]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عقائد الزيدية2

بواسطة: مجحود شمسان  |  بتاريخ: 2014-01-27 ، الوقت: 02:34:31
  • تقييم المقالة:

 عقيدة الزيدية
نبذة عن كتاب مصباح العلوم
 
مقدمة المحقق
مصباح العلوم كاسمه مصباحٌ صغير الحجم؛ لكنه كثير الضوء، يناسب الصغير في البداية، كما يناسب الكبير في النهاية، والقبول الذي لاقاه في أوساط الطلبة والمدرسين يَنُمُّ عن نِِيَّةٍ صالحة. ويسمى بالثلاثين مسألةً، وهي مشهورة بين أبناء المذهب الزيدي لشمولها أهم عقائد الزيدية في صفحات قلائل.
وقد اعتمد المؤلف رضي الله عنه الدليل العقلي اقتداء بالكتاب العزيز الذي هتف بالعقول، وأيقظ الألباب، وعاب التقليد، واستنكر الجمود، ودعا إلى اعتقاد مذهبٍ يؤمنُ بصحته العقل، ويشهد له الذوق، والمنطق قبل الدليل النقلي.
وقد تلقى العلماء هذه المسائل بالقبول، وشرحها عدد من العلماء: منهم الإِمام إِبراهيم بن محمد بن أحمد عز الدين في كتابة ((الإِصباح على المصباح)) وشرح لابن حابس، وللسحولي حاشية عليها.
وقد طبع المصباح بتحقيق المرحوم الدكتور: محمد عبد السلام كفافي- أستاذ الآداب الإِسلامية بجامعة القاهرة وجامعة بيروت.
وقد رأينا إِعادة طبعه مضبوطاً مريحاً للطلبة، وقد اعتمدنا على نسخة بحاشية السحولي، وأنا أحفظ الثلاثين مسألة عن ظهر قلب وأرويها قراءة وإِجازة فيها وفي غيرها من المعقول والمنقول عن العالم الرباني حامل راية علماء الآل فيلسوف عقائدهم الوالد: محمد بن محمد بن إِسماعيل مطهر المنصور حفظه الله، وإِجازة غيره من العلماء العاملين الكبار مثل الوالد: مجد الدين ابن محمد بن منصور المؤيدي مفتي اليمن، والوالد أحمد بن محمد زباره مفتي الجمهورية رحمه الله، ونائب مفتي الجمهورية سابقا الوالد حمود بن عباس المؤيد، والقاضيين الجليلين عبدالحميد أحمد معياد رحمه الله، ومحمد بن أحمد الجرافي، وغيرهم من العلماء الأعلام حفظهم الله
آملاً بذلك أن أكون قد وُفِّقْتُ في خدمة طلبة وطالبات العلم الذين هم رأس مالي. راجياً أن أجاور جدي المصطفى وأهل الكساء بسبب رعاية طالب العلم الذي نهدف من إِعداده إِلى خدمة المجتمع وإِضاءة المشاعل في دروبه، وتقديم العقائد الصحيحة للمسلمين أينما كانوا، مستأنسين بما يعتقده آل بيت النبي الذين أمرنا الله باتباعهم كما جاء في صحيح مسلم ج4ص 1873 وغيره: (( إِني تارك فيكم ثَقَلَينِ، أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به..ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثاً )).
وفقنا الله لما يحب ويرضى....  
المؤلف في سطور
رحم الله العالم الجليل أحمد بن الحسن بن محمد الرّصاص، فقد كان قطباً من أقطاب علماء الزيدية، تتلمذ على يد والده المتوفي: 584هـ - المقبور بجوار شيخه شيخ الأئمة القاضي جعفر بن عبدالسلام في قرية سَنَاع جنوب غرب صنعآء، وهو [ أي والد المترجم له] شيخ الإِمام عبدالله بن حمزة؛ فنعرف بهذا أن الإمام عبد الله بن حمزة وصاحب الترجمة زميلا درس على أغلب الظن، أضف إلى هذا أنه أحد رجالات الإِمام عبد الله بن حمزة البارزين. قال صاحب مطلع البدور: كان من أهل العلم الغزير، والمجد الخطير، وله في الأصول مؤلفات كثيرة.ت 22 محرم 621 هـ.
وله مؤلفات جامعة نافعة منها: مسائل الهادوية في التنبيه على أبيات المزية على مذهب الزيدية، وحقائق الأغراض وأحوالها وشرحها (خ)، يوجدان بمكتبة الجامع الكبير الغربية بصنعاء، والدرر المنظومات في سلك الأحكام والصفات، والخلاصة النافعة بالأدلة القاطعة في علم الكلام (خ) في الامبروزيانا ونسخ أخرى متعددة. والشهاب الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب (خ) .
وله أيضاً : النجم الثاقب في إِمامة علي بن أبي طالب،  وربما هو نفس الكتاب السابق، والواسطة في مسائل الاعتقاد الهادية إِلى سبيل الرشاد، ومنها مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم وهو هذا الذي بين يديك، ويعرف أيضاً بالثلاثين مسألة: عشر منها في التوحيد. وعشر في العدل. وعشر في الوعد والوعيد. وهي خلاصة عقيدة أهل العدل والتوحيد وبالأخص الزيدية.
وفقنا الله وتقبل منا
أبو هاشم د. المُرْتَضَى بنُ زَيْدٍ الْمَحَطْوَرِيْ
صنعاء-2/ذو الحجة 1418هـ-30/3/1998م
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عقيدة الزيدية
الْمُقَدِّمَةُ
الْحَمْدُ للهِ ذِي الْمَنِّ والإفْضَالِ، الْحَكِيْمِ فِي الأفْعَالِ، الصَّادِقِ فِي الأَقْوَالِ، الْمُدَمِّرِ لأَعْدَآئِه الْجُهَّالِ، الَّذِيْ عَصَمَنَا مِنَ الاغتِرَارِ بأَهْلِ الضَّلاَلِ، والانْخِدَاعِ بزَخَارِفِ كُلِّ مُحْتَالٍ، وَوَفَّقَنَا لإِيثَارِ الأَدِلَّةِ والبراهِينَ عَنْ تقليدِ الرِّجالِ، وَأَنْقَذَنَا بِمَا وَفّقنَا لَهُ مِنْ  تَحْصِيلِ العِلْمِ عَنْ أدْوآءِ الجهلِ والْجُهّالِ، وَصَلَواتُهُ عَلَى نَبِيِّهِ الرَّاقِي مِنَ الشَّرَفِ فَوقَ ذُرْوَةِ الكَمَالِ، مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ خَيْرِ آلِ([1]).
أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ رَأْسُ العُلُومِ وَأَوْلاَهَا بِالإِيثَارِ والتَّقْدِيْمِ; لِمَا رُوينَاهُ بالإِسْنَادِِ الْمَوثُوقِ بِهِ عَنْ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً أتاهُ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، عَلِّمْنِي مِنْ غَرآئِبِ العِلْمِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (وَمَاذَا صَنَعْتَ فِي رَأْسِ العِلْمِ حَتَّى تَسْألَنِي عَنْ غرآئبِهِ?)، فَقَالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللهِ ومَا رَأْسُ العِلْمِ? قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ) قَالَ: ومَا مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرفتِهِ?، قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (أَنْ تَعْرِفَهُ بلاَ مِثْلٍ وَلاَ شَبِيهٍ، وَأَنْ تَعْرِفَهُ إِلَهًا وَاحِدًا أوَّلاً آخِرًا ظَاهِرًا بَاطِنًا لا كُفْؤَ لَهُ ولاَ مِثْلَ)([2]).
وَرُوِيْنَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ) ([3]) وَرُوِينَا عَنُْه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (أفْضَلُ العِلْمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأفْضَلُ الدُّعَآءِ الاسْتِغْفَارُ) ([4]).
فإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أفْضَلُ الْعُلُومِ وَجَبَ عَلَى العَاقِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهِ، لِيَفُوزَ يَومَ القِيَامَةِ بِسَبَبِِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ:- (اطْلُبُوا العِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ، فإِنَّ طَلَبَ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ([5])، وقَوْلُهُ :(مَنْ تَرَكَ العِلْمَ مِنْ أجْلِ أَنًَّ صَاحِبَهُ فَقِيْرٌ أَوْ أصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)([6]).  
فإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أنْ يَعْرِفَ اللهَ تَعَالَى، وَتَوْحِيدَهُ، وَعَدْلَهُ، وصِدْقَ وَعْدِهِ وَوَعِيْدِهِ. وهَذِهَ الْجُمْلةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ فُصُولٍ -  أَوَّلُها التَّوْحِيدُ - والثَّانِي العَدْلُ  - والثَّالِثُ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ.
 
 
 التَّوحِيْدِ :
الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:  أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ
الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ
 
 
الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ هَذِهِ الأَعْرَاضِ: الَّتِيْ هِيَ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ، والاجْتِمَاعُ والافْتِرَاقُ، وَهَذِهِ الأَعْرَاضُ مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَزُولُ، وَالْجِسْمُ بَاقٍ. فَلَوْ كانَتْ قَدِيْمَةً لَمَا جَازَ عَلَيْهَا العَدَمُ; لأَنَّ القَدِيْمَ وَاجِبُ الْوُجُودِ فلاَ يَجُوزُ علَيْهِ العَدَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ حُدُوثُ الأَعْرَاضِ بِمَا قَدَّمْنَا - وَجَبَ أنْ تَكُونَ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ أَيْضًا; لأَنَّهٌ لاَ يَجُوزُ أن يُوجَدَ الجِسْمُ والعَرَضُ مَعًا -وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحدَثًا- لأَنَّ الْقَدِيْمَ يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُحْدَثِ تَقَدُّمًا لاَ أَوَّلَ لَهُ. وإِذَا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَامَ مُحْدَثةٌ فلاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى; لأَنَّ العِبَادَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدِثَهَا اللهُ تَعَالَى، أَلاَ تَرَى أَنَّ أَفْعَالَنَا لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً وَجَبَ أن يُحْتَاجَ إِلَيْنَا; لأَجْلِ حُدُوثِهَا، فَثَبَتَ بهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ  لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ وَمُدَبِّرًا دبَّرَهُ([1]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:  أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ
 وحَقِيقَةُ القَادِرِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ أنَّ الفِعْلَ الَّذِيْ هُوَ العَالَم قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى([2])، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى إِيْجَادِهِ لَمَا أوْجَدَهُ ; لأنَّ الضَّعيفَ العَاجِزَ لاَ يُمْكِنُهُ إَيجادُ الْفِِعْلِِ، وقَدْ وُجِدَ الفِعْلُ مِنْ جِهَةِ اللهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ([3]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ
وَحَقِيقَةُ العَالِمِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الفِعْلُ المُحْكَمُ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى، وذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَلَكُوتِ السَّمَواتِ و الأرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا مِنَ الحيواناتِ، فَإِنَّ فِيْهَا مِنَ التَّرْتِيْبِ وَالنِّظَامِ مَا يَزِيْدُ عَلَى كُلِّ صِنَاعَةٍ مُحْكَمَةٍ فِي الشَّاهِدِ: مِنْ بِنَآءٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا كَانَتْ الكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا عَالِمٌ، فَلاَ شَكَّ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ أبْلَغُ مِنْ تَرْتِيْبِ الْكِتَابَةِ الْمُحْكَمَةِ؛ فيَجِبُ أنْ يَدُلَّ تَرْتِيبُهَا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ([4]).
 
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ
 وَحَقِيْقَةُ الْحَيِّ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقْدِرَ ويَعْلَمَ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ وَجَبَ أنْ يَكُونَ  حَيًّا، أَلاَ تَرَى أنَّ الْمَيِّتَ والْجَمَادَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ ولا َالِمَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ حَيَّيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ حَيٌّ([5]).
 
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ
 وحَقِيْقَةُ السَّمِيْعُ البَصِيْرِ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُدْرِكَ الْمَسْمُوعَ والْمُبْصَرَ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَالَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ آفَةَ بِهِ أَنَّ الآفاتِ هِيَ فَسَادُ الآلاتِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِلاَ عَلَى مَنْ كَانَ جِسْمًا، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ عَرَضٍ، عَلَى مَا يَأتِي بَيَانُهُ; فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ لاَ آفَةَ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لا آفَةَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَمِيْعًا بَصِيْرًا، أَلاَ تَرَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ حَيًّا لاَ آفَةَ بِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ فإِنَّا نَصِفُهُ بأنَّهُ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ. ([6])
 
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ
وَحَقِيْقَةُ القَدِيْمِ: هُوَ المَوجُودُ الَّذِيْ لاَ أَوَّلَ لِوُجُودِهِ.
 والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ; لأَنَّهُ أَوْجَدَ العَالَمَ، فَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا لَمَا أوْجَدَهُ; لأَنَّ الْمَعْدُومَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ إِيْجَادُ شَيْءٍ أَصْلاً، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ. فَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوجُودٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ  قَدِيْمًا; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْدَثًا لاَحْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ يُحْدِثُهُ، كَمَا أَنَّ الأَجْسَامَ لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً احْتَاجَتْ إِلَى مُحْدِثٍ،
 فَلَوْ كَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ لَكَانَ الكَلامُ فِي مُحْدِثِهِ كَالْكَلامِ فِيْهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ آخَرَ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنِ انْتَهَى الْحَالُ إِلَى مُحْدِثٍ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ فَهُوَ الَّذِيْ نُرِيْدُ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْقَدِيْمِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ([7]).
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ حَيٌّ مَوجُودٌ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِذَاتِهِ، فلاَ يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ ولاَ إِلَى مَعَانٍ تُوجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات. والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ; لاَفْتَقَرَ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ يَجْعَلُهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الصِّفَات، أَوْ يُحْدِثُ لَهُ مَعَانِي تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا أنَّ الوَاحِدَ مِنَّا لَمَّا لَمْ يَسْتَحِقْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ افْتَقَرَ إِلَى فَاعِلٍ أَوْجَدَ ذَاتَهُ وَأَوْجَدَ لَهُ مَعَانِيَ أَوْجَبَتْ لَهُ سَآئِرَ الصِّفَاتِ: وهِيَ القُدْرَةُ والعِلْمُ والحَيَاةُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ فَلا يَحْتَاجُ فِي ثُـبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ إِلَى فَاعِلٍ وَلاَ إِلَى مَعَانٍ مُحْدَثَةٍ تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا لِمَعَانٍ قَدِيْمَةٍ; لأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَمْثَالاً لِلَّهِ تَعَالَى; لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي التَّقَدُّمِ الَّذِيْ بِهِ فَارَقَ سَآئِرَ الْمُحْدَثَاتِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ مَثِيْلَ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونََ ثَابِتَةً لَهُ تَعَالَى فِيْمَا لَمْ يَزَلْ وفِيْمَا لاَ يَزَالُ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُهُ عَنْهَا بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ; لأَنَّهُ لاَ مُخَصِّصَ يَقْتَضِي ثُـبُوتَهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ([8]).
 
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِ
     وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَشْبَهَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ  مُحْدَثًا مِثْلَهَا، وَإِلاَّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قَدِيْمَةً مِثْلَهُ، لأَنَّ الْمِثْلَيْنِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحْدَثًا. وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ، وَأَنَّ الأشْيآءَ سِوَاهُ مُحْدَثةٌ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ  مُشْبِهًا لَهَا([9]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ
 وَحَقِيْقَةُ الْغَنِيِّ: هُوَ الَّذِيْ لَيْسَ يَحْتَاجُ.
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ، فلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مُحْتَاجًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ  اللهُ مُحْتَاجًا، إِذْ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لَوَجَبَ أَنْ يُوجِدَ الأشْيآءَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ فِي إِيْجَادِهَا نَفْعًا خَالِصًا ولَذَّةً كَاملةً، وَهُوَ قَادرٌ عَلَى إِيجَادِهَا، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهِ، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ولاَ صَارِفَ لَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُوجِدُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَفِي عِلْمِنَا بِوُجُودِ الأشْيآءِ المُحْتَاجِ إِلَيْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا أَوْجَدَهَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وإِنَّمَا أَوْجَدَهَا لِمَصَالِحِ العِبَادِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ([10]).
 
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ; لأَنَّ حَوَآسَّنَا سَلِيْمَةٌ، والمَوَانِعَ مُرْتَفِعَةٌ; لأَنَّ المَوَانِعَ  الْمَعْقُولَةَ المانِعَةَ مِنَ الرُّؤْيَةِ: هِيَ الْـبُعْدُ وَالقُرْبُ الْمُفْرِطَانِ، وَالرِّقَّةُ وَالَّلطَافةُ، وَالْحِجَابُ الْكَثِيفُ، وَكَونُ الْمَرْئِيِّ خِلاَفَ جِهَةِ الرَّآئِي، وَكَونُ مَحَلِّهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَوْصَافِ([11])، وَعَدَمُ الضِّيَآءِ الْمُنَاسِبِ لِلْعَيْنِ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ الْمَوَانِعُ  مِنَ رُؤْيَةِ الأَجْسَامِ وَالأَلْوَانِ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ لَوْنٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ  مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ، وَلاَ شَكَّ أَنَّا لاَ نَرَاهُ الآنَ، فَيَجِبُ أَنْ لاَ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ، وقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ ) [الأنعام:103]، فَنَفَى تَعَالَى بِهَذِهِ الآيَةِ أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ، وَذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ جَمِيْعَ الأَوقَاتِ; فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ([12]).
 
الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ
وَحَقِيْقَةُ الوَاحِدِ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الإِلهِيَةِ وَالكَمَالِ عَلَى حَدٍّ لاَ يُشَارِكُهُ فِيْهَا مُشَارِكٌ، وَهِيَ: كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى جَمِيْعِ أَجْنَاسِ الْمَقْدُورَاتِ([13])، عَالِمًا بِجَمِيْعِ أَعْيَانِ المَعْلُومَاتِ، حَيًّا قَدِيْمًا.
 وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ قَدِيْمٌ ثَانٍ يُشَارِكُهُ فِي هَذِه ِالصِّفَاتِ الَّتِيْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا لَوَجَبَ أن يَكُونَ مِثْلاً لَهُ تَعَالَى، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ للهِ تَعَالَى مِثْلٌ; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلٌ لَهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَدَّرْنَا أنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ إِيجَادَ جِسْمٍ سَاكِنٍ، وأَرَادَ الآخَرُ إِيجَادَهُ مُتَحَرِّكًا، لَمْ يَخْلُ الْحَالُ إِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ مَعًا، فَيَكُونَ  الْجِسْمُ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا فَي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَإِمَّا أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ، فَيَخْلُو الْجِسْمُ مِنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِمَا مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا أَرَادَاهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلاَ يُوجَدَ مُرَادُ الآخَرِ فَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَقَدْ أَدَّى إِلَى هَذِهِ الْمُحَالاَتِ الْقَولُ بِالْقَدِيْمِ الثَّانِي؛ فَيَجِبُ الْقَضَآءُ  بِفَسَادِهِ([14])، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ ) [الإخلاص]، وقولُهُ: ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [المائدة :73]، فَأَخْبَرَنَا تَعَالَى أَنَّهُ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا([15])،  فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مَعْرِفَتَهُ مِنْ مَسَآئِلِ التَّوحِيْدِ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 


 عقيدة الزيدية
نبذة عن كتاب مصباح العلوم
 
مقدمة المحقق
مصباح العلوم كاسمه مصباحٌ صغير الحجم؛ لكنه كثير الضوء، يناسب الصغير في البداية، كما يناسب الكبير في النهاية، والقبول الذي لاقاه في أوساط الطلبة والمدرسين يَنُمُّ عن نِِيَّةٍ صالحة. ويسمى بالثلاثين مسألةً، وهي مشهورة بين أبناء المذهب الزيدي لشمولها أهم عقائد الزيدية في صفحات قلائل.
وقد اعتمد المؤلف رضي الله عنه الدليل العقلي اقتداء بالكتاب العزيز الذي هتف بالعقول، وأيقظ الألباب، وعاب التقليد، واستنكر الجمود، ودعا إلى اعتقاد مذهبٍ يؤمنُ بصحته العقل، ويشهد له الذوق، والمنطق قبل الدليل النقلي.
وقد تلقى العلماء هذه المسائل بالقبول، وشرحها عدد من العلماء: منهم الإِمام إِبراهيم بن محمد بن أحمد عز الدين في كتابة ((الإِصباح على المصباح)) وشرح لابن حابس، وللسحولي حاشية عليها.
وقد طبع المصباح بتحقيق المرحوم الدكتور: محمد عبد السلام كفافي- أستاذ الآداب الإِسلامية بجامعة القاهرة وجامعة بيروت.
وقد رأينا إِعادة طبعه مضبوطاً مريحاً للطلبة، وقد اعتمدنا على نسخة بحاشية السحولي، وأنا أحفظ الثلاثين مسألة عن ظهر قلب وأرويها قراءة وإِجازة فيها وفي غيرها من المعقول والمنقول عن العالم الرباني حامل راية علماء الآل فيلسوف عقائدهم الوالد: محمد بن محمد بن إِسماعيل مطهر المنصور حفظه الله، وإِجازة غيره من العلماء العاملين الكبار مثل الوالد: مجد الدين ابن محمد بن منصور المؤيدي مفتي اليمن، والوالد أحمد بن محمد زباره مفتي الجمهورية رحمه الله، ونائب مفتي الجمهورية سابقا الوالد حمود بن عباس المؤيد، والقاضيين الجليلين عبدالحميد أحمد معياد رحمه الله، ومحمد بن أحمد الجرافي، وغيرهم من العلماء الأعلام حفظهم الله
آملاً بذلك أن أكون قد وُفِّقْتُ في خدمة طلبة وطالبات العلم الذين هم رأس مالي. راجياً أن أجاور جدي المصطفى وأهل الكساء بسبب رعاية طالب العلم الذي نهدف من إِعداده إِلى خدمة المجتمع وإِضاءة المشاعل في دروبه، وتقديم العقائد الصحيحة للمسلمين أينما كانوا، مستأنسين بما يعتقده آل بيت النبي الذين أمرنا الله باتباعهم كما جاء في صحيح مسلم ج4ص 1873 وغيره: (( إِني تارك فيكم ثَقَلَينِ، أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به..ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثاً )).
وفقنا الله لما يحب ويرضى....  
المؤلف في سطور
رحم الله العالم الجليل أحمد بن الحسن بن محمد الرّصاص، فقد كان قطباً من أقطاب علماء الزيدية، تتلمذ على يد والده المتوفي: 584هـ - المقبور بجوار شيخه شيخ الأئمة القاضي جعفر بن عبدالسلام في قرية سَنَاع جنوب غرب صنعآء، وهو [ أي والد المترجم له] شيخ الإِمام عبدالله بن حمزة؛ فنعرف بهذا أن الإمام عبد الله بن حمزة وصاحب الترجمة زميلا درس على أغلب الظن، أضف إلى هذا أنه أحد رجالات الإِمام عبد الله بن حمزة البارزين. قال صاحب مطلع البدور: كان من أهل العلم الغزير، والمجد الخطير، وله في الأصول مؤلفات كثيرة.ت 22 محرم 621 هـ.
وله مؤلفات جامعة نافعة منها: مسائل الهادوية في التنبيه على أبيات المزية على مذهب الزيدية، وحقائق الأغراض وأحوالها وشرحها (خ)، يوجدان بمكتبة الجامع الكبير الغربية بصنعاء، والدرر المنظومات في سلك الأحكام والصفات، والخلاصة النافعة بالأدلة القاطعة في علم الكلام (خ) في الامبروزيانا ونسخ أخرى متعددة. والشهاب الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب (خ) .
وله أيضاً : النجم الثاقب في إِمامة علي بن أبي طالب،  وربما هو نفس الكتاب السابق، والواسطة في مسائل الاعتقاد الهادية إِلى سبيل الرشاد، ومنها مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم وهو هذا الذي بين يديك، ويعرف أيضاً بالثلاثين مسألة: عشر منها في التوحيد. وعشر في العدل. وعشر في الوعد والوعيد. وهي خلاصة عقيدة أهل العدل والتوحيد وبالأخص الزيدية.
وفقنا الله وتقبل منا
أبو هاشم د. المُرْتَضَى بنُ زَيْدٍ الْمَحَطْوَرِيْ
صنعاء-2/ذو الحجة 1418هـ-30/3/1998م
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عقيدة الزيدية
الْمُقَدِّمَةُ
الْحَمْدُ للهِ ذِي الْمَنِّ والإفْضَالِ، الْحَكِيْمِ فِي الأفْعَالِ، الصَّادِقِ فِي الأَقْوَالِ، الْمُدَمِّرِ لأَعْدَآئِه الْجُهَّالِ، الَّذِيْ عَصَمَنَا مِنَ الاغتِرَارِ بأَهْلِ الضَّلاَلِ، والانْخِدَاعِ بزَخَارِفِ كُلِّ مُحْتَالٍ، وَوَفَّقَنَا لإِيثَارِ الأَدِلَّةِ والبراهِينَ عَنْ تقليدِ الرِّجالِ، وَأَنْقَذَنَا بِمَا وَفّقنَا لَهُ مِنْ  تَحْصِيلِ العِلْمِ عَنْ أدْوآءِ الجهلِ والْجُهّالِ، وَصَلَواتُهُ عَلَى نَبِيِّهِ الرَّاقِي مِنَ الشَّرَفِ فَوقَ ذُرْوَةِ الكَمَالِ، مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ خَيْرِ آلِ([1]).
أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ رَأْسُ العُلُومِ وَأَوْلاَهَا بِالإِيثَارِ والتَّقْدِيْمِ; لِمَا رُوينَاهُ بالإِسْنَادِِ الْمَوثُوقِ بِهِ عَنْ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً أتاهُ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، عَلِّمْنِي مِنْ غَرآئِبِ العِلْمِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (وَمَاذَا صَنَعْتَ فِي رَأْسِ العِلْمِ حَتَّى تَسْألَنِي عَنْ غرآئبِهِ?)، فَقَالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللهِ ومَا رَأْسُ العِلْمِ? قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ) قَالَ: ومَا مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرفتِهِ?، قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (أَنْ تَعْرِفَهُ بلاَ مِثْلٍ وَلاَ شَبِيهٍ، وَأَنْ تَعْرِفَهُ إِلَهًا وَاحِدًا أوَّلاً آخِرًا ظَاهِرًا بَاطِنًا لا كُفْؤَ لَهُ ولاَ مِثْلَ)([2]).
وَرُوِيْنَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ) ([3]) وَرُوِينَا عَنُْه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (أفْضَلُ العِلْمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأفْضَلُ الدُّعَآءِ الاسْتِغْفَارُ) ([4]).
فإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أفْضَلُ الْعُلُومِ وَجَبَ عَلَى العَاقِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهِ، لِيَفُوزَ يَومَ القِيَامَةِ بِسَبَبِِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ:- (اطْلُبُوا العِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ، فإِنَّ طَلَبَ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ([5])، وقَوْلُهُ :(مَنْ تَرَكَ العِلْمَ مِنْ أجْلِ أَنًَّ صَاحِبَهُ فَقِيْرٌ أَوْ أصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)([6]).  
فإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أنْ يَعْرِفَ اللهَ تَعَالَى، وَتَوْحِيدَهُ، وَعَدْلَهُ، وصِدْقَ وَعْدِهِ وَوَعِيْدِهِ. وهَذِهَ الْجُمْلةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ فُصُولٍ -  أَوَّلُها التَّوْحِيدُ - والثَّانِي العَدْلُ  - والثَّالِثُ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ.
 
 
 التَّوحِيْدِ :
الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:  أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ
الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ
 
 
الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ هَذِهِ الأَعْرَاضِ: الَّتِيْ هِيَ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ، والاجْتِمَاعُ والافْتِرَاقُ، وَهَذِهِ الأَعْرَاضُ مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَزُولُ، وَالْجِسْمُ بَاقٍ. فَلَوْ كانَتْ قَدِيْمَةً لَمَا جَازَ عَلَيْهَا العَدَمُ; لأَنَّ القَدِيْمَ وَاجِبُ الْوُجُودِ فلاَ يَجُوزُ علَيْهِ العَدَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ حُدُوثُ الأَعْرَاضِ بِمَا قَدَّمْنَا - وَجَبَ أنْ تَكُونَ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ أَيْضًا; لأَنَّهٌ لاَ يَجُوزُ أن يُوجَدَ الجِسْمُ والعَرَضُ مَعًا -وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحدَثًا- لأَنَّ الْقَدِيْمَ يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُحْدَثِ تَقَدُّمًا لاَ أَوَّلَ لَهُ. وإِذَا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَامَ مُحْدَثةٌ فلاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى; لأَنَّ العِبَادَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدِثَهَا اللهُ تَعَالَى، أَلاَ تَرَى أَنَّ أَفْعَالَنَا لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً وَجَبَ أن يُحْتَاجَ إِلَيْنَا; لأَجْلِ حُدُوثِهَا، فَثَبَتَ بهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ  لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ وَمُدَبِّرًا دبَّرَهُ([1]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:  أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ
 وحَقِيقَةُ القَادِرِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ أنَّ الفِعْلَ الَّذِيْ هُوَ العَالَم قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى([2])، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى إِيْجَادِهِ لَمَا أوْجَدَهُ ; لأنَّ الضَّعيفَ العَاجِزَ لاَ يُمْكِنُهُ إَيجادُ الْفِِعْلِِ، وقَدْ وُجِدَ الفِعْلُ مِنْ جِهَةِ اللهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ([3]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ
وَحَقِيقَةُ العَالِمِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الفِعْلُ المُحْكَمُ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى، وذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَلَكُوتِ السَّمَواتِ و الأرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا مِنَ الحيواناتِ، فَإِنَّ فِيْهَا مِنَ التَّرْتِيْبِ وَالنِّظَامِ مَا يَزِيْدُ عَلَى كُلِّ صِنَاعَةٍ مُحْكَمَةٍ فِي الشَّاهِدِ: مِنْ بِنَآءٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا كَانَتْ الكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا عَالِمٌ، فَلاَ شَكَّ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ أبْلَغُ مِنْ تَرْتِيْبِ الْكِتَابَةِ الْمُحْكَمَةِ؛ فيَجِبُ أنْ يَدُلَّ تَرْتِيبُهَا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ([4]).
 
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ
 وَحَقِيْقَةُ الْحَيِّ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقْدِرَ ويَعْلَمَ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ وَجَبَ أنْ يَكُونَ  حَيًّا، أَلاَ تَرَى أنَّ الْمَيِّتَ والْجَمَادَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ ولا َالِمَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ حَيَّيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ حَيٌّ([5]).
 
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ
 وحَقِيْقَةُ السَّمِيْعُ البَصِيْرِ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُدْرِكَ الْمَسْمُوعَ والْمُبْصَرَ.
والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَالَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ آفَةَ بِهِ أَنَّ الآفاتِ هِيَ فَسَادُ الآلاتِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِلاَ عَلَى مَنْ كَانَ جِسْمًا، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ عَرَضٍ، عَلَى مَا يَأتِي بَيَانُهُ; فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ لاَ آفَةَ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لا آفَةَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَمِيْعًا بَصِيْرًا، أَلاَ تَرَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ حَيًّا لاَ آفَةَ بِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ فإِنَّا نَصِفُهُ بأنَّهُ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ. ([6])
 
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ
وَحَقِيْقَةُ القَدِيْمِ: هُوَ المَوجُودُ الَّذِيْ لاَ أَوَّلَ لِوُجُودِهِ.
 والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ; لأَنَّهُ أَوْجَدَ العَالَمَ، فَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا لَمَا أوْجَدَهُ; لأَنَّ الْمَعْدُومَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ إِيْجَادُ شَيْءٍ أَصْلاً، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ. فَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوجُودٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ  قَدِيْمًا; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْدَثًا لاَحْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ يُحْدِثُهُ، كَمَا أَنَّ الأَجْسَامَ لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً احْتَاجَتْ إِلَى مُحْدِثٍ،
 فَلَوْ كَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ لَكَانَ الكَلامُ فِي مُحْدِثِهِ كَالْكَلامِ فِيْهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ آخَرَ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنِ انْتَهَى الْحَالُ إِلَى مُحْدِثٍ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ فَهُوَ الَّذِيْ نُرِيْدُ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْقَدِيْمِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ([7]).
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ حَيٌّ مَوجُودٌ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِذَاتِهِ، فلاَ يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ ولاَ إِلَى مَعَانٍ تُوجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات. والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ; لاَفْتَقَرَ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ يَجْعَلُهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الصِّفَات، أَوْ يُحْدِثُ لَهُ مَعَانِي تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا أنَّ الوَاحِدَ مِنَّا لَمَّا لَمْ يَسْتَحِقْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ افْتَقَرَ إِلَى فَاعِلٍ أَوْجَدَ ذَاتَهُ وَأَوْجَدَ لَهُ مَعَانِيَ أَوْجَبَتْ لَهُ سَآئِرَ الصِّفَاتِ: وهِيَ القُدْرَةُ والعِلْمُ والحَيَاةُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ فَلا يَحْتَاجُ فِي ثُـبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ إِلَى فَاعِلٍ وَلاَ إِلَى مَعَانٍ مُحْدَثَةٍ تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا لِمَعَانٍ قَدِيْمَةٍ; لأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَمْثَالاً لِلَّهِ تَعَالَى; لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي التَّقَدُّمِ الَّذِيْ بِهِ فَارَقَ سَآئِرَ الْمُحْدَثَاتِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ مَثِيْلَ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونََ ثَابِتَةً لَهُ تَعَالَى فِيْمَا لَمْ يَزَلْ وفِيْمَا لاَ يَزَالُ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُهُ عَنْهَا بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ; لأَنَّهُ لاَ مُخَصِّصَ يَقْتَضِي ثُـبُوتَهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ([8]).
 
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِ
     وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَشْبَهَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ  مُحْدَثًا مِثْلَهَا، وَإِلاَّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قَدِيْمَةً مِثْلَهُ، لأَنَّ الْمِثْلَيْنِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحْدَثًا. وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ، وَأَنَّ الأشْيآءَ سِوَاهُ مُحْدَثةٌ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ  مُشْبِهًا لَهَا([9]).
 
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ
 وَحَقِيْقَةُ الْغَنِيِّ: هُوَ الَّذِيْ لَيْسَ يَحْتَاجُ.
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ، فلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مُحْتَاجًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ  اللهُ مُحْتَاجًا، إِذْ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لَوَجَبَ أَنْ يُوجِدَ الأشْيآءَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ فِي إِيْجَادِهَا نَفْعًا خَالِصًا ولَذَّةً كَاملةً، وَهُوَ قَادرٌ عَلَى إِيجَادِهَا، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهِ، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ولاَ صَارِفَ لَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُوجِدُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَفِي عِلْمِنَا بِوُجُودِ الأشْيآءِ المُحْتَاجِ إِلَيْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا أَوْجَدَهَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وإِنَّمَا أَوْجَدَهَا لِمَصَالِحِ العِبَادِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ([10]).
 
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ
وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ; لأَنَّ حَوَآسَّنَا سَلِيْمَةٌ، والمَوَانِعَ مُرْتَفِعَةٌ; لأَنَّ المَوَانِعَ  الْمَعْقُولَةَ المانِعَةَ مِنَ الرُّؤْيَةِ: هِيَ الْـبُعْدُ وَالقُرْبُ الْمُفْرِطَانِ، وَالرِّقَّةُ وَالَّلطَافةُ، وَالْحِجَابُ الْكَثِيفُ، وَكَونُ الْمَرْئِيِّ خِلاَفَ جِهَةِ الرَّآئِي، وَكَونُ مَحَلِّهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَوْصَافِ([11])، وَعَدَمُ الضِّيَآءِ الْمُنَاسِبِ لِلْعَيْنِ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ الْمَوَانِعُ  مِنَ رُؤْيَةِ الأَجْسَامِ وَالأَلْوَانِ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ لَوْنٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ  مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ، وَلاَ شَكَّ أَنَّا لاَ نَرَاهُ الآنَ، فَيَجِبُ أَنْ لاَ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ، وقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ ) [الأنعام:103]، فَنَفَى تَعَالَى بِهَذِهِ الآيَةِ أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ، وَذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ جَمِيْعَ الأَوقَاتِ; فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ([12]).
 
الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ
وَحَقِيْقَةُ الوَاحِدِ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الإِلهِيَةِ وَالكَمَالِ عَلَى حَدٍّ لاَ يُشَارِكُهُ فِيْهَا مُشَارِكٌ، وَهِيَ: كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى جَمِيْعِ أَجْنَاسِ الْمَقْدُورَاتِ([13])، عَالِمًا بِجَمِيْعِ أَعْيَانِ المَعْلُومَاتِ، حَيًّا قَدِيْمًا.
 وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ قَدِيْمٌ ثَانٍ يُشَارِكُهُ فِي هَذِه ِالصِّفَاتِ الَّتِيْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا لَوَجَبَ أن يَكُونَ مِثْلاً لَهُ تَعَالَى، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ للهِ تَعَالَى مِثْلٌ; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلٌ لَهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَدَّرْنَا أنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ إِيجَادَ جِسْمٍ سَاكِنٍ، وأَرَادَ الآخَرُ إِيجَادَهُ مُتَحَرِّكًا، لَمْ يَخْلُ الْحَالُ إِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ مَعًا، فَيَكُونَ  الْجِسْمُ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا فَي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَإِمَّا أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ، فَيَخْلُو الْجِسْمُ مِنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِمَا مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا أَرَادَاهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلاَ يُوجَدَ مُرَادُ الآخَرِ فَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَقَدْ أَدَّى إِلَى هَذِهِ الْمُحَالاَتِ الْقَولُ بِالْقَدِيْمِ الثَّانِي؛ فَيَجِبُ الْقَضَآءُ  بِفَسَادِهِ([14])، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ ) [الإخلاص]، وقولُهُ: ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [المائدة :73]، فَأَخْبَرَنَا تَعَالَى أَنَّهُ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا([15])،  فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مَعْرِفَتَهُ مِنْ مَسَآئِلِ التَّوحِيْدِ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق