماع الأمة.
قال العالم: وما هو؟
قال الوافد: قول وعمل واعتقاد.
قال العالم: كيف ذلك؟
قال الوافد: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان.
 
[الصدق والعمل والاعتقاد وأضدادها]?
قال العالم: فما الصدق؟
قال: ضده الكذب.
قال العالم: فما ضد العمل؟
قال: ضده النفاق.
قال العالم: فما ضد الاعتقاد؟
قال الوافد: ضده التشبيه.?
[أعظم الأشياء]?
قال العالم: فما أعظم الأشياء؟
قال الوافد: معرفة الله على الحقيقة وهي توحيد، وتعديل، وتصديق، وذكر على كل حال في الليل والنهار.?
[أفضل الأشياء]?
قال العالم: فما أفضل الأشياء؟
قال الوافد: أفضل الأشياء طلب العلم من العلماء، حتى يعرف الطالبُ الحقَّ فيعمل به، فمتى زهر مصباح الهدى في قلبه أخلص العمل والنية الصادقة، وأنطقه الله بالحكمة.?
[أخبث الأشياء]?
قال العالم: فما أخبث الأشياء؟
قال الوافد: الجهل لأن الجهل الهلاك والعطب، والجاهل إذا أراد أن يصلح شيئاً أفسده بجهله وقلة علمه وهو يجلب جميع الآفات، ويتولد منه الكبر، والطمع، والحسد، والحرص، والشهوة، والبخل، والسخرية.?
[أقبح الأشياء]?
قال العالم: فما أقبح الأشياء؟
قال الوافد: اللغو الضرر‏[‏4‏]‏، والغيبة والنميمة، والخيانة، والكذب، والزنا، والربا‏[‏5‏]‏، وحب المدح، وحب الفاسق، وصحبة المنافق، وسوء الظن.
 
[أدنس الأشياء]?
قال العالم: فما أدنس الأشياء؟
قال الوافد: سؤال الناس، ومقاربة الأنجاس، والثقة بخمل الناس‏[‏6‏]‏، ومفارقة الأكياس.?
[أنفع الأشياء]?
قال العالم: فما أنفع الأشياء؟
قال الوافد: حسنة تكون بعشر أمثالها.
قال العالم: وما هي هذه الحسنة.
قال [الوافد]: هي أن تطعم أخاك المسلم من جوع، أوتكسوه من عُرْي، أو تقضي عنه ديناً، أو تفرج عنه غماً، أوتكشف عنه هماً، فمن فعل هذه لأخيه المسلم جاء يوم القيامة ولوجهه‏[‏7‏]‏ نور أيضأ‏[‏8‏]‏ مثل نور القمر، وتلقته الملائكة بالبشارة، ودخل الجنة آمناً، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف، ولا يحيط بمعرفته عارف.?
[أمرُّ الأشياء]? 
قال العالم: فما أمر الأشياء؟
قال الوافد: سيئة يتبعها سيئة، ولا يكون عليها ندامة، ولا يرجع عنها صاحبها إلى توبة.
 
[أطيب الأشياء]?
قال العالم: فما أطيب الأشياء؟
قال الوافد: العافية مع المعرفة، ووضع الأشياء في مواضعها، ومجالسة العلماء، ومدارسة الحكماء، وحضور مجالس الذكر، والتفكر في الصنع، والمبادرة في أعمال البر، وصلاح ذات البين، والتجهز للرحلة، والاستعداد للموت.?
[أهول الأشياء]?
قال العالم: فما أهول الأشياء وأعظمها فزعاً؟قال الوافد: إذا نفخ في الصور، وبعثر من في القبور، واجتمع الخلائق، إلى الموقف المتضايق، فهنالك الفزع العظيم، والخطب الجسيم، وكل واحد منهم يقول: نفسي نفسي، لا يسأل في ذلك اليوم والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدثر:38].?
قال: فلما انتهى الكلام بالعالم والوافد إلى هذا الحد عرف العالم أن الوافد حسن المعرفة، جيد الفطنة، رصين الدين، صحيح اليقين، متين الورع، كثير الفزع، أقبل عليه العالم بوجهه، وقال: أيها الوافد الصالح، والتاجر الرابح، والخليل الناصح: إسأل عما تحب يرحمك الله.?
ـــــــــــــ?
[أسئلة الوافد]?
قال الوافد: أيها العالم الحكيم الناطق، والبر الشفيق الصادق، أنشر عليَّ من مكنون حكمتك، وزدني من نوادر معرفتك، ما أزداد به فهماً، لعل الرين الذي في قلبي أن يخلص ببركتك، وينجلي عني بجود صحبتك علماً.
قال العالم: جرى لك الفلاح، ووفق لك الصلاح، ويسر لك النجاح، عليك بسبعة‏[‏9‏]‏ أشياء فالزمها، واعمل بها، واحرص فيها، وحافظ عليها. 
قال الوافد: وما هي؟بينها لي يرحمك الله؟
قال العالم: أولها المعرفة بالمعروف وهو الله سبحانه، والإيمان به، والإسلام، والطاعة، والعلم، والعمل.
 ثم تعرف المعرفة ما هي؟حتى إذا صرت عارفاً رددت المعرفة إلى المعروف، فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه.
ثم تعرف الإيمان ما هو وكيف هو؟حتى إذا صرت مؤمناً أسلمت للذي آمنت له، حتى إذا صرت مسلماً احتجت أن تطيع للذي أسلمت له، حتى إذا صرت مطيعاً احتجت إلى علم تطيع به.وتعرف العلم ما هو وكيف هو؟ حتى إذا صرت عالماً احتجت أن تعمل بما علمت.
ثم تعرف العمل ما هو؟وكيف هو؟وما ثمرته؟وإلى ما يوصلك؟وما عائدة نفعه؟
 
[ما هي المعرفة]?  
قال الوافد: أيها العالم بين لي المعرفة ما هي وكيف هي؟
قال العالم: أما هي فإصابة الأشياء بأعيانها، ووضعها في مواضعها، ومعرفتها على حقيقتها، وأمَّا كيف هي فإصابة المعاني فما شيء إلاَّ وله معنى يرجع إليه، فإصابة الأشياء بالنظر والتفكر، والتمييز والسمع والبصر، وإصابة المعاني بالتفكر والإعتبار والعقل.?
[معرفة الله]?
قال الوافد: فما معرفة الله عزوجل؟
قال العالم: هي أن تعلم أن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولا يحويه مكان، ولا يحيط به علم، ولا يتوهمه جنان، ولا يحويه الفوق ولا التحت، ولا الخلف ولا الأمام، ولا اليمين ولا اليسار، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لا يعلم كيف هو إلاَّ هو، فتعرفه بهذه المعرفة، فما توهَّمَهُ قلبُك فربُّك بخلافه عز وجل، وذلك قوله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)}[الإخلاص] فتقول كما أمرت، وتعمل كما قلت، وتشهد بما علمت، وتعلم كما شهدت، أن الله الواحد القهار، الملك الجبار، المحيي المميت، الحي الذي لا يموت، خالق كل شيء، ومالك كل شيء، الكائن قبل كل شيء، الباقي بعد كل شيء، ليس كمثله شيء، وهو على كل شيء قدير، فهذه معرفته بالتفكر.
وأمَّا المعرفة بالفكر، والنظر بالقلب، والتمييز بالألباب فهي في عظيم قدرة الله وارتفاعه، وعلوه، وبقائه، ونفاذ أمره، وبيان حكمته، وإحاطة علمه، وكثرة خلقه، وسعة رزقه، وجود كرمه، وكرم تطوله، وبيان حُكْمِه، وحسن رأفته، وقرب رحمته، وجميل ستره، وطيب عافيته، فلله الحمد على ذلك.?
[الإيمان]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الإيمان بالله، والإقرار به وبما جاءت به الرسل، وتؤمن جوارحك حتى لا تستعملها في شيء مما يكرهه منك ربك، فتكون قد أمنتها من عذاب الله.
ومن الإيمان: أن تؤمن الناس من يدك‏[‏10‏]‏ ولسانك وظنون قلبك، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.
ومن الإيمان: الرضى بالقضاء، والشكر على العطاء، والصبر على البلاء.
ومن الإيمان: المحافظة على الفرائض والسنن، والقيام بالنوافل والفضائل.
ومن الإيمان: أن تعلم أن الله حق، وقوله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الثواب حق، والحشر حق، والقيامة حق، والعرض حق، والحساب حق، وأن الله على كل شيء قدير.وأنك منقول من هذه الدار الفانية، إلى الدار الآخرة الباقية، مسئول عن أعمالك، موقوف على أفعالك وأقوالك، وإقلالك وإكثارك، وإعلانك وإسرارك، فتجد كلما عملت قد أحصي عليك، وأنت اليوم في دار المهلة، ومكان الفسحة، فلا تذهب أيامك سُدى، فاعمل فيها بطاعة الله، وعلق قلبك في ملكوت إلهك، واجعل دليلك القرآن، وقرينك الأحزان، وفعلك الإحسان، وطعامك الفكر، وحديثك الذكر، وحليتك الصبر، وقرينك الفكر، وهمك الحساب، وسعيك الثواب، وجليسك الكتاب، وأملك الرجاء، وسريرتك الوفاء، وسيرتك الحياء، وفاقتك الرحمة، وعملك الطاعة، وطلبتك النجاة، وسؤالك المغفرة، وسبيلك الرضا، وخوفك العقاب،  ورقيبك الثواب، وعن يمينك الكتاب، فمن سلك هذه الطريق سبق، ومن تكلم بهذا صدق، وهي عروة من تعلق بها استوثق، والحمدلله رب العالمين.?
[الإسلام]?     
قال الوافد: فما وراء ذلك؟
قال العالم: الإسلام هو: أن تسلم للذي آمنت به.
ومن الإسلام أن تسلم كليتك إلى أعمال الطاعات، فإذا بلغت ذلك سلمت من العقاب، وسلم الخلق منك، ويكون إسلامك بالظاهر والباطن، حتى لا يخالف قولك فعلك، ولا فعلك قولك، فيكون ظاهرك هو باطنك، وباطنك هو ظاهرك، وتكون موقناً بالواحدانية، معترفاً بالعبودية، مقراً بالربوبية، مجلاً للعظمة، هائباً للجلالة، فرحاً بالمَلَكَة‏[‏11‏]‏، محباً للطاعة، طالباً للرضا، خائفاً للبعث، راغباً للجزاء، راهباً للعذاب، مؤدياً للشكر، مداوماً على الذكر، معتصماً بالصبر، عاملاً بالفكر، فهذا عمل الباطن.
وأمَّا الظاهر: فالإجتهاد في أداء الفرائض والسنن، والفضائل والنوافل، منها: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر، والنهي، وقراءة القرآن.?ومن السنن: الختان، وصلاة العيدين، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، والسواك.
ومن الفضائل صيام رجب، وشعبان، والأيام البيض، والإثنين، والخميس.  
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمؤاساة، والمؤاخاة في الله، والحب لأولياء الله، والبغض لأعداء الله، وصلة الرحم، وبر الوالدين، ورحمة اليتيم، ومعونة الضعيف، وتعليم الأولاد‏[‏12‏]‏، وإنصاف الزوجة، فيما تسألك عنه وهي ناظرة إليك، والعناية في تعلمها، والأمر لها فيما لا بد لها منه، والنهي لها عما لا حاجة لها إليه، ولزومها لمنزلها، وطول الحجاب، وتصفية الأثواب، وتعليم الحكمة والصواب، مع لزوم العفاف، والرضى بالكفاف، والصيانة لها من التبرج من اللهوج والأبواب، والتشرف إلى أهل الفحش والإرتياب، ومنع الدخَّالات إلى دار المسلمات، مما لا يشاركهن في الدين والإحسان، فأولئك هاتكات الستور، ومبيحات كل محظور، والناقلات الكلام الزور، والجالبات للفحشاء والفجور، والمبغضات للنعمة، والمدخلات على المؤمنات الهم، والمفرقات للإلفة، والراعيات للكشفة.
ولقد روي عن علي عليه السلام: ((أحب إليَّ أن أجد في منزلي مائةَ لصٍّ يسرقونه أهون علي من أن أجد فيه عجوزاً لا أعرفها)).
ومن ذلك إنصاف الخادم فيما يقدر عليه، والنهي له عما لا حاجة له فيه، والرفق به فيما لا يقدر عليه، والنظر له فيما لا يدري، فهذا الأمر بالمعروف.
وأمَّا النهي عن المنكر فمن المنكر: فعل الشرور، والقول السيء، والقول بالفواحش، والغدر، والتيه.
ومن الفعل: القتل، والزنا، والربا، ومن التيه: الرياء، والكبر، والحسد، والبغضاء، والشحناء.
ومن الفعل: أخذ أموال الناس سراً وجهراً.ومن القول: النميمة، والغيبة، وشهادة الزور، فهذا من النهي عن المنكر. 
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: تطيع الله الذي أسلمت له.?
[الطاعة]?
قال الوافد: وما الطاعة يرحمك الله؟بيّنها لي حتى أعرفها وأعمل بها؟
قال العالم: الطاعة اتباعك لما أمرك الله به، واجتنابك ما نهاك الله عنه، فعليك فيما قد علمت التوبةُ والرجوعُ، والإنابة والتضرع، ولك في ذلك المغفرة، فإنك إذا خفت ربك تبت إليه.
وتعرف الخوف ما هو وكيف هو؟?
[الخوف]?
قال الوافد: وما هو يرحمك الله؟
قال العالم: أما هو فمعرفة الذنب، وشهادة الرب، وأما كيف هو؟فوجل القلب، ودموع العين، فإن لم يكن كذلك فلست بخائف فيما قد علمت، وأمَّا الذي لا تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى، فإذا اتقيت الله لم يجدك حيث نهاك، وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك، فإن الله يراك، ويعلم سرك ونجواك، ويسمع كلامك، فهناك ترهبه وتخافه، حتى كأنك تراه.
قال الوافد: فما رواء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك التقوى.?
[التقوى]?
قال الوافد: وما التقوى؟
قال العالم: لسانك، وعينك، ويدك، وفرجك، وظنون قلبك.
فلا تنظر بعينيك إلى ما لا يحل لك، فإن النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة، وهي سهم من سهام إبليس.
وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك، فلا تفعل ما لا يحل لك.
ولا تمد يدك إلى ما لا يحل لك، فإن لم تفعل فما اتقيت الله‏[‏13‏]‏ ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قول الله عز وجل {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[طه:82].
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: القيام بما أمر الله به، حتى تعرف عملك، فتضع كل شيء منه في موضعه، وتعرف خطأه وصوابه، ويكون ذلك العمل متابعاً للعلم، مطابقاً له ويكون فيه الرغبة واليقين والإخلاص والحياء والإستقامة، وتعرف الرجاء ما هو؟ وكيف هو؟ومن ترجو؟
 
[الرجاء]? 
قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله.
قال العالم: هو أن يكون رجاؤك الله في كل أمورك لدنياك وآخرتك، ولا يكون رجاؤك للخلق أكثر من رجائك للخالق، فتحبط عملك، وتبطل أجرك، فإن الله سبحانه يقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]  فتعمل بما أمرك الله به ظاهراً وباطناً، فتصلح ظاهرك، وتصلح باطنك، فإن الظاهر الجلي يدل على الباطن الخفي، ويكون قلبك متعلقاً بذكرِ مَنْ ناصيتك بيده، ورزقك عليه، ورجاؤك عنده، وشدتك وعافيتك، وبلواك، ومحياك ومماتك، ودنياك وآخرتك، وترجوه للشدة كما ترجوه للرخاء، وترجوه للآخرة كما ترجوه للدنيا، وتخافه كما تخاف الفقر. 
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الرغبة في التطوع تعرفها ما هي؟وكيف هي؟
 
[الرغبة في التطوع]?
قال: بينها يرحمك الله.
قال العالم: إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به، فإنك إذا رغبت ازدت إلى الخير خيراً، و إن لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع، ولست براغب، وأما كيف هي؟ فالتضرع عند الدعاء فإنك إذا رغبت تطوعت، وإن لم ترغب كان دعاؤك بلا رغبة، وذلك قول الله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}[الأعراف:55]  فمن خاف وتضرع رحمه الله وأجابه.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك اليقين بالله.?
[اليقين بالله]?
قال الوافد: وما هو؟
قال العالم: صاحب اليقين ذنبه لا يكتب، وتوبته لا تحجب.
قال الوافد: بين لي ذلك؟
قال العالم: صاحب اليقين يعلم أن العلم متصل بالنية، فكلما يخطر خاطر في قلبه علم أن الله قد علمه، فيلحقه الخوف، ويبادر بالتوبة قبل أن يعمل الذنب، فتوبته مقبولة، وذنبه غير مكتوب، وإنما يكتب ذنبه لو أصر عليه ولم يتب منه.?
[الإخلاص]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الإخلاص في الدين، وهو في القول والعمل والاعتقاد، قول خير، وعمل خير، واعتقاد خير، أما سمعت ما قال الله عزوجل في كتابه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر:3].
قال الوافد: بين لي هذا يرحمك الله.
قال العالم: هو أن يعلم العبد أنه بين يدي سيده، يراه ويسمع كلامه، ويعلم ما في نفسه، فيجعله أمله، وتكون الطاعة عمله، ولا يغيب عن مشاهدته، ولا يزول إلى معاندته بإزالة، قَلَّت الدنيا في عينه، وتعلقت الآخرة في قلبه، فقيامه طاعة، وقوله نفاعة، وكلامه ذكر، وسكوته فكر، قد قطع قوله بعمله، وقطع أمله بأجله، وخرج من الشك إلى اليقين، فقلبه متعلق بحب الآخرة وجسده في الدنيا، أحب الأشياء إليه الخروج من الدنيا إلى الآخرة، فقلبه وجل، ودمعه عجل، وصوته ضعيف، وكلامه لطيف، وثقله خفيف، وحركته إحسان، وتقلبه إيمان، وسكوته إيمان.?
[الحب في الله والبغض في الله]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: حب الحق، وبغض الباطل، وحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً، وبغض من عصى الله قريباً كان أو بعيداً.
قال الوافد: كيف أحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً؟
قال العالم: يسرك ما يسره، ويسوءُك ما يسوءه، وتدخل السرور عليه، وإن كان أعلم منك تعلمت منه، وإن كنت أعلم منه علمته، وحفظته في محضره ومغيبه، وواسيته وأعنته ورعيت صحبته، وجعلت ذلك لله وفي الله، ولا يكون في ذلك مناً ولا أذىً.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الحياء من الله.?
[الحياء]?
قال الوافد: بين لي ذلك.
قال العالم: ذلك على ثلاث: أولهن أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه، وأن رزقه على الله، أفلا يستحي العبد من الله أن يراه حريصاً على رزقه؛ كسلاناً عن طاعة ربه؛ يمن على قوم، أجسادهم معافاةٌ وعقولهم ثابتة، وقلوبهم آمنة، ونفوسهم طيبة، قد أحسن إليهم فلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله فيتفكرون، وإلى نعمه عليهم فيشكرون، ولا إلى من كان قبلهم فيعتبرون، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون، ولا إلى ما وعدهم الله في الآخرة فيحذرون، أفلا يستحي من آمن بالله أن يراه مع أولئك مقيماً لا بثاً؟ومساكناً، مواسياً؟ وحاضراً مجالساً؟
وأمَّا الثانية فإن الله أعطى وقضى، يعطي وهو راضٍ، أفلا يستحيي العبد من الله أن يرضى برضى ربه عند العطاء، ولا يرضى برضاه عند القضاء، كما يرضى برضاه عند العطاء.
وأمَّا الثالثة فإن الله يرضى لعباده الجنة، ويأمر بالعمل لما يصلح لها، فيعمل العبد مالا يرضي الله، ويكره ما يرضى الله له من الخير، ويرتكب المعاصي والشرور، ولا يرضى برضا الله له، ويكون له ولد يحبه ويريده للدنيا، وربما قبضه الله إليه وهو له ولي، أفلا يرضى العبد بقضاء الله كما يرضى أولا بعطائه؟وهو يعلم أن موت ولي الله خير له من حياته في هذه الدنيا الفانية، المحشوة هموماً وغموماً، ونغصاً وغصصاً، وآفاتاً وشروراً.?
[الاستقامة]?  
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الإستقامة، أما سمعت الله تعالى يقول:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30].
 قال الوافد: بين لي ذلك؟
قال العالم: الاستقامة هي أن الدنيا قيامة، فلا يلتفت فيها إلى كرامة، ولا يبالي فيها بالملامة، الاستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة، والمستقيم صادق، وبالحق ناطق، عمله في خضوع، وقلبه في خشوع، وروحه في رجوع، وسره يروع، وجسمه سقيم، وقلبه سليم، مقيم بلا التفات مداوم على المراقبات، ملازم للأمر، ومدمن على الزجر، وطالب للأجر، تارك للهوى، مقيم على الوفاء، حريص على التقاء، مجتهد على الصفاء، ليله قائم، ونهاره صائم، إِلْف من آلَفْ، صابر عاكف، تام الصحبة، دائم المحبة، مجيب غير مريب، معرض لا متعرض، مطيع غير مريع، طالب راهب، مسلم مستسلم، مقر لا منكر، مُحْتَقَر لا مُحْتَقِر، متواضع غير مستكبر، مقبل غير مدبر، علامة المستقيم أن يستقيم له كل معوج، ويسلك به خير منهج، عالماً يقتدى به، ولياً‏[‏14‏]‏ يهتدى به، ولا يكون ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)).
 
[الرجاء والخوف]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء؟
قال: بلى.
 قال: فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء.
 قال: بين لي ذلك.
قال: أليس الرخاء حساب، والشدة ثواب‏[‏15‏]‏؟
قال: بلى.
قال: فأيهما أحب إليك الثواب أم الحساب؟
قال: بل الثواب أحب إليَّ من الحساب.
قال: أما علمت أنك وقت الشدة ترجو الرخاء، وفي وقت الرخاء تخاف الشدة، وذلك قوله عز وجل:{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح:5،6] فتعرف حد الشدة فتكون راجياً للرخاء، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفاً للشدة؛ لأن الرخاء والشدة يعتقبان، فاستعد للحالتين جميعاً، ولست أعني لك شدة الدنيا ولا رخاءها؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولكني أخاف عليك شدة الآخرة إذا رضيت برخاء الدنيا.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الرضا بالعطاء، والصبر على القضاء.?
[الشكر]?
قال الوافد: وكيف يكون الشكر؟
قال العالم: الشكر على سبعة أشياء.
قال: وما هي حتى أعرفها؟
قال العالم: الخلق، والملكة، والرزق، والعافية، والعلم، والقدم، والقدرة، فتنظر إلى ثبات عقلك، وتمام خلقك، فتحمد الله العظيم على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الملكة، فكم من ذي روحٍ، غيرُه له مالك، والله مالك كل شيء، وأنت لا مالك لك، فتحمد الله على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الرزق، فإذا هو من عند الله سبحانه فتحمد الله على ذلك كثيراً.ثم تنظر إلى مالك وولدك وطعامك وشرابك ولباسك ونومك ويقظتك، وانظر إلى اختلاف الليل والنهار، كيف يقربان البعيد، ويخلقان الجديد، ثم تنظر إلى العافية وإلى كل شيء تخافه على نفسك، في ليلك ونهارك، مما ترى ومما لا ترى، فتعلم أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه ولا يكفيك ما ترى وما لا ترى إلاَّ الله سبحانه، فتحمد الله على ذلك كثيراً ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب الناس في أبدانهم المركبة عليهم، فتعلم أن في تركيبك مثل ما في تركيبهم، فتحمد الله الذي ستر عليك، مما ظهر على غيرك، من العلل والآفات، ثم تنظر إلى من كان من قبلك، وإلى من هو كائن من بعدك، في دنياك وآخرتك، فتحمد الله على ما مضى وتسأله النجاة في ما بقي.
ثم تنظر إلى العلم، فتعلم أنه تعالى قد علم ما هو كائن قبل أن يكون ثم تنظر إلى القدم فتعلم أن الله قديم لم يزل، ولا يزول، ولا يزال.ثم تنظر إلى القادر، فتعلم أن الله قادر لا بقدرة غيره، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علواً كبيراً.ثم تنظر إلى جميع ما سخر لك من جميع ما خلق الله وذرأ وبرأ، من السماء التي زينها بالكواكب والشمس والقمر، وأجرى ذلك لمنافعك، وما جعل من الرياح والسحاب، وما جعل في الأرض من الحيوان المسخر، المجبور المقهور، المنقاد إلى المنافع، فتحمد الله على ذلك كثيراً.?
[الصبر]?
قال الوافد: فما رواء ذلك؟
قال العالم: الصبر على قضاء الله، فما جاء من عند الله حمدت الله عليه، ولم تسخط ذلك، وسلَّمت لأمر ربك، ورضيت بقضاء خالقك، وحمدت الله على ذلك كثيراً.
 
[أطوار خلق الإنسان ولحمه وعظامه وعروقه وعصبه وغير ذلك]?
قال الوافد: فما وراء ذلك؟
قال العالم: تنظر بعد ذلك إلى نفسك، فتعلم أن الله خلق الإنسان من نطفة، تقع في رحم مظلمة، تقيم في الرحم سبعة أيام، ثم ترجع دماً، فيكون ذلك الدم علقة أربعين يوماً، ثم يجعلها الله تعالى مضغة ذكراً أو أنثى، فيكون فيه الروح لسبعة وسبعين يوماً، ثم يخلق الله  تعالى العروق والعظام والعصب، ثم يصيره بعد ذلك لتمام مائتين وسبعين يوماً، وذلك أربعة آلاف ومائة واثنين وخمسين ساعة، فجميع ذلك حمل الولد لتمام حمل أمه، كاملة أشهره وأيامه وساعاته، فأشهره تسعة أشهر، وأيامه مائتان وسبعون يوماً، كل شهر ثلاثون يوماً، وساعاته سبعة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة، فهذه أيام الولد كاملة، وأشهره وأيامه وساعاته في تركيبة الحرارة والبرودة واليبوسة واللين، والدم حارٌّ ليِّن، والمرة الصفراء حارة يابسة، والمرة السوداء باردة يابسة، والبلغم بارد رطب.
وتركيب الأسنان اثنا عشر فصلاً، وله مائتان وثمانية وأربعون عظماً، وله ثلاثمائة وستون عرقاً فالعروق تسقي الجسد، والعظام تمسكها، والعصب واللحم يشد العظام؛ فلكل يدٍ إحدى وأربعون عظماً، الكف من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، والساعد عظمان، وللعضد عظم، وللتراقي ثلاثة أعظم، وكذلك اليد الأخرى؛ وللرجل ثلاثة وأربعون عظماً، للقدم من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، وللساق عظمان، وللركبة ثلاثة أعظم، وللورك عظمان، وكذلك الرجل الأخرى.وللصلب ثمانية عشر فقارة.ولكل جنب تسعة أضلع وللرقبة ثمانية أعظم وللرأس ستة وثلاثون عظماً، الأسنان من ذلك اثنان وثلاثون عظماً.وطول الأمعاء خمسة أذرع، فسبحان الله خالق الإنسان خلقاً بعد خلق، في ظلمات ثلاث، حتى إذا حان أوان خروجه من بطن أمه إلى الأرض لم يقدر أحد على إخراجه أبداً، ولو اجتمعت الإنس والجن ما أحسنوا ذلك.
فسبحان من أخرجه سوياً لا يعرف أحداً، ولا يسأل رزقاً، قد أوجد الله له رزقه في صدر أمه لبناً يغذوه به؛ لضعفه وقلة بطشه.
حتى إذا جل عظمه، وكثر لحمه، وقطع سنه، وطحن ضرسه، وبطشت يده، ومشى على قدمه، وعرف أن الله خالقه، الذي أفضل عليه، ورزقه قبل خروجه وبعد خروجه في مهده – نسي ذلك وجحده، ورجع يطلب رزقه من مخلوق مثله {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}[عبس:17] أما علم أن الذي رزقه في ضعفه هو يرزقه في وقت قوته؟أما سمع ما قال الله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[طه:132]، أما سمع قول الله سبحانه وتعالى - حيث أقسم في كتابه فقال عز من قائل: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}[الذاريات: (22،23)]؟ أما سمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها))، وقال: ((لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت))؟قال رجل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، من أين يأتي الرزق إلى الإنسان؟ قال: "من حيث يأتيه الموت"‏[‏16‏]‏.?
[أفضل ما أعطي العبد]?        
قال الوافد: أيها العالم الحكيم ما أفضل ما أعطي العبد؟
قال: العقل الذي عرفك نعمة الله، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى، حتى عرف الحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الإيمان، وحقيقة الإيمان الإخلاص وصدق النية، حتى إذا عملت عملاً صالحاً -لم تحب أن تذكر وتعظم من أجل عملك، ولا تطلب ثواب عملك إلاَّ من الله، فهذا هو إخلاص عملك، فإن عملت عملاً - وأحببت أن تذكر وتعظم من أجل ذلك العمل - فقد تعجلت ثوابه من غير الله، ولم يبق لآخرتك منه شيء.

[المناجاة]?
قال الوافد: فما تقول في المناجاة؟
قال العالم: لا تكون المناجاة إلاَّ مع الرجاء والمصافاة، بقلب سليم من الآفات، والظنون والغيبات، ثم تقول: إلهي إن لم أكن لحقك راعياً –لم أكن لغيرك داعياً، وإن لم أكن في طاعتك مسابقاً –لم أكن لأعدائك مطابقاً، وإن لم أكن لك عابداً –لم أكن لآياتك معانداً، وإن لم أكن لحبك واجداً-لم أكن لغيرك ساجداً، وإن لم أكن إلى الخيرات مسارعاً –لم أكن لباب الخطيئات قارعاً، وإن لم أكن للحدود حافظاً –لم أكن بكلام السوء لافظاً، وإن لم أكن في الصلاة خاشعاً –لم أكن لأعدائك خاضعاً، وإن لم أكن في سبيلك مجاهداً –لم أكن لدليلك جاحداً.إلهي كيف يصافيك من لا يأتيك؟ وكيف يرجوك من لا يتقرب إليك أنا المتخلف عن أقراني، أنا الضعيف في أركاني، أنا الفريد بحرقتي عن إخواني، أنا الذي لم أحقق إيماني، سيدي قد أتيتك بفاقتي، وجئت إليك لمَّا عدمت طاقتي، أنت العالم بجرمي، والمطلع على طلبي، المحصي لخطيئتي، الشاهد على طويتي، الناظر لي في خلوتي، كسدت بضاعتي، وخسرت تجارتي، ولم أتزود من حياتي، وقد أتيتك قرب وفاتي.
إلهي إن لم تقبلني فأين المنجأ؟وإن رددتني فأين الملجأ؟ من للعبد إلاَّ مولاه؟ذهبت أيامي، وبقيت آثامي، فلا تذل مقامي، ولا تحجب عني إمامي، يا من ابتدأني بتفضله، وأكرمني بتطوله، ما الحيلة أعضائي ذليلة؟ما الحيلة أحزاني طويلة؟ ما الحيلة حسناتي قليلة؟ ما الحيلة وليس لي وسلية، لا حيلة لي غير الرجوع، والتضرع والخضوع، والإقبال والإياب، وتعفير الوجه بالتراب، والتذلل عند الباب، وقراءة آيات الكتاب، والسجود لرب الأرباب، وترك الإشتغال، والإقبال على مقدر الأرزاق والآجال، وترك المعارضة، ورفض المناقضة، وحنين وحرقات، وأنين وزفرات، وسهر دائم، وليل قائم، ونهار صائم، وقلب هائم، ووعظ لائم، فدار بلا قرار، فراق كل محبوب، والبين عن كل منسوب.
الحيلة ترك الاستراحة، في طلب الراحة، ودوام النياحة مع القيام على السياحة، وترك الخطايا، واستعداد المطايا.
الحيلة أن تخضع حتى تسمع، ويخاف القلب ويخشع، وتعتبر العين فتدمع، اقرع الباب، تسمع الجواب.  
قال الوافد: قد سمعت لذيذ المناجاة، كيف أصنع في داءٍ قد تمكن في قلبي حتى قطعه وأحسمه؟
قال العالم: من أوجعته علته - أظهر عند الطبيب زلته، وأبدى إليه شكيته، من عَدِمَ مرادُه قلق فؤاده، من قلق فؤاده بان رقاده، إرفع نواظر القلب إلى الرب، فهو يجلي منه الكرب، ويغفر الذنب، إرفع حوائجك إلى ربك، كما ترجوه لغفران ذنبك، أكتب قصة الاعتذار بقلم الافتقار، إمش إلى باب الجبار، بقدم الاضطرار، في وقت الأسحار، وارفع يديك بالاستغفار.

[البكاء]? 
قال الوافد: فما تقول في البكاء؟
قال العالم: لأن تبكي وأنت سليم، خير من أن تبكي وأنت في النار مقيم، بين أطباق الحميم، والشيطان لك قرين خصيم، واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن أمك باكياً عابساً، فاجتهد أن تخرج منها ضاحكاً مستأنساً، لأن تبكي وأنت في الطريق، خير من أن تبكي وأنت في وسط الحريق، البكاء مع السلامة، خير من البكاء مع الملامة، اليوم ينفعك البكاء إذا بكيت ندماً، وغداً لا ينفعك البكاء لو بكيت دماً، البكاء قبل المعاتبة، خير من البكاء عند المعاتبة، إبك لضعف فاقتك، إبك لقلة طاعتك، إبك لكثرة معاصيك، إبك لعظم مساوئك، إبك لإفلاسك، إبك لعدم إيناسك، ابك لقلة عملك، إبك لقلة حيلتك، إبك لعدم وسيلتك، إبك لكثرة وزرك، إبك لثقل ظهرك، إبك لفساد أمرك، إبك لظلمة قبرك، إبك لقسوة قلبك، إبك لخبث سرك، إبك لمضي دهرك، إبك لكشف سترك، إبك لساعة موتك، إبك لانقطاع حياتك، إبك لغربتك في لحدك، إبك لتوديع دارك، إبك لتوقع فراقك، إبك ليوم بوارك، إبك لاستقبال أهوالك.

[أسباب قساوة القلب وجمود العين]?
قال الوافد: كيف أصنع إذا لم  أستطع البكاء ولم تدمع؟
قال العالم: ما جمدت العيون إلاَّ من قساوة القلوب، وما قست القلوب إلاَّ من كثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلاَّ بالرضا بالعيوب، وما وقع الرضى إلاَّ بعد الاجتراء على علام الغيوب، جمود العين، من وجود الرين، وقال في ذلك شعراً:
تزود من حياتك للممات* ولا تغتر في طول الحياة
أترقد والمنايا طارقات* كأنك قد أَمِنْت من البيات
أتضحك أيها العاصي وتلهو* ونار الله تُسعر للعصاة
أتضحك يا سفيه ولست تدري* بأي بشارة يأتيك آت

ثم قال: أتبغي صفاء الفؤاد، مع بقاء المراد، تضيع الأصول، وتركب الفضول، ثم تطمع في الوصول، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول، أتطلب المراد، مع كثرة الرقاد، وقلة الإجتهاد، أتطلب المساعدة مع قلة المجاهدة، هذا من علامة المباعدة، لن تنال الأماني، إلاَّ بترك الفاني، لا بالكسل والتواني، تسهر العيون تصبح غير مغبون، لن تنال غرف الجنان، إلاَّ بصفاء الجنان، وخالص الإيمان، وقراءة القرآن، وتوحيد الرحمن، وإطعام الطعام، ورحمة الأيتام، وكثرة الصيام، وطول القيام، من طابت‏[‏17‏]‏ مناجاته، ارتفعت درجاته، وقلت فزعاته.?
[مؤهلات العبد لجنة الخلود]?
قال الوافد: بم ينال العبد جنة الخلود؟قال العالم: بحفظ الحدود، وبذل المجهود، وطاعة المعبود، والوفاء بالعهود، وكثرة الركوع والسجود.
 من أراد الأمان، فليخلص الإيمان، ويفعل الإحسان، ويقرأ القرآن.
لن ينال جنة النعيم، إلاَّ من جاء بقلب سليم، لن تنال من الله المزيد، إلاَّ بصدق التوحيد وكثرة التحميد.
من أراد البر، لم يكتسب الوزر، من أراد العطاء، صبر على البلاء.
لا تنال شهوات الآخرة، إلاَّ بترك شهوات الدنيا، لا تنال النعيم، إلاَّ بترك النعيم، لا تنال معانقة الحور، إلاَّ بصلاح الأمور، ومجانبة الشرور، ورفض المحذور.
لا ينال الشفاعة، إلاَّ من قام لأخيه بالنفاعة، وحافظ على صلاة الجماعة، وأطعم الأيتام في المجاعة.
من أحب الشرب من حوض الرسول، فليترك كلام الفضول، ويتثبت فيما يقول، فإنه لا بد مسئول.

[الحياء]?
قال الوافد: صف لي الحياء؟
قال العالم: من عمل بالرياء، بعُد منه الحياء، وحجب منه الضياء، وتكدرت عليه الدنيا، وعاش في الناس يهودياً، وحشر يوم القيامة مجوسياً.
 
[أسباب إدراك حلاوة الطاعة]?
قال الوافد: كيف أنال حلاوة الطاعة؟
قال العالم: لا تدرك الحلاوة، إلاَّ بإدمان الفكر والتلاوة، ولا تنال حقائق المعاني إلاَّ بترك الأماني.
ولا يتمكن في قلبك الخوف والوجل، إلاَّ برفض الدنيا وقصر الأمل، وإخلاص العمل، وهجران الكسل.
 
[الورع]?
قال الوافد: صف لي محض الورع؟
قال العالم: لا تنال الورع، إلاَّ بكثرة الخوف والفزع، واختيار الجوع على الشبع، وبترك الشهوات والطمع، وصفا عند ذلك قلبك، ونلت لذة السهر والقيام، وقَرُبْتَ من ذي الجلال والإكرام، وملكت نفسك، ووافقت أنسك، ورضي عنك الرب، وغفر لك الذنب.
واعلم أنك لا تنال من الله البر والسلامة، إلاَّ بالصبر والاستقامة.
ولا تنال حقائق الرجاء، إلاَّ بالإنقطاع إلى الله والالتجاء.ولا تنال الكرم والتفضل، إلاَّ بالندم والتبذل.
ولا تنال الراحة، إلاَّ بكثرة النياحة.
ولا تنال الولاية، إلاَّ بالمحافظة والرعاية.ولا تنال مجاورة الأبرار، في دار القرار، إلاَّ بترك الأوزار، ولا يخشع القلب ويلين، إلاَّ بتفكر وتبيين.
ولا تنال الخوف.إلاَّ بترك عسى وسوف.
ولا تنال الاتصال، إلاَّ بإهمال الاشتغال، ولا ينقى القلب، مع بقاء شيء من الذنب.
ولا تدرك صفاء الفهم، وفي قلبك من الدنيا غم، ولا يزول عنك الهم، ما كان لك في الدنيا خصم.
من أنفق مما يحب، فهو حقاً المحب.من ترك ما كان يألف، دخل الجنة وثوابه مضاعف.
من يعمل بما يقول، شفع له الرسول، ومن عمل بخلاف ما يقول، لم يكن عمله مقبول‏[‏18‏]‏.
من لم يندم على معصيته، أخذته الزبانية بناصيته.
من قصر في الطاعات، حرم الصالحات.
من نافس في الخيرات، ارتقى في الدرجات.
من اغترّ في الليل فُجِع في النهار، ومن سهى في النهار فُجِع في الليل.
من ركب الظن، عنوانها غبن‏[‏19‏]‏ من ركب فرس الأماني، عثر في ميدان التواني.
التاجر برأس مالِ غيرِه مفلسٌ.
 
[المجاهدة]?   
قال الوافد: كيف المجاهدة؟
قال العالم: المجاهدة في المباعدة والوحدة، والصبر على المحنة والشدة.من لا عبادة له لا زاد له.من لا زاد له لا عقبى له.إقرع الباب، يأتك الجواب‏[‏20‏]‏.من أمل العظيم، وهب الجسيم.من أراد الجود، طلبه في السجود.من لا سجود له، لا جود له.من لا ندامة له، لا كرامة له.
من لا خير فيه، لا خير عنده.
خير البضاعة الطاعة، من اختار الطاعة نجا من فجعات الساعة.
لا بد من سهر الأسحار، وقيام الليل وصيام النهار.
إذا أردت الجنة فاسجد وتضرع، واظمأ وتجوع، واسهر وتفزع، وتذلل وتخشع وتفرد وتوحد، واخضع وتجرد، تَنَلْ فضل الواحد الأحد.
أترك الآثام تأْمن الصولة، واعمل صالحاً تكن لك الدولة.أهجر الجرائم تصل وأنت سالم.
من أكثر النحيب، لم يكن عليه رقيب، ما دعا إلاَّ أجيب، وكان له من الخير نصيب.من رغب إلى الله أعطاه، ومن اكتفى به كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن لجأ إليه آواه.

[لماذا الغفلة]?
قال الوافد: كيف أكون ذاكراً، وأنا لا أسلم من الغفلة؟
قال العالم: لا تكون الغفلة إلاَّ في من أكثر الغفلة.
من غفل وقع في الزلل، إذا أردت السعادة، فودع الوسادة، وجالس أهل الزهادة، وأكثر العبادة.عجباً ممن يستريح وقد تاب، وممن يلهو وقد شاب.
ما كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، لا يضيع طالبه، ولا يخيب آمله اجتهد تجد.
أخلص تخلص.إتبع الرسول، وأبشر بالوصول.من اتصل وصل ومن ترك الجدال، نال كل منال، وكُفِيَ الشدة والأهوال.من خالف الهوى، أُدخل جنة المأوى.من ندم كُرِّم.

[الحيلة في دخول باب الله]?
قال الوافد: ما حيلة من دنا من الباب، فمنعه الحجاب، فلم يصل إلى الأحباب؟ 
قال العالم: حيلته ملازمة القلق والإكتئاب، والحزن والانتحاب، والفرق والانتداب، إلى أن يأذن له الأحباب، ويفتح له الباب.
إذا أردت في الجنة الوقوف، أكثرت في المساجد العكوف، فإنك تأمن من كل مخوف، كم من متردِّد لا يؤذن له، وطارق لا يفتح له، وكم من مصروف مطرود، مهانٍ مردود، كم من مظهر انتحابه، ولا يفتح له بابه، وكم من طامع في ثوابه، وهو من أهل عذابه. 
قال الوافد: كيف الوصول؟.
قال العالم: صل الليل بالنهار، وتضرع في غسق الأسحار، لعله أن يخفف عنك الأوزار، وسبح بالعشي والإبكار، وتعوَّد الندم والاستغفار، تحرم بذلك على النار.?
[مواعظ بالغة]?
قال الوافد: كنا صبياناً فلعبنا، فصرنا شباباً فسكرنا، فصرنا كهولاً فكسلنا، فصرنا شيوخاً فعجزنا وضعفنا، فمتى نعبد ربنا؟
عطلنا الشباب بالجهالة، وأذهبنا العمر في البطالة، فأين الحجة والدلالة؟
قال العالم: من غفل في شبابه، ندم في وقت خطابه، الشباب لا يصبر على الصواب، ويندم عند الخطاب، ما أحسن الشباب في المحراب.
إلى متى العصيان؟إلى متى متابعة الشيطان؟إلى متى الجرأة على الرحمن؟ ألنا صبر على مقطعات النيران؟ومجاورة الحنشان؟ولباس القطران؟وتهدد مالك الغضبان؟ وضرب الزبانية والأعوان؟ إلاّ بتزودٍ لذلك اليوم من هذا اليوم، وبتخلص من الهوان واللوم.
أيها المغرور بشبابه، والمسرور بأصحابه، والمختال في ثيابه، أما تحذر أليم عذابه، وتخاف شديد عقابه.
كم من وجه صبيح، وخد مليح، وبدن صحيح، ولسان فصيح أصبح في العذاب يصيح، بين أطباق النار لا يستريح.
كم من شاب ينتظر المشيب، عاجَلَه الموت وحل به النحيب.
كم من مسرور بشبابه، أخذه الموت من بين أحبابه إلى قبره وترابه.
أيها الشاب المجهول، إنك إلى التراب منقول، وعلى النعش محمول، وعن أعمالك كلها مسئول.مالك لا ترجع؟مالك لا تفزع؟مالك لا تخضع؟ مالك لا تخشع.
آه من يوم يقول فيه المولى: عبدي شبابك فيما أبليته؟وعمرك فيما أفنيته؟
فلا تنظر إلى الشباب وطراوته، ولا تغتر بحسنه وملاحته، ولكن انظر إلى صرعته وندامته.ما أحسن الإياب بالشباب، وما أقبح الخضاب لمن قد شاب وما تاب.
ما بقاء الشيخ في الدار إلاَّ كبقاء الشمس على العصر في وقت العصر.
الشيب داعي الموت، وناعي الفوت.
الشيب يؤذن بالفراق، ويخبر بالتلاق.
الشيب ظاهره وقار، وباطنه انزجار.
الشيب يبعد الجنا‏[‏21‏]‏ ويقرب الفنا.
الشيب يكدر المنى، ويقرب العناء.
الشيب كسل في كسل، وعلل في علل، وملل في ملل، وخلل في خلل، وآخره مَكَل‏[‏22‏]‏، وتقريب الأجل، وقطع للأمل.
فلما انتهى الوافد إلى هذا الحد، قال العالم: ما أسوأ عبد قرب منه الأجل، وهو يسيء العمل.
ما أسوأ عبداً‏[‏23‏]‏ ظهر فيه الخلل، وهو يكثر من الزلل.
من شابت ذوائبه، جفى حبائبه.
أين الاستعداد؟أين تحصيل الزاد؟وأنت للذنوب تعتاد؟ وقد ناداك المناد، أين الراجع إلى الله؟أين المشتري نفسه من الله ربه؟أين النادم على ذنبه؟أين الباكي على أمسه؟ أين المستعد لرمسه‏[‏24‏]‏؟أين الطالب للثواب؟ أين الخائف للعذاب، ألا ترجعون إلى الله، ألا تقبلون على الله، ألا تخافون من عذاب الله؟ألا تطمعون في ثواب الله؟ألا تقتدون بأولياء الله؟ألا تتقون من الذنوب؟ألا ترجعون من العيوب؟
ألا تندمون على ما أسلفتم؟ألا تعترفون بما اقترفتم؟ألا تستغفرون لما اجترمتم؟
أما آن للقلوب أن تخشع؟أما آن للعيون أن تدمع؟آما آن للصدور أن تجزع؟أما آن للعاصي أن يتزعزع من الذنوب؟أما آن للخاطئ أن يرجع من العيوب؟أما تعلم أيها العاصي أنه لا يخفى خافية على علام الغيوب؟أما تعلم أنك مأخوذ مطلوب؟ ومُتَتبّع محسوب؟وعلى الوجه في النار مكبوب؟
أما تعلم أنك مفارق لكل صديق، ودمعك على خدك سكوب؟أما تخاف أن تصبح وأنت عن رحمة الله محجوب؟وعلى حر الوجه إلى النار مسحوب؟فيا له من جسد متعوب، ودمع مسكوب، وقلب مكروب، وعقل مرعوب.?
[الخلاص]?
قال الوافد: كيف أحتال في الخلاص؟ 
قال العالم: أما تعتذر؟أما تزدجر؟أما تستغفر؟
أما لك في من مضى عبرة؟أما لك في العواقب فكرة؟إلى متى هذه الجفوة والفترة؟ إني أخاف عليك الشقوة والحسرة، فكم هذه الغفلة؟وكم هذه الغرة؟إلى متى هذه الغفلة الغامرة؟والقسوة الحاضرة.
أما تغتنم أيامك؟أما تمحو آثامك؟أما تكفر إجرامك؟ أما تحذر برأيك؟ أنسيت ما أمامَك؟أما تنتبه من رقادك؟ أما تتأهب لمعادك؟
أنسيت اللحد وضيقه وظلمته؟أغفلت عن البعث والنشور؟ يوم يظهر كل مستور؟
إلى متى تعلل بالأماني الكاذبة؟وتضيع الحقوق الواجبة؟ دفنت الأحباب فلم تعتبر، وغيبتهم في الثرى فلم تزدجر.
ما للناس لا يرجعون؟يوعظون فلا يتعظون ولا ينتهون، وينادَوْن فلا يسمعون، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، وغشى على قلوبهم الران، فالقلوب مسودة متباعدة، والأجسام منافقة متوادة، يقولون ما لا يفعلون، ويأملون ما لا يبلغون.
وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، أمروا بالطاعة فقالوا: ما يأكلون؟وما يلبسون؟يكذبون، ويسرقون، وينافقون ويَعدُون ويخلفون، ويراؤون ويبخلون، فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون؟ ويجمعون ما لا يفرقون، ويمنعون مالا ينفقون، ويبنون مالا يسكنون، ويقطعون ما لا يلبسون، ينافقون ولا يخلصون، لا الله يخافون، ولا منه عند المعاصي يستحيون، ينامون نوم الهائم، وينسون يوم يؤخذون بالجرائم، لا الله يخافون، ولا عقابه يحذورن، يصبحون على خلاف ما يمسون، همتهم دنية، وأفعالهم ردية، وأعمالهم غير تقية، وأحوالهم غير مرضية.
 
[ماذا يفعل المؤمن بين قومٍ لا يؤمنون؟]?  
قال الوافد: كيف يصبح من يصبح بين هؤلاء؟
قال العالم: يرضى بالله صاحباً، ويعتزل منهم جانباً، ويل لمن له ذنب مستور، وثناءٌ مشهور، وهو عند الله مثبور، ظاهره بالخير معروف، وباطنه بحب الدنيا مشغوف، وهو عن باب الله مصروف، ثيابه أبيض من الحليب، وقلبه مثل قلب الذيب، باطنه من التقوى‏[‏25‏]‏ خراب، وهو يطمع في الثواب وهو في الدنيا سكران من غير شراب، ظاهره فيه سيماء العابدين، وباطنه فيه سيماء الجاحدين.
مقالته مقالة الأبدال، وفعله فعل الجهال، سيرته سيرة المغتربين، وأمله أمل المفتونين، فهذا من المطرودين عن باب رب العالمين.مالي أرى الناس يركبون الشرور، ويدخلون في المحذور، ويضيعون الأيام والشهور؟
إلى متى يسوفون التوبة ويلبسون لباس ثياب المهتدين، ويضمرون أسرار الظالمين.
إن أبعد الناس من الله بعداً عبدٌ نظر إلى عيب أخيه، ولم ينظر إلى عيب نفسه، ومن رأى من أخيه المسلم حسنة وسترها ورأى سيئةً ونشرها كبه الله في النار على وجهه، ولم يخفف عنه من عذابها شيئاً.
من لم يميز بين الحلال والحرام أسرعت إليه سهام الانتقام.من أسف على شيء من الدنيا يفوته، كثر نزاعه عند موته.
ـــــــــــــــــــــ

[الهالك الحقير]?
قال الوافد: صف لي الهالك الحقير المفتتن‏[‏26‏]‏. 
قال العالم: هو الذي يتأسف على رزق لم يأته، وينتظر مالا وربما لم يستوفه، ويخاف شره، ولا يرجى خيره.يظهر حزنه، ويكتم شره، فهو مرتبط بالنفاق، معاند بالشقاق، قريب الخجال‏[‏27‏]‏ قليل النوال، قد رضي بالقيل والقال لا يسلك سبيل النجاة، ولا يخاف من الموت المفاجأة.
 ظاهره مع أهل الدين، وباطنه مع المنافقين.
قد باين القرآن، وأغضب الرحمن، فهو للقرآن مذموم، وعند أهل الإسلام ملوم، وفي سبيل الإحسان محروم.كلما ظفر بمعصية افترسها، ومهما أدرك خطيئة ارتكبها.فقلبه لا يفزع، ونفسه لا تشبع، وعينه لا تدمع.قد آثر العمى على الهدى، وبذل الدين في الدنيا، وقد قيل في ذلك شعراً:
مضى عمري وقد حصل الذنوب* وعزّ عليَّ أني لا أتوب
نطهِّر للجمال لنا ثياباً* وقد ضربت لقسوتها القلوب
وأعربنا الكلام فما لحنا* ونلحن بالفعال فما نتوب

[طريق الأخيار وطريق الفجّار]?
قال الوافد: أسأل الله تعالى سلوك طريقة الأخيار ومجانبة طريقة الفجار.
قال العالم: إن الله سبحانه قد بين لعباده طريق الهدى، وحذرهم طريق المخاوف والردى، بعث إليهم رسولاً، وجعل القرآن دليلاً، وركب فيهم عقولاً، وأمرهم ونهاهم، وخيّرهم، ومكّنهم وأعد ثواباً وعقاباً، فمن أطاع وفاه ثوابه، ومن عصى ضمنه عقابه، فإياك والظلم والعدوان، والإقدام على الزور والبهتان، وعليك بالعدل والإنصاف، والبذل والإلطاف.
ولا تظلم أحداً، فإن الظالم نادم، والظلم يخرب الديار، ويفرد الجار، ويثر‏[‏28‏]‏ الغبار، ويسخط الملك الجبار، وإن من أعظم المصائب وأكثر الحسرات في تلك الوقفات، المأخوذ بالتبعات، يوم لا شفيع يشفع، ولا دعاءُ يرفع، ولا عمل ينفع، فكيف ينفع الظالم ندمه؟وقد زلت به قدمه، وشهدت عليه جوارحه، فياحسرة الظالم ويا ويحه.?
[الاعتبار]?
قال الوافد: كيف يكون الاعتبار؟
قال العالم: انظر إلى الذين يجمعون جمعوا كثيراً، وبنوا كبيراً، وأملوا طويلاً، وعاشوا قليلاً، "هل تسمع لهم حساً"؟ أو ترى لهم في القبور أنسا؟سكنوا التراب، واغتربوا عن الأصحاب، ولم يسلموا من العقاب، حملوا أثقالاً، وعاينوا وبالاً، وصارت النار لهم منزلاً ومقيلاً، وعرضت عليهم جهنم بكرة وأصيلاً، لا يطيقون فتيلاً، ولا يسمعون جميلاً، ولا يرجون تحويلاً، ولا يملون عويلاً، أين الذين شيدوا العمران؟وشرفوا البنيان؟وعانقوا النسوان؟وفرحوا بالولدان؟ وجمعوا الديوان؟وملكوا البلدان؟وغلقوا الأبواب؟وأقاموا الحجاب؟
أما رأيت كيف دارت عليهم الدوائر، وخلت منهم المآثر، وتعطلت منهم المنابر، وضمتهم المقابر، وغيبتهم المحافر.
تمزقت جلودهم، وتفرقت جنودهم، ورجعت قصورهم خراباً، ودورهم بياتاً، وأجسادهم تراباً.
أين ملوكهم؟أين أحبارهم؟أين مواكبهم؟أين مراكبهم؟ أين أنصارهم؟أين عددهم؟أين وزراؤهم؟ أين ندماؤهم؟أين من آواهم.
أصبح غنيهم فقيراً، وأميرهم حقيراً.هل بقي الذكر إلاَّ لمن أطاع الله، ونبذ في رضى ربه دنياه، وخالف من خوف الله هواه، وقدم الخير لعقباه، يدخل دار السرور وكفي كل محذور.
دار فيها الأمان، والحور الحسان، والأكاليل والتيجان، والوصائف والغلمان، والأنهار الجارية، والأشجار الدانية، والنعمة الوافية، والسرر المصفوفة، والموائد المعروفة، والفرش المرفوعة والأكواب الموضوعة، والقصور المنصوبة.
هذه دار المتقين ومحل الصالحين ومأوى المؤمنين قال في ذلك شعراً:
تنام ولم تنم عنك المنايا* تنبَّهْ للمنيّة يا ظلوم
وحق الله إن الظلم شومٌ* وما زال المسيء هو الظلوم
إلى الدَّيان يوم الدين نمضي* وعند الله تجتمع الخصوم
سل الأيام عن نِعَم تفانت* فتخبرك المنازل والرسوم
تروم الخلد في دار المنايا* فكم قد رام قبلك ما تروم

وقال غيره:
أعارك ماله لتقوم فيه* بطاعته وتعرف بعض حقه
فلم تعمل بطاعته ولكن* قويت على معاصيه برزقه
تبارزه نهاراً ثم ليلاً* وتستخفي بها من سوء خلقه

ما أسوأ حال عبدٍ يصلي ويصوم، ويسهر ويقوم، ثم هو يحفر بئراً لأخيه، لا يدري أنه يقع فيه.
قال الشاعر:
اغتنم ركعتين زلفاً إلى اللـ
وإذا هممت بالزور والبا
اغتنم ركعتين عند فراغ
كم صحيح رأيت غير مقيم

 
 
ـه إذا كنت فارغاً مستريحاً
طل فاجعل مكانه تسبيحاً
فعسى أن يكون موتك بغتة
ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

 
[التواضع]?
قال الوافد: كيف أصنع؟كيف التواضع؟
قال العالم: يا عجباً ممن خلق من نطفةٍ، ورزق بلا كلفةٍ، كيف لا يلزم التواضع والعفة؟!
ويا عجباً ممن خلق من ماءٍ مهين، كيف يغتر بالمال والبنين؟!
ويا عجباً ممن أصله من التراب والطين، كيف لا يتواضع للفقراء والمساكين؟!
كيف يفتخر ويعجب؟ويضحك ويطرب؟ويلهو ويلعب؟والقبر منزله؟ والتراب وساده؟ولا يعتبر ولا يتفكر، ولا يتوب ولا يستغفر؟أليس بعد الغنا الفقر؟وبعد العمارة القبر؟!
وكيف يتكبر من أوله كف تراب؟ووسطه ريح في جراب؟وآخره ميتة في خراب؟
وكيف يفرح بالمنى من هو عرض للفناء؟كيف يطمئن بالسرور؟من تعجله المنية إلى القبور؟
كيف يفرح بمضاجعة النواهد، من يضاجع الدود غداً في الملاحد، أيها المعجب بالدنيا وأسبابه، المختال في مراكبه وثيابه، المفتخر بأهله وأصحابه.
انظر إلى المنقول من بين أترابه، إلى ظلمة اللحد وترابه، أيها المفخور برجاله وماله، المعجب بأحواله وأشغاله.
أنظر إلى المقبور وتفكر في حاله، أيها المتطاول بعشائره وأحبابه، المسرور بعلومه وآدابه.
انظر إلى من قصر في شبابه، المختطف من بين أحبابه، هل منع منه حجابه؟ أو نفع أصحابه؟
أيها الجامع لأنواع العلوم، أعلمت ما سبق لك من المعلوم؟ أتدري أمقبول أنت أم محروم؟أم محمود عند ربك أم مذموم؟
يا صاحب العلم والإفادة، أمعك خبر من الشقاوة والسعادة.
أيها الناظر في الدقائق، ألك أمان من البوائق؟هل علمت بالحقائق، حتى رضي عنك الخالق؟ما حيلتك إن هتك سترك غداً في مشهد الخلائق؟.?
[المكين في يوم الدين]? 
قال الوافد: أخبرني من المكين في ذلك اليوم؟
قال العالم: المكين في ذلك اليوم من أخف في هذا اليوم العظيم، من أتى الله بقلب سليم.
المتين من عرف الحق المبين.
الشجاع من غمد السيف.
المطاع الحازم.
الوفي من ترك العمل الدني.?
[الحقير في الآخرة]?
قال الوافد: من الحقير في ذلك اليوم؟
قال العالم: الحقير من هو في رحمة فقير فقال: من هو للذنوب أسير، الخاسر البائس، من هو من رحمة الله آيس، السقيم، من هو في النار مقيم، الحزين من كان له من الشياطين قرين، الهالك، من سلم إلى مالك.
يا صاحب الحسن والجمال، والفخر، عند انقطاع الآجال يَبْطل الجمال.
يا كثير الأشغال، كأني بك يقلبك الغسال، ماذا العجز والإذلال؟كيف تطيق السلاسل والأغلال؟
ما أسوأ حالك، إن لم تقدِّم مالك.لا تفقر نفسك وتغني عيالك.
يا ذا الأموال الكثيرة، غداً نفسك إليها فقيرة، يا ذا العز والملكة، كيف بك في دار الهلكة، يا ذا العساكر والجنود، كيف عيشك في دار الوقود.?
[الملك في الآخرة]?
قال الوافد: أخبرني من الملك في ذلك اليوم؟ 
قال العالم: الملك من رضي عنه الملك.
النبيل من استقام على السبيل.
الخليل من رضي عنه الجليل.
الشريف من هو من الأوزار خفيف.
الظريف من هو عن الحرام عفيف.
العاقل من لم يكن عن الله غافل.
يستقبح من المؤمن كبره، ومن الشيخ كفره، ومن الفتى فقره.
حقيق بالتواضع من يموت، وبالبذل مال يفوت.المؤمن دنياه فوت، ومعاشه قوت، وقيل في ذلك شعراً:
صنيع مليكنا حسن جميل
فيا هذا سترحل عن قليل
 
 
فما أرزاقنا عنَّا تفوت
إلى قومٍ كلامهم السكوت

 
وقال غيره:
أيها الشامخ الذي لا يرام
إنَّما هذه الحياة متاعٌ

 
 
نحن من طينة عليك السلام
ومع الموت يستوي الاقدام

 
ـــــــــــــــــ
 
[الدنيا وفعلها بأهلها]?
قال الوافد: كيف يهنانا العيش في هذه الدنيا وهذه أفعالها في أهلها؟
قال العالم: إنَّ بنانا للخراب، وإنَّ أعمارنا إلى ذهاب، ودهرنا إلى انقلاب.
الموت يبدد الأحباب، ويفرق الأصحاب.
الموت ينزل الملوك من القصور والقباب، إلى القبور والتراب.كلما عملنا معدود، وعلينا حفظة وشهود.
أعمالنا محفوظة، وأنفاسنا مقبوضة، وسيئاتنا علينا معروضة.
لنا من كأس الموت شراب، ولا نأمن من بعده سُوء العذاب.
طوبى لمن له في الطاعة اكتساب، حتى ينال في الآخرة الثواب.
الويل لمن له العتاب، والحساب والعذاب.
والموت يدخل كل باب من أخرجه الموت من داره لم يكن له إياب.
غفلنا عن اكتساب الخيرات، ولم نستعد للممات، ولا بد لنا من الحساب، ولا بد لنا من العرض على الملك الوهاب.
ما أغفلنا عن الآخرة، ما أغفلنا عن الورود في الساهرة.غفلنا عن الإنتحاب، غفلنا عن الإكتساب.
غفلنا عن الآزفة، غفلنا عن الواقعة، غفلنا عن القارعة.
لم نكثر الندامة، لم نذكر القيامة، لم نخف الظلامة.
يا من بارز الله في السر والحجاب، وغلق عليه الأبواب، أتظن أن ذلك يخفى على الملك الوهاب، إنك في دينك مصاب، إن العاصي يسقى في النار من الحميم المذاب، هل معك لمالك خازن النار جواب؟أم لك عنده خطاب؟ أترجو من غير الطاعة الثواب؟ما أسوأ حالك عند البعث والحساب!! ما أغفلنا عن الرحلة !! ما أغفلنا عن الزلزلة !! ما أغفلنا عن الصيحة !!
ما أجرأنا على الخالق !! ما أكفرنا للرازق !! يا ويل كل منافق.
إنَّا راحلون، إنَّا مسؤلون، إنَّا موقوفون، إنَّا مهانون.
إنَّا على سفر بين أيدينا خطر، مالنا لا نحذر؟هل لنا من مفر، لا ملجأ من الله ولا وزر، إلى الله المستقر.العاقل من ترك ما يهوى لما يخشى.
 
قال الشاعر:
سبحان ذي الملكوت ربي ليلة
لو أن عينًا أوهمتنا نفسها
حُتِم الفناءُ على البرية كلها

 
 
محضت بوجه صباح يوم الموقف
أن العذاب‏[‏29‏]‏ مصور لم تطرف
فالناس بين مقدّم ومخلف.

[من هو الراغب؟]?
قال الوافد: صف لي الراغب. 
قال العالم: قَلَّ الراغب، وترك الواجب، ما لله طالب، ولا لعذابه راهب، ولا في ثوابه راغب، ولا عن الذنوب تائب، ولا إلى التوبة منيب آيب، ولا فتىً نفسُه لله واهب، بل مدع كاذب، تارك للحق مجانب، معانق للخلائق، مواضب جاذب‏[‏30‏]‏ للدنيا مجالب، مهمل للسنَّة والواجب.
إن البكاء على أمثالنا واجب، قبل الوقوع في العذاب الواصب، بين الحيات والعقارب.
نفس من الباب طريد، وقلب من النشاط شديد، وعمل من المريد بعيد، كأن الفؤاد حجر أو حديد.
أيها القلب الشديد أما يكفيك الزجر والتهديد؟أما سمعت الوعد والوعيد؟
نهارك عطلة، وليلك غبطة، ودهرك مهلة، ليس لك عن الجهل نفلة‏[‏31‏]‏، أي عذرٍ لك غداً أو أي علةٍ؟إلى متى العمل والزلة؟والمودة في غير الله والخلة، أما تخاف موقف الذلة.
إذا عرفت عملك كله وعرضت على عالم التفصيل والجملة أي ليل لك وأي يوم؟وأي صلاة وأي صوم؟إلى كم الغفلة والنوم؟إلى كم تتبع عادات القوم؟إلىكم تجوم؟‏[‏32‏]‏ في المعاصي حقاً مأجوم‏[‏33‏]‏، كأني بك وقد أوقفت موقف اللوم.
على أي عهد الله أوفيت؟على أي وعد قمت؟على أي توبة نمت؟أي صلاح إليه رمت؟هل صليت لله مخلصاً أو صمت؟هل قعدت في رضى الله أو قمت؟
أي معصية لله تركت؟أي طاعة لله سلكت؟أي هوى لنفسك لله خالفت؟
أي ليلة سهرت لربك؟أي يوم صمت من خوف ذنبك؟ هل أعملت في جوف الليل فكرك؟
قد أذنبت فهل اعتذرت، وقد أجرمت فهل جديت؟وقد أضعت فهل أطعت؟قد هربت فهل طلبت؟
تقول وخرقت، وتوانيت وسوفت، وبارزت وخالفت، وعصيت وجاهرت.
كأني بك وقد ندمت على إضاعتك، وتأسفت عن ترك طاعتك، وبكيت عند هجوم ساعتك، وخسرت في تجارتك وبضاعتك، ولم تنتفع بفصاحتك وبراعتك، وذهب ما كان من قوتك وشجاعتك.?
[لمن رحمة الله؟]?
قال الوافد: وعدنا الله في كتابه الرحمة. 
قال العالم: إن رحمة الله قريب من المحسنين، إذا عملت بالرضى، عفا عنك ما مضى، وحرم لحمك على لظى، وإن لم تعمل بالرضى، أخذك بما بقي وما مضى، وأحرقك بنار لظى.
إذا نظر ستر، وإذا عدل قبل، وإذا رحم غفر، عظيم فضله، صادق قوله.
عليم رحيم بالكرم موصوف، بالرحمة معروف، يستر، والعبد ينشر، يكفي ويعافي، يشفي عبده، ويوفي وعده.
كم من قبيح فعلنا ستره، كم من رزق لنا يسره.إقرع بابه، تجد جوابه، اقرأ كتابه يبين‏[‏34‏]‏ لك عتابه.
ارجع إليه يمن بالقبول، أقرب إليه يحسن بالوصول.
ما ضاع من قصده، ولا جاع من عبده، ولا خاب من أمَّله، ولا خسر من عمل له.
بابه لا يغلق، وحكمه لا يسبق، وجاره لا يغرق.
القلوب من خوفه تفرق، والصدور من هيبته تقلق، والرجاء بعفوه يعلق.
من ناجاه أنجاه، ومن اتقاه وقاه، ومن أوفاه وفَّاه، ومن أطاعه أطاعه، ومن إلتجأ إليه نصره، ومن استغنى به ستره، من قصده قبله، من وحده أنحله، من عبده فضله، من تاجره ربحه، من أمله فرحه، من سأله منحه، من ذكره ذكره، من استهداه وفقه، من توكل عليه رزقه، من أمله صدقه، من تعزز به أعزه، من استغنى به أغناه، من سأله أعطاه، من تولاه والاه، من استأنس بذكره لم يخف ولا يخب‏[‏35‏]‏، من تحلا بطاعته، نال ما يجب.المفر إليه، وعنده المستقر.
من للفقراء إلاَّ الغني؟من للضعيف إلاَّ القوي؟من للذليل إلاَّ العزيز العلي؟ من للعبد إلاَّ سيده؟وأين يوجد إلاَّ عَبده‏[‏36‏]‏.?
[لعل الساعة قريب]?   
قال الوافد: كأني بالقيامة وقد قامت. 
قال العالم: نعم كأني بالشاب المليح، وهو في النار طريح، ثاوٍ يصيح، بمقامعها جريح، يطلب الراحة لا يستريح، بين أطباق العذاب يصيح.كم من شيخ كبير؟ في العذاب المستطير؟لم ترحم شيبته؟ولم تكشف كربته، ولم تقبل معذرته، قد أُطْعِمَ الضريع، وسقي الحميم، وعري وجرد، وقرب للعذاب ومدد، وضرب بالمقامع وتهدد، وغلل بالسلاسل وخلد، وقيد، وأنزل في أدراك النار وأفرد، وطرد من الرحمة وبعد، وبسط له من النار ومهد، وغلظ عليه العذاب وقيد، ومزق جلده بالسياط وبدد، وصب عليه العذاب وجدد، فالويل له من توابيت النيران، وغضب مالك الغضبان،  يقول له: هذا جزاء ما أذنبت وعصيت، وأخطأت وتعمدت، وسوفت وتوانيت لم تنته من العيب،  ولم تتعظ بالشيب، بالمعاصي جاهرت، وبنفسك خاطرت، الصلاح أظهرت، والنفاق أسررت، هذا جزاء من أظهر الصلاح وأضمر الفساد، هذا جزاء من أساء وظلم العباد، هذا جزاء من فلت صلاته وأطال الرقاد، هذا جزاء من كان للمسلمين كثير الفساد، هذا جزاء من أضاع الصلاة ولم يقم بها في الأوقات، هذا جزاء من لَهَى واتبع الشهوات، هذا جزاء من عصى الله في الخلوات.?
[حال من استراح في الدنيا ولهى عن الآخرة]?
قال الوافد: كيف يستريح في الدنيا من وعد بهذه المصائب؟
قال العالم: من ارتكب المحارم، وكسب المآثم، دخل  هذه الدار، وخلد في عذاب النار.
 يا من عصى الملك العلام، وخلا في المعاصي في الظلام، يا من ذنوبه لا تحصى، وعيوبه لا تنسى، وذنبه لا يعفى، وقد برح الخفاء، وكثر الجفاء، إخْسأ فيها يا مطلوب يا مكروب، يا كثير الذنوب، أفسدت في الدنيا دينك وضيعت فيها حظك.
 يا كثير القبائح، يا عظيم الفضائح، يا كثير الريا، ياقليل الحياء، يا مغرور، يا من عطل الأيام والشهور، يا من ركب الشرور، يا من جعل ليله لكسب الذنوب والأوزار، يا من عصى الملك الجبار، يا من بارز الخالق في وقت الأسحار، يا من يصبح عاصياً، ويمسي ناسياً، ويظل لاهياً، أصبحت من رحمة الله قاصياً.
يا مغبون يا مثبور، يا من اطمأن إلى دار الغرور، يا من قدم غير معذور، ما حيلتك يوم النشور؟ ! ما أتركك لصلاتك؟! ما أغفلك عن أخذ زادك؟! مهلاً عن التفريط، مهلاً عن التخليط، مهلاً قبل البين والفراق، قبل التقاء الساق بالساق،قبل محن لا تطاق. 
قال الوافد: يا عجباً لهذه الدنيا ما أمكرها وأخدعها !! ما أخورها ما أدبرها !! ما أقل نفعها، ما أكثر ضرها !! تحلو وتمر، ما للدنيا بقاء، ما للدنيا وفاء، الدنيا بلاء لا يجمعها ذو تقاء.
ما أكثر تخليطي، ما أكثر تفريطي، ما أغفلني عن أعمالي، ما أقبح أفعالي، إلى كم أغتر بآمالي؟كم أُخَوّف ولا أخاف، كم أُعَرّف ولا أَعْرِف؟كم أصر على الذنوب لا أَنْصَرف، كم يمهلني ربي ولا أَعْتَرف؟إلى متى أقول عسى وسوف؟وأُدْخل الحرام الجوف؟
 أدخلت في قلبي الظلمة، غفلت عن الطاعة، كفرت النعمة، نسيت الحرمة، واستمعت النهمة.    
قال العالم: اعترف بذنبك، وارجع إلى ربك، وأقبل بكلك، واندم على فعلك، لا تحمل الثقيل، لا تستقل القليل، لا تنم الليل الطويل.
 أظلم الناس من ظلم نفسه، وأضيع الناس من ضيع يومه وأمسه.
 أسرق الناس من سرق من صلاته، أبخل الناس من امتن بزكاته، أنذل الناس من أساء عمله في خلواته، أجلد الناس من غلب شهواته، أغفل الناس من ضيع حياته، أندم الناس من عطل ساعاته.
 أقوى الناس من مات على التوبة، رأس مالك في الدنيا الطاعة، التقاء أفضل البضاعة، من أمل الله أعطاه مأموله، من سأل الله بلغه سؤاله..
 أسلم الناس من خَمُلَ ذكره، وكثر شكره، من قنع بالعطاء، سلي عما مضى.
كيف لا يهتم ولا يغتم، من لا يدري أي عمل بما يختم؟ كيف يهناه رقاده؟وكيف يتوسد وساده؟وكيف يسكن نفسه وفؤاده؟وهو لا يدري أهو من أهل الشقاوة أم من أهل السعادة؟كيف يسكن إلى الدار والجار؟ويقربه القرار ويأكل في الليل والنهار؟من هو موعود بعذاب النار؟وغضب الجبار؟.  
لا تقصر في عمل الأخيار، ولا تسلك طريق الفجار، ولا تكسب الأوزار، وأطع ربك في الليل والنهار، ولا تأمن فتغتبن، ولا تجمع فتفتتن، وتجوع ولا تشبع، وتورع ولا تطمع، وخف واحزن، فمنزلك القبر، وثوبك الكفن.
كيف يلهو بالملاهي، من بين يديه الدواهي؟كيف يكسب الآثام من وكل به الملائكة الكرام؟كيف يضحك ويفرح من عليه غداً يضرح، وللدوام، والهوام يطرح، كيف يفرح ويستر؟ويَسْتَر من يموت ويقبر؟?
[حساب النفس]

قال الوافد: مالي لا أخفف اشتغالي؟مالي لا أترك جهلي؟ مالي لا أتبع عقلي؟مالي لا أجهد؟مالي ‎لا أخدم؟مالي، لا أحْزِم؟إلى متى الرقاد؟إلى متى السهاد؟إلى متى أخالف بما أعلم؟
أما أعلم أني إلى الله أقدم؟أين الحزم؟أين العزم؟أين الجهد؟أين القصد؟ما هكذا يكون العبد؟إلى متى أنقض العهد؟إلى متى أخلف الوعد؟إلى متى أقول غداً أو بعد غد.
 أما أعلم أن سكني اللحد، ما أقسى فؤادي!! نسيت معادي.
 ما أقل زادي ‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ قرب سفري، وركبت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍خطري، الآن تخلو الحدة، الآن تنقضي المدة، الآن ينزل الموت، الآن يقع الفوت، الآن يسمع الصوت، الآن يغلق الباب، الآن أفارق الأحباب، الآن انقل إلى التراب، الآن أحضر إلى الحساب.
 الآن أعاين البلاء، مالي لا أنتهي عن الهوى، مالي لا أتبع الهدى؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ لا بد من سفر، لا بد من حضر، لا بد من يوم، لا بد من موت.
 لا بد من العرض على الملك الفرد، لا بد من القبر، لا بد من الحشر، لا بد من النشر.
 لا بد من حسرة، لا بد من عثرة، لا بد من زوال، لا بد من ارتحال، لا بد من الجزاء على الفعال 
خنت بالعينين، أصغيت بالأذنين، أخذت الحرام باليدين، سعيت إلى المعاصي بالرجلين، حركت بالكذب الشفتين، قطعت الرحم وعقيت الوالدين.
 أعرضت عن مولاي، تتبعت هواي، نسيت ما بين يدي.
 غفلت عما أساق إليه، لم أذكر ما أعرض عليه.
كأني وقد عدمت بصر العينين، وسمع الأذنين، وبطش اليدين، ومشي الرجلين.
 كأني وقد منعت الخطاب بلساني، وسلبت القوى من أركاني، ونزعت روحي وأدرجت في أكفاني، فويلي من ملائكة يشهدون عليَّ بما صنعت، ويحفظون ما ضيعت، فيا كربتاه، ويا غماه، ويا حزناه، ويا غصصاه، ويا شجناه، ويا غبناه ، ويا سوْءة حالتاه.ثم قال:
وصحيح أضحى يعود مريضاً
وأطباء بعدهم تحقرهم‏[‏37‏]‏
أين أهل الديار من قوم نوح بينما هم في النمارق والديباج
ثم لم ينقض الحديث ولكن

 
 
هو للموت أدنى ممن يعود
إذ علا عنهم سعوطهم والبرود
ثم عاد من بعدهم وثمود
أفضت إلى التراب الخدود
بعد هذاك الوعد ثم الوعيد‏[‏38‏]‏

 
 
فأجابه العالم: وهو يقول: إذا سمعت من يصلي على الرسول
أفنيت عمرك إدباراً وإقبالاً
فالموت هول فكن ما عشت ملتمساً
فلست ترتاح من موتٍ ولاتعبٍ
أمّلت بالجهل أمراً لست تدركه
كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم

 
 
تبغي البنين وتبغي الأهل والمالا
من هوله حيلةً إن كنت محتالا
حتى تعاين بعد الموت أهوالا
والعمر لا بد أن يفنى وإن طالا
قد أصبحوا عِبَراً فينا وأمثالا

[الصلاة]

قال الوافد: حد لي الصلاة. 
قال العالم: الصلاة صلة بين العبد والرب، وستر العيب، وكفارة الذنب.
 الصلاة صلة بلا مسافة، وطهارة كل خطيئة وآفة.
 والصلاة مواصلة ومصافاة، ومناجاة ومداناة.
 المصلي يقرع باب الله، ويطمع في ثواب الله، وهو قائم على بساط الله عز وجل.
 إذا كبر العبد تكبيرة الإحرام، تساقط عنه الوزر والآثام.
 إذا توجه العبد إلى القبلة، فقد أبدى من نفسه الخضوع والذلة، واتبع الشرع والملة.
 إذا أخلص العبد في الصلاة نيته، كَفَّرَ الله عنه ذنبه وخطيئته، وأجزل له عطيته.
 إذا أخلص العبد في القراءة والتلاوة، سطع في قلبه النور والحلاوة. إذا قرأ الفاتحة، أدرك الصفقة الرابحة، إذا أتبعها بالسورة، كثر في الآخرة سروره، وكفاه الله محذوره، إذا انحنى للركوع فقد أظهر لله الخضوع، إذا قام على الإعتدال فقد نفى عنه الإشتغال.
 إذا هوى للسجود، فقد خرج من الجحود، واستحق من الله الجود، إذا تشهد على التمام، سلمت عليه الملائكة الكرام، وبشروه عند موته بدار السلام.
 الصلاة شرح للصدور، وفرح من جميع الأمور.
الصلاة نور في  الفؤاد، وسرور يوم المعاد.
 الصلاة للقلوب منهاج، وللأرواح معراج.
 الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتؤمن صاحبها من نكير ومنكر.
 الصلاة تغني بعد الإفلاس، وتلبس العبد الإيناس.
 في الصلاة قرة العين وجلاء الدين، المصلي على بساط المولى، يناجي الملك الأعلى.
 الصلاة ضياء في القبور، وبهاء يوم الحشر والنشور.
 الصلاة يجوز صاحبها على الصراط، وتورث صاحبها في القلب النشاط.
 الصلاة تنزع قساوة القلوب، وتكفر كبائر الذنوب.
 الصلاة تسهل العسير، وتمحو الذنب الكبير.
 الصلاة توسع الأرزاق، وتطيب الأخلاق.
 الصلاة تقرب العبد إلى ربه المولى، ويأمن البلوى.
 من لزم المحراب، قرع الباب، ومن قرع الباب جاءه الجواب.
 علامة صحة الإرادة، لزوم المساجد للعبادة، الصلاة تخفف الأوزار، وتقرب المزار، وتؤمن من النار.
 أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد.
 لو علم المصلي من يناجي ما التفت من صلاته.
من سهل في أوقات الصلاة، فقد ضيع أشرف أوقاته.
وقال في ذلك:
اخضع لربك في الصلاة ذليلا

 
 
واذكر وقوفك في الحساب طويلا

 
 لو كنت تعلم بين يدي من تقوم، كنت تلازم بابه وتدوم.
عجباً ممن ينادي الملك القاهر، كيف يخطر في قلبه الخاطر.
 ليس للمرء من صلاته إلاَّ ما عقل، ولا ترفع صلاته إذا غفل.
 عفر وجهك بالتراب، لعله يفتح لك الباب.
 احضر للصلاة باطنك، كما أحضرت ظاهرك، طهر باطنك، كما تطهر ظاهرك، طهر قلبك كما تطهر ثيابك.
عجباً ممن يسأل الخلق وباب مولاه مفتوح لكل سائل! عجباً لمن يتذلل للعبيد، وله عند سيده ما يريد.
 من أطال لله القيام، أزال عنه الأوزار والآثام.
 من أخر الصلاة عن الأوقات، من غير علة من العلات، حرم الخيرات والصالحات.
 من ترك الصلاة إلى الليل، حل به الذل والويل.
 من حافظ على الصلاة تتابعت عليه الخيرات، ورفعت عنه النقمات.
ما لم تكن الصِّلات من ماله وغرمه لم يبارك له في رزقه وترك الله سهمه.
 من أضاع صلاته، لم تقبل حسناته.من ضيع صلاته، كثرت عند الموت سكراته، من غفل من الصلاة والذكر، ضيق عليه في القبر.
 الصلاة عماد الدين، وتمامها صحة اليقين.?
[ثواب من يقوم الليل]

قال الوافد: ما لمن يقوم الليل صف لي ثوابه؟
قال العالم: من قام في الليل وسهر، نجاه الله من اليوم العسر.من خاف البيات، لم يغلبه السبات.من حذر من الحرام، شرد عنه المنام.
 من اغتنم الليالي والأيام، لم يقطعها بالبطالة والمنام.
 من أطال الرقاد، فقد طمس النور من الفؤاد.من دام رقاده، عدم مراده.
 من ألف الوطء والمهاد، خرج إلى الآخرة بغير زاد.من تعود الوسادة، لم يؤدي‏[‏39‏]‏ حق العبادة.
 من خاف ضيق اللحد، لم ينم على الخد.من عصى مولاه، كانت الجحيم مأواه.
 من كسب الآثام، قام إلى الصلاة من بين النيام.
 من فزع من يوم القصاص، تضرع إلى ربه بإخلاص.من تحقق أن الرب اطلع في المعصية عليه، أسبل الدموع في الليل على خديه.
 من علم أن إلى ربه مرجعه، هجر في الليل نومه ومضجعه.
من تحقق أن المصير إلى الله والرجوع أكثر من السجود والركوع.
 من تفكر في قبيح الرجوع، شرد عن عينيه الهجوع، وأسبل من مقلتيه الدموع.
 من علم أنه مأخوذ مطلوب، كان له في الليل تهجد وهبوب‏[‏40‏]‏.
 من عرف عصيانه دَاوَم أحزانه، من داوم أحزانه، لم تنطبق بالليل أجفانه، من غلب على قلبه الحزن، نزع من عينيه الوسن.
 من تحقق الإفلاس، شرد عنه النعاس.من علم أن الله يدعوه، لم يزل يخافه ويرجوه.
 إن الله يقول عز من قائل: هل من داع فأجيب هل من مطيع فأثيب، هل من متقرب فأنا منه قريب؟هل من تائب فأتوب عليه؟هل من سائل فأفضل عليه؟هل من متوكل فأسوق عطاي إليه؟هل من مستغفر فأغفر له؟هل من مستعين فأعينه؟هل من مستجير فأجره ‏[‏41‏]‏؟.
 يا أهل الليل دام لكم الوصال، يا أهل الليل نلتم خير منال، يا أهل الليل أبشروا بالسرور والجمال، يا أهل الليل كفيتم جميع الأهوال، يا أهل الليل أمنتم الأفزاع والأشغال، يا أهل الليل تقر أعينكم عند انقضاء الآجال، يا أهل الليل عليكم بالتضرع والإبتهال، فقد اطلع عليكم الكبير المتعال.
 يا أهل القرآن تهجدوا بذكر الرحمن، يا أهل القرآن معكم النذير والبيان.
 من سهر في الليل وقام، وتجوع بالنهار وصام، كان مقامه في الآخرة خير مقام.
 يا أهل الليل قد غلقت الملوك عليها أبوابها، وطاف‏[‏42‏]‏ عليها حجابها، وطلبت صحبة أصحابها، وأرخى أهل المعاصي أستارها، وأنا الملك الجبار، العزيز الغفار الستار، اطلب عبادي، وأزيد أهل ودادي، ومن يختار على مراده مرادي، أقول: يا عبادي، أبشروا بودادي، وبالثواب في معادي.
قال الوافد: ما أجرأ العباد على المعاصي لم يخافوا الأخذ بالنواصي.
 كم تغفل وتنام؟وتظلم الأيتام؟كأني بك وقد غافصك‏[‏43‏]‏  الحمام وأنت غافل في ألذ منام، يا من هو مقيم على القبائح والآثام، أما تخاف انقطاع الأيام، وحلول الحمام، وشهادة الملائكة عليهم السلام؟.
قال العالم: في الليل يقرع باب الوهاب، في الليل خلوة الأحباب، في الليل تقبل توبة من تاب، في الليل يستغفر من بهت واغتاب، الليل يعمر القلب الخراب، في الليل يجيء الجواب، لأهل الصلاة في المحراب‏[‏44‏]‏. يا أهل الأسحار لكم الأنوار، يا أهل الليل خففت عنكم الأوزار، يا أهل الليل أبشروا برضا الجبار ومرافقة الأخيار الأبرار، يا أهل الأسحار أقبلوا على الإستغفار.
 في صلاة الليل النجاة من الويل، في المناجاة نجاة، في الصلوات صلات أقبلوا فهو ذو الإجابة، هلموا فهو ذو الإنابة، اعملوا بالصواب يفتح لكم الباب، أطيعوا فهو يضاعف لكم الثواب.
 سلوا الأمان يا أهل الإيمان، تضرعوا إلى الحبيب، فهو إلى المتضرعين قريب، ارجعوا إليه يكن لكم من كل خير نصيب.
 السهر السهر، يا من هو على سفر، الإدلاج الإدلاج، يا طالب المنهاج، البكور البكور، يا من يريد السرور، الأسحار الأسحار، يا من كثرت منه الأوزار، الضراعة الضراعة، يا من كثرت منه الإضاعة.?
[فضل الصيام والإقلال من الطعام]

قال الوافد: صفْ فضل الصيام، والإقلال من الطعام.
قال العالم: أكثر من الصيام، تسلم من الآثام، أقل من الطعام، تسبق إلى القيام، من شبع من الطعام، غلبه المنام ومن غلبه المنام، قعد‏[‏45‏]‏ عن القيام.
الشبع يظلم الروح، ويترك القلب مقروح‏[‏46‏]‏، الجائع عفيف خفيف، والشبعان عاكف على الكنيف، من لم يزل شابعاً، لم يزل الشيطان له متابعاً.
الشبع يكسب الجزع، ويذهب الورع، ويكثر الطمع.
الصوم جنة من النار، ورضىً للجبار.
من أطاع ضرسه، أضاع نفسه، الجوع في الفؤاد نور، وفي المعاد سرور، من استعمل القصد، استغنى عن الفصد، من أشفق على نفسه، لم يتبع شهوات ضرسه.
من أطاع أسنانه، هدم أركانه، من قنع شبع، ومن شبع طمع.كم من طاعة نبعت من مجاعة، كم من قناعة أتت بخير بضاعة، لا مجاعة مع القناعة.
 
 
 
[المراقبة]

قال الوافد: صف لي المراقبة.
قال العالم: من راقب الله في الخلوات، أجاب له الدعوات، المراقبة تورث المحاسبة، راقب مولاك في الليل إذا دجاك، وفي النهار إذا أضاك، يعصمك من هواك.
اذكر نظر الله إليك، ولا تنسَ طاعته عليك، أما تعلم أن الرب إليك ناظر، وعليك في كل الأحوال قادر.
أما تعلم أن مولاك يراك، ويسمع سرك ونجواك؟ويعلم منقلبك ومثواك؟
أرخيت عليك الأستار، وأخفيت ذنوبك عن الجار، وبارزت الجبار، بالمعاصي الكبار، وجمعت الذنوب والأوزار، وشهد عليك الليل والنهار، والملائكة الحضار، أما تخاف عقوبة الجبار؟والخلود في النار؟إلى كم تتستر عن أعين الناظرين، وقد شاهدك أقدر القادرين؟كم تخاف من المخلوق وتستخفي؟ولا تخاف الخالق ولا تستحيي؟كم تنقض العهود وتستخف بالشهود؟
كم تجتريء على المعبود؟ويعود عليك ولا تعود؟كم رآك على المعاصي وستر؟واطلع منك على القبائح وما نشر؟وغطى عليك وما شهر؟
أما تذكر قبائحك؟أنسيت فضائحك؟أما تخاف من ذنوبك؟أما تزدجر من عيوبك؟أغفلت عن الداهية؟ألم تخف الهاوية؟أنسيت من لا يخفى عليه خافية؟
قد اطلع عليك مراراً، وأسبل عليك أستاراً، وبارزته غير مرة فستر وعفا، ونقضت ما عاهدته عليه ووفى، ولو شاء لأمطر عليك الحجارة من الهوى، وسلب منك العطاء، وكشف عنك الغطاء، وأطلع عليك عباده، وضيق عليك بلاده، وبدل اسمك، وغير جسمك، هب أنه ستر عليك في الدنيا، فماذا تعتذر في العقبى؟هب أنه تجاوز وعفا، أليس قد خُيِّرت ووفى، ألم تستحي من خالق الأرض والسماء، ألم تستحي من الحفظة الكرام، ألم تخف من لا يتغاضى‏[‏47‏]‏ ولا ينام ولا يضام، فيا حياك من قلة الحياء، وقال في ذلك:يا من شكى حافظاه خلوته
لم يهتك الستر إذ خلوت به

 
 
حين خلى والعباد ما فطنوا
بر لطيف كفيٌ  له المنن

 
[فضل الإنفاق وقبح البخل]

قال الوافد: صف لي فضل الإنفاق وقبح البخل.
قال العالم: ليس لك من مالك إلاَّ ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك فوبال عليك.
من صان فلسه، أهان نفسه، من حبس درهمه، جمع على نفسه همَّه.البخل أدوى الداء، والجود أنفع دواء، ما ثَقَّل الميزان، مثل الإحسان في الله فليكثر الإخوان، النجاة في القرآن، ما حبط العمل بمثل التعاجل والنسيان.
من لزم السماحة، لم يعدم الراحة، البخيل في الدنيا مذموم، وفي الآخرة من الخير محروم.تملك البلاد بالفرسان، وقلوب العباد بالإحسان.
من بذل أمواله، نال في الآخرة آماله.من جاد بكسرته، فقد بالغ في مروءته، من أخرج فضلة الأموال، نجى في الآخرة من الأهوال.
ــــــــــــــــــــ
 
[كيفية مجاهدة النفس]
     
قال الوافد: كيف أصنع بالنفس حتى ترجع عن شر عادتها؟
قال العالم: إن النفس لا ترجع عن شر عادتها أبداً، وليس منها إقلاع ولا رجوع إلاَّ بالقهر والغلبة، والجهد والتضرع، فبالعلم والمعرفة والزهد تحبس النفس عن شر عادتها، حتى ترجع عن شهواتها، ولا تدرك ذلك منها إلاَّ بصدق الإرادة والصبر، والمعالجة وكثرة الخوف، والعمل بالصواب، وإذا ظفرت بها حتى تردها إلى طاعة الله ورضاه، ووفقت لذلك فاشكر الله، واعرف له بالطاعة؛ إذ جعل ذلك بتوفيقه لك، فينبغي لك من بعد ذلك أن تقلع عن الهوى وتصم أذنه، وتخرج التخاليط والآفات من أماكن مزرعها، وتَغْلِبُ هواك، وتحذر النسيان والغفلة، ووسوسة الشيطان وسرعة العجلة، وتأخير الخير، والتواني والفخر.
واعلم يقيناً أنك لا تظفر بذلك من نفسك حتى تقهرها وتمنعها من الرغبة، والحرص، والكبر، والرياء، والحسد، والرئاسة، والبخل، وطولة الأمل، والتقلب في طلب الشهوات، والمحبة للدنيا، والتصنع للناس، وحب المحمدة، والغش، والخيانة، وخوف الفقر، والسعي للطلب مما في أيدي المخلوقين، ونسيان الموت والغفلة عنه، والشح، والسفالة، والسفاهة.
فإذا نصرت على ذلك، ونقيت القلب عن آفات ما ذكرت لك، شكر الله تعالى سعيك على ذلك، غير أن النفس لا تصلح حتى تكدها وتقهرها؛ لأنها بالشر والفتنة والآفات مولعة، هي خزانة إبليس، منها خرج وإليها يعود، وهي تزين لصاحبها تسعة وتسعين باباً من أبواب الطاعة والخير؛ لتظفر به في كمال المائة، فكيف يسد السيل العريض، من ليس يعرف مجراه؟
وكذلك النفس إذا جمحت وطغت، كيف يحدها من ليس يعرف شرها وهواها؟وكيف يعرف ذلك من ليس يعرف عدوه ودنياه؟فكيف يعرف عدوه ودنياه من ليس يختلف إلى العلماء؟ولا يجالس الحكماء؟ولا يخالط الصالحين؟
فإذا أردت النجاة فتعلم العلم من العلماء، وخذ الحكمة من الحكماء، ولا تشد على نفسك مرة، وترخي عنها مرة، ولكن أقبل عليها بعزم صحيح، وورع شحيح، وصبر ثخين، وأمر متين، حتى تمنعها عادة شهواتها.
ثم اجمع أطرافك إلى وسطك، أعني إلى قلبك، وهو أن تُحَكِّم القلب على الجوارح، ولا تحكم الجوارح على القلب، ولا يتم لك عمل ولا يخلص إلاَّ بهذه الصفة، فتغمض عينيك عن الحرام والشهوات، فإن العين جاسوس القلب.
ثم الأذنان فلا تقرع فيهما الشر والخنا والنمائم والكذب.
ثم اللسان خاصة يجب أن تنزهه من الكذب والغيبة والمجادلة والفضول والمقاولة والشبهات، فإنها معدن قذارة النفس، وهو ترجمان القلب فمهما لم ترد الترجمة عن القلب يموت بمادة البدن.
ثم البطن خاصة فاحفظه عن الحرام والسحت والشبهة والشهوات فإن مورد القلب وصفاه من طيب طعمة البدن وخبثها.
وأما الفرج فمادمت حارساً لبطنك من الإمتلاء والشبع فأنت قادر على حفظ فرجك.
ـــــــــــــ
 
 
[المريد]
   
قال الوافد: كيف يكون المريد للعبادة؟
قال العالم: يكون قلبه يجول في الملكوت الأعلى، ثم يمنع نفسه من الرجوع إلى عادتها وشهواتها، فإن لم يكن كذلك فهو مغرور في ما هو فيه، وغير مستحق لما يدعى عنه، ومحال أن يطير الطائر في الهوى، وهو مربوط في حجر ثقيل، كذلك القلب محال أن يصعد في الملكوت الأعلى وهو مربوط بالآفات، محفوف بالرغبة في الدنيا، مشغول بالتزين، والتنقل في الشهوات، والغفلة عن الطاعات، وقلة الخوف لما هو آتٍ.?
[مقامات الأولياء]

واعلم أن مقام الأولياء لا يقوم به إلاَّ من عمل أعمال الصادقين، وهي الإجتهاد في الطاعات، والإنتهاء عن الشبهات، والترك للشهوات، والتوكل والتفويض والزهد، والتسليم، والإعتبار، والتفكر، والورع، والذكر، والخوف، والخلوة، والقرب، والمعرفة، والحب، والإخلاص، واليقين، والصدق، والخشية، والرجاء، وجميع ذلك لا يكون إلاَّ من القلب الصليب الصافي الرقيق، التارك لحطام الدنيا وعنائها، فإن الله تعالى يقبل على عبده بالجود والعطاء ما دام العبد مقبلاً على صفي عمله، لا يولي إلى غيره، فإذا خيلت لك نفسك أنك من الصالحين ـ فحقق ذلك بخمسة أشياء، واختبر بها نفسك، وهي الأخذ والعطاء، والفقر والغناء، والعز والذل، والمدح والذم، والموت والحياة.فإذا وجدت قلبك يميل إلى واحدة منهن دون الأخرى فاعلم أن الذي أنت تزعم باطل، هذا من تخيل النفس، وأنت مغتر فيما تدعي، لم تنل شيئاً مما ناله البررة والصادقون.
واعلم أن لكل شيء حقيقة، ولكل صدق علامة، فحقيقة المعرفة معرفة النفس، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه.
وحقيقة الصدق الإنقطاع إلى الله ورفض الدنيا، فمن عرف الرب عبده، ومن عرف الدنيا زهد فيها، فمن عرف الله أحبه، ومن أحبه لم يعصه، وعمل بما يرضيه.وأن نعيم المحب ساعة واحدة أكثر وأحلى وأطيب وأعلى من نعيم أهل الدنيا بنعيمهم من يوم خلقهم الله تعالى إلى آخر ما يفنيهم، وإن رفيع الدرجات ذو العرش إله الدنيا والآخرة حبيبهم به يستأنسون، وعلى بساط قربه يتقلبون، وفي جزيل كرمه يتنعمون، وبذكره يتلذذون، وبالوصول إليه يفتخرون، قد وعدهم من جزيل عطائه، وسعة رحمته، ومكنون فضله، ما يعجز عنه الوصف، ورضي عنهم وأرضاهم واصطفاهم، أولئك الذين لايشقى جليسهم،ولا ترد دعوتهم، يدورون مع الحق حيث ما دار، والأرض بهم رحيمة، والجبار عليهم راض، جعلهم الله بركة أرضه، ورحمة على عباده، فطوبى لهم وحسن مآب.
ـــــــــــــــ?
[الصادق المجتهد]
?قال الوافد: صف لي الصادق المجتهد. 
قال العالم: هو الذي لا يعي‏[‏48‏]‏ عن الإجتهاد، فيما يقر به إلى الله في تحريكه وسكونه، وكلامه وقيامه وقعوده، ثم يجعل اجتهاده من جميع جوارحه بصدق تكلفه، ثم يجعل تحريك لسانه، واستماع أذنيه، وبطش يديه، ومشى رجليه، وأخذه وعطاه، ونومه ويقظته، وجميع ما يكون منه في ليله ونهاره، يصدق بعضه بعضاً.
ثم يجعل طعامه وشرابه، ولباسه، وجوعه وعطشه، وقيامه وقعوده، وشبعه وريه ـ يوافق بعضه بعضاً، ويجعل جميع ذلك صدقاً منه، وقصداً إلى ما يوافق إرادته.وليكن ذلك من خالص قلبه، فإن فعل ذلك كان صادقاً في إرادته من عبادته، فإن الصادق المحب، المستمر في الطاعة ـ ينبذ الدنيا وراء ظهره، ويظمأ نهاره، ويسهر ليله، ويترك شهواته، ويخالف هواه، ويقصر أمله، ويقرب أجله، ويخلص عمله من الآفات والتخاليط، ويرتعد بدنه من خوف الله، قد عزف الدنيا عنه لما عرف مكرها، وخاف مضرتها، لم ينظر إليها بقلبه، ولم يمش إليها بقدمه، ولم يبطش فيها بيده، حذراً من الدنيا وحذراً من شرورها وفتنتها، فهو هارب بنفسه حذراً من أهلها، فقلبه غير غافل عن الله، مداوم على الذكر، وقد عزل عن نفسه كل شغل شغله عن الله عز وجل، وأقبل على قلبه فعمره بذكر ربه، وجعل ذلك صافياً، خالصاً لله تعالى فهو خائف وجل مرعوب، هارب من الدنيا وأهلها محافظ على عمله قائم على نيته، فبذلك يهتدي الضال، ويسلك الطريق، ويستجيب الله دعاه، ويملكه من قصور الجنة، ويزوجه من حور العين، ويخدمه الولدان، فطوبى له وحسن مآب.?
[الإخلاص]?
قال الوافد: صف لي الإخلاص. 
قال العالم: إن مثل نور الإخلاص مثل نور الشمس، لو غطى عين الشمس أدنى الغيم ـ تكدر من  ضوئها على مقدار ذلك الغبار، وإن كانت عين الشمس في ذاتها صحيحة فذلك مثل الصفاء والإخلاص، وكذلك كل عمل يكون أصله لله خاصة فهو له خالص، ثم ربما شابه شيء من الدنس فهو الكدر، وأحبط عليه عمله، فالآفات التي تحبط العمل سبع:
أولهن:  الكبر.
والثاني:  الحسد.
والثالث:  الحرص.
والرابع : الرياء.
والخامس:  العجب.
والسادس : الشهوة.
والسابع : البخل.
فما دخل على المؤمن من هؤلاء فقد نقص إيمانه ومثل ذلك مثل الثوب الجديد الأبيض، يصيبه شيء من الدنس والغبار، فيذهب من نوره وصفائه وبهائه على مقدار الغبار والدنس، وإن كان الثوب في الأصل جديداً لا عيب فيه، وكذلك مثل الإنسان في صلاته يكون في طهارته محكماً وفي ركوعه وسجوده محكماً، فظاهره طاهر، وباطنه محشو من الآفات والتخاليط، فمن خلط فقد اغتر، واستعبده الهوى، وزين له شيطانه، وخيلت إليه نفسه الكذب صدقاً، والباطل حقاً، ولم يستحق اسم الإخلاص، ولو أن مؤمناً بلغ من كراماته عند الله أن يطير في الهوى ـ لم يزده ذلك إلاَّ شدة وخوفاً واجتهاداً في العبادة، وما ازداد عند الله خشية إلاَّ ازداد عند الله عبادة.وما جعل الله للخالص‏[‏49‏]‏ إلى الرخصة سبيلاً.فمن كان لله أعرف، فهو لله أخوف.
فينبغي لمن أراد الإخلاص في عمله ألاَّ يسكن روعته، ويكون خائفاً، وجلاً حزيناً، وإذا كان الخوف والحزن وافقهما القبول من الله، لأن الخوف والحزن معدن ‏[‏50‏]‏  للصفا، ومخ الإخلاص وبنيانه، وكل عمل لم يكن يوجل القلب عليه فقد حفت بعمله الآفات من حيث لا يشاء، وإن لأعمال الطاعات آفات مختلفة مغطاة، ليس يعرفها إلاَّ كل مطيع، وذلك أن الطاعة ربما هاج من صاحبها العجب والرياء، والفخر والأمان، من غير أن ينظر لها، فالعاقل يهتم لصفاء عمله وإخلاصه، ولا يغفل عن ذلك في ليله ونهاره، وحركته وسكونه، وذلك مما يدخل عليه من هوية النفس وتلبيس الهوى.?
[تصحيح الإرادة]?
قال الوافد: صف لي تصحيح الإرادة. 
قال العالم: إذا علم الله من قلبك صحة الإرادة وإخلاص العمل أوصلك إلى الخيرات، وهدى قلبك، ويسّر أمرك، وجمع شملك، وهوّن عليك الصعوبة، وقمع عنك الشهوات، وبغّض إليك الدنيا، وبصّرك عيوبها وأدواءها حتى تعافها.
 وإذا عرف منك الصدق والإجتهاد، وعلم أنك لا تختار عليه غيره ـقبل الله سعيك، وشكر عملك، وصار اجتهادك تلذذاً وحلاوة، فإذا رءاك الله تعمل على الحلاوة ولا تتوانى ولا تختار عليه الدنيا، ولا تتبع هواك، ولا تطلب شهوتك ـ قبل الله منك عملك، ونثر عليك من صفاء بره، ونثر عليك من مخزون رحمته، وكثر عليك عطاء ربك، ومنحك من خزائن جوده، وجزيل مواهبه ومعونته ما تقر به عينك، وما إذا رأيته زادك اجتهاداً وخوفاً وعزماً ونظّر أثر ذلك عليك، وأورث قلبك النور والتقى والهدى، والشبع من الدنيا، وأغناك عمن دونك، وأعطاك من عطائه مالم تحسن أن تتمنى قبل ذلك، والله كريم يقبل اليسير، ويعطي عليه الثواب الكثير. 
ــــــــــــــــ
 
 
 
[كيفية إخلاص العمل]?
قال الوافد: كيف أخلص العمل؟
قال العالم: إنك لا تدرك ذلك إلاَّ بالعزم، ومن كمال العزم قلة التسويف، ولزوم الصدق، وتمام النية.
ومن تمام النية إخلاص العمل.ومن إخلاص العمل الصدق.ومن الصدق نقاوة القلب.ومن تمام نقاوة القلب ستة عشر خصلة، بعضها على إثر بعض، وهي درجات الصالحين:
أولها الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، وترك التزين من نفسك، وترك التصنع للناس، وترك الحسد، ورفض الشهوات، والزهد في الحطام، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت، والإنقطاع عن الناس، والإقبال إلى الله بكل قلبك، والإتصال بالذكر الصافي، وحسن الخلق، والرأفة بالمسلمين، والأنس بالله في الخلوات، والشوق إليه، والمحبة له والرضى بالمقادير التي من عند الله ثم اليقين، فإن الله تعالى يعطي العبد على قدر يقينه.   
 
 
[الحياة الطيبة]?
قال الوافد:صف لي الحياة الطيبة. 
قال العالم: أقول لك ! إن الحياة الطيبة لا تدركها إلاَّ بخمسة أشياء: أول ذلك العقل، ثم المعرفة، ثم اليقين، ثم العلم، ثم الغناء بما عند الله، فهذه الحياة الطيبة.
 فإذا أردت أن تنالها فعليك بمنازعة النفس ومعاداتها، ومخالفة الهوى، فإن لك في ذلك كفاية، فإذا أردت أن تكون من أهل الصدق في الحياة الطيبة فإنك تنفي العادة الخبيثة، ولَبِّس نفسك الصبر والخلق الحسن، وأزل عن قلبك الذكر الرديء، ولا تشغل قلبك بغير ذكر الله وطاعته، وأمت حرارة الشهوة من نفسك، وليكن الموت عندك أحب إليك من الحياة، فإن الصالحين من قبلك تناسوا قلوبهم بالحزن الطويل، والجهد الثقيل، يريدون بذلك رضى ربهم والتقرب إليه، فإن أحببت أن تسلك طريقهم، وتقفوا آثارهم ـ فَحَوِّل نفسك عن الدنيا وزهرتها، وأدِّبْ نفسك بالجوع، وأذلها بالفقر، وموتها بقرب الأجل، وأبصر بعينيك إلى عرصة القيامة، حتى كأنك تحاسب فيها، فحاسب نفسك قبل ورودك إليها، واقطع نيتك عن كل شغل يشغلك عن الله، وتأدب بآداب الصالحين الذين من قبلك، رموا بقلوبهم نحو خالقهم، وكلما تحولت قلوبهم إلى غيره ـ حملوا عليها بالزجر، ورجعوا إلى مقامهم، وقصدوا بأبدانهم نحو قلوبهم، جهداً منهم، وأيأسوا أنفسهم عن الدنيا وراحتها، وعودوا قلوبهم الجهد، وكدوها في طاعة خالقهم، فعند ما عرف الله منهم الصدق والثبات ـ أثابهم بالفرح والسرور من عنده، وصرف عنهم العادة الردية، فإذا أردت أن تكون مثلهم ـ فغمِّضْ عينيك عن الدنيا، واختم أذنيك عن أقاويل أهلها، واصرف قلبك عن زهرات بهجتها، وانقطع إلى ربك، واعمر قلبك بذكره، واستعمل لسانك في شكره، واجعل قلبك مملوءاً من محبته وتلذذ بطاعته، فإنه يغنيك عن الخلق كلهم، ويهون عليك الصعوبة، ويخفف عليك المؤنة، وتصير حراً عن عبودية الدنيا، إذا وصلت حبلك بحبل خالقك، وتسلم من الأشغال، وتصبح منير القلب، كثير الذكر لذيذ المناجاة، حريصاً على الطاعات، قليل الزلل والخطأ، قليل الغفلة، حسن الفعال، صافي الذكر، قليل الكلام والفضول واسع الصدر، خلوتك مع الله لا تزول، وأنسك  بالله لا تستوحش، إن كنت في القفرة، ويكثر يقينك في قلبك، فبدنك مطيع، ولسانك ذاكر، وكلامك حق، وعملك زين، وسعيك مشكور، وكل شيء منك نور، وكل حركة وسكون منك محمود، قد أعد الله لك النعيم في جنَّات النعيم.?
[صفات المتقي العارف]?
قال الوافد: صف لي المتقي العارف. 
قال العالم: إن من صفات المتقي العارف أن يكون غذاؤه ذكر الله، ورأس ماله اليقين بالله، ومطيته الهيبة من الله، ولباسه تقوى الله، وتحريكه التفويض لأمر الله، وعزمه التسليم إلى الله، وخوفه التعظيم لله، وهو محبوس في سجن الرهبة، مقيد بالحياء، متنعم بالمناجاة قد أمرضه الشوق، وأشغفه الحب، فهو مستأنس بطبيبه، ممكن بحبيبه، وله ورع، لا يشوبه طمع، ويقين لا يشوبه طلب، وانتباه لا يشوبه غفلة، وذكر لا يشوبه نسيان، وعزم لا يشوبه تواني، وتعب لا يشوبه عجز، وعلم لا يشوبه جهل ورجاء لا يشوبه غرة، ودعا لا يشوبه فترة، وتفكر لا يشوبه توهم، وتوحيد لا يشوبه تشبيه، وتصديق لا يشوبه تكذيب، وتعديل لا يشوبه تجوير.
فهذه صفة المتقي العارف، فعليك بهذه الطريقة فالزمها، وأقبل عليها بقولك وفعلك، وحركتك وسكونك، وسمعك وبصرك، وظاهرك وباطنك، ونظرك وتمييزك، فإن الخير والبركة بحذافيرها لمن سلك هذه الطريقة.
واعلم أنك إذا صدقت عليها نيتك، وعلم الله منك المجهود في ذلك ـ نَظّرك عليها، وظفرك بها فمن صبر على هذه الصفة أربعين يوماً لا يشوب عمله بالكدرة والتخاليط والآفات ـ اتَّقَد في قلبه مصباح النور، وانفتح له عينا قلبه، فيصير بنورهما إلى جميع الدنيا والآخرة، فيعرف عند ذلك مصائب الدنيا ومصائب الآخرة، فيصبر على مصائب الدنيا ويخاف من مصائب الآخرة، لأن مصائب الدنيا نعم، ومصائب الآخرة نقم، فإذا ميَّز بينهما واعتبر ـ أقبل على خيرهما عاقبة، وعمل لآخرته بطيبة من نفسه، وانتبه واطمأن، وعرف أن الآخرة خير من الدنيا، وتحصن بذكر الله في دنياه، وعمل لعقباه، فطوبى له وحسن مآب.?
[ماذا يجب على المتقي العارف]?
قال الوافد: فما يجب عليه بعد ذلك؟
قال العالم: يجب عليه أن يدعو عباد الله إلى الله، ويعرفهم أنهم قد هربوا من ربهم، فيرغبهم ويردهم إلى مولاهم من بعد هربهم منه، ويحبب إليهم خالقهم، ويعلمهم شرائع دينه، ويعرفهم آلاء  الله ومنَّه ونعماه، ويلقنهم الشكر، ويرغبهم بالذكر في طاعته، ويحذرهم من معصيته ويريهم تقصيرهم، ويخوفهم هجوم الموت عليهم، ويعلمهم التوبة، ويدلهم على الله، ويعلمهم التوحيد حتى يوحدوا الله ويصدقوه ويعدلوه، وينشر العلم فنشره غنيمة.وذلك فعل الأنبياء والصالحين، ولو سكت هلك العالم والمتعلم جميعاً.
ومثل العالم والمتعلم مثل نور الشمس ونور العينين.إفهم لو أن رجلاً بصير العينين بقي في بيت مظلم، فسُدَّ بابه، فهو لا يهتدي إلى شيء فيه مخرجه، أليس يكون فيه محتاراً، لا ينتفع ببصر عينيه مادام البيت مظلماً، حتى إذا فتح عليه الباب وخرج ورأى ضوء الشمس، كذلك المتعلم يكون في بيت الجهل موثقاً عليه بأنه لا يهتدي إلى الخروج، حتى يفتح عليه العالم العارف، لأن المتعلم يستضيء بنور العالم، ويهتدي إلى منارة طرقه، ويخرج من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فعند ذلك يكون علمه خالصاً صافياً من الآفات.
 فإنما مثل الجاهل مثل مكفوف البصر، لا ينتفع أبداً بضوء النهار، فالليل والنهار في الظلمة عليه سواء، كذلك الجاهل لا يعرف ما هو فيه من ظلمة الجهل وعمى القلب، ولا يميز بين الحق والباطل.
 والجهل داءٌ وشينٌ، لا يداويه غير العلم، والعلم شفاءٌ وزين، لا يدخل معه داءٌ ولا شين، وليس العلم علم اللسان، المعلق على ظاهر الإنسان، الخالي عن القلب، إنما هذا مثله مثل شبكة الصياد التي ينثر عليها الحب للطير، وليس يريد بذلك مرافقة الطير ولا منفعتها، لكنه يريد أن يصطادها بذلك الحب المنثور على الشبكة، كذلك عالم السوء لا يريد بعلمه رضى الله، ولكنه يريد رضى نفسه ومنفعتها، وقد جعل هذا علمه شبكة يصطاد بها حطام الدنيا.
وإنما العلم المنجي علم القلوب المنيرة الصافية، الخائفة، القانعة باليسير، السليمة من الآفات والتخاليط، وليس العالم من قد أسكره حب الدنيا، وإنما العالم الذي يعمل للآخرة الباقية، فهو منتظر للنزول والإنتقال، مشغول يخاف أن يفاجئه الموت بحال من الأحوال، فقلبه محزون، وشره مأمون، يجول بقلبه في الجنَّة أحياناً، وفي النار أحياناً، يخاف أن يكون من أصحاب النار، ولا يكون من أصحاب الجنة، فليس له همة غير تفتيش الآفات، وكثرة الذكر في كل حركة وسكون.
ــــــــــــــــ?
[عمل الغافل المتواني]?
قال الوافد: صف لي عمل الغافل المتواني.   
قال العالم: مثل عمل الغافل المتواني مثل الصوف المندوف، تراه عظيماً كثيراً فإذا وزنته لا يقوم في الوزن، كذلك الجاهل الغافل، يسر بكثرة عدد أعماله، وليس يعرف إخلاصها، وهو يصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج، ويعبد، ولا نور لعلمه، ولا تزكية ولا إخلاص في قلبه، وكيف ينال البركة والنور، وهو غافل ساهٍ إن قام في الصلاة قام فيها بجسده، وغفل عنها بقلبه، وإن صام تكلم بالرفث والغيبة والكذب، وإن زكى ماله ـ كانت زكاته كأنها مغرم، يخرجها لا تطيب نفسه بإخراجها، وهو مع ذلك رافع رأسه، شامخ بأنفه، متطاول على الناس، يتمنى على ربه الدرجات العلى، فإذا حركته لم تر معه من العبادة الخالصة قدر قطمير، ولا عليه سكينة تمنعه من كثير مما يهوى، ولا له قوة يكظم بها غيظه، ولا حلم يحجره، ولا ورع يكفه ويرده، ولا له إصابة في كثير مما يدخل عليه من الشبهات.
 ثم إذا حركته وجدته قليل العقل، أعمى القلب، متزيناً في نفسه، متصنعاً للناس، يرائي بأعماله وهو لا يعلم، وهو متكبر في عبادته، ويعلو على الناس، وهو يزعم أنه مخلص، ويزعم أنه متواضع للناس، ثم تراه حريصاً، راغباً مكباً على الدنيا، وهو يزعم أنه مأجور على ذلك، قد ارتفع بعمله فوق الخلائق من عجبه.
وربما تراه يتكلم بكلام الخائفين، حتى إذا جربته وحدثته ـ وجدته جاهلاً غافلاً، فلا يرضى من الخوف بأن يذم نفسه، وربما يعتبر ويتفكر ولا ينفعه ذلك، لأن ذلك لا ينفعه مع غفلته، ولعله يظن أنه من التوابين، منذ دهر طويل، ولعل عنده من الروايات والأخبار ما ليس عند كثير من الناس، ثم ليس هو يعرف من عمله لا الشبهة والكدرة، والزيادة والنقصان، ولا المضرة ولا المنفعة ولا يميز بين شيء من ذلك، فإنه لو جمع فهمه ونظر إلى نفسه  لعرف خطاياه، ثم لو نظر في مطعمه وملبسه، وكسبه، وحرصه على دنياه لعرف سوء حاله.ولو حفظ على نفسه سعي بدنه وجوارحه، وكثرة ما يخرج من لسانه لتبين له ما يرد عليه في يوم واحد ولعلم جراحة دينه، ثم لو كان صادقاً في توكله وانقطاعه إلى ربه لترك دنياه وعمل لآخرته ولكان حريصاً على طلب الخير ولحذر على نفسه من سوء الحساب وكثرة الأهوال.?
[المتوكل على ربه]?
قال الوافد: صف لي المتوكل الواثق بربه.
قال العالم: عجباً لمن يثق بالمخلوق، ولا يثق بالخالق ومن يهتم بالرزق، وقد ضمن له الرزق ثق بكفاية الله واعتمد عليه، ورد أمورك وأحوالك كلها إليه، من لم يثق بضمان مولاه وكله إلى خدمة دنياه.
إن الله سبحانه يقول {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[هود:6] ما أعجب أمورك !! تأمن ما رُهِبْتَ، وتحزن لما كفيت، ولا تشكر على ما أعطيت، إلى كم تأسى على المفقود؟وقد ضمن الرزق الملك المعبود؟إلى كم الحزن على القوت؟وقد ضمن القوت الحي الذي لا يموت؟.
الرزق مقسوم، وطالبه مغموم، كثير الهموم، من جعل بالمولى اشتغاله، كفاه المولى في الدارين أشغاله.
من وكل أموره إلى مولاه، لم يكله إلى أحد سواه، وأغناه وكفاه، وآواه وأعطاه ! ومن اعتصم بالله وقاه، ومن استعاذ به أنجاه، ومن أمل إفضاله ـ لم يحرمه نواله.
ومن توكل على الوهاب، لم يخضع لأبناء التراب، من عرف أن الله متكفل بالرزق، ساق إليه أسباب الرزق.من أقر أن الله هو المتفضل، لم يكن على‏[‏51‏]‏ غيره متوكل‏[‏52‏]‏.
 من عرف أن الله هو الجواد، سخى بما في يده وجاد، من عرف أن الله هو المعطي لم يعصه أبداً ولا يخطي، من عرف أن الله هو الجواد، لم يطلب من غيره المراد من تيقن أن الله خالق العباد، ومالك البلاد، لم يعلق بغيره الفؤاد.
 أتظن من غذاك في الصغر؟أينساك في الكبر؟الذي رفع عنك المؤنة وأنت طفل، يأتيك برزقك وأنت كهل الذي رزقك وأنت مغيب جنين، كيف لا يرزقك وأنت تضرع وتستكين؟يرزق من جحده، فكيف يضيع من وحده، يرزق الدودة في الصخرة الصماء، والطير في الأوكار، والحيتان في البحار، والوحش في القفار، فكيف يضيعك مع الذكر في الليل والنهار؟والتسبيح في العشي والإبكار؟يرزق الجنَّة والناس، إلى منتهى الآجال وانقطاع الأنفاس.
عجباً ممن يرفع حوائجه إلى المخلوقين، ولا يطلبها من عند رب العالمين.عجباً ممن يسأل حوائجه من ضعيف لا يسجد له أحد، ولا يسألها ممن يسجد له كل أحد.عجباً ممن يتذلل لمحتاج فقير، ولا يتذلل للغني الكبير.عجباً لمن يخضع ويتضعضع للعبد الفقير، المحتاج الضرير، ولا يخضع ويتضعضع للملك القدير !! الذي يعطي الكثير، ويكشف العسير، ويغني الفقير، وهو على كل شيء قدير.من اتقاه جعل له من أمره مخرجاً، ومن دعاه جعل له منهجاً وفرجاً، أجملوا في الطلب، فما من حكمه مهرب.من أجمل في الطلب، أتاه الرزق بلا تعب.
 إذا أحرزت رزق غد فمن يأتيك بالحياة إلى غد؟
لما رأيت الناس يسألون كل معجب، نزهت نفسي عنهم وجعلت حوائجي إلى الرب.
قال الشاعر:
فلا تجزع وإن أعسرت يوماً
ولا تيأس فإن اليأس كفر
ولا تظنن بربك ظن سوء

 
 
فقد أيسرت في الدهر الطويل
لعل الله يغني عن قليل
فإن الله أولى بالجميل
 
وقال غيره:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أسعى له فيعنيني تطلبه
لا خير في طمع يدلي إلى طبع ‏[‏53‏]‏
 
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
ولو جلست أتاني لا يعنيني
وعفة من قليل العيش تكفيني

 
[شروط التائب وأوصافه]?
قال الوافد: ما شروط التائب وأوصافه؟
قال العالم: شروطه المحبة والطاعة، والإقبال والضراعة.من أراد الحبيب، جاء بقلب منيب.من اعترف، وأقر بما اقترف، واعتذر وأنصف، وبادر وعطف، وتاب وأكثر الإنتحاب، وعمل بالصواب، وتبع المحكم من آيات الكتاب.
 أين التوبة، يا صاحب الحوبة‏[‏54‏]‏؟أين الإستغفار يا أهل الإصرار؟أين الوجل يا أهل الزلل؟أين الضراعة؟يا أهل الإضاعة؟توبوا وأنيبوا ولا تسوفوا‏[‏55‏]‏  فتخيبوا، اعتذروا واستغفروا، وازدجروا، وتذللوا واعتبروا، واخضعوا وانكسروا، واصبروا على الطاعة، تدركوا الفوز والنفاعة ارغبوا وتقربوا واندموا على العاصي ولا تصروا، وتوبوا إلى الله جميعاً.
أيها المؤمنون: أين الموحدون؟أين العابدون؟أين الحامدون؟ أين العارفون؟أين المقتصدون‏[‏56‏]‏؟وأين الطالبون؟أين المشتاقون؟.
كيف ينامون ولا يشتاقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض؟قصورها من الذهب، والجوهر والياقوت الأخضر، فيها الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، تجري من تحتها الأنهار، لباس أهلها الحرير، والسندس، والعبقري‏[‏57‏]‏.
 أين الراغبون؟أين المجتهدون؟هذه دار لا تخرب، ولا يفنى شبابها، ولا يبلى ثيابها، أهلها لا يفتقرون، ولا يشقون، ولا يموتون، ولا يهرمون، ولا يحتاجون، وما هم عنها بمخرجين.
 أيها الخاطئون، أيها العاصون، أيها المفسدون، أيها المذنبون، مالكم لا تتوبون؟مالكم لا ترجعون؟مالكم لا تخافون؟أمعكم صبر على النار؟ ألكم في ذلك اعتذار؟أما تخافون نار الجحيم؟وشراب الحميم؟وطعام الزقوم؟ولباس القطران؟.
إن جهنم حرها لا يبرد، وجمرها لا يخمد، وعذابها لا ينفد، إلى كم هذه الغفلة؟كم تعصون المعبود؟ارجعوا إلى الله في وقت المهل، قبل أن ينقطع الأجل، ويرفع العمل، فإن الله يقبل التوبة، ويكفر الحوبة.
 التوبة تمحو عظائم الذنوب، وتقرب العبد إلى علام الغيوب، توبوا إلى الله قبل أن يغلق الباب، ويحضر الحساب، ويقع العقاب، احذروا الله، خافوا الله، راقبوا الله، بادروا بالتوبة قبل الندم، قبل زلة القدم، قبل الأخذ بالكظم  ‏[‏58‏]‏.
تب أيها العاصي، قبل أن تصبح من رحمة الله قاصي ‏[‏59‏]‏، قبل الأخذ بالنواصي، ارجعوا إلى الله بالقلوب، قبل أن يكون الباب محجوب.
أين أهل التوحيد؟تقربوا بالتوحيد إلى الملك المجيد، تنجوا من العذاب الشديد.
 يا أهل القرآن، تقربوا بالقرآن إلى الملك الدَّيان تنجوا به من عذاب النيران، هو الشفيع فيكم، هو الرفيق لكم، هو الشاهد عليكم، هو الدليل، هو السبيل، هو الحجة، هو المحجة، أعرضوا أعمالكم عليه، وردوا أقوالكم فيه، أكثروا قراءته بالليل والنهار، وفي وقت الأسحار، فإن الملائكة معكم عند قراءته قعود، وعلى ما تنطقون به شهود، لا تخسروا الميزان، لا تحلفوا الأيمان، لا تذكروا البهتان، لا تبخسوا المكيال، لا تسيئوا الأعمال، لا تصحبوا الأنذال، لا تضيعوا الصلاة، لا تغلوا الزكاة، لا تحلوا المحرمات، لا تؤذوا الجيران، لا تطيعوا الشيطان.
 أيها المضيعون للصلوات، توبوا إلى المطلع عليكم في الخلوات، أيها الخائن بالعين والفؤاد، تب إلى الملك الجواد، قبل أن يسلط عليك ملائكة غلاظ شداد.
 أيها المؤذي للجيران، تب إلى الله قبل أن تلبس سرابيل القطران.
 أيها المانعون للزكوات توبوا إلى الله من اكتساب السيئات، وتضرعوا إلى الله بالدعوات.
 يا صاحب الكذب والزور، تب إلى الله قبل الويل والثبور.أيها الباهت المغتاب، تب إلى الله الواحد الوهاب، قبل أن تذوق أليم العذاب.
 أيها الحالف للأيمان تب قبل أن تزور النيران.
وقال في ذلك شعراً:
أسلفت من عمرك أيامه
حتى إذا القوة زالت وقد
تبت إلينا في صدور الحياة
فـأنت عندي بمحل الرضى
 
 
كأنك في غمرات الخطل
أقعدك العجب وحل الكسل‏[‏60‏]‏
مستعجماً قبل كثور الخجل
وقد عفونا لك كل الزلل

 
 وقال آخر:
إذا لم تصن عرْضاً ولم تخشَ خالقاً

 
 
ولم ترض مخلوقاً فما شئت فاصنع

 
وقال غيره:
إذا أمسى وسادي من تراب?[فهنأني أصيحابي] ‏[‏61‏]‏ وقالوا

 
 
وبت مجاور الرب الرحيم
لك البشرى قدمت على كريم

 [وصف هيئة التائب]?
قال الوافد: صف لي هيئة التائب.
قال العالم: هيئة التائب العزم على ألاَّ يعود، إلى عصيان المعبود، ويتأسف على ما اقترف، ويندم على ما أسلف، ويرجع مما عرف، يندم بالقلب، على ما قدم من الذنب، يرجع إلى اليقين، ويبكي ويستكين، يكثر الصوم، ويقل النوم، فهو مشفق من عصيانه، مطرق بين إخوانه، ظاهر خشوعه، متبادر دموعه، منقطع كلامه، قليل منامه، دائم كربه، مستهام قلبه، يسير أكله، كثير شغله، صحيح قوله لا ينقض عهده، ولا يخلف وعده، ولا يمنع رفده يطلب خلاصه، ويعرف انتقاصه إن طلبته وجدته في فكرته، وإن سألته يخاطبك بعَبْرته.
لا تسكن حرقته، ولا تزول رقته، ولا تكف دمعته.
من رآه انتبه من غفلته، ومن جالسه تاب من زلته، فهو حقير عند نفسه، غريب في أهل جنسه.كريم على ربه، نادم على ذنبه، ملتمس لما به، طامع في ثوابه، رافض لأسبابه، باك على سيئاته، كثير الوجع، عظيم الفزع، متين الورع.
ظاهر خشوعه، غزيرة دموعه، صادق رجوعه.معتبر مفكر، شاكر ذاكر، خجل وجل، واجد، ساجد تضيق به البلاد، ويسأم من صحبته العباد، ينتظر الميعاد، ويطلب تحقيق الوداد، جهده شديد، وعمله كل يوم يزيد، وحزنه في كل نفس جديد.
يتجرع الغصص، ولا يطلب الرخص.
دائم الطلب، ملازم الكرب، مواضب على التعب، رافض للطرب ظاهر الحزن والنصب.
ضيق الأوقات، مغتنم الساعات، قليل الإلتفات، حذر من كل الجهات.
ماله هدوء ولا سكون، خائف غير أمون، وجل محزون، كأنه مقيد مسجون.لونه أصفر من خدمة الرحمن، ونفسه ذائبة خوف الهجران نحيف البدن، خفيف المؤن.
سقيم الأركان، سليم الجنان، مستقيم اللسان، حريص على طلب الجنان.
لا تصده العوائق، ولا يبالي بالخلائق، منقطع من العلائق، متمسك بالحقائق.
 فهو في الطلب، إلى أن يصير إلى الطرب، وينجو من التعب.   
قال الوافد: بئس العبد سهى ولهى، وبئس العبد عبد طغى وبغى، بئس العبد جاوز الحد وتعدى،  بئس العبد عبد ظلم واعتدى، أيها العالم الحكيم، والسيد الحليم، قد وصفت أهل النجاة، فأبلغت في الصفات، وحذرت مما هو آت، فجزاك الله عني خيراً وبوأك سروراً، صف لي المحب لربه، النادم على ذنبه.?
[أوصاف المحبين لربهم النادمين على ذنبهم]?
قال العالم: أوصاف المحبين يحبهم الله كرماً، ويحبونه ألماً يحبهم إرادة، ويحبونه عبادة يحبهم رحمةً، ويحبونه خدمةً يحبهم تفضلاً، ويحبونه تذللاً.
إذا أحبك سترك، وإذا أحببته قربك وشوقك‏[‏62‏]‏، إذا أحبك أغناك، وسترك وآواك.المحب عينه لا تنام، همته الصلاة والصيام.
أهل المحبة إذا جنهم الليل أَرقوا، وإذا أضاهم الصبح فرقوا.وإذا قرأوا القرآن صاحوا، وإذا ذكروا ذنوبهم ناحوا.
من كان بالله أعرف كان من الله أخوف.
من رجا طلب ومن أحب تقرب، ومن خاف هرب، ينام الناس ولا ينام، ويضحك الناس ولا يضحك، المصاب الذي يدعو ولا يجاب، الأحزان تهد الأركان، وتشيد الإيمان.إن الله يحب كل قلب حزين‏[‏63‏]‏.
عمارة القلب الخراب.
المحزون يفتح له الباب، كلام المحزون في خلوته يقول: كأني بك وقد غرغرت قرارة الفراق، وقيل {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[القيامة:30]، كأني بالغطاء وقد كشف، وبالعطاء وقد صرف، كأني بالوعد وقد اقترب، وبالوعيد وقد وجب، كأني بك في اللحود مضاجع للدود، كأني بالمظلوم وقد تعلق بالظالم، كأني بهذا الضياء وقد أظلم، وبهذا العمر وقد انصرم، كأني بالمنادي وقد نادى، وبالليل والنهار قد بادى، كأني بهذا الجلد وقد ذهب عنه النشاط، وطوي من تحته البساط.?
[التجربة]?
قال الوافد: صف لي التجربة.
قال العالم: تصحب أهل المعرفة وتحفظ التجارب، حتى تكون تعلم التجربة، واطلب مرادك بالصدق، لأن ذلك للصادقين المريدين لله.?
[الإرادة وكيفية الوصول إلى مقام الأولياء]?
قلت:فبأي شيء أجد الإرادة بالصدق؟
قال: باستماع الحكمة.
قلت:أي الحكمة؟
قال: حكمة الذين يدعونك إلى الله.
قلت:فإذا وجدت الإرادة أي شيء أفعل؟
قال: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا(4)}.
قلت:بأي شيء أفعل ذلك؟
قال: بقلة الطعام وقلة الكلام.
قلت:كيف أصبر على الجوع؟
قال: بذكر المقام.
قلت:وما المقام؟
قال: مقامك بين يدي الله سبحانه يوم القيامة.
قلت:وكيف أصبر عن الكلام؟
قال: أكثر ذكر الله حتى تجد حلاوته تلهيك ‏[‏64‏]‏ عن كلام الفضول.
قلت:ومن يقدر على ذلك؟
قال: الذي يريد أن يصل إلى ربه.
قلت:أدخر لي ما أيسر علي من ذلك.
قال: عليك بكثرة الدعاء والتضرع، حتى يأتيك المعونة من الله سبحانه.
قلت:كيف يصل العبد إلى ربه؟
قال: إذا صبر على ذكره، وأدمن على شكره، وصل إليه بقلبه.
قلت:بأي شيء يصل؟
قال: بالجهد الدائم وكثرة الدعاء والتضرع، ثم عرف وأيقن وعلم أنه لا يصل إلى ربه إلاَّ به.
قلت:أي شيء ينجو العبد من ربه؟
قال: بترك الذنوب، ثم عرف وعلم وأيقن أنه لا ينجو منه إلاَّ به.
قلت:أرأيت العبد إذا وصل إلى ربه أيسكن عنه الوجل والخوف أم لا؟
قال: لا.
قلت:لم وهو على يقين من ذلك؟
قال: من اليقين يكون خوفه ووجله.
قلت:أو يكون طالباً لرزقه؟
قال: نعم يكون شديد الطلب لرزق الآخرة.
قلت:أعني رزق الدنيا.
قال: من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب.
قلت:كيف يكون واثقاً برزقه موقناً؟
قال: كما يكون موقناً بالموت واثقاً مصدقاً أنه لا بد أن ينزل به.
قلت:ما علامة المحب؟
قال: يقرأ القرآن ويكون قرة عينه، لا يشبع من قراءته.
قلت:كيف يخافه ويحبه من قلب واحد؟
قال: لأنه محب لواحد، والخوف منه في حبه له، والحب له في خوفه منه، مثل النار فالخوف نار والحب نار، ولا يكون بذا نور بلا نارٍ، ألا ترى إذا غلب النار تنوُّرُه يقع عليه اسم النور، كالسراج في البيت، فيقال: في البيت نور، ولا يقال فيه نار، والنور نار السراج.
إذا غلب الخوف على العبد ـ يقال له: خائف، والمحبة معه.
وإذا غلبت المحبة على العبد ـ سمي محباً والخوف معه، فإذا كمل الخائف على ما وصفت لك غلب بنوره ناره، فوقدت منه المصابيح فنوَّر البيوتات كلها والظلمات، فكذلك المحب إذا كمل في الخوف كما وصفت لك، ونجا من نحاسة نفسه فهو كالمصابيح، كلامه نور، وصمته نور، وعلمه نور، ومدخله نور فهو نور من قرنه إلى قدمه، كالمصابيح فكل تحريكه أبداً نور، متصل بنور الملكوت الأعلى قلبه مع الله بحلاوة حبه، وأحواله نور إلى الله في ذكره، فطوبى له وحسن مآب، وطوبى لمن رزقه الله ذلك.
قال الوافد: صف لي المتقلب في جوعه.
قال العالم: المتقلب في جوعه كالمتشحط في سبيل الله وثوابه الجنة.
قلت:ما علامة العارف؟.
قال: أن لا يفتر من ذكر ربه، ولا يستأنس بغيره.
قلت:ما أنفع الخوف لي؟.
قال: مالم يجرك على المعاصي، فأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكر فيما تصير إليه في آخرتك.
قلت:ما أنفع الصدق لي؟.
قال: أن تقر بعيوب نفسك ومساوي عملك، -وتنفي الكذب في مواطن الصدق.
قلت:فما أنفع الإخلاص لي؟.
قال: ما نفى عنك الريا والتزين في الجماعات.
قلت:فما أنفع الحياء لي؟.
قال: أن تستحي من الله أن تسأله ما تحب، وأنت تأتي ما يكره.
قلت:فما أنفع الأعمال لي؟
قال: ما سلمت من آفاتها، وكانت منك مقبولة.
قلت:ما أنفع العلم لي؟
قال: ما نفى عنك الجهل، وازددت به ورعاً، وكنت به عاملاً.
قلت:ما أنفع التواضع لي؟
قال: ما نفى عنك الكبر، وأمات عنك الطمع والغضب.
قلت:فأي الجهاد أفضل؟
قال: جهاد النفس الأمارة بالسوء حتى تردها إلى قبول الحق.
قلت:فأي المعاصي أضر عليَّ؟
قال: عملك الطاعات بالجهل.
قلت:فهو أضر عليَّ من أعمال المعاصي بالجهل.
قال: نعم.
قلت:وكيف يكون ذلك؟
قال: أليس تعلم أن أعمالك المعاصي لا ترجو بها ثواباً، وتخاف عليها من الله عقاباً؟.
قلت:بلى، قال: أليس تعلم أن أعمالك بالجهل فاسدة؟ فأنت تلتمس لها من الله ثواباً، وقد استوجبت عليها من الله عقاباً.
قلت:بلى، قال: فكم بين ذنب يخاف منه عقوبة، والخوف طاعة، وبين ذنب تأمن فيه العقوبة والأمن معصية.
قلت:فما تراني في الإستئناس بالناس.
قال: إذا وجدت عاقلاً قد زهد في الدنيا ورفضها فأنس به، واهرب من سائرهم كهربك من السباع.
قلت:فأي المواضع أخفى لشخصي؟
قال: صومعتك وداخل بيتك، وكل موضع لا يجيك فيه شهرة، ولا يحيط بك فيه فتنة.
قلت:دلني على عمل أسلم به من شر الخلق، ويسلمون من شري.
قال: إذا لم يكن في قلبك غل لأحد، وأحببت لهم ما تحب لنفسك، وكرهت لهم ما تكره لها سلموا من شرك، ولحق بهم خيرك.
قلت:ما علامة مؤثر الدنيا على الآخرة؟
قال: الذي ما يبالي بما ذهب من دينه إذا سلمت له دنياه.
قلت:ما علامة الكذب في العبد؟
قال: إذا كثر كلامه فيما لا يعنيه.
قلت:فما علامة قلة الكذب؟
قال: كراهته لكثرة الكلام.
قلت:أخبرني ما حياة العبد؟
قال: الإيمان واليقين والخوف، والتوكل نجاته، فإذا ثبت الإيمان في باطن قلبه فمنه يهيج ما سألت عنه، من الصدق والخوف والتوكل وحسن الظن، وهي أعمال سائر القلوب، فإذا صح ذلك في القلب ظهر على اللسان والجوارح، وبان عليه الصلاح.
قلت:فما أرجو به صلاح قلبي إذا أنا عملت؟
قال: التيقظ، وخوف الإنقطاع للعمر، ومراقبة الموت، والتفكر فيما تصير إليه بعد الموت، والغفلة، وطول الأمل، ونسيان المعاد.
قلت:ما علامة الإخلاص؟
قال: الندم والإستقامة على طاعة الله تعالى.
قلت:ما علامة الورع؟
قال: ترك الشبهات، ورفض الشهوات.
قلت:ما علامة أهل التقوى؟
قال: ترك ما فيه بأس ظاهراً وباطناً، وتسيء الظن بنفسك، إنه ليس مأخوذ غيرك.
قلت:من أي شيء أكثر ذكره؟
قال: قراءة القرآن، فهو حصن الموت وترسه.
قلت:صف لي مخ الزهد.
قال: قطع الطمع عن القلب، وامتناع السؤال للخلق، وترك مخالطة أبناء الدنيا، والفرار منهم، وصدق الإرادة، وحسن النية، وصحة العزيمة.
قلت:متى أعلم أني مطيع لربي حق طاعته؟
قال: إذا لم يجدك حيث نهاك، ولم يفقدك حيث أمرك، أطاعك لما سألته، لأنه مطيع من أطاعه.
قلت:فما طاعته لي؟
قال: يجيب دعاك، ولا يمل من برك.
قلت:كيف أجاهد نفسي؟
قال: تجوعها عن طعام الدنيا، وتقطعها بالصوم، وتلزمها قيام الليل، وتحرسها عن الرياء والعجب، وتستقل عملها بعد ذلك.
قلت:أي شيء أقرب إلى الله تعالى من عمل القلوب؟
قال: اليقين هو أقرب إلى الله تعالى، وبعده العلم بالله والشكر له.
قلت:ما عمارة القلب؟
قال: الخوف.
قلت:ما طهارته؟قال: الحزن، قلت:ما حياته؟
 قال: الذكر والتفكر.
قلت:ما قساوته؟قال: الغفلة وطلب الدنيا وأكل الشبهة.
قلت:ما دواؤه؟
 قال: الجوع سراً عن الناس، وقراءة القرآن، مع التفكر في الخلوة، والتضرع إلى الله في أوقات الغفلة، والرغبة في مجالس المذاكرين، والتجرد عن أشغال الدنيا، والحزن الدائم في القلب، مع طول الصمت، وذكر الموت في كل ساعة، وكثرة ذكر الله تعالى، والتواضع لله تعالى، والنظر في الأموات، والإعتبار بهم.
قلت:كيف تكون مراتب التوبة؟
قال: رجل تاب من الذنوب ولزم الطاعات، ورجل تاب من الذنوب وترك الدنيا وأقبل على الآخرة، ورجل تاب من الذنوب واختار الله على الدنيا والآخرة وعلى جميع الخلق، فالأول تائب ورع، والثاني تائب زاهد، والثالث تائب صديق عارف متقرب.
قلت:أخبرني عن شر الأشياء؟
قال: الكفر بالله.
قلت:أله زوجة؟، قال: نعم.
قلت:من؟قال: البخل، قلت:ما بعده أشر منه؟، قال: النفاق.
قلت:أخبرني ما أفضل ما أعطي العبد؟
قال: العقل، قلت:فما أنفع العقل؟قال: ما عرَّفك نعمة الله، وأعانك على شكرها وقام بخلاف الهوى.
قلت:فما علامة العقل في العبد؟
قال: أن يعرف الحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.
قلت:فما أنفع النعم معرفةً بعد نعمة العقل؟
قال: الإيمان بالله.
قلت:فما حقيقة ذلك؟قال: أداء ما افترض الله عليك‏[‏65‏]‏،‏[‏66‏]‏.
ــــــــــــــــ?
تم الكتاب والحمدلله المنعم الوهاب?
ــــــــــــــــ


‏[‏1‏]‏ كذا في الأصل وظننَّ في حاشيته بأنها "منقلبة".
‏[‏2‏]‏ في الأصل أيضاً: تقرأ: (وأسبابها).
‏[‏3‏]‏ مشرق، كذا في الأصل، ولعله على لغة ربيعة، مراعاة للسجع.
‏[‏4‏]‏ كذا في الأصل فيمكن أن تكون الضرر صيغةً من صيغ المبالغة للغو، أو تكون بدلاً منه أو بياناً له.
‏[‏5‏]‏  في حاشية الأصل: والرياء.(نخ).
‏[‏6‏]‏ الخمل: محركةً جمع خامل، قال في القاموس: خمل فهو خامل: ساقط لا نباهة له.
‏[‏7‏]‏ في الأصل: ولوجه.
‏[‏8‏]‏ يضئ.(خ).
‏[‏9‏]‏ كذا في الأصل، وذكر ستةً فقط.
‏[‏10‏]‏ مكرك.(خ).
‏[‏11‏]‏ أي أن تفرح بملك اللَّه لك.
‏[‏12‏]‏ وتأديبهم.(خ).
‏[‏13‏]‏وإن فعلت فقد اتقيت.(خ).
‏[‏14‏]‏ كذا في الأصل، ولعل نصبه على الحال.
‏[‏15‏]‏ كذا في الأصل، ولعله على لغة ربيعة، أو خطأ من النساخ.
‏[‏16‏]‏ في المختارات من نهج البلاغة ما لفظه: وقيل له عليه السلام لو سُدَّ على رجل باب بيته وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه؟فقال عليه السلام: "من حيث يأتيه أجله" [ج/4/83] بشرح محمد عبده.
‏[‏17‏]‏ طابت في (نخ).
‏[‏18‏]‏ كذا ولعله على لغة ربيعة.
‏[‏19‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏20‏]‏ في الأصل يأتيك: بإثبات الياء، وهو واقع في جواب الطلب، وقصد به الجزء، ولعله من باب ((ألم يأتيك والأنباء تنمي إلخ))، وقراءة: ((إنه من يتقي ويصبر))، أو وقع غلطاً من النساخ.
‏[‏21‏]‏ كذا في الأصل: بإعجام الجيم، والجنى - كما في القاموس الذهب والودع والرُّطب والعسل، فيكون المعنى: الشيب يبعد حبَّ الجنا وهو الذهب أو نحو ذلك على تقدير مضاف محذوف، ويمكن أن تكون الخنا، بخاء معجمة وكتابتها "جيماً" وقع غلطاً من النساخ.
‏[‏22‏]‏ كذا ضُبِطَ في الأصل بفتح الميم والكاف، و في القاموس: وقليب مُكُل، كعُنُق وكتِف ومُمْكَلة كمكرمة، ومكولة: نُزِح ماؤها.
‏[‏23‏]‏ "عبداً" منصوب على المفعولية لفعل التعجب على أن المتعجب منه يجب أن يكون مختصاً وهو هنا مختص بالوصف بجملة "ظهر فيه الخلل"، وقد قال الشاعر: يا ما أميلح غزلاناً شدنّ لنا.
‏[‏24‏]‏ الرمس هو: القبر.
‏[‏25‏]‏ في الهامش: من الدنيا (نخ) بدل التقوى.
‏[‏26‏]‏ في الأصل: ظنن على كلمة "المفتتن" بعد أن ألحقها بين السطور فوق (الحقير).
‏[‏27‏]‏ كذا في الأصل قال في القاموس: والخجل محركة: أن يلتبس الأمر على الرجل فلا يدري كيف المخرج منه، وسوء احتمال الغنى، كأن يأشر ويبطر عنده، والبرم والتواني عن طلب الرزق، والكسل، والفساد....
‏[‏28‏]‏ قال في القاموس: الثرُّ التفريق والتبديد.
‏[‏29‏]‏ ما في المعاد.(خ).
‏[‏30‏]‏ مشغوف بالدنيا طالب صح.(خ)
‏[‏31‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏32‏]‏ في القاموس: جام جوماً: طلب شيئاً خيراً أو شراً.
‏[‏33‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏34‏]‏ كذا في الأصل، وفي تأويله اقرأ التعليق السابق على قوله "يأتيك الجواب".
‏[‏35‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏36‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏37‏]‏ تخوفهم "نخ".
‏[‏38‏]‏ في بعض هذه الأبيات إشكالات وزنية وقد أثبتها كما هي في الأصل.
‏[‏39‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏40‏]‏ذكر صاحب القاموس أن من معاني الهبوب الإنتباه من النوم، ونشاط كل سائر.
‏[‏41‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏42‏]‏ قامت.(خ).
‏[‏43‏]‏ في القاموس: غافصه: فاجأه  
‏[‏44‏]‏ في الأصل: في الليل يجيئ الجواب الليل لأهل الصلاة.ولعل الزيادة في الأصل وقعت سهواً.
‏[‏45‏]‏ بعد.(خ).
‏[‏46‏]‏ كذا ولعله على لغة ربيعة، لتوافق السجعة الأولى.
‏[‏47‏]‏ في الأصل تقرأ: يناضى، وقد ظنن في الحاشية بأنها يتغاضى، ولعلَّها هي الصحيحة.   
‏[‏48‏]‏ لا يعجز.(خ).
‏[‏49‏]‏ للمخلص.(ظ).
‏[‏50‏]‏ في الأصل معدناً للصفا.
‏[‏51‏]‏ إلى.(خ).
‏[‏52‏]‏ متوسل.(خ).
‏[‏53‏]‏ كذا في الأصل.
‏[‏54‏]‏ ـ الحوبة: الذنوب.
‏[‏55‏]‏ تسرفوا.(خ).
‏[‏56‏]‏ المقتدون.(خ).
‏[‏57‏]‏ ـ البالغ في كل شئ.
‏[‏58‏]‏ قال في القاموس: والكظم محركة: الحلق، أو الفم، أو مخرج النفس.
‏[‏59‏]‏ كذا ولعله على لغة ربيعة لتوافق السجعات.
‏[‏60‏]‏ الفشل.(خ).
‏[‏61‏]‏ في الأصل: فهنئوني أصحابي.
‏[‏62‏]‏ وشرفك.(خ).
‏[‏63‏]‏ الحزن.(ظ).
‏[‏64‏]‏ كذا في الأصل، وقد تقدم تأويل مثل ذلك في تعليق سابق.
‏[‏65‏]‏ قال في الأصل: تمَّ [نسخ] هذا الكتاب بمن الله وكرمه وإعانته ولطفه وتوفيقه فله الحمد على ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين آمين، يوم الإثنين ثاني وعشرين من شهر شعبان من سنة 1354هـ أربعة وخمسين وثلاثمائة وألف سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بقلم مالكها الحقير المعترف بالذنب والتقصير عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن قاسم البهلولي الفياضي الملقب خولان وفقه الله آمين.
وأقول كما قال القائل:
تم الكتاب ولست أحصي شكر من* أولاني التمكين والإمهالا
وأمدني بمسائل من هذه* وأعانني سبحانه وتعالى

‏[‏66‏]‏ تم لنا بحمد الله تعالى سماع هذا الكتاب الجليل على سيّدنا ومولانا الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى وأطال بقاه، والحمدلله أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.?
علي بن مجدالدين بن محمد المؤيدي، إسماعيل بن مجدالدين بن محمد المؤيدي، علي محمد فارع الحمزي، هادي حسن هادي الحمزي، وكتب/ إبراهيم بن مجدالدين بن محمد المؤيدي، وفقه الله تعالى.


 

[بداية]?
بسم الله الرحمن الرحيم??وبه نستعين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.?
روي بالإسناد الصحيح أن وافداً وفد على عالم من علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل: إنه القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فلما نظر إليه الوافد نظر رجلاً جسمه لا يشبه اسمه، فسلم عليه، فرد العالم السلام، وأطال الوافد الوقوف، وأطال العالم السكوت.
فقال الوافد: إن لكل طالب حاجة.?فقال العالم: ولكل كلام جواب.
فقال الوافد: صدقت، إن الله سبحانه يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النحل:43] فعلم العالم أنه يريد منه علماً.
ــــــــــــــ

[المعرفة ورسومها]??فقال له العالم: إن العلم بحر عميق.
فقال الوافد: ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها.
فقال العالم: وما سفينة بحر العلم؟
فقال الوافد: المعرفة.
فقال العالم: المعرفة اسم أم رسم؟
قال الوافد: اسم ورسوم.
قال العالم: كم رسوم المعرفة؟
قال الوافد: يكفيك منها خمسة.?
[رسوم المعرفة]?
قال العالم: وما هي؟
قال الوافد: تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف دينك، وتعرف دنياك، وتعرف آخرتك، فإذا عرفت ذلك كله فلا حاجة لك إلى غيره.?
[معرفة النفس]?
قال العالم: كيف تعرف نفسك؟
قال الوافد: أعرف حدثها، وأعرف صنعها، وأعرف عجزها، فأجهدها في طاعة ربها، وأحملها على الخوف بحالها واحتمال الأذى، وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها، وأصرفها من الكذب إلى الصدق، ومن الطمع إلى الورع، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشرك إلى الإخلاص، وأخرجها من محبوبها في الدنيا، وأريضها في السفر حتى تنال كرامة الله في الآخرة.
 
[معرفة الله]?
قال العالم: وكيف تعرف ربك؟
قال الوافد: اعرفه بما عَرَّفَ به نفسه من الوحدانية، ولا أشبهه بشيء من البرية، لا يحد بالحدود، ولا يوصف بالصفات؛ إذ هو سبحانه خالق كل صفة وموصوف.?
[معرفة الدين]?
قال العالم: وكيف تعرف دينك؟
قال الوافد: أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقها المحكم من التنزيل، وشهدت لها غرائز العقول، وهي على ثلاثة وجوه: قول وعمل واعتقاد، فسبيلها واضح، وطالبها رابح، قد تميز دليلها، وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها، فقد كفونا مؤنة الطلب بباهر الاحتجاج، وقطعوا عنا علائق الاعوجاج، حتى ما بقي في ذلك شك ولا اختلاج، فقصدت رغبة بذلك بنية صحيحة، حتى عرفت الأصل والفرع، وبحثت بغامض عقلي فوجدت ذلك صحيحاً واضحاً مبيناً، وفي كتبهم مشروحاً معيناً، كلاماً مبرهناً، قد حملوا صلوات الله عليهم عنف ذلك وثقله، وأوضحوا فرع ذلك وأصله، حافظين فيه الأمانة، مجتنبين الغش والخيانة، وقد شيدوا بنيانه، وعظموا سلطانه، وأثبتوا في العقول برهانه، فليس لأحد من بعدهم مطلب، ولا لمسترشد من دونهم مذهب، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب.?
[معرفة الدنيا]?
قال العالم: فكيف عرفت دنياك؟
قال الوافد: عرفت فناها وتقلبها وغدرها وخدائعها فحذرتها، ونظرت وميزت فإذا الدنيا تغر طالبها، وتقتل صاحبها، تفرق ما جمع، وتغير ما صنع، فعرفت أنها تفعل بي كما فعلت بالأولين.

[معرفة الآخرة]?
قال العالم: فكيف عرفت آخرتك؟
قال الوافد: عرفت أنها منقلة‏[‏1‏]‏ باقية فيها الحسنات والعقاب، والمجازاة والثواب، يبلغ أمدها، ويطول أبدها، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كان من أهل الجنة فشاب لا يكبر، وغني لا يفتقر، وقادر لا يعجز، وعزيز لا يذل، وحي لا يموت، في دار قرار، ونعيم مقيم، وسرور وقصور، وأبكار راضية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، وملك لا يحد سعته، ونعيم لا تحصى صفته.
وإن كان من أصحاب السعير: فحمل ثقيل، ومقام طويل، وبكاءٌ وعويل، وخشع ضعيف، وقلب خفيف، في دار جهد وبلية، وغَمِّ ورزية، وضيق لا يتسع، وعذاب لا ينقطع، وحيث السلاسل والأغلال، والقيود والأكبال، والضرر والنكال، والصياح والإعوال، وأكل الزقوم، وشرب اليحموم، ولفحات السموم، وظهور المكتوم، ولباس القطران، وزفرات النيران، والخزي والهوان، داخلها محشور، وواردها مضرور، وساكنها مدحور، وصاحبها مقهور، واللابث فيها مهجور.?
[عمل من وعد بالدارين]?
قال العالم: كيف يصنع من وعد بهذين الدارين؟
قال الوافد: ينبغي لمن قد وعد بهذين الدارين أن ينظر إليهما ويتصور ما أعد الله فيهما، فينظر إلى الجنة وقصورها، وما وصف الله فيها من النعيم المقيم، والفواكه والأزواج من الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، والأنهار الجارية، والأشجار الدانية، والسرر المصفوفة، والزرابي المبثوثة، وأشيائها‏[‏2‏]‏، ولباسها، وفراشها، وحجراتها، وطعامها، وشرابها، ونعيمها، ودوام ذلك فيها فيخاف ألاَّ يكون من أهلها، فهنالك تتابع زفراته، وتكثر حسراته، وتفيض عبراته، ويطيع ربه، ويعصي هواه، ويترك دنياه، ويطلب آخرته، ويعلم يقيناً أن إلى الله مصيره.?
فلما انتهى الكلام من العالم والوافد إلى هذا الحد، وعلم أنه ذو فطنة ونباهة ونبالة ونظر وتمييز في طلب العلم -سأله لينظر معرفته.?
[اختبار العالم للوافد]?
فقال: من أين؟
فقال الوافد: من فوق الأرض ومن تحت السماء.
قال العالم: كم لك؟
قال: كذا وكذا من سنة.
قال العالم: ما ترى؟
قال الوافد: أرضاً وسماء وما بينهما.
قال العالم: ما ترى في السماء؟
قال الوافد: أرى عبراً: شمساً تحرق: وقمراً يشرق‏[‏3‏]‏، ونجوماً تزهر، وماء يمطر، ورياحاً تذري، وسحاباً تجري، وطيراً يهوي، وليلاً ونهاراً وأياماً مختلفة.
قال العالم: فما ترى في الأرض؟
قال الوافد: براً، وبحراً، وسهولاً، وتراباً، وأحجاراً، وأشجاراً، وأثماراً، وأنهاراً.
قال العالم: فكم الدنيا؟
قال الوافد: ليل ونهار.
قال العالم: فكم الخلق؟
قال الوافد: ذكر وأنثى.
 
[أنواع الناس وأنواع الكلام]?
قال العالم: فكم الناس؟
قال الوافد: أربعة: واحد فيه خير وشر، والثاني شر بلا خير، والثالث خير بلا شر، والرابع لا خير فيه ولا شر.
قال العالم: فما هم بعد ذلك؟
قال الوافد: نبل وسفل، فلا النبل لهم قدر عند السفل، ولا السفل لهم قدر عند النبل.
قال العالم: فكم الكلام؟
قال الوافد: أربعة: خطاب، وجواب، وخطأ، وصواب.?
[العجب من سبعة]?
قال العالم: ففيم العجب؟
قال الوافد: في سبعة.
قال العالم: من هم؟
قال الوافد: عبد عرف الله فعصاه، وعرف الشيطان فأطاعه، وذكر الموت فطابت نفسه، وعرف الدنيا فجمع لها، وعرف الآخرة فبغضها، وعرف الجنة فلم يرغب إليها، وعرف النار فلم يرهبها.
 
[خير الأشياء والإيمان وشهوده]?
قال العالم: فما خير الأشياء؟
قال الوافد: خير الأشياء الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين.
قال العالم: كم شهود الإيمان؟
قال الوافد: أربعة شهود: محكم الكتاب، ومحكم السنة، وحجة العقل، وإجماع الأمة.
قال العالم: وما هو؟
قال الوافد: قول وعمل واعتقاد.
قال العالم: كيف ذلك؟
قال الوافد: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان.
 
[الصدق والعمل والاعتقاد وأضدادها]?
قال العالم: فما الصدق؟
قال: ضده الكذب.
قال العالم: فما ضد العمل؟
قال: ضده النفاق.
قال العالم: فما ضد الاعتقاد؟
قال الوافد: ضده التشبيه.?
[أعظم الأشياء]?
قال العالم: فما أعظم الأشياء؟
قال الوافد: معرفة الله على الحقيقة وهي توحيد، وتعديل، وتصديق، وذكر على كل حال في الليل والنهار.?
[أفضل الأشياء]?
قال العالم: فما أفضل الأشياء؟
قال الوافد: أفضل الأشياء طلب العلم من العلماء، حتى يعرف الطالبُ الحقَّ فيعمل به، فمتى زهر مصباح الهدى في قلبه أخلص العمل والنية الصادقة، وأنطقه الله بالحكمة.?
[أخبث الأشياء]?
قال العالم: فما أخبث الأشياء؟
قال الوافد: الجهل لأن الجهل الهلاك والعطب، والجاهل إذا أراد أن يصلح شيئاً أفسده بجهله وقلة علمه وهو يجلب جميع الآفات، ويتولد منه الكبر، والطمع، والحسد، والحرص، والشهوة، والبخل، والسخرية.?
[أقبح الأشياء]?
قال العالم: فما أقبح الأشياء؟
قال الوافد: اللغو الضرر‏[‏4‏]‏، والغيبة والنميمة، والخيانة، والكذب، والزنا، والربا‏[‏5‏]‏، وحب المدح، وحب الفاسق، وصحبة المنافق، وسوء الظن.
 
[أدنس الأشياء]?
قال العالم: فما أدنس الأشياء؟
قال الوافد: سؤال الناس، ومقاربة الأنجاس، والثقة بخمل الناس‏[‏6‏]‏، ومفارقة الأكياس.?
[أنفع الأشياء]?
قال العالم: فما أنفع الأشياء؟
قال الوافد: حسنة تكون بعشر أمثالها.
قال العالم: وما هي هذه الحسنة.
قال [الوافد]: هي أن تطعم أخاك المسلم من جوع، أوتكسوه من عُرْي، أو تقضي عنه ديناً، أو تفرج عنه غماً، أوتكشف عنه هماً، فمن فعل هذه لأخيه المسلم جاء يوم القيامة ولوجهه‏[‏7‏]‏ نور أيضأ‏[‏8‏]‏ مثل نور القمر، وتلقته الملائكة بالبشارة، ودخل الجنة آمناً، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف، ولا يحيط بمعرفته عارف.?
[أمرُّ الأشياء]? 
قال العالم: فما أمر الأشياء؟
قال الوافد: سيئة يتبعها سيئة، ولا يكون عليها ندامة، ولا يرجع عنها صاحبها إلى توبة.
 
[أطيب الأشياء]?
قال العالم: فما أطيب الأشياء؟
قال الوافد: العافية مع المعرفة، ووضع الأشياء في مواضعها، ومجالسة العلماء، ومدارسة الحكماء، وحضور مجالس الذكر، والتفكر في الصنع، والمبادرة في أعمال البر، وصلاح ذات البين، والتجهز للرحلة، والاستعداد للموت.?
[أهول الأشياء]?
قال العالم: فما أهول الأشياء وأعظمها فزعاً؟قال الوافد: إذا نفخ في الصور، وبعثر من في القبور، واجتمع الخلائق، إلى الموقف المتضايق، فهنالك الفزع العظيم، والخطب الجسيم، وكل واحد منهم يقول: نفسي نفسي، لا يسأل في ذلك اليوم والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدثر:38].?
قال: فلما انتهى الكلام بالعالم والوافد إلى هذا الحد عرف العالم أن الوافد حسن المعرفة، جيد الفطنة، رصين الدين، صحيح اليقين، متين الورع، كثير الفزع، أقبل عليه العالم بوجهه، وقال: أيها الوافد الصالح، والتاجر الرابح، والخليل الناصح: إسأل عما تحب يرحمك الله.?
ـــــــــــــ?
[أسئلة الوافد]?
قال الوافد: أيها العالم الحكيم الناطق، والبر الشفيق الصادق، أنشر عليَّ من مكنون حكمتك، وزدني من نوادر معرفتك، ما أزداد به فهماً، لعل الرين الذي في قلبي أن يخلص ببركتك، وينجلي عني بجود صحبتك علماً.
قال العالم: جرى لك الفلاح، ووفق لك الصلاح، ويسر لك النجاح، عليك بسبعة‏[‏9‏]‏ أشياء فالزمها، واعمل بها، واحرص فيها، وحافظ عليها. 
قال الوافد: وما هي؟بينها لي يرحمك الله؟
قال العالم: أولها المعرفة بالمعروف وهو الله سبحانه، والإيمان به، والإسلام، والطاعة، والعلم، والعمل.
 ثم تعرف المعرفة ما هي؟حتى إذا صرت عارفاً رددت المعرفة إلى المعروف، فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه.
ثم تعرف الإيمان ما هو وكيف هو؟حتى إذا صرت مؤمناً أسلمت للذي آمنت له، حتى إذا صرت مسلماً احتجت أن تطيع للذي أسلمت له، حتى إذا صرت مطيعاً احتجت إلى علم تطيع به.وتعرف العلم ما هو وكيف هو؟ حتى إذا صرت عالماً احتجت أن تعمل بما علمت.
ثم تعرف العمل ما هو؟وكيف هو؟وما ثمرته؟وإلى ما يوصلك؟وما عائدة نفعه؟
 
[ما هي المعرفة]?  
قال الوافد: أيها العالم بين لي المعرفة ما هي وكيف هي؟
قال العالم: أما هي فإصابة الأشياء بأعيانها، ووضعها في مواضعها، ومعرفتها على حقيقتها، وأمَّا كيف هي فإصابة المعاني فما شيء إلاَّ وله معنى يرجع إليه، فإصابة الأشياء بالنظر والتفكر، والتمييز والسمع والبصر، وإصابة المعاني بالتفكر والإعتبار والعقل.?
[معرفة الله]?
قال الوافد: فما معرفة الله عزوجل؟
قال العالم: هي أن تعلم أن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولا يحويه مكان، ولا يحيط به علم، ولا يتوهمه جنان، ولا يحويه الفوق ولا التحت، ولا الخلف ولا الأمام، ولا اليمين ولا اليسار، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لا يعلم كيف هو إلاَّ هو، فتعرفه بهذه المعرفة، فما توهَّمَهُ قلبُك فربُّك بخلافه عز وجل، وذلك قوله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)}[الإخلاص] فتقول كما أمرت، وتعمل كما قلت، وتشهد بما علمت، وتعلم كما شهدت، أن الله الواحد القهار، الملك الجبار، المحيي المميت، الحي الذي لا يموت، خالق كل شيء، ومالك كل شيء، الكائن قبل كل شيء، الباقي بعد كل شيء، ليس كمثله شيء، وهو على كل شيء قدير، فهذه معرفته بالتفكر.
وأمَّا المعرفة بالفكر، والنظر بالقلب، والتمييز بالألباب فهي في عظيم قدرة الله وارتفاعه، وعلوه، وبقائه، ونفاذ أمره، وبيان حكمته، وإحاطة علمه، وكثرة خلقه، وسعة رزقه، وجود كرمه، وكرم تطوله، وبيان حُكْمِه، وحسن رأفته، وقرب رحمته، وجميل ستره، وطيب عافيته، فلله الحمد على ذلك.?
[الإيمان]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الإيمان بالله، والإقرار به وبما جاءت به الرسل، وتؤمن جوارحك حتى لا تستعملها في شيء مما يكرهه منك ربك، فتكون قد أمنتها من عذاب الله.
ومن الإيمان: أن تؤمن الناس من يدك‏[‏10‏]‏ ولسانك وظنون قلبك، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.
ومن الإيمان: الرضى بالقضاء، والشكر على العطاء، والصبر على البلاء.
ومن الإيمان: المحافظة على الفرائض والسنن، والقيام بالنوافل والفضائل.
ومن الإيمان: أن تعلم أن الله حق، وقوله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الثواب حق، والحشر حق، والقيامة حق، والعرض حق، والحساب حق، وأن الله على كل شيء قدير.وأنك منقول من هذه الدار الفانية، إلى الدار الآخرة الباقية، مسئول عن أعمالك، موقوف على أفعالك وأقوالك، وإقلالك وإكثارك، وإعلانك وإسرارك، فتجد كلما عملت قد أحصي عليك، وأنت اليوم في دار المهلة، ومكان الفسحة، فلا تذهب أيامك سُدى، فاعمل فيها بطاعة الله، وعلق قلبك في ملكوت إلهك، واجعل دليلك القرآن، وقرينك الأحزان، وفعلك الإحسان، وطعامك الفكر، وحديثك الذكر، وحليتك الصبر، وقرينك الفكر، وهمك الحساب، وسعيك الثواب، وجليسك الكتاب، وأملك الرجاء، وسريرتك الوفاء، وسيرتك الحياء، وفاقتك الرحمة، وعملك الطاعة، وطلبتك النجاة، وسؤالك المغفرة، وسبيلك الرضا، وخوفك العقاب،  ورقيبك الثواب، وعن يمينك الكتاب، فمن سلك هذه الطريق سبق، ومن تكلم بهذا صدق، وهي عروة من تعلق بها استوثق، والحمدلله رب العالمين.?
[الإسلام]?     
قال الوافد: فما وراء ذلك؟
قال العالم: الإسلام هو: أن تسلم للذي آمنت به.
ومن الإسلام أن تسلم كليتك إلى أعمال الطاعات، فإذا بلغت ذلك سلمت من العقاب، وسلم الخلق منك، ويكون إسلامك بالظاهر والباطن، حتى لا يخالف قولك فعلك، ولا فعلك قولك، فيكون ظاهرك هو باطنك، وباطنك هو ظاهرك، وتكون موقناً بالواحدانية، معترفاً بالعبودية، مقراً بالربوبية، مجلاً للعظمة، هائباً للجلالة، فرحاً بالمَلَكَة‏[‏11‏]‏، محباً للطاعة، طالباً للرضا، خائفاً للبعث، راغباً للجزاء، راهباً للعذاب، مؤدياً للشكر، مداوماً على الذكر، معتصماً بالصبر، عاملاً بالفكر، فهذا عمل الباطن.
وأمَّا الظاهر: فالإجتهاد في أداء الفرائض والسنن، والفضائل والنوافل، منها: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر، والنهي، وقراءة القرآن.?ومن السنن: الختان، وصلاة العيدين، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، والسواك.
ومن الفضائل صيام رجب، وشعبان، والأيام البيض، والإثنين، والخميس.  
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمؤاساة، والمؤاخاة في الله، والحب لأولياء الله، والبغض لأعداء الله، وصلة الرحم، وبر الوالدين، ورحمة اليتيم، ومعونة الضعيف، وتعليم الأولاد‏[‏12‏]‏، وإنصاف الزوجة، فيما تسألك عنه وهي ناظرة إليك، والعناية في تعلمها، والأمر لها فيما لا بد لها منه، والنهي لها عما لا حاجة لها إليه، ولزومها لمنزلها، وطول الحجاب، وتصفية الأثواب، وتعليم الحكمة والصواب، مع لزوم العفاف، والرضى بالكفاف، والصيانة لها من التبرج من اللهوج والأبواب، والتشرف إلى أهل الفحش والإرتياب، ومنع الدخَّالات إلى دار المسلمات، مما لا يشاركهن في الدين والإحسان، فأولئك هاتكات الستور، ومبيحات كل محظور، والناقلات الكلام الزور، والجالبات للفحشاء والفجور، والمبغضات للنعمة، والمدخلات على المؤمنات الهم، والمفرقات للإلفة، والراعيات للكشفة.
ولقد روي عن علي عليه السلام: ((أحب إليَّ أن أجد في منزلي مائةَ لصٍّ يسرقونه أهون علي من أن أجد فيه عجوزاً لا أعرفها)).
ومن ذلك إنصاف الخادم فيما يقدر عليه، والنهي له عما لا حاجة له فيه، والرفق به فيما لا يقدر عليه، والنظر له فيما لا يدري، فهذا الأمر بالمعروف.
وأمَّا النهي عن المنكر فمن المنكر: فعل الشرور، والقول السيء، والقول بالفواحش، والغدر، والتيه.
ومن الفعل: القتل، والزنا، والربا، ومن التيه: الرياء، والكبر، والحسد، والبغضاء، والشحناء.
ومن الفعل: أخذ أموال الناس سراً وجهراً.ومن القول: النميمة، والغيبة، وشهادة الزور، فهذا من النهي عن المنكر. 
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: تطيع الله الذي أسلمت له.?
[الطاعة]?
قال الوافد: وما الطاعة يرحمك الله؟بيّنها لي حتى أعرفها وأعمل بها؟
قال العالم: الطاعة اتباعك لما أمرك الله به، واجتنابك ما نهاك الله عنه، فعليك فيما قد علمت التوبةُ والرجوعُ، والإنابة والتضرع، ولك في ذلك المغفرة، فإنك إذا خفت ربك تبت إليه.
وتعرف الخوف ما هو وكيف هو؟?
[الخوف]?
قال الوافد: وما هو يرحمك الله؟
قال العالم: أما هو فمعرفة الذنب، وشهادة الرب، وأما كيف هو؟فوجل القلب، ودموع العين، فإن لم يكن كذلك فلست بخائف فيما قد علمت، وأمَّا الذي لا تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى، فإذا اتقيت الله لم يجدك حيث نهاك، وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك، فإن الله يراك، ويعلم سرك ونجواك، ويسمع كلامك، فهناك ترهبه وتخافه، حتى كأنك تراه.
قال الوافد: فما رواء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك التقوى.?
[التقوى]?
قال الوافد: وما التقوى؟
قال العالم: لسانك، وعينك، ويدك، وفرجك، وظنون قلبك.
فلا تنظر بعينيك إلى ما لا يحل لك، فإن النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة، وهي سهم من سهام إبليس.
وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك، فلا تفعل ما لا يحل لك.
ولا تمد يدك إلى ما لا يحل لك، فإن لم تفعل فما اتقيت الله‏[‏13‏]‏ ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قول الله عز وجل {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[طه:82].
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: القيام بما أمر الله به، حتى تعرف عملك، فتضع كل شيء منه في موضعه، وتعرف خطأه وصوابه، ويكون ذلك العمل متابعاً للعلم، مطابقاً له ويكون فيه الرغبة واليقين والإخلاص والحياء والإستقامة، وتعرف الرجاء ما هو؟ وكيف هو؟ومن ترجو؟
 
[الرجاء]? 
قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله.
قال العالم: هو أن يكون رجاؤك الله في كل أمورك لدنياك وآخرتك، ولا يكون رجاؤك للخلق أكثر من رجائك للخالق، فتحبط عملك، وتبطل أجرك، فإن الله سبحانه يقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]  فتعمل بما أمرك الله به ظاهراً وباطناً، فتصلح ظاهرك، وتصلح باطنك، فإن الظاهر الجلي يدل على الباطن الخفي، ويكون قلبك متعلقاً بذكرِ مَنْ ناصيتك بيده، ورزقك عليه، ورجاؤك عنده، وشدتك وعافيتك، وبلواك، ومحياك ومماتك، ودنياك وآخرتك، وترجوه للشدة كما ترجوه للرخاء، وترجوه للآخرة كما ترجوه للدنيا، وتخافه كما تخاف الفقر. 
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الرغبة في التطوع تعرفها ما هي؟وكيف هي؟
 
[الرغبة في التطوع]?
قال: بينها يرحمك الله.
قال العالم: إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به، فإنك إذا رغبت ازدت إلى الخير خيراً، و إن لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع، ولست براغب، وأما كيف هي؟ فالتضرع عند الدعاء فإنك إذا رغبت تطوعت، وإن لم ترغب كان دعاؤك بلا رغبة، وذلك قول الله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}[الأعراف:55]  فمن خاف وتضرع رحمه الله وأجابه.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك اليقين بالله.?
[اليقين بالله]?
قال الوافد: وما هو؟
قال العالم: صاحب اليقين ذنبه لا يكتب، وتوبته لا تحجب.
قال الوافد: بين لي ذلك؟
قال العالم: صاحب اليقين يعلم أن العلم متصل بالنية، فكلما يخطر خاطر في قلبه علم أن الله قد علمه، فيلحقه الخوف، ويبادر بالتوبة قبل أن يعمل الذنب، فتوبته مقبولة، وذنبه غير مكتوب، وإنما يكتب ذنبه لو أصر عليه ولم يتب منه.?
[الإخلاص]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الإخلاص في الدين، وهو في القول والعمل والاعتقاد، قول خير، وعمل خير، واعتقاد خير، أما سمعت ما قال الله عزوجل في كتابه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر:3].
قال الوافد: بين لي هذا يرحمك الله.
قال العالم: هو أن يعلم العبد أنه بين يدي سيده، يراه ويسمع كلامه، ويعلم ما في نفسه، فيجعله أمله، وتكون الطاعة عمله، ولا يغيب عن مشاهدته، ولا يزول إلى معاندته بإزالة، قَلَّت الدنيا في عينه، وتعلقت الآخرة في قلبه، فقيامه طاعة، وقوله نفاعة، وكلامه ذكر، وسكوته فكر، قد قطع قوله بعمله، وقطع أمله بأجله، وخرج من الشك إلى اليقين، فقلبه متعلق بحب الآخرة وجسده في الدنيا، أحب الأشياء إليه الخروج من الدنيا إلى الآخرة، فقلبه وجل، ودمعه عجل، وصوته ضعيف، وكلامه لطيف، وثقله خفيف، وحركته إحسان، وتقلبه إيمان، وسكوته إيمان.?
[الحب في الله والبغض في الله]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: حب الحق، وبغض الباطل، وحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً، وبغض من عصى الله قريباً كان أو بعيداً.
قال الوافد: كيف أحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً؟
قال العالم: يسرك ما يسره، ويسوءُك ما يسوءه، وتدخل السرور عليه، وإن كان أعلم منك تعلمت منه، وإن كنت أعلم منه علمته، وحفظته في محضره ومغيبه، وواسيته وأعنته ورعيت صحبته، وجعلت ذلك لله وفي الله، ولا يكون في ذلك مناً ولا أذىً.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الحياء من الله.?
[الحياء]?
قال الوافد: بين لي ذلك.
قال العالم: ذلك على ثلاث: أولهن أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه، وأن رزقه على الله، أفلا يستحي العبد من الله أن يراه حريصاً على رزقه؛ كسلاناً عن طاعة ربه؛ يمن على قوم، أجسادهم معافاةٌ وعقولهم ثابتة، وقلوبهم آمنة، ونفوسهم طيبة، قد أحسن إليهم فلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله فيتفكرون، وإلى نعمه عليهم فيشكرون، ولا إلى من كان قبلهم فيعتبرون، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون، ولا إلى ما وعدهم الله في الآخرة فيحذرون، أفلا يستحي من آمن بالله أن يراه مع أولئك مقيماً لا بثاً؟ومساكناً، مواسياً؟ وحاضراً مجالساً؟
وأمَّا الثانية فإن الله أعطى وقضى، يعطي وهو راضٍ، أفلا يستحيي العبد من الله أن يرضى برضى ربه عند العطاء، ولا يرضى برضاه عند القضاء، كما يرضى برضاه عند العطاء.
وأمَّا الثالثة فإن الله يرضى لعباده الجنة، ويأمر بالعمل لما يصلح لها، فيعمل العبد مالا يرضي الله، ويكره ما يرضى الله له من الخير، ويرتكب المعاصي والشرور، ولا يرضى برضا الله له، ويكون له ولد يحبه ويريده للدنيا، وربما قبضه الله إليه وهو له ولي، أفلا يرضى العبد بقضاء الله كما يرضى أولا بعطائه؟وهو يعلم أن موت ولي الله خير له من حياته في هذه الدنيا الفانية، المحشوة هموماً وغموماً، ونغصاً وغصصاً، وآفاتاً وشروراً.?
[الاستقامة]?  
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: وراء ذلك الإستقامة، أما سمعت الله تعالى يقول:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30].
 قال الوافد: بين لي ذلك؟
قال العالم: الاستقامة هي أن الدنيا قيامة، فلا يلتفت فيها إلى كرامة، ولا يبالي فيها بالملامة، الاستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة، والمستقيم صادق، وبالحق ناطق، عمله في خضوع، وقلبه في خشوع، وروحه في رجوع، وسره يروع، وجسمه سقيم، وقلبه سليم، مقيم بلا التفات مداوم على المراقبات، ملازم للأمر، ومدمن على الزجر، وطالب للأجر، تارك للهوى، مقيم على الوفاء، حريص على التقاء، مجتهد على الصفاء، ليله قائم، ونهاره صائم، إِلْف من آلَفْ، صابر عاكف، تام الصحبة، دائم المحبة، مجيب غير مريب، معرض لا متعرض، مطيع غير مريع، طالب راهب، مسلم مستسلم، مقر لا منكر، مُحْتَقَر لا مُحْتَقِر، متواضع غير مستكبر، مقبل غير مدبر، علامة المستقيم أن يستقيم له كل معوج، ويسلك به خير منهج، عالماً يقتدى به، ولياً‏[‏14‏]‏ يهتدى به، ولا يكون ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)).
 
[الرجاء والخوف]?
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء؟
قال: بلى.
 قال: فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء.
 قال: بين لي ذلك.
قال: أليس الرخاء حساب، والشدة ثواب‏[‏15‏]‏؟
قال: بلى.
قال: فأيهما أحب إليك الثواب أم الحساب؟
قال: بل الثواب أحب إليَّ من الحساب.
قال: أما علمت أنك وقت الشدة ترجو الرخاء، وفي وقت الرخاء تخاف الشدة، وذلك قوله عز وجل:{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح:5،6] فتعرف حد الشدة فتكون راجياً للرخاء، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفاً للشدة؛ لأن الرخاء والشدة يعتقبان، فاستعد للحالتين جميعاً، ولست أعني لك شدة الدنيا ولا رخاءها؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولكني أخاف عليك شدة الآخرة إذا رضيت برخاء الدنيا.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الرضا بالعطاء، والصبر على القضاء.?
[الشكر]?
قال الوافد: وكيف يكون الشكر؟
قال العالم: الشكر على سبعة أشياء.
قال: وما هي حتى أعرفها؟
قال العالم: الخلق، والملكة، والرزق، والعافية، والعلم، والقدم، والقدرة، فتنظر إلى ثبات عقلك، وتمام خلقك، فتحمد الله العظيم على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الملكة، فكم من ذي روحٍ، غيرُه له مالك، والله مالك كل شيء، وأنت لا مالك لك، فتحمد الله على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الرزق، فإذا هو من عند الله سبحانه فتحمد الله على ذلك كثيراً.ثم تنظر إلى مالك وولدك وطعامك وشرابك ولباسك ونومك ويقظتك، وانظر إلى اختلاف الليل والنهار، كيف يقربان البعيد، ويخلقان الجديد، ثم تنظر إلى العافية وإلى كل شيء تخافه على نفسك، في ليلك ونهارك، مما ترى ومما لا ترى، فتعلم أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه ولا يكفيك ما ترى وما لا ترى إلاَّ الله سبحانه، فتحمد الله على ذلك كثيراً ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب الناس في أبدانهم المركبة عليهم، فتعلم أن في تركيبك مثل ما في تركيبهم، فتحمد الله الذي ستر عليك، مما ظهر على غيرك، من العلل والآفات، ثم تنظر إلى من كان من قبلك، وإلى من هو كائن من بعدك، في دنياك وآخرتك، فتحمد الله على ما مضى وتسأله النجاة في ما بقي.
ثم تنظر إلى العلم، فتعلم أنه تعالى قد علم ما هو كائن قبل أن يكون ثم تنظر إلى القدم فتعلم أن الله قديم لم يزل، ولا يزول، ولا يزال.ثم تنظر إلى القادر، فتعلم أن الله قادر لا بقدرة غيره، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علواً كبيراً.ثم تنظر إلى جميع ما سخر لك من جميع ما خلق الله وذرأ وبرأ، من السماء التي زينها بالكواكب والشمس والقمر، وأجرى ذلك لمنافعك، وما جعل من الرياح والسحاب، وما جعل في الأرض من الحيوان المسخر، المجبور المقهور، المنقاد إلى المنافع، فتحمد الله على ذلك كثيراً.?
[الصبر]?
قال الوافد: فما رواء ذلك؟
قال العالم: الصبر على قضاء الله، فما جاء من عند الله حمدت الله عليه، ولم تسخط ذلك، وسلَّمت لأمر ربك، ورضيت بقضاء خالقك، وحمدت الله على ذلك كثيراً.
 
[أطوار خلق الإنسان ولحمه وعظامه وعروقه وعصبه وغير ذلك]?
قال الوافد: فما وراء ذلك؟
قال العالم: تنظر بعد ذلك إلى نفسك، فتعلم أن الله خلق الإنسان من نطفة، تقع في رحم مظلمة، تقيم في الرحم سبعة أيام، ثم ترجع دماً، فيكون ذلك الدم علقة أربعين يوماً، ثم يجعلها الله تعالى مضغة ذكراً أو أنثى، فيكون فيه الروح لسبعة وسبعين يوماً، ثم يخلق الله  تعالى العروق والعظام والعصب، ثم يصيره بعد ذلك لتمام مائتين وسبعين يوماً، وذلك أربعة آلاف ومائة واثنين وخمسين ساعة، فجميع ذلك حمل الولد لتمام حمل أمه، كاملة أشهره وأيامه وساعاته، فأشهره تسعة أشهر، وأيامه مائتان وسبعون يوماً، كل شهر ثلاثون يوماً، وساعاته سبعة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة، فهذه أيام الولد كاملة، وأشهره وأيامه وساعاته في تركيبة الحرارة والبرودة واليبوسة واللين، والدم حارٌّ ليِّن، والمرة الصفراء حارة يابسة، والمرة السوداء باردة يابسة، والبلغم بارد رطب.
وتركيب الأسنان اثنا عشر فصلاً، وله مائتان وثمانية وأربعون عظماً، وله ثلاثمائة وستون عرقاً فالعروق تسقي الجسد، والعظام تمسكها، والعصب واللحم يشد العظام؛ فلكل يدٍ إحدى وأربعون عظماً، الكف من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، والساعد عظمان، وللعضد عظم، وللتراقي ثلاثة أعظم، وكذلك اليد الأخرى؛ وللرجل ثلاثة وأربعون عظماً، للقدم من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، وللساق عظمان، وللركبة ثلاثة أعظم، وللورك عظمان، وكذلك الرجل الأخرى.وللصلب ثمانية عشر فقارة.ولكل جنب تسعة أضلع وللرقبة ثمانية أعظم وللرأس ستة وثلاثون عظماً، الأسنان من ذلك اثنان وثلاثون عظماً.وطول الأمعاء خمسة أذرع، فسبحان الله خالق الإنسان خلقاً بعد خلق، في ظلمات ثلاث، حتى إذا حان أوان خروجه من بطن أمه إلى الأرض لم يقدر أحد على إخراجه أبداً، ولو اجتمعت الإنس والجن ما أحسنوا ذلك.
فسبحان من أخرجه سوياً لا يعرف أحداً، ولا يسأل رزقاً، قد أوجد الله له رزقه في صدر أمه لبناً يغذوه به؛ لضعفه وقلة بطشه.
حتى إذا جل عظمه، وكثر لحمه، وقطع سنه، وطحن ضرسه، وبطشت يده، ومشى على قدمه، وعرف أن الله خالقه، الذي أفضل عليه، ورزقه قبل خروجه وبعد خروجه في مهده – نسي ذلك وجحده، ورجع يطلب رزقه من مخلوق مثله {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}[عبس:17] أما علم أن الذي رزقه في ضعفه هو يرزقه في وقت قوته؟أما سمع ما قال الله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[طه:132]، أما سمع قول الله سبحانه وتعالى - حيث أقسم في كتابه فقال عز من قائل: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}[الذاريات: (22،23)]؟ أما سمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها))، وقال: ((لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت))؟قال رجل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، من أين يأتي الرزق إلى الإنسان؟ قال: "من حيث يأتيه الموت"‏[‏16‏]‏.?
[أفضل ما أعطي العبد]?        
قال الوافد: أيها العالم الحكيم ما أفضل ما أعطي العبد؟
قال: العقل الذي عرفك نعمة الله، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى، حتى عرف الحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.
قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله؟
قال العالم: الإيمان، وحقيقة الإيمان الإخلاص وصدق النية، حتى إذا عملت عملاً صالحاً -لم تحب أن تذكر وتعظم من أجل عملك، ولا تطلب ثواب عملك إلاَّ من الله، فهذا هو إخلاص عملك، فإن عملت عملاً - وأحببت أن تذكر وتعظم من أجل ذلك العمل - فقد تعجلت ثوابه من غير الله، ولم يبق لآخرتك منه شيء.

[المناجاة]?
قال الوافد: فما تقول في المناجاة؟
قال العالم: لا تكون المناجاة إلاَّ مع الرجاء والمصافاة، بقلب سليم من الآفات، والظنون والغيبات، ثم تقول: إلهي إن لم أكن لحقك راعياً –لم أكن لغيرك داعياً، وإن لم أكن في طاعتك مسابقاً –لم أكن لأعدائك مطابقاً، وإن لم أكن لك عابداً –لم أكن لآياتك معانداً، وإن لم أكن لحبك واجداً-لم أكن لغيرك ساجداً، وإن لم أكن إلى الخيرات مسارعاً –لم أكن لباب الخطيئات قارعاً، وإن لم أكن للحدود حافظاً –لم أكن بكلام السوء لافظاً، وإن لم أكن في الصلاة خاشعاً –لم أكن لأعدائك خاضعاً، وإن لم أكن في سبيلك مجاهداً –لم أكن لدليلك جاحداً.إلهي كيف يصافيك من لا يأتيك؟ وكيف يرجوك من لا يتقرب إليك أنا المتخلف عن أقراني، أنا الضعيف في أركاني، أنا الفريد بحرقتي عن إخواني، أنا الذي لم أحقق إيماني، سيدي قد أتيتك بفاقتي، وجئت إليك لمَّا عدمت طاقتي، أنت العالم بجرمي، والمطلع على طلبي، المحصي لخطيئتي، الشاهد على طويتي، الناظر لي في خلوتي، كسدت بضاعتي، وخسرت تجارتي، ولم أتزود من حياتي، وقد أتيتك قرب وفاتي.
إلهي إن لم تقبلني فأين المنجأ؟وإن رددتني فأين الملجأ؟ من للعبد إلاَّ مولاه؟ذهبت أيامي، وبقيت آثامي، فلا تذل مقامي، ولا تحجب عني إمامي، يا من ابتدأني بتفضله، وأكرمني بتطوله، ما الحيلة أعضائي ذليلة؟ما الحيلة أحزاني طويلة؟ ما الحيلة حسناتي قليلة؟ ما الحيلة وليس لي وسلية، لا حيلة لي غير الرجوع، والتضرع والخضوع، والإقبال والإياب، وتعفير الوجه بالتراب، والتذلل عند الباب، وقراءة آيات الكتاب، والسجود لرب الأرباب، وترك الإشتغال، والإقبال على مقدر الأرزاق والآجال، وترك المعارضة، ورفض المناقضة، وحنين وحرقات، وأنين وزفرات، وسهر دائم، وليل قائم، ونهار صائم، وقلب هائم، ووعظ لائم، فدار بلا قرار، فراق كل محبوب، والبين عن كل منسوب.
الحيلة ترك الاستراحة، في طلب الراحة، ودوام النياحة مع القيام على السياحة، وترك الخطايا، واستعداد المطايا.
الحيلة أن تخضع حتى تسمع، ويخاف القلب ويخشع، وتعتبر العين فتدمع، اقرع الباب، تسمع الجواب.  
قال الوافد: قد سمعت لذيذ المناجاة، كيف أصنع في داءٍ قد تمكن في قلبي حتى قطعه وأحسمه؟
قال العالم: من أوجعته علته - أظهر عند الطبيب زلته، وأبدى إليه شكيته، من عَدِمَ مرادُه قلق فؤاده، من قلق فؤاده بان رقاده، إرفع نواظر القلب إلى الرب، فهو يجلي منه الكرب، ويغفر الذنب، إرفع حوائجك إلى ربك، كما ترجوه لغفران ذنبك، أكتب قصة الاعتذار بقلم الافتقار، إمش إلى باب الجبار، بقدم الاضطرار، في وقت الأسحار، وارفع يديك بالاستغفار.

[البكاء]? 
قال الوافد: فما تقول في البكاء؟
قال العالم: لأن تبكي وأنت سليم، خير من أن تبكي وأنت في النار مقيم، بين أطباق الحميم، والشيطان لك قرين خصيم، واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن أمك باكياً عابساً، فاجتهد أن تخرج منها ضاحكاً مستأنساً، لأن تبكي وأنت في الطريق، خير من أن تبكي وأنت في وسط الحريق، البكاء مع السلامة، خير من البكاء مع الملامة، اليوم ينفعك البكاء إذا بكيت ندماً، وغداً لا ينفعك البكاء لو بكيت دماً، البكاء قبل المعاتبة، خير من البكاء عند المعاتبة، إبك لضعف فاقتك، إبك لقلة طاعتك، إبك لكثرة معاصيك، إبك لعظم مساوئك، إبك لإفلاسك، إبك لعدم إيناسك، ابك لقلة عملك، إبك لقلة حيلتك، إبك لعدم وسيلتك، إبك لكثرة وزرك، إبك لثقل ظهرك، إبك لفساد أمرك، إبك لظلمة قبرك، إبك لقسوة قلبك، إبك لخبث سرك، إبك لمضي دهرك، إبك لكشف سترك، إبك لساعة موتك، إبك لانقطاع حياتك، إبك لغربتك في لحدك، إبك لتوديع دارك، إبك لتوقع فراقك، إبك ليوم بوارك، إبك لاستقبال أهوالك.

[أسباب قساوة القلب وجمود العين]?
قال الوافد: كيف أصنع إذا لم  أستطع البكاء ولم تدمع؟
قال العالم: ما جمدت العيون إلاَّ من قساوة القلوب، وما قست القلوب إلاَّ من كثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلاَّ بالرضا بالعيوب، وما وقع الرضى إلاَّ بعد الاجتراء على علام الغيوب، جمود العين، من وجود الرين، وقال في ذلك شعراً:
تزود من حياتك للممات* ولا تغتر في طول الحياة
أترقد والمنايا طارقات* كأنك قد أَمِنْت من البيات
أتضحك أيها العاصي وتلهو* ونار الله تُسعر للعصاة
أتضحك يا سفيه ولست تدري* بأي بشارة يأتيك آت

ثم قال: أتبغي صفاء الفؤاد، مع بقاء المراد، تضيع الأصول، وتركب الفضول، ثم تطمع في الوصول، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول، أتطلب المراد، مع كثرة الرقاد، وقلة الإجتهاد، أتطلب المساعدة مع قلة المجاهدة، هذا من علامة المباعدة، لن تنال الأماني، إلاَّ بترك الفاني، لا بالكسل والتواني، تسهر العيون تصبح غير مغبون، لن تنال غرف الجنان، إلاَّ بصفاء الجنان، وخالص الإيمان، وقراءة القرآن، وتوحيد الرحمن، وإطعام الطعام، ورحمة الأيتام، وكثرة الصيام، وطول القيام، من طابت‏[‏17‏]‏ مناجاته، ارتفعت درجاته، وقلت فزعاته.?
[مؤهلات العبد لجنة الخلود]?
قال الوافد: بم ينال العبد جنة الخلود؟قال العالم: بحفظ الحدود، وبذل المجهود، وطاعة المعبود، والوفاء بالعهود، وكثرة الركوع والسجود.
 من أراد الأمان، فليخلص الإيمان، ويفعل الإحسان، ويقرأ القرآن.
لن ينال جنة النعيم، إلاَّ من جاء بقلب سليم، لن تنال من الله المزيد، إلاَّ بصدق التوحيد وكثرة التحميد.
من أراد البر، لم يكتسب الوزر، من أراد العطاء، صبر على البلاء.
لا تنال شهوات الآخرة، إلاَّ بترك شهوات الدنيا، لا تنال النعيم، إلاَّ بترك النعيم، لا تنال معانقة الحور، إلاَّ بصلاح الأمور، ومجانبة الشرور، ورفض المحذور.
لا ينال الشفاعة، إلاَّ من قام لأخيه بالنفاعة، وحافظ على صلاة الجماعة، وأطعم الأيتام في المجاعة.
من أحب الشرب من حوض الرسول، فليترك كلام الفضول، ويتثبت فيما يقول، فإنه لا بد مسئول.

[الحياء]?
قال الوافد: صف لي الحياء؟
قال العالم: من عمل بالرياء، بعُد منه الحياء، وحجب منه الضياء، وتكدرت عليه الدنيا، وعاش في الناس يهودياً، وحشر يوم القيامة مجوسياً.
 
[أسباب إدراك حلاوة الطاعة]?
قال الوافد: كيف أنال حلاوة الطاعة؟
قال العالم: لا تدرك الحلاوة، إلاَّ بإدمان الفكر والتلاوة، ولا تنال حقائق المعاني إلاَّ بترك الأماني.
ولا يتمكن في قلبك الخوف والوجل، إلاَّ برفض الدنيا وقصر الأمل، وإخلاص العمل، وهجران الكسل.
 
[الورع]?
قال الوافد: صف لي محض الورع؟
قال العالم: لا تنال الورع، إلاَّ بكثرة الخوف والفزع، واختيار الجوع على الشبع، وبترك الشهوات والطمع، وصفا عند ذلك قلبك، ونلت لذة السهر والقيام، وقَرُبْتَ من ذي الجلال والإكرام، وملكت نفسك، ووافقت أنسك، ورضي عنك الرب، وغفر لك الذنب.
واعلم أنك لا تنال من الله البر والسلامة، إلاَّ بالصبر والاستقامة.
ولا تنال حقائق الرجاء، إلاَّ بالإنقطاع إلى الله والالتجاء.ولا تنال الكرم والتفضل، إلاَّ بالندم والتبذل.
ولا تنال الراحة، إلاَّ بكثرة النياحة.
ولا تنال الولاية، إلاَّ بالمحافظة والرعاية.ولا تنال مجاورة الأبرار، في دار القرار، إلاَّ بترك الأوزار، ولا يخشع القلب ويلين، إلاَّ بتفكر وتبيين.
ولا تنال الخوف.إلاَّ بترك عسى وسوف.
ولا تنال الاتصال، إلاَّ بإهمال الاشتغال، ولا ينقى القلب، مع بقاء شيء من الذنب.
ولا تدرك صفاء الفهم، وفي قلبك من الدنيا غم، ولا يزول عنك الهم، ما كان لك في الدنيا خصم.
من أنفق مما يحب، فهو حقاً المحب.من ترك ما كان يألف، دخل الجنة وثوابه مضاعف.
من يعمل بما يقول، شفع له الرسول، ومن عمل بخلاف ما يقول، لم يكن عمله مقبول‏[‏18‏]‏.
من لم يندم على معصيته، أخذته الزبانية بناصيته.
من قصر في الطاعات، حرم الصالحات.
من نافس في الخيرات، ارتقى في الدرجات.
من اغترّ في الليل فُجِع في النهار، ومن سهى في النهار فُجِع في الليل.
من ركب الظن، عنوانها غبن‏[‏19‏]‏ من ركب فرس الأماني، عثر في ميدان التواني.
التاجر برأس مالِ غيرِه مفلسٌ.
 
[المجاهدة]?   
قال الوافد: كيف المجاهدة؟
قال العالم: المجاهدة في المباعدة والوحدة، والصبر على المحنة والشدة.من لا عبادة له لا زاد له.من لا زاد له لا عقبى له.إقرع الباب، يأتك الجواب‏[‏20‏]‏.من أمل العظيم، وهب الجسيم.من أراد الجود، طلبه في السجود.من لا سجود له، لا جود له.من لا ندامة له، لا كرامة له.
من لا خير فيه، لا خير عنده.
خير البضاعة الطاعة، من اختار الطاعة نجا من فجعات الساعة.
لا بد من سهر الأسحار، وقيام الليل وصيام النهار.
إذا أردت الجنة فاسجد وتضرع، واظمأ وتجوع، واسهر وتفزع، وتذلل وتخشع وتفرد وتوحد، واخضع وتجرد، تَنَلْ فضل الواحد الأحد.
أترك الآثام تأْمن الصولة، واعمل صالحاً تكن لك الدولة.أهجر الجرائم تصل وأنت سالم.
من أكثر النحيب، لم يكن عليه رقيب، ما دعا إلاَّ أجيب، وكان له من الخير نصيب.من رغب إلى الله أعطاه، ومن اكتفى به كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن لجأ إليه آواه.

[لماذا الغفلة]?
قال الوافد: كيف أكون ذاكراً، وأنا لا أسلم من الغفلة؟
قال العالم: لا تكون الغفلة إلاَّ في من أكثر الغفلة.
من غفل وقع في الزلل، إذا أردت السعادة، فودع الوسادة، وجالس أهل الزهادة، وأكثر العبادة.عجباً ممن يستريح وقد تاب، وممن يلهو وقد شاب.
ما كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، لا يضيع طالبه، ولا يخيب آمله اجتهد تجد.
أخلص تخلص.إتبع الرسول، وأبشر بالوصول.من اتصل وصل ومن ترك الجدال، نال كل منال، وكُفِيَ الشدة والأهوال.من خالف الهوى، أُدخل جنة المأوى.من ندم كُرِّم.

[الحيلة في دخول باب الله]?
قال الوافد: ما حيلة من دنا من الباب، فمنعه الحجاب، فلم يصل إلى الأحباب؟ 
قال العالم: حيلته ملازمة القلق والإكتئاب، والحزن والانتحاب، والفرق والانتداب، إلى أن يأذن له الأحباب، ويفتح له الباب.
إذا أردت في الجنة الوقوف، أكثرت في المساجد العكوف، فإنك تأمن من كل مخوف، كم من متردِّد لا يؤذن له، وطارق لا يفتح له، وكم من مصروف مطرود، مهانٍ مردود، كم من مظهر انتحابه، ولا يفتح له بابه، وكم من طامع في ثوابه، وهو من أهل عذابه. 
قال الوافد: كيف الوصول؟.
قال العالم: صل الليل بالنهار، وتضرع في غسق الأسحار، لعله أن يخفف عنك الأوزار، وسبح بالعشي والإبكار، وتعوَّد الندم والاستغفار، تحرم بذلك على النار.?
[مواعظ بالغة]?
قال الوافد: كنا صبياناً فلعبنا، فصرنا شباباً فسكرنا، فصرنا كهولاً فكسلنا، فصرنا شيوخاً فعجزنا وضعفنا، فمتى نعبد ربنا؟
عطلنا الشباب بالجهالة، وأذهبنا العمر في البطالة، فأين الحجة والدلالة؟
قال العالم: من غفل في شبابه، ندم في وقت خطابه، الشباب لا يصبر على الصواب، ويندم عند الخطاب، ما أحسن الشباب في المحراب.
إلى متى العصيان؟إلى متى متابعة الشيطان؟إلى متى الجرأة على الرحمن؟ ألنا صبر على مقطعات النيران؟ومجاورة الحنشان؟ولباس القطران؟وتهدد مالك الغضبان؟ وضرب الزبانية والأعوان؟ إلاّ بتزودٍ لذلك اليوم من هذا اليوم، وبتخلص من الهوان واللوم.
أيها المغرور بشبابه، والمسرور بأصحابه، والمختال في ثيابه، أما تحذر أليم عذابه، وتخاف شديد عقابه.
كم من وجه صبيح، وخد مليح، وبدن صحيح

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق