]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الاختلاط بين الجنسيين وعواقبه في الدين والدنيا

بواسطة: سيد مبارك  |  بتاريخ: 2011-11-13 ، الوقت: 21:03:11
  • تقييم المقالة:
الاختلاط الفاحش وعواقبه في الدين والدنيا

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فهو المُهْتدي، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:

فالاختلاط الفاحش بين الجنسَيْن أصبح في عصرنا الحاليِّ يُنبئ بانحطاط الأخلاق، وانهدام القِيَم والمبادئ، وضَياعٍ للشَّرف والكرامة، وللأسف الشديد يُشجَّع الاختلاط ويُحثُّ عليه كثيرًا ممن لا يتَّقون ربَّهم من أدعياء التقدُّم والتمدُّن، يريدون بذلك أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، والله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19].

ولا يستحي الواحد منهم أن يطلق الأسماء الباطلة على الاختلاط؛حتى يصير حلالاً، فيقولون لنا عن اختلاط رجل بامرأة لا تحل له بأنَّها صداقة بريئة، أو زمالة، أو غير ذلك، وكلُّه يُراد به باطل، وتحليل ما حرَّمه الله تعالى.

قال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النحل: 116 - 117].

هذا، وقد تفشَّى وعمَّ الاختلاط بين الجنسين في جميع مجالات الحياة؛ من مدارِسَ وجامعات، ومؤسَّسات ومصانع، والعجب كل العجب أنَّ المرأة المُسْلمة تركَتْ تعاليم دينها إلى ما حرَّم الله من ابتذال وعُرْي، وسُفور واختلاط فاحش، كما تفعل المرأة الأوربية شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، ولو أضفنا كساد سوق الزَّواج؛ لارتفاع تكاليفه الفَلَكيَّة؛ من شقَّة، وأثاث، ومهر مُغالى فيه، ومصاريف (الفرَح)، و(الكوافير)... إلى آخره مما لم يشرعه دينُنا، ولم يأمر به نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

كل ذلك جعل الزَّواج - الذي هو السبيل إلى العِفَّة والفضيلة، والحصانة من الفاحشة والرذيلة - صعْبَ المنال، ومن رابع المستحيلات! لماذا؟ لأنه، فضلاً عمَّا ذكرنا آنفًا من صعوبة توفير المبالغ الفلكية لمشروع الزواج، فإنَّ الشباب - إلاَّ من عصمهم الله تعالى عن الوقوع في الحرام - رَأى أمامه الحرام ميسورًا؛ من فتيات يَعْرِضن زينتهنَّ، ويكشفْنَ أكثر ممَّا يَسْتُرن من أجسامهن، فضلاً عن اختلاطهن الفاحش بلا ضابط أو رابط، أو حسيب أو رقيب، وخلوتهنَّ بشباب هاجَتْ غرائزُه، فأخذ يمتِّع عينيه بالنَّظر إليهن، وتحت دعاوى الحُبِّ والرومانسية اختلط الحابل بالنابل، ووقع كثيرٌ من الشَّباب من الجنسين - في سبيل إرواء وإشباع الرَّغبات الجنسيَّة المحمومة - فيما حرَّم الله، فتزوَّجوا سرًّا عن طريق ما يُسمَّى بالزواج السرِّي، أو زواج الدَّم، أو غيرهما من صُوَر الزواج (المودِرْن) الذي يتمُّ بلا ولي أو شهود، وظُنَّ شرًّا ولا تسأل عن الخبَر.

وحصيلة كلِّ هذا بلا مُوارَبة انتشارُ حالات الاغتصاب، وهتْك الأعراض، مما يدلُّ ويثبت خطورة الاختلاط الموجود في المجتمع، وعلى هذه الصور الفجة، وما زالت النِّساء والفتَيات يَخْرجْن عاريات الصُّدور والنُّحور، والأرداف والسِّيقان... إلخ، وعلى مَسْمع ومرأى الأهل، بلا رادع من دين أو ضمير أو قانون! ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.

المجتمع في حاجة إلى إنعاش:

حقًّا إنَّ المجتمع كُلَّه بأفراده في حاجة إلى إنعاش الذَّاكرة؛ كَيْ يستيقظوا ويرَوا الخطر الذي يُحيط بهم، ومِن ثمَّ فإنِّي أوجِّه نظر أولياء الأمور، وكلِّ مَن يُهمُّه الأمر من أهل الحَلِّ والعَقْد إلى حديث خطير للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخرجه البخاريُّ عن النُّعمان بن بشير - رضي الله عنهما - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مثَلُ القائم على حدود الله والواقعِ فيها كمَثَلِ قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضُهم أعلاها وبعضهم أسفَلَها، وكان الَّذين في أسفَلِها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرَقْنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤْذِ مَن فوقنا، فإن ترَكوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجوا ونجوا جميعًا))؛ أخرجه البخاري في الشركة - (2493)، والترمذي في الفِتَن - (2173).

إنها نصيحة نبويَّة،وعلاجٌ لعدم المبالاة التي عمَّت أفراد الأُمَّة بصفة عامة، والقائمين على تطبيق شرع الله من أولياء الأمور بصفة خاصة،فهل يا تُرى يَستيقظ أفراد الأمَّة رجالاً ونساءً قبل فوات الأوان؟ قبل أن يغرق الجميع في مستنقع يُثير الغثَيان والتقزُّز من الفواحش التي فاحَتْ روائحها التي تزْكم الأنوف من المعاصي التي تُرتكَب جهارًا نهارًا، ولا أحد يتكلَّم، ولا أحد يبدأ بِنَفسه، ألَمْ يحذِّر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الجميع في الحديث الذي رواه عنه حذيفة - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تَدْعونه فلا يُستجاب لكم))؛ أخرجه الترمذي في الفِتَن - (2169) وإسناده حسن.

إن حالات عدم المبالاة التي يشعر بها كثيرٌ من أفراد الأمَّة بِتَرْك الاختلاط على هذه الصُّوَر المزرية والشاذَّة؛ لَيُدمِّر الأخلاق والقِيَم، وما تعارَف عليه الجميع من تقاليدَ أصيلة - لَعارٌ سوف يظلُّ يلاحق هذا الجيل من الآباء والأمَّهات الذين أهملوا تربية أبنائهم وبناتهم، وترَكُوهم بلا توجيه أو رعاية دينيَّة؛ ممَّا أدَّى إلى ضياعهم وانحرافِهم عن الطريق السويِّ، ولأَولياءُ الأُمور الَّذين بيدهم الحَلُّ والعَقْد لهم نصيبٌ في هذا العار؛ لأنهم صَمُّوا آذانهم عن الاستماع لكلمة الحقِّ من العلماء المخلصين الثِّقات، وهم أهل الذِّكر الذين أمرَنا الله بِسُؤالهم؛ قال - تعالى -: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

لقد حَذَّروا من الاختلاط والتبرُّج والسُّفور، وترك الحبل على الغارب، ولكنَّهم - للأسف الشديد - حاربوهم ورفضوا الإصغاء لصوت الحقِّ والعقل، في الوقت الذي تركوا فيه أهل الفساد والإفساد من أدْعِياء التَّقدُّم والتمدُّن يسيطرون على وسائل الإعلام المختلفة، فأغرَقوا الأُمَّة بأفلام الجِنْس والمخدِّرات، والفجور والإباحيَّة، وسَخِروا من العلماء وأهل السُّنة حتى في الشكل الخارجي، فصارت اللِّحية والقميص الأبيض والسِّواك مادَّة للسُّخرية والاستهزاء!! وصار أهل الفنِّ التمثيلي والموسيقا قِمَمًا يُشار لهم بالبَنان؛ فهم ثَرْوة قوميَّة يجب الحفاظ عليهم.

ونحن نحذِّر من استمرار هذا الوضع المعكوس والشاذِّ، الذي لا يؤدِّي إلاَّ إلى إغراق الأُمَّة في الشهوات والملذَّات، وإرضاء النفس والهوى على حساب الدِّين والخير والجمال، وأسأل الله أن يهدي وُلاة أمورنا إلى الحقِّ بإذنه، وأن يوفِّقَهم إلى تطبيق شريعته وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على عباده؛ لِمَا في ذلك من ثواب الدُّنيا والآخرة، ونزول البرَكة والخير على الجميع.

شبهات يُثيرها أنصار الاختلاط:

إنَّ أنصار الاختلاط والتبرُّج والسفور يُثيرون عدَّة شبهات؛ يريدون بذلك ثغرةً يُشَكِّكون من خِلالها في القرآن والسُّنة النبوية، أو يستحلُّون الحرام بتأويل الأدلَّة على هواهم؛ لإِباحة الاختلاط بين الجنسَيْن بلا ضابط أو رابط من دين أو ضمير.

ولا بأس أن نردَّ على هذه الشبهات، ونوضِّح زَيْفَها وبُعْدَها عن الصواب والحقِّ؛ حتى يَعلم الجميع خطَأَ ما هم فيه من خداع وزيف وباطل، ونُثبت في نفس الوقت إيمان قومٍ مؤمنين، تعرَّضوا للسُّخرية والاستهزاء؛ لتمسُّكهم بتعاليم ربِّهم وسُنَّة نبيِّهم - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولهم جزاء ما صبروا واتَّقوا، ورابطوا في سبيل إرساء الحق، وهنيئًا لهم الجنة، وهنيئًا لهم بما وعدهم الله تعالى في كتابه الكريم؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ *فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ *كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ [الطور: 17 - 20].

الشبهة الأولى:

حديثان أخرَجَهما الشيخان، أثاروا حولَهما الشُّبهات، واستدلُّوا بعقولهم القاصرة وقلوبهِم المريضة من خلالهما ما يوافق هواهم ومُرادهم في إباحة الاختلاط والتبرُّج، وإليك الحديثَيْن؛ لتكون على بيِّنة من الأمر:

الحديث الأول:

أخرجه مسلم عن أنس - رضي الله عنه -: أنَّ جارًا لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فارسيًّا كان طَيِّب المرق - كناية عن طيب الطعام - فصنع لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم جاء يدعوه، فقال: ((وهذه؟)) لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا))، فعاد يدعوه، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وهذه؟)) قال: لا، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا))، ثم عاد يَدْعوه، فقال رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وهذه؟)) قال: نعَم في الثالثة، فقاما يتدافعان - معناه: يمشي كلُّ واحد منهما في أثر صاحبه - حتى أتيا مَنْزله؛ أخرجه مسلم في الأشربة - باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غيره (2037).

الحديث الثاني:

أخرجه البخاري عن سهل - رضي الله عنه - قال: "لما عَرَّس أبو أُسَيد الساعديُّ دعا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قرَّبَه إليهم إلاَّ امرأتُه أمُّ أسيد، بلَّتْ تمَراتٍ في تَوْر - إناء يكون من النُّحاس - من حجارة من اللَّيل، فلما فرَغ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الطعام أماثَتْه - أيْ: هرسَتْه بيدها - له فسَقَتْه، تُتحِفه بذلك"؛ أخرجه البخاري في النكاح (5182)، ومسلم في الأشربة (2006).

وهذان الحديثان يَدُلاَّن دلالة واضحة - في زعمهم - على جواز الاختلاط؛ ففي حديث مُسلم صَحِب النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عائشةَ - رضي الله عنها - إلى بيت جاره الفارسيِّ لِتَأكل معه وتختلط به.

ولنبدأ بالردِّ على ما أثاروه واستدلُّوا به من هذا الحديث، ولْنَبدأ ردَّنا بسؤال: كيف كانت الصُّورة التي في عقول هؤلاء عن كيفيَّة الزِّيارة؟ أو بعبارة أخرى أكثر وضوحًا: أتُراهم يعتقدون أنَّ السيدة عائشة أُمَّ المؤمنين - رضي الله عنها - ذهبت كما تفعل نساء هذا العصر تضع الواحدةُ منهن المساحيق على وجْهِها وعينيها، وتتطيَّب بالروائح، وترتدي فستان السَّهرة على أحدث خطوط الموضة، وربما في طريقها تذهب إلى الكوافير ليزيدَها جمالاً وفتنة ودلالاً؟! ثم هي تختلط بالرِّجال بلا حياء فتَضحك لهذا، وتَبْتسم لذاك، وترقص مع هذا؛ لأن ذلك من مُتَطلَّبات الإتيكيت؟!

 

هل يا تُري هذه هي الصورة التي يتخيَّلون بعقولهم المريضة حُدوثَها؟!لقد خاب إذًا سعْيُهم، وضلَّ تفكيرهم، وشطحَتْ وعميت بصيرتُهم وبصائرهم عن الحقِّ، إنَّ هذا بلا مُواربة قدْحٌ في أمَّهات المؤمنين، واعتقادُهم أنَّ الاختلاط حدث كما يحدث بين عائلات هذا الزَّمان اعتقادٌ فاسد ومردود، ولا دليل لهم عليه إلاَّ الظن، ثم أين هؤلاء مِن قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33]؟!

نعَم،هم يقولون قولاً، والله تعالى يقول قولاً، فمَن نصدِّق؟! الأمر لا يحتاج إلى تعليق على الإطلاق، وكفى بهذا زجرًا لهم وتوبيخًا، والله المستعان على ما يقولون.

أما الردُّ على ما فهموه واستدلُّوا به في حديث البخاري بأنه يجوز اختلاط المرأة بالرِّجال وتقديم الطعام والمَشْروبات لهم في بيتها، ومُسامرتهم والترحيب بهم... إلى آخره؛ بحُجَّة أنَّ هذا ما فعلَتْه عروس الصحابي "أبي أُسَيد الساعدي" - رضي الله عنهما - فمِن أبعد الأقوال عن الصَّواب والعقل لو أخذوا الرُّخصة بأكثر من حَجْمِها الطبيعي، وأوَّلوها إلى أهدافهم الخبيثة ودعواهم المسمومة.

نعم، يجوز للزوجة أن تُرحِّب بضيوفها في بيتها، ولكن في وجود زوجها أو أحدٍ من محَارمِها، وأن تكون ملتزمة بالزيِّ الإسلامي الشرعي، ولا تخضع بالقول فيَطْمع الذي في قلبه مرض.. إلخ، وإلى غير ذلك من الآداب الإسلامية السامية.

فإن توفَّرَت هذه الشروط والآداب فليس هناك ما يمنع البتَّة، ولكن هم يريدون من الرُّخصة أكثر من هذا، يريدونها إباحيَّة وفجورًا بلا حدود؛ يريدون للزَّوجة أن تكون عارية سافرة، متزينة بالألوان والأصباغ، وتضحك مع هذا، وترقص مع ذاك، وتخلو مع من تشاء! 

ولنا في شرح ابن حجر العسقلانيِّ للحديث مِسْك الختام في الردِّ على هذه الشُّبَه، قال - رحمه الله -: "وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجَها ومَن يدعوه، ولا يخفى أنَّ محَلَّ ذلك عند أَمْنِ الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من السَّتر، وجواز استخدام الرَّجل امرأته في مثل ذلك، وشُرب ما لا يُسْكِر في الوليمة، وفيه جواز إيثار كبير القوم في الوليمة بشيء دون مَن معه".

الشبهة الثانية:

يقولون - وبئس ما قالوه -: إنَّ الاختلاط بين الجنسين يُهَذِّب الطِّباع، ويعالج الكَبْت الجنسي، والحقُّ أنَّ هذه المقولة هي من كلام المجتمعات الغربيِّة وأدعيائهم، وما أدعياء الاختلاط عندنا إلاَّ أتْباع لهم يتكلَّمون بألسنتهم، وهي مقولة بعيدة عن الصواب، بل هي من فِكْر منحرف.

ونظرة إلى المجتمعات الأمريكية والغربية يتبيَّن لنا الأمر جليًّا واضحًا، إنَّ المرأة الأمريكيَّة والأوربية لا تأمن أن تسير في ساعات متأخِّرة من الليل على نفسها من أن تتعرَّض للاغتصاب أو الخطف.

وها هي شهادة امرأة منهم تعيش بينهم، أدركَتْ حقيقة الجرم الشَّنيع لأصحاب الأفكار المنحرفة من أدعياء الاختلاط عندهم، وحذَّرَت من أفكارهم المسمومةِ المرأةَ العربية، فماذا قالت؟

تحت عنوان "امنعوا الاختلاط، وقيِّدوا حُرِّية المرأة" قالت هيلسيان ستانسيري - وهذا اسمها - ما نصُّه: "إن المجتمع العرَبِيَّ كاملٌ وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسَّك بتقاليده التي تقيِّد الفتاة والشابَّ في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوربي والأمريكيِّ، فعندكم تقاليد موروثة تحتِّم تقَيُّد المرأة، وتحتِّم احترام الأب والأُمِّ، وتحتِّم أكثر من ذلك عدم الإباحيَّة الغَرْبية التي تهدِّد اليوم المجتمعَ والأُسْرة في أوربا وأمريكا؛ ولذلك فإنَّ القُيود التي يفرضها المجتمع العرَبِيُّ على الفتاة الصَّغيرة، وأقصد ما تحت سنِّ العشرين، هذه القيود صالحة ونافعة؛ لهذا أنصح بأن تتمسَّكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط، وقيِّدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحيَّةِ وانطلاق ومُجون أوربا وأمريكا.

امنعوا الاختلاط قبل سنِّ العشرين، فقد عانَيْنا منه في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعًا معقدًا مليئًا بكل صُوَر الإباحيَّة والخلاعة، وإنَّ ضحايا الاختلاط والحُرِّية قبل سن العشرين يملَؤُون السُّجون والأرصفة، والبارات والبيوت السرِّية، إنَّ الحُرِّية التي أَعطَيناها لفتياتنا وأبنائنا الصِّغار قد جعَلَت منهم عصاباتِ أحداث، وعصابات جيمس دين، وعصاباتٍ للمخدِّرات والرقيق.

إن الاختلاط والإباحيَّة والحُرِّية في المجتمع الأوربي والأمريكي قد هدَّد الأُسَر، وزلزل القِيَم والأخلاق، فالفتاة الصغيرة تحت سنِّ العشرين في المجتمع الحديث تُخالط الشُّبان وترقص (تشاشا) وتشرب الخمر والسجاير، وتتعاطى المخدِّرات باسْمِ المدَنِيَّة والحريَّة والإباحيَّة، والعجيب في أوربا وأمريكا أنَّ الفتاة الصغيرة تحت العشرين تلعب وتلهو، وتُعاشر مَن تشاء تحت سَمْع عائلتها وبصَرِها، بل وتتحدَّى والِدَيْها ومُدَرِّسيها والمُشْرِفين عليها، تتحدَّاهم باسْم الحرِّية والاختلاط، تتحداهم باسم الإباحية والانطلاق، تتزوَّج في دقائق، وتُطلّق بعد ساعات، ولا يكلِّفها ذلك أكثر من إمضاءٍ وعشرين قرشًا وعريس ليلة أو لبضع ليال، وبعدها الطَّلاق، وربما الزواج فالطلاق مرة أخرى"؛ اهـ.

انظر جريدة الجمهورية، يوم السبت 9 يونيو/ 1962، نقلاً عن "فقه السُّنة" للسيد سابق - رحمه الله تعالى - (2/ 157).

وبعد، فماذا أقول لِمَن هم من جِلْدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا، ويريدون أن يخدعونا باسْمِ المدنية الحديثة والتقدُّم، ويدعوننا إلى الإباحية والفجور والاختلاط؛ ليتدنس المجتمع، فيسهل الصيد وتقع الفريسة؟! ماذا أقول وأردُّ على ما يحدث في الجامعات والمعاهد من اختلاط وفواحش ما يندى له الجبين خجلاً؟! وباسْم الصداقة والزمالة، وتحت شمَّاعة الحُرِّية ودعاوى الحبِّ والرومانسيَّة هُتِكَت أعراض الفتيات، وانتشر الزواج السرِّي والعرفي وزواج الدم بين الطَّلبة والطالبات، فحدثت الخلْوَة، وأطلق الشيطانُ سمُومه ووسوستَه ووقع المحظور، ولما فاحت رائحة الجريمة وانتفخت بطون البنات، اكتشف المجتمع والأهل هوْلَ ومصائِبَ الاستماع لخفافيش الظلام من أدْعِياء التقدُّم والتحرُّر بعد أن فات الأوان، وحسبنا الله ونعم الوكيل، القائلُ في كتابه الكريم محذِّرًا من معصيته والإعراض عن هَدْيِ نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ *وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ *أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 46 - 51].

الشبهة الثالثة:

يقولون: إنَّ كثيرًا من النساء في الإسلام كانوا ممن لم يضربْنَ على وجوههنَّ الحجاب، وكانت الواحدة منهنَّ تختلط بالرِّجال مثل "عائشة بنت طلحة" و"سُكَينة بنت الحُسَين" التي كان يلتقي في مَجْلِسها صفْوَةُ الأُدَباء والشُّعراء وغيرهم... إلخ.

وللردِّ على هذه الشبهة أحبُّ أن أذكر ما قاله صاحب كتاب "إلى كلِّ فتاة تؤمن بالله" فهو ردٌّ رائع، وفيه الكفاية، جاء ما مختصره:

"احتجَّ صاحب هذه الشُّبهة على أن الشريعة الإسلامية لم تقيِّد المرأة بأيِّ ستر أو احتجاب، ولم يمنعها من أن تخالط الرِّجال في مجالسهم وأنديتهم دون أيِّ فارق بينها وبينهم، فأيٌّ مِن مصادر الشريعة تعتدُّ بمثل هذه الأخبار؟ أهي كتاب أم سنَّة أم إجماع أم قياس؟ وما عَلِمْنا وراء هذه المصادر الأربعة دليلاً يثبت به تشريع، وإذا كانت تراجم آحاد النَّاس وأحوالهم دليلاً شرعيًّا مُتَّبَعًا، فما لنا لا نقول بحلِّ شرب الخمر وقد وُجِد في الصحابة والتابعين وخلفاء المسلمين مَن شَرِبها؟!

بل ما لنا لا نقول بحلِّ الفاحشة وقد وجد في الصحابة والتابعين ومَن بعدهم مَن قد ارتكبَها، وما لنا نردِّد ما قاله الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ ابْنِ آدم خطَّاء)) إذا كنَّا نعدُّ أخطاء بني آدم حُجَّة وتشريعًا؟!

إنَّ مِن بديهيات الإسلام أنَّ تصَرُّفات آحاد الناس لا تُعَدُّ دليلَ تشريعٍ إلاَّ أن يكون رسولاً أوحي إليه بِشَرع من الله - عزَّ وجلَّ - فهل كان هؤلاء النِّساء اللاَّتي الْتَقَط صاحبُ الشُّبهة أخبارَهنَّ رسولات من الله إلى الناس؟"؛ اهـ؛ "إلى كل فتاة تؤمن بالله"، للدكتور/ محمد سعيد البوطي.

وبعدُ، فإنها شبهات باطلة،يُراد بها تحليل ما حرَّم الله ورسوله، لكن هَيْهات هيهات أن يُفْلِحوا أبدًا! قال - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].

وأكتفي بِطَرْح هذه الشبهات الثلاثة، وما ذكَرْتُه عن الاختلاط الفاحش وعواقبه في الدِّين والدُّنيا؛ لِيَهلِك مَن هلك عن بيِّنة، ويَحْيا من حيَّ عن بيِّنة، والله - تعالى - مِن وراء القصد، وهو يهدي السَّبيل.

وكتبه/ الكاتب والداعية الإسلامي المصري سيد مبارك

http://sayedmobark.yoo7.com
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق