]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سبل علاج النفس وتقويمها

بواسطة: سيد مبارك  |  بتاريخ: 2011-11-14 ، الوقت: 20:32:51
  • تقييم المقالة:

 

سبل علاج النفس وتهذيبها

 

إن الحمد لله، نَحْمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه،ونعوذبالله من شُرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له،وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربِّي وسلامُه عليه، وعلى آلهوصَحْبه أجمعين.

أمَّا بعد:

فسبُل إصلاح النَّفس وتهذيبها يكون علىمَرْحلتين: الأُولى قصيرة المَدى، لا تحتمل التَّأجيل والتسويف، وإلاَّهلَكَت النفس، وباءت بسخط الله تعالى، والثانية طويلة المدى، فيها جِمَاعكلِّ خير، يؤدِّي إلى نَجاتها وفلاحها في الدُّنيا والآخرة.

ولْنَبدأ في بيان الأمر، والله الْمُستعان.

سبل علاج النفس وتقويمها على المدى القصير:

وتلك السُّبُل لازمة لاِسْتقرار النَّفسوالمحافظة على مُسْتواها من الْهُبوط للأَدْنَى، فيصعب العلاج ويطول الأمر،ويفقد المرء الأمل، فتَخُور عزيمته، وتضعف قُوَّتُه، ويهلك نفسه، وأكتفيهنا بذِكْر سبيلين من أهمِّ السُّبل التي فيهما حياة النُّفوس، وفي تركهماضياعٌ للنَّفس، وليس في إصلاحها بعد ذلك فائدة ألبتَّة، وهما:

1-إخلاص التوحيد لله تعالى بلا شوائب.

2-المحافظة على الصلوات الخمس المفروضة.

 

ولا مَفرَّ من تقويم النَّفس وترويضها علىهذين السَّبيلين على المدى القصير دون تأجيل أو إبْطَاء، إذا نَوى العبدبإخلاص إِصْلاح ما بينه وبين الله - جلَّ شأنه - حقًّا، وقد يكون هذاصَعْبًا وشاقًّا بعض الشَّيء على النَّفس التي طُبِعَت على المعصية، ولكنهفيه نَجاتها وفلاحها.

وإليك البيانَ والتَّوضيح لهما، والله المستعان:

1 - إخلاص التوحيد الله تعالى بلا شوائب:

ولماذا التَّوحيد؟

لأنَّ الشِّرك الذَّنبُ الذي لا يغفره الله تعالى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًاعَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

ولقوله - تعالى-: ﴿وَمَاأُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَحُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُالْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم -: ((أتاني آتٍ من ربِّي فأخبَرَني- أو قال: بشَّرَني - أنه مَن مات مِن أُمَّتِي لا يُشْرك بالله شيئًا دخلالجنَّة))، قلتُ: وإنْ زنَى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنَى وإن سرق))[1].

وأنت بتوحيدك لله يكون لنفسك حقٌّ عند الله تعالى أن يُدْخِلها الجنة:

عن معاذ بن جبل قال: كنتُ رِدْفَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - علىحِمَار يُقال له: عُفَير، فقال: ((يا معاذ، تدري ما حقُّ الله على العباد؟وما حقُّ العباد على الله؟)) قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّحقَّ الله على العباد أن يَعْبدوا الله ولا يُشْرِكوا به شيئًا، وحقُّالعباد على الله - عزَّ وجلَّ - ألاَّ يُعذِّب من لا يُشرك به شيئًا))،قال: قلتُ: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّر الناس؟ قال: ((لا تُبَشِّرْهمفيتَّكلوا))[2].

فإيَّاك والشِّركَ، سواء كان أكبر،كالطَّواف بالقبور، ودُعاء الأموات من دون الله، أو الذَّبح والسُّجودلغيره، أو ما أشبه ذلك مما يُخْرِج الإنسان من المِلَّة، أو شركًا أصغر، لايُخرج الإنسان من الملَّة، ولكنه لا يَأْمَن على نَفْسِه من سخط اللهعليه، فضلاً عن إحباطه للعمل، ومن أنواع هذا الشِّرك الحلف بغير الله، أوتصديق العرَّافين والدجَّالين، أو الرِّياء أو الطِّيَرة، وما أشبه ذلك.

ويجب علينا ترويض النَّفس على التوحيد الخالص لله تعالى بأنواعه الثلاثة:

(توحيد الربوبيَّة)؛ أيْ: لا ربَّ سواه، وإفراده - سبحانه وتعالى - بالخلق، والمُلْك، والتَّدبير، قال - تعالى-: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [فاطر: 3].

(توحيده الألوهيَّة)؛ أي: لا إله سواه، وإدراك أنَّ مَن يشرك به ويموت على ذلك مَصِيره النَّار؛ لقوله - تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36].

(توحيد الأَسْماء والصفات)؛أيْ: إفراد الله - سبحانه وتعالى - بما سَمَّى ووصف به نفسه في كتابه، أوعلى لسان رسوله - صلَّى الله عليه وسلم - مثل صفة النُّزول من السماء،والضَّحِك والفرَح والعجَب، واليد، والعين، والرِّجل... إلخ، وذلك بإِثْباتما أثبَتَه سبحانه وتعالى لِنَفْسِه، وما أثبته له رسولُه - صلَّى اللهعليه وسلم - من غير تَحْريف، ولا تَعْطيل، ومن غير تَكْييف، ولا تمثيل؛لقوله - تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

 2- المحافظة على الصلوات الخمس المفروضة:

الصَّلاة هي الرُّكن الثَّاني من أركانالإسلام، وهي عمود الدِّين وذرْوة سنَامه، مَن أقامها فقد أقام الدِّين،ومن تركها فقد هدم الدِّين، وهي الصِّلة التي تربط العبد بربِّه خَمْسَمرَّات في اليوم واللَّيلة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي،لماذا؟

لأنَّها تجعل العبد دائمًا مُراقِبًا للهتعالى في أعماله وأقواله، في ذَهابه وإِيابه، في سَريرته وعلانيته؛ لأنَّهسبحانه معه حيث كان، فتطمئنُّ نفسه، وتَسْكن جوارحه، ويستريح قلبه وفؤادهمن هُموم الدُّنيا ومتاعبها؛ ولهذا كان النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلم- إذا حان وقت الصَّلاة يقول لِمُؤذِّنه بلال - رضي الله عنه -: ((قُمْ يابلال، فأَرِحْنا بالصَّلاة))[3].

 

ومِن ثَم أداء الصلاة أمر لا يحتمل التَّأجيل، وإلاَّ وقع صاحب هذه النَّفس المتمرِّدة على شرع الله تحت وعيد قوله - تعالى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا*إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 59 - 60].

قال ابن كثير في"تفسيره" ما مُخْتصَره: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: 59]؛ أيْ: قرون أُخَر، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59] وأقبَلوا على شهوات الدُّنيا وملاذِّها، ورَضُوا بالحياةالدُّنيا واطمأنُّوا بها، فهؤلاء سيَلْقون غيًّا؛ أيْ: خسارًا يوم القيامة،وقد اختلفوا في الْمُراد بإضاعة الصَّلاة هاهنا، فقال البعض: المرادبإضاعتها تَرْكُها بالكُلِّية، وقال غيرُهم كالأوزاعيِّ: إنَّما أضاعواالمواقيت ولو كان تركًا كان كفرًا.

 وقال الأوزاعي: قرَأ عُمَر بن عبدالعزيز: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59]، ثم قال: لَم تكن إضاعتُهم تَرْكها، ولكن أضاعوا الوقت، وقالمُجاهد: ذلك عند قيام الساعة، وذهاب صالِحي أُمَّة محمد - صلَّى الله عليهوسلم - يَنْزُو بعضهم على بعض في الأَزِقَّة، وقال الحسن البصريُّ: عَطَّلوا المساجد ولزموا الضَّيعات))[4].

وقوله - تعالى-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ*وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ*حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ*فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 42 - 48].

 وفي السُّنَّة الصحيحة عشرات من الأدلَّة،فيها من التحذير والوعيد الشديدَيْن؛ ما يجعل ترك الصلاة كبيرة من أعظمالكبائر التي تؤدِّي بصاحبها إلى النار، والعياذ بالله الرحيم منها.

من ذلك:

ما رواه أحمد وغيرُه أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ((مَن حافظعليها كانت له نورًا وبُرْهانًا ونَجاة يوم القيامة، ومَن لَمْ يُحافظعليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارونوفِرْعون وهامان وأُبَيِّ بن خلف))[5].

 

ما رواه مسلم عن جابر بن عبدالله قال: سمعتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلم- يقول: ((إنَّ بين الرجل وبين الشِّرك والكُفْر تَرْكَ الصلاة))[6].

وقال النوويُّ في شرح الحديث ما مُختصره: "ومعنى ((بينه وبين الشرك ترك الصلاة)): أنَّ الذي يَمْنع من كُفْرِه كونُهلم يَتْرك الصلاة، فإذا ترَكَها لم يَبْقَ بينه وبين الشِّرك حائل، بلدَخَل فيه، وأمَّا تارك الصَّلاة فإنْ كان مُنْكِرًا لِوُجوبها فهو كافِرٌبإِجْماع المُسْلمين، خارج من ملَّة الإسلام؛ إلاَّ أن يكون قريبَ عَهْدبالإسلام، ولم يُخالِط المُسْلِمين مُدَّة يَبْلغه فيها وجوب الصَّلاةعليه، وإن كان تَركه تكاسُلاً مع اعتقاده وجوبَها كما هو حال كثير منالناس، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشُّافعي - رحمهما الله- والجماهيرُ من السَّلَف والخلَف إلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإنتاب وإلاَّ قتلناه حدًّا كالزَّاني المُحْصَن، ولكنه يُقْتَل بالسَّيف،وذَهب جماعة من السَّلَف إلى أنه يكفر" اهـ.

ومن ثَمَّ، فمَن أراد لِنَفسه النَّجاةينبغي أن يَحْملها على عمَلِ المكاره، فالجَنَّة لا يدخلها أحدٌ إلاَّبِمَشقَّة، والصَّلاة يجب أداؤُها في أوقاتها وهي ثقيلة على النُّفوسالغافلة، ولا يُواظِب عليها إلاَّ مَن عرف كيف يُرَوِّض نفْسَه ويحملها علىالمكاره ومرضاةِ الله تعالى.

وكلمة أخيرةقبلأن نَشْرع في بيان السُّبُل على المدى الطويل لأصحاب النُّفوس الضعيفةالَّذين لا يجدون غَضاضة في ترك الصلاة، أقول لهم: لقد رخَّص الشَّرعلأصحاب الأعذار بالصَّلاة في البيوت حتَّى زوال العذر، كمَرض، أو مطَر، أوبَرْد شديد، أو ظُلْمة، وغير ذلك، وكذلك رخَّص بالتيمُّم عند فَقْد الماء،والجمع بين الصلوات عند المشقَّة، وقَصْرها عند السَّفر وما أشبه ذلك، وفيديننا سعَة، ولله الحمد والمِنَّة.

ولكن لَمْ يُرَخِّص الشرع في تَرْكهابالكُلِّية أبدًا، ولو فرضًا واحدًا، مهما كانت الأعذار والمُبَرِّرات،اللَّهم إلاَّ مَن ينطبق عليه قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((رُفِعالقلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتَّى يبرأ، وعن النائم حتىيستيقظ، وعن الصَّبِي حتى يَحْتَلم))[7]،‌ثُمإنِّي لَم أجد ما أقوله لمن يستسلم لنفسه الأمَّارة بالسُّوء ويتركالصَّلوات الخمس المفروضة، أو بعضها إلاَّ قوله - تعالى وجلَّ شأنه-: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ*وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14 - 15].

فقد صارت الصلاة عند مثل هؤلاء ثقيلةً علىالقلوب، وصار لسان حالِهم يقول: "يا بلالُ، أرِحْنا من الصَّلاة"! وحسبناالله ونِعْم الوكيل.

ثانيًا: السُّبُل التي تعين النَّفْس على المدى الطويل:

وهذه السُّبل تحتاج لتحقيقها جميعًا علىالمدى الطويل إلى صَبْر ويقين برحمة الله لا يتَزَعزع، وتوكُّلٍ عليهوعزيمة لا تَلِين، ومن هذه السُّبل على سبيل المثال لا الحصر، وفيها مُجْملالأمر في اعتقادي:

1-لا تَفْتُر عن ذِكْر الله تعالى.

2-أتَبْعِ السيِّئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وحافِظْ على حسناتك.

3-تفقَّهْ في دينك؛ لِتَعبد الله على بصيرةٍ من أَمْرِك.

4-لا تفرح بما آتاك الله، ولا تَحْزن على ما فاتك.

5-لا تغترَّ بِكَثْرة الهالكين، والحَقُّ أحَقُّ أن يُتَّبع.

6-لا تَخْش إلاَّ الله تعالى، ولا تأخُذْك فيه لومةُ لائم.

 7- إيَّاك وطولَ الأمل في الدُّنيا، واذكر الموت والبِلَى.

 8- لا تُحبَّ إلاَّ في الله، ولا تُبْغِض إلاَّ فيه.

9-لا يَغُرَّك الحسَب والنَّسب والمال عن أمر الحِساب.

10-تخَلَّص من آفات الجوارح المُحْبِطة للعمل.

11-لا تُهْمِل محاسبة نفسك ومراقبتها يوميًّا.

 12- لا تتحمَّل أوزار غيرك، وكُنْ قوَّامًا على أهلك.

 13- أَطِبْ مطعمك، ولا تأكل من حرام أو شبهة.

 14- أحْسِن الظنَّ بالله، ولا تيئس من رحمته أبدًا.

 15- جاهِدْ نفسك على ترك الشَّهوات وإتيان المكاره.

16-لا تقترب من مواضع الفِتَن حتَّى لا تقع فيها.

 

17-الْتَزم بمنهج أهل السُّنة والجماعة؛ لأنَّها الفرقة الناجية.

 

وحتَّى لا يَطول بنا البيان في شَرْح كلِّهذه السُّبل؛ أكتفي هنا ببيان الثَّلاثة الأولى منها، وأترك الباقيلفِطْنة واجتهاد القارئ في معرفة تفاصيلها وبيانها.

 وأُوصيهبالبحث والتأمُّل في هذه الكتب الثلاثة النَّفيسة للعلاَّمة ابن القيِّمتلميذ شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمهما الله تعالى - وفيها ما يَكْفيويشفي، والله المستعان:

1-"إغاثة اللَّهفان من مصائد الشيطان".

2-"الجواب الكافي لمن سأل عن الدَّواء الشَّافي".

3-"روضة المُحِبِّين ونزهة المشتاقين".

 ولْنَشرع في بيان السُّبل الثَّلاثة الأولى بلا تطويل مُملٍّ أو تقصير مُخِل، والله المستعان.

 1 - لا تفتر عن ذكر الله تعالى:

قال - تعالى-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: 152]، وقال - تعالى-: ﴿وَاذْكُرْرَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَالْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].

وقال النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلم -: ((مثَلُ الذي يَذْكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه، مثَلُ الحيِّ والميِّت))[8].

واعلم - أخي القارئ - أنَّ الذَّاكر للهتعالى قريبٌ من ربِّه، وفي جَناب رَحْمته وكرَمِه، تَستغفر له ملائكتُه،وينبغي أن يَلْتَزم بآداب الذِّكر وشروطِه؛ ليكون مقبولاً عند الله تعالى،وتَسْمُو نفْسُه بِقُربِها من الله تعالى.

قال النوويُّ في كتابه "الأذكار" (1/ ص 10) ما مُختصَره:

"الذِّكر يكون بالقلب، ويكون باللِّسان،والأفضل منه ما كان بالقَلْب واللِّسان جميعًا، فإنِ اقتصر على أحدِهِمافالقلب أفضل، ثُمَّ لا ينبغي أن يَتْرك الذِّكر باللِّسان مع القلب؛ خوفًامن أن يُظَنَّ به الرِّياء، بل يَذْكر بهما جميعًا، ويقصد به وَجْه اللهتعالى".

 

ثم قال - رحمه الله تعالى-:

"اعلم أنَّ فضيلة الذِّكر غير مُنْحَصِرةفي التَّسبيح والتهليل، والتحميد والتَّكبير ونَحْوِها، بل كلُّ عاملٍ للهتعالى بطاعة فهو ذاكِرٌ لله تعالى، كذا قاله سعيد بن جُبَير - رضي الله عنه- وغيره من العلماء.

وقال عطاء - رحمه الله -: مَجالس الذِّكر هي مَجالس الحلال والحرام؛كيف تَشْتري وتبيع؟ وتصلي وتصوم؟ وتنكح وتطلِّق؟ وتحجُّ؟وأشباه هذا"؛ اهـ.

 والنفس تطمئنُّ إلى ما يطمئِنُّ إليه القلب، والقلب يطمئن بذِكْر الله؛ كما قال - تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

ومِن ثَمَّ، لا مندوحة من كَثْرة الذِّكر؛ لِمَا له من الفوائد العظيمة في صَلاح النَّفس والقلب معًا.

وقال ابن القيِّم - رحمه الله تعالى - في "الوابل الصَّيِّب من الكَلِم الطيِّب"، (1/ ص56) عن فوائد الذِّكر ما مُختصَرُه:

"ولا ريب أنَّ القلب يَصْدأ كما يصدأالنُّحاس والفِضَّة وغيرهما، وجِلاؤه بالذِّكر، فإنه يَجْلوه حتى يَدَعَهكالمِرْآة البيضاء، فإذا ترك صَدِئ، فإذا ذكَر جلاه.

وصدَأُ القلب بأَمْرين؛ بالغفلة، والذَّنب، وجِلاؤه بشيئين؛ بالاستغفار، والذِّكر.

فمَن كانت الغفلةُ أغلبَ أوقاته كانالصَّدأ مُتَراكبًا على قلبه، وصدَؤُه بحسب غفلته، وإذا صَدِئ القلب لمتَنْطبع فيه صُوَر المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحقِّ،والحقَّ في صورة الباطل؛ لأنَّه لَمَّا تراكَم عليه الصَّدَأ أظْلَمَ فلمتَظْهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسودَّورَكِبه الرَّان، فسَد تصَوُّره وإدراكه، فلا يَقْبل حقًّا ولا يُنْكِرباطلاً، وهذا أعظم عقوبات القلب.

وأصل ذلك من الغفلة واتِّباع الْهَوى؛ فإنهما يَطْمِسان نور القلب ويعْمِيان بصَره؛ قال - تعالى-: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

فإذا أراد العبد أن يَفْتدي برجل فَلْينظر: هل هو من أهل الذِّكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكِمُ عليه الهوى أو الوحي؟

فإن كان الحاكم عليه هو الْهَوى وهو منأهل الغَفْلة، كان أمره فرُطًا، ومعنى الفرُطِ قد فُسِّر بالتضييع؛ أيْ: أمْرُه الذي يجب أن يَلْزَمَه ويقوم به، وبِه رشْدُه وفلاحه ضائع قد فرطفيه، وفُسِّر بالإسراف؛ أيْ: قد أفرط، وفُسِّر بالإهلاك، وفُسِّر بالخلافللحقِّ، وكلها أقوال متقارِبَة، والمقصود أنَّ الله - سبحانه وتعالى - نَهىعن طاعة مَن جَمَع هذه الصِّفات.

فينبغي للرَّجل أن ينظر في شيخه وقُدْوتهومَتْبوعه، فإنْ وجَده كذلك فلْيبْعد منه، وإنْ وجَدَه ممن غلب عليه ذِكْرالله  - عزَّ وجلَّ - واتِّباع السُّنة، وأمره غير مَفْروط عليه، بل هوحازم في أمره - فلْيَستمسك بِغَرْزِه، ولا فرق بين الحيِّ والميت إلاَّبالذِّكر، فمَثَل الذي يَذْكر رَبَّه والذي لا يذكر ربَّه كمثَل الحيِّوالميت.

ثمذكر - رَحِمَه الله تعالى - عشرات من فوائد ذِكْر الله تعالى، والتي فيهاصلاحُ القلوب والنُّفوس، نَذْكر بعضها هنا، والله المستعان:

1- أنَّه يَطْرد الشَّيطان ويقمعه ويكسره.

2-أنه يُرْضي الرحمن - عزَّ وجلَّ.

3-أنه يزيل الهم والغم عن القلب.

4- أنه يَجْلب الرِّزق.

5-أنه يكسو الذَّاكر المهابة والحلاوة والنضرة.

6-أنه يورثه المَحبَّة التي هي رُوح الإسلام وقُطْب رحَى الدِّين، ومدارالسعادة والنَّجاة، وقد جعل الله لكلِّ شيء سببًا، وجعل سبب المَحبَّة دوامالذِّكر، فمن أراد أن يَنال مَحبَّة الله - عزَّ وجلَّ - فلْيَلْهَجبذِكْره؛ فإنه الدَّرس والمذاكرة كما أنه باب العلم، فالذِّكْر بابالمَحبَّة وشارعها الأعظم وصِرَاطها الأقوم.

7-أنَّه يورثه المراقبة حتى يُدْخِله في باب الإحسان، فيَعْبد الله كأنَّهيراه، ولا سبيل للغافل عن الذِّكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعدإلى الوصول إلى البيت.

 

8-أنه يورثه الإِنَابة، وهي الرُّجوع إلى الله - عزَّ وجلَّ - فمتَى أكثرالرُّجوع إليه بِذِكْره أورَثَه ذلك رجوعَه بقلبه إليه في كلِّ أحواله،فيَبْقى الله - عزَّ وجلَّ - مَفْزَعَه وملجَأَه، ومَلاذَه ومَعاذَه،وقِبْلةَ قلْبِه، ومَهْرَبه عند النوازل والبلايا.

9-أنَّه يورثه الهيبة لربِّه - عزَّ وجلَّ - وإجلالَه؛ لشدَّة استيلائه علىقلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل، فإنَّ حجاب الهيبة رقيقٌ فيقلبه.

10-أنَّه يورثه ذِكْرَ الله تعالى له؛ كما قال - تعالى-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، ولو لم يكن في الذِّكر إلاَّ هذه وحدها لكَفى بها فضلاًوشرفًا، وقال - صلَّى الله عليه وسلم - فيما يَرْوِي عن رَبِّه - تباركوتعالى -: ((مَن ذكَرَني في نفْسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكَرني في مَلأٍذكَرْتُه في ملأٍ خير منهم)).

 11- أنه يحطُّ الخطايا ويُذْهِبها؛ فإنَّه من أعظم الحسنات، والحسنات يُذْهِبن السيِّئات.

12-أنه سبب اشتغال اللِّسان عن الغيبة والنَّميمة، والكذب والفُحْش والباطل،فإنَّ العبد لا بُدَّ له من أن يتكلَّم، فإن لم يتكلَّم بِذِكْر الله تعالىوذِكْر أوامره تكلَّم بهذه المُحَرَّمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السَّلامةمنها ألبتَّة إلاَّ بذِكْر الله تعالى.

والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمَنعوَّد لِسانه ذِكْرَ الله صان لسانه عن الباطل واللَّغو، ومن يبس لسانه عَنذِكْر الله تعالى ترَطَّب بكلِّ باطل ولَغْو وفُحْش، ولا حول ولا قوةإلاَّ بالله.

2- أتْبِعِ السيِّئة الحسنة تَمْحُها، وحافِظْ على حسناتك:

فلو نطَق لِسانُك بكلمة لا يَرْضاها اللهتعالى كغِيبة أو نَميمة أو كذبة فهذه سيِّئة، وللمحافظة على رُجْحان كفَّةحسناتك، أتْبِع السيِّئة الحسنة، وهذا ما أوصانا به الحبيبُ - صلَّى اللهعليه وسلم - قال: ((اتَّقِ الله حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السيِّئةَ الحسنةتَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بِخُلُق حسن))[9].

فعليك بذِكْر الله، ولك بكلِّ تسبيحة صدقَة، وكلِّ تهليلة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، أو قل بعدها: "أستغفر الله العظيم، وأتوب إليه"،وإيَّاك والإصرارَ على الخطأ في الكلام، فرُبَّما كانت كلمة تُخْرِجك منالمِلَّة؛ لحديث البخاريِّ عن أبي هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلمقال: ((إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة من رِضْوان الله لا يُلْقِي لَهابالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله لايُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنَّم))[10].

ومن رحمة الله أنَّه يُجازي السيِّئةبالسيِّئة، والحسنة بِعَشر؛ لِحَديثِ مُسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولالله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((قال الله - عزَّ وجلَّ -: إذا هَمَّ عبديبسيِّئة فلا تَكْتبوها عليه، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها سيِّئة، وإذا هَمَّبحسنة فلم يَعْمَلها فاكتبوها حسَنة، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها عشرًا))[11].

 فالمقصود:إنْ عَمِلْت عملاً لا يَرْضاه الله حرَّضك عليه شيطانُك؛ لِغَضب أو كِبْر،فعليك بِعَمَل يمحو العمل السيِّئ؛ لأنَّ الحسنات تُذْهِبْن السيِّئات.

وهذا الأمر يَسْتلزم من العبد أن يكونمُراقِبًا ومُحاسبًا لِنَفْسِه، وإلاَّ هلك بتراكُم السيِّئات، وقِلَّةالحسنات يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاَّ مَن أتى الله تعالى بِقَلب سليم.

ويَجِب على مَن تستحلُّ نَفْسُه المعصيةأيًّا كانت أن يُبادر إلى تقويمها وترويضها، ولا يتركها على هواها،فتُفْسِد عليه دينَه ودنياه، ولا يكتفي بإصلاح خُطاها بالحسنات الماحية، بللا بُدَّ من تغييرها للأفضل ولو بالتدرُّج؛ وذلك عن طريق المجاهدة.

 قال العلاَّمة ابن القيِّم في "الفوائد" (1/60) ما نَصُّه:

"قال - تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] علَّق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمَلُ الناس هدايةأعظَمُهم جِهادًا، وأفرض الجهاد جهاد النَّفْس، وجهاد الْهَوى، وجهادالشيطان، وجهاد الدُّنيا، فمَن جاهَدَ هذه الأربعة في الله هداه الله سبُلَرِضاه المُوصلة إلى جَنَّتِه، ومن ترك الجهاد فاته مِن الْهُدى بحسب ماعطَّل من الجهاد، قال الْجُنَيْد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتَّوبةلَنهدِيَنَّهم سبُلَ الإخلاص، ولا يتمكَّن من جهاد عدوِّه في الظاهر إلاَّمَن جاهد هذه الأعداء باطِنًا، فمن نُصِر عليها نُصر على عدوِّه، ومننُصِرَتْ عليه نُصِر عليه عدوُّه"؛ اهـ.

3- تفَقَّه في الدِّين؛ لِتَعبد الله على بصيرة مِن أمرك:

أغْلَب عيوب وآفات النَّفس تأتي من الجهلبالحلال والحرام، ولو تفقَّه العبد في دينه لاسْتَطاع ترويض نفسه وتقويمهاعلى طاعة الله تعالى، وفي القرآن والسُّنة من الحَثّ على العلم والتعلُّمنصوص كثيرة، أذكر منها:

قوله - تعالى-: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

وقوله - تعالى-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11].

ومن السُّنة قوله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((لا حسَدَ إلاَّ فياثنتَيْن: رجُلٍ آتاه الله مالاً، فسُلِّط على هلَكَتِه في الحقِّ، وآخرآتاه الله حكمة فهو يَقْضي بها ويُعَلِّمها))[12].

وقوله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((مَن سلَك طريقًا يَلْتمس فيه عِلمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة))[13].

والوسيلة للتفقُّه تأتي من عدَّة طُرُق، منها:

1-أن يُحضِّر درسًا أسبوعيًّا على الأقلِّ، في المسجد أو عن طريق الاستماعأو المشاهدة، ولْيُكثِر من الاطِّلاع والقراءة لِكُتُب العلماء الثِّقات منأهل السُّنة والجماعة.

2-أن يَسأل أهل الذِّكر ويَسْتفسر حتَّى يستوثق من الصَّواب عندما تستشكلعليه بعضُ المسائل؛ لتوضيح ما لم يَفْهمه، ولْيَحْذر من تفسيرها على هواه،فيفهم غير مرادها، فيقع في معاصٍ لم يكن يَرْتَكِبها، ولْتَكن أسئلته فيالمُهِمِّ، وليس في إشكالات وتفاهات، وإنَّما ما ينفع دينه ودُنياه.

3-أن يعمل بما يَعْلم، ولا يكون التزامه أجوف؛ لأن العمل بدون عِلْم لا يكون، والعلم بدون عمل جنون.

يقول ابن القيِّم في كتابه "طريق الهجرتين"، (1/ 278) ما نصُّه:

"فمِن الناس مَن يكون له القُوَّةالعلميَّة الكاشفة عن الطريق، ومنازِلِها وأعلامها، وعوارضها ومَعاثرها،وتكون هذه القُوَّة أغلب القُوَّتَيْن عليه، ويكون ضعيفًا في القوَّةالعمليَّة، يبصر الحقائق ولا يعمل بِمُوجبِها، ويرى الْمَتالف والْمَخاوفوالْمَعاطب، ولا يتوقَّاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، وإذا حضر العملشارك الجُهَّال في التخلُّف، وفارقَهم في العلم، وهذا هو الغالِب على أكثرالنُّفوس المشتَغِلَة بالعلم، والمعصومُ مَن عصَمَه الله، ولا قُوَّة إلاَّبالله.

ومن النَّاس مَن تكون له القُوَّةالعمَليَّة الإراديَّة، وتكون أغلب القُوَّتين عليه، وتقتضي هذه القوَّةالسَّيْر والسُّلوك، والزُّهد في الدُّنيا، والرَّغبة في الآخرة، والجِدَّوالتَّشمير في العمل، ويكون أعمى البصَر عند وُرود الشُّبهات في العقائد،والاِنْحرافات في الأعمال والأقوال والْمَقامات كما كان الأوَّل ضعيف العقلعند وُرود الشَّهوات، فَداءُ هذا مِن جهله، وداء الأوَّل من فَساد إرادتهوضَعْف عقله.

وهذا حال أكثر أرباب الفَقْر والتصوُّفالسَّالكين على غَيْر طريق العِلْم، بل على طريق الذَّوْق والوجد والعادة،يرى أحدهم أعمى عن مَطْلوبه لا يَدْري مَن يَعْبد ولابِمَاذا يعبده؟فتارةًيَعْبده بِذَوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه، مِن لبْس معيَّن،أو كشف رأس، أو حَلْق لِحْية ونحوها، وتارة يَعْبُده بالأوضاع التيوضَعَها بعضُ المُتَحذْلِقين، وليس له أصْلٌ في الدِّين، وتارة يعبده بماتُحبُّه نفسه وتهواه، كائنًا ما كان، وهُنا طرُق ومَتاهات لا يُحْصِيهاإلاَّ ربُّ العِباد.

فهؤلاء كلُّهم عمي عن ربِّهم وعن شريعتهودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بَعَث به رسُلَه، وأنزل به كتُبَه، ولايَقبل مِن أحدٍ دِينًا سواه، كما أنَّهم لا يَعْرفون صفات ربِّهم التيتعرَّف بها إلى عِباده على ألْسِنَة رسُلِه، ودعاهم إلى معرفته ومَحبَّتِهمِن طريقها، فلا معرفة بالرَّبِّ، ولا عبادة له، ومن كانت له هاتانالقُوَّتان استقام له سَيْره إلى الله، ورُجِيَ له النُّفوذ، وقَوِيَ علىردِّ القواطع والموانع بِحَول الله وقُوَّته، فإنَّ القواطع كثيرة، شأنهاشديدٌ، لا يَخْلص مِن حبائلها إلاَّ الواحد بعد الواحد، ولولا القواطعوالآفات لكانت الطَّريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها، وذهب بها،ولكنَّ الله يَفْعل ما يريد.

والوقت - كما قيل - سيفٌ، فإنْ قطَعْتَه،وإلاَّ قطَعَك، فإذا كان السَّير ضعيفًا، والهِمَّة ضعيفة، والعلم بالطريقضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة، فإنَّه جَهْد البلاء،ودَرَكُ الشَّقاء وشَماتة الأعداء، إلاَّ أن يتدارَكَه الله برحْمَة منهمِن حيثُ لا يَحْتسب، فيأخذ بِيَدِه، ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولِيُّالتوفيق؛ اهـ.

 

ونكتفي بما ذكَرْنا من شَرْح وبيانٍ لسُبُلِ علاج النَّفْس وتهذيبها، والله من وراء القصْد، وهو يهدي السبيل.

وكتبه/ الكاتب والداعية الإسلامي المصري سيد مبارك

[1]أخرجه البخاري في الجنائز ح/ 237، ومسلم في الإيمان ح/ 94.

[2]أخرجه مسلم في الإيمان ح/ 30، والبخاري في الجهاد ح/ 2856.

[3]أخرجه أبي داود في الأدب، وصحَّح الألبانِيُّ إسناده في "سنن أبي داود"، ح/ 4986.

[4]"تفسير القرآن العظيم"، لابن كثير، (3/ 125).

[5]أخرجه أحمد، والبيهقيُّ في "شُعَب الإيمان"، وصحَّح الألبانِيُّ إسناده في "المشكاة"، ح/ 578.

[6]أخرجه مسلم في الإيمان ح82، وأبو داود في السُّنة ح/ 4678.

[7]قال الألباني: "صحيح"؛ انظر حديث رقم: 3512 في "صحيح الجامع".

[8]أخرجه البخاري في الدَّعوات ح/ 6407.

[9]أخرجه التِّرمذي في "البِرِّ والصِّلة"، وصحَّح الألباني إسناده في "الجامع"، ح/ 97.

[10]أخرجه البخاري في الرِّقاق ح/ 6478.

[11]أخرجه مسلم في الإيمان ح/ 128.

[12]أخرجه البخاري في العلم ح/ 73، ومسلم في صلاة المسافرين ح/ 816.

[13]وإسناده صحيح، انظر حديث رقم: 6298 في "صحيح الجامع"، للألباني.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق