]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

مفهوم الشرعية بين الانتخابات والاحتجاجات

بواسطة: عماد الورياشي  |  بتاريخ: 2014-01-27 ، الوقت: 10:37:19
  • تقييم المقالة:

مفهوم الشرعية بين الانتخابات و الاحتجاجات

                                                                                                         ذ. عماد الورياشي        

 

لايمكن لأي حاكم أن يصبح حاكما بدون شرعية.

بل لايمكن الوصول إلى أي سلطة سياسية كيفما كانت درجتها وأهميتها في غياب الشرعية.

 فما المقصود بالشرعية ومن أين تستمد وكيف؟

 

شكرا لكلية الحقوق-مراكش- التي سمحت لنا بالوقوف على بعض أهم المفاهيم والمصطلحات القانونية والسياسية، وبفضلها فُتحت أعيننا على جملة من الأحداث التي أصبحنا نراها بشكل مختلف قبل أن نلج هذه الكلية فَ- شتّان بين نظرة ماقبل الجامعة ومابعدها- في أروقتها تعرفنا لأول وهلة على المبادئ الأساسية للقانون والعلوم السياسية، كيف لا وقد جمعت بين دفتيها ثلةً من خيرة أساتذة المغرب بل والعالم العربي.

ولعل من بين تلك المفاهيم، مفهوم الشرعية »« Légitimitéالذي له صبغة قانونية وسياسية في نفس الآن، وهو يختلف عن المشروعية « Légalité » التي تعني القانونية، أي مدى مطابقة الأعمال والتصرفات للقانون، فلا بأس من التذكير بأنّ الشرعية مفهوم عميق، تطرق له فلاسفة و مفكرين وفقهاء قانون، من بينهم "ج.ج. روسو" و "ط. هوبز" و'' م. فيبر" و "ب. بورديو" وغيرهم.

فالشرعية بادئ ذي بدء تكمن في استناد السلطة السياسية على سند قانوني، منه تستمد سبب وجودها كسلطة حاكمة. وهو مفهوم أقرب نسبيا إلى مفهوم البيعة كما تطرق له "ابن خلدون" لكن يبدو أكثر تدقيقا ووضوحا عند المفكرين الذين أسلفنا ذكرهم، كعالم الإجتماع الألماني "ماكس فيبر"، الذي ذهب إلى أن الشرعية يمكن أن تُستمد من ثلاثة مصادر: السلطة الكاريزمية، السلطة التقليدية، السلطة العقلانية/القانونية. وتُعرِّف الموسوعة الدولية الاجتماعية مفهوم الشرعية بكونه: "الأسس التي تعتمد عليها الهيئة الحاكمة في ممارستها للسلطة، وتقبُّل المحكومين (الشعب)لهذا الحق" أي أن مصدر الشرعية هو الشعب وهذا التعريف الأخير أقرب إلى التحديد الذي أعطانا إياه الأستاذ"محمد الغالي" ( أستاذ العلوم السياسية كلية الحقوق مراكش) الذي عرف الشرعية بكونها "تلك الفلسفة التي يقوم عليها النظام" وشبّهها ب" الوعاء الذي يشكل مصدر صناعة القبول والتراضي بين الحاكم والمحكوم."

والملاحظ أن الخيط الناظم بين كل التعاريف -التي ذكرنا والتي لم نذكر- هو الإجماع على مصدر الشرعية، بحيث لوطرحنا سؤال (الأين) من أين تستمد الشرعية؟ لوجدنا كل التعاريف تتواضع على اعتبار الشعب هو المصدر الوحيد الشرعية.

ولو تسائلنا الآن عن الكيف، أي عن الوسيلة القانونية (المشروعة)، التي تسعف الحاكم في الوصول إلى الحكم ومن ثم ممارسة السلطة في مناخ ديمقراطي يتمتع برضى المحكوم ويتسم بالشرعية، لوجدنا أنها: الإنتخابات « les élections »وذلك لاعتبارها الآلية القانونية الوحيدة للوصول إلى الحكم، وبهذا المعنى تكون الانتخابات هي الوسيلة الرسمية المتعارف عليها، التي تتيح الوصول إلى سدة الحكم ديمقراطيا، وعليه فإن الطريق الأوحد إلى الشرعية هو الانتخابات الديمقراطية.

لكن –وهذا هو الدافع من كتابة هذا المقال- التحديد الأكاديمي للمفاهيم ربما لم يعد ينسجم والأحداث الطارئة التي تعيشها الساحة الدولية هذه الأيام، فبعض الأحداث أثبتت خلاف مارأينا عند رجال الفكر والقانون، أي ليست الانتخابات هي الطريق الوحيد المؤدي إلى الشرعية بل هناك طرق مثل ثورات الربيع العربي، مظاهرات أكرانيا وتايلاند وأحيانا إنقلابات بحلة جديدة مصر مثلا.

وبناء على ماسبق نتساءل: ماعلاقة الشرعية بكل من الاحتجاجات والانتخابات؟ بتعبير آخر أين الشرعية من المظاهرات والانتخابات؟ وهل لازالت الانتخابات هي الطريق الأوحد نحو السلطة ؟

 

الإحتجاج والإعتصام حتى سقوط النظام

إن الاحتجاج ظاهرة غير متحكم فيها، فهو وسيلة للتعبير عن عدم الرضى إزاء شيء معين، ليس له لازمان ولامكان محدد سلفا بل يتم التوافق على تفاصيله بشكل شبه عفوي، نظرا لكونه ابن سياقه وليس سابقا عليه، أو محدد قبلا، لذا يبقى سلوكا عرضيا، وقد دخلت الاحتجاجات في إطار القانون، فالحق في التظاهر أصبح حقا قانونيا يكفله أبو القوانين الذي هو الدستور، لكن هل تصل الاحتجاجات إلى حد المطالبة بتنحي السلطة المعينة ؟ وهل بوسع الاحتجاجات أن تذهب بحصيلة الإنتخابات ؟

شهدت شوارع مجموعة من الدول مؤخراً، كمصر وتايلاند وأوكرانيا، أحداثا تثير الشك في العلاقة التي طالما ربطت الشرعية بصناديق الانتخابات، يتعلق الأمر بإحتجاجات ومظاهرات من نوع خاص، ربما لأول مرة تطفو على سطح المشهد السياسي المعاصر، فما فتئ أن تم التوافق أخيرا على الشكل الديموقراطي والوسيلة المثلى لتمثيل الشعب ألا وهي الانتخابات التي تفرز نواب الشعب، حتى تم إنتاج مظاهرات فريدة الشكل والمضمون تتأجج هنا وهناك، لاتطالب لا بإصلاحات ولا بحقوق معينة... بل تطالب برحيل رأس النظام مرة واحدة، احتجاجات خرجت عن بكرة أبيها إلى الشوارع وليس في نيتها الرجوع إلا بعد تحقيق المطلب الأكبر حجما ضمن سقف المطالب وكأن شعارها " الإعتصام حتى سقوط النظام".

أحداث تخلق نوعاً من الحيرة نتيجة تضارب بين الأفكار المُدرَّسة في الجامعة وهذه الأحداث، مايولِد سيلاً من الأسئلة، تدفع مجتمعة إلى محاولة فك لغز مايجري، والسعي لإيجاد الخيط الناظم بين كل تلك الأحداث حتى تكتمل الصورة نسبيا، أسئلة ندرجها كما يلي: مالمعيار الذي يجب اعتماده لإرساء نظام حكم يمثل الشعب فعلا ؟ أليست الانتخابات -إلى اليوم- هي المعيار الذي عنه نتساءل؟ وهل مازالت هي الوسيلة الوحيدة التي تمثل الشعب؟ ألم يعد الناس يتقون في الانتخابات وشرعيتها ؟ أليست انتخابات اليوم أكثر شفافية من انتخابات أمس التي كانت نسبة وإمكانية تزويرها أكبر وبالتالي على الكل احترام نتائجها- كيفما كانت - لأنها تعكس حقيقة الشعب؟ أم إن الواقع غير ذلك والانتخابات لا تعكس نبض الشارع حقيقة ؟ فهل يكمن أن تكون الاحتجاجات هي مايمثل الشعب فعلا ؟ وبالتالي هل يمكن اتخاذها معيارا نحتكم إليه فنعزل بمقتضاه هذا الرئيس ونعين ذاك؟ هل جميع الانتخابات نزيهة وكل المظاهرات عفوية؟ أم إن هناك مظاهرات مفبركة كما هناك انتخابات مفبركة وبالتالي الإبداع في وسائل الحشد و شراء الذمم؟ هل للمظاهرات أصلا شرعية؟ وإذا كانت لها، فماوزنها مقارنة بشرعية الصناديق وهل هي كفيلة بنزع شرعية الحاكم أم لا؟ وبكلمة واحدة: ما الأحق بالشرعية هل هي الانتخابات أم الاحتجاجات؟ أم هما معا؟

 

الشرعية على المحك.. أو أزمة الشرعية

رأينا أن الشعب هو مصدر الشرعية، كما رأينا أن الانتخابات هي الوسيلة الرسمية المشروعة (الوحيدة) لصناعة القبول بين الهيئة الحاكمة والشعب، أي لإيصال الحكام إلى سدة الحكم، ورأينا كذلك أن الاحتجاجات لاتعدو أن تكون وسيلة تعبير عن سخط إزاء شيء ما، سخط تتلقفه السلطة الحاكمة للقيام بما يلزم، وكأن السلطة هنا تصبح وسيلة بيد الشعب لتغيير وضع ما، لكن ماذا لو طال هذا السخط السلطة نفسها؟ أي ماذا لو كان مطلب الشعب إزاحة السلطة نفسها بنفسها ؟ بتعبير آخر ماذا لو طالب المحكوم برحيل الحاكم الذي انتخبه بالأمس ؟

 المشكل المطروح هنا ذو علاقة بالشرعية، أي بمدى قابلية صمود نتائج الانتخابات في وجه تقلبات الزمن، لاسيما إذا مرت البلاد بظروف قاسية تضع فيها شرعية الحاكم على المحك فيعود السؤال هو: هل يصلح الحاكم للاستمرار أم لا؟

الجواب هنا بسيط وهو كالتالي: إذا كان الحاكم لا يمتلك الشرعية، وهذا في حالتين بل ثلاثة وهيإما أن الشعب لم يبايعه وإما لم يأتي عبر انتخابات وإما أن تلك الانتخابات كانت مجرد مسرحية فسوف ينكشف أمره ويفتضح سره و تنتفي هيبته و تسقط سلطته طال الزمن أم قصُر، شرط مثابرة وعزم الجماهير المناضلة والصادقة.

أما إن كان الحاكم يمتلك فعلا الشرعية، فإن الشعب سيكون له سندا ومعينا، في كل وقت وحين، في السراء والضراء، لكن هذا لم يعد شيئا مضمونا كما أثبتت الأحداث الأخيرة في كل من مصر وتايلاند وأوكرانيا...، إذ لضمان نجاح صمود الشرعية  وجب توفر ثلاثة شروط أساسية وهي:

الشرط الأول:استيعاب الشعب لقيم الديمقراطية والتشبع بها، وإلا فلاحديث أصلا لا على انتخابات ولا على احتجاجات، لأن الديمقراطية هي أصل مانحن بصدده. ومن بين قيمها: إيمان واحترام الأقلية لحق الأغلبية في التسيير والبقاء في المسؤولية إلى حين انتهاء المدة المنتخبة من أجلها، آنذاك يمكن الخضوع للمحاسبة، و من بين قيمها أيضا نبذ ثقافة العنف والاستعاضة عنها بثقافة الحوار وحل النزاعات بواسطة الجلوس على طاولة النقاش والمفاوضات.

الشرط الثاني:حد أدنى من الأخلاق، فلا وطن بدون أخلاق ولامواطنين بدون حد أدنى من الأخلاق العامة، التي تكفل عدم الإضرار بالوطن أو المواطنين، وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الفردية، وإلا ستتصاعد الأنانية ويتفاقم العنف، لأن العنف لايولّد إلاّ العنف، وحرب الكل ضد الكل، وسيعود الشعار هنا هو " أنا ومن بعدي الطوفان"

الشرط الثالث:عدم فبركة الاحتجاجات، وحشد مرتزقة من أجل هذا الغرض، مظاهرات تشتري المتظاهرين، وأخرى تنزل العسكر بلباس مدني لتمويه الرأي العام المحلي والدولي وافتعال المشاكل والبلبلة، بغية التشويش وخلق الفتنة في البلاد. فمتى كانت الاحتجاجات المطبوخة وسيلة لنزع شرعية الحاكم التي اكتسبها عبر صناديق الانتخابات؟  صناديق أعلنت فوز صوت الشعب طبعا ليس كل الشعب بل أغلبيته ولو كانت متفاوتة مع الأقلية بنسبة مئوية صغيرة فيبقى الفائز بالانتخابات هو الحاكم الشرعي حتى لو تمت إزاحته، وهذه هي اللعبة الديقراطية فإما أن تقبلها كما هي أو تنبذها جملة وتفصيلا.

فهل من العدل الاحتكام إلى الاحتجاجات لإزاحة حاكم ما في غياب هذه الشروط ؟

 وهل بالإمكان أصلا الاحتكام إلى الاحتجاجات؟ نظرا لصعوبة بل استحالة تحديد عدد محتجي المعارضة من جهة، ومن جهة ثانية فإنه باستطاعة فريق الأغلبية أيضا الخروج بمظاهرات شبيهة، سنصبح إذن إزاء مظاهرات مؤيدة وأخرى معارضة، فلمن نحتكم في هذه الحالة ؟ ألسنا اليوم بأمس الحاجة لتلك الشروط الثلاث في مجتمعاتنا العربية التي لازالت تلتمس الطريق نحو الديمقراطية؟

وفي آخر المطاف ما السبيل لإيصال صوت الشعب بمصداقية وفعالية ومن ثم المحافظة على شرعيته، في ضوء تأرجحها هذه الأيام بين شرعية الانتخابات وشرعية الاحتجاجات ؟


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق