]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

غبارٌ على الكراسي!

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-01-25 ، الوقت: 21:23:23
  • تقييم المقالة:

 

غبارٌ على الكراسي!

 

محمد الحداد /العراق

السُلطة كرةٌ ماجنة..في لعبةٍ فوضويةٍ مجنونةٍ لا تعرفُ ثباتاً أبداً..عاشقها المُتيّم مُهرجٌ أنيق بزيِّ حاكمٍ مُعتّق أو سياسيٍّ طامح لذلك.. بينهما قصة عشقٍ صاخبةٍ وقديمة ابتدأتْ حينما تجرأتْ ذاتَ حُلمٍ بعيد أنْ تشقَّ ستائرَ دهشتهِ وتقتحمَ مَخدعهُ المخمَليّ الساحر لتلقي بشِباكِ غوايتها عليهِ وهي مُدججة بكاملِ زينتها وغوايتها وأن ترمي بنفسها بين أحضانهِ الدافئة وتتدحرجَ بغنجٍ وفتنةٍ مثل غانيةٍ لعوب مُستديرةِ التفاصيل..

نامَ الغبارُ طويلاً على الكراسي حينما نامت السلطة في أحضانِ الحاكمِ أو السياسي..وتأخرتْ صرخة قديمة كان يجبُ أنْ تصدحَ بها الجماهيرُ منذ زمنٍ بعيد كي تمزقَ أذنَ الطغيان..تأخرتْ كثيراً كلمة ارحل حتى أصابها صدأ الصبر..لكن حينما حانتْ ساعة الرحيل رددتها الحناجرُ أخيراً بصوتٍ مُدوٍّ دونَ ملل..بينما كان المتربعُ على كرسيهِ يسمعُ تلك الصرخاتِ بملء أذنيهِ.. فيجيبهم بكسلِ المُتنعّم المطمئن: حسناً وماذا في ذلك؟ فلم يكن يضيرهُ أبداً أنَّ السنواتِ الطوال عشعشتْ على قماشِ مقعدهِ العتيد..لم يكن مُهمّاً أنَّ عناكبَ الزمنِ نسجتْ بيوتها تحتَ كرسيه وعرّشتْ لها ممالكَ سُفليةٍ مُظلمةٍ بين أرجلهِ الأربعة..ممالكُ تُشبهُ تماماً تلكَ التي عرّشتْ فيها عناكبُ حكمهِ المُعمّرة على أرضٍ أصبحتْ بفضلهِ أكبرَ مملكةٍ مظلمةٍ فوق كومةِ أنقاضٍ أسماها وطناً ومنحَ لنفسهِ بنفسهِ الحقَّ في أنْ يرثَ السلطة فيهِ دون أملٍ في أنْ يورثها لغيره..وطنٌ كان قدرهُ أنْ يظلَّ مَطيةً لحاكمٍ أوحد يفعلُ فيهِ وبهِ ما يشاء..كلُّ ذلك لم يكن مُهمّاً أبداً طالما أنَّ خلطة سِحرية عجيبة يستأثرُ بها لنفسهِ..يُمسكها بيديهِ ولا يشاركهُ فيها أحد..خلطة توابلٍ سياسيةٍ لا يعرفُ مكوناتها السرية إلّا هو ومَنْ شاكلهُ من حُكّامٍ مزمنين..راسخين في الحُكم..مُلتصقينَ بكرسيٍّ مُقدسٍ لا يفارقونهُ إلّا وهم موتى راحلون.

المثير حدَّ العجب أنَّ ما مِن طاغيةٍ من هؤلاء استغفلَ شعبهُ وأفلحَ في الضَحكِ على أذقانِ الملايين منهم وسَرَقهم في وضحِ النهار إلّا وهم مشغولون بالهتافِ بحياتهِ والدعاءِ لهُ بالعُمرِ المديد..لأنَّ زعيمهم الأوحد هذا هبة السماءِ إليهم..أتاهم في غفلةٍ من التاريخ وعَقمت الأرحامُ أنْ تٌنجبَ نظيراً لهُ..بعد كلِّ ذلك كيف لا يكونُ طريقُ مثل هؤلاءِ الطغاةِ مُعبّداً نحو مجدهم المنتظر؟ طريقٌ يشبهُ بداية لا أيسر منها..وبمزيدٍ من الضحكِ على شعوبهم وبشهيةٍ فمٍ مفتوح على الحُكمِ كانوا دائماً يُكملون ذلك بنجاحٍ حتى النهاية..

لكنَّ هذهِ الصرخة المدوية وصلتْ رغم تأخرها..وقد رأينا كيف أنَّ ثلة من هؤلاء الطغاةِ احترقتْ أوراقهم الصفراء وأُدخلوا سلة التاريخِ وأصبحوا في ذمته..ربما القرفُ من رائحةِ جلوسهم الطويل على كراسيهم مَنْ عجّلَ بكلِّ ذلك..وثمة الآن منهم مَنْ ينتظر ذاتَ المصير..لكن رغم ذلك..وأخطر ما فيهِ أنَّ ثمة أيضاً مَنْ يُصنَع اليوم على مَهل..طالما أنَّ كلَّ هؤلاءِ الراحلين السابقين وأولئك اللاحقين راهنوا وسيراهنونَ على ذاتِ الكذبةِ القديمة التي فاحتْ رائحة نتانتها لكثرةِ استعمالها والتي تعاقبوا على تسميتها بحبِّ الشعبِ لهم !هي كذبة لا زال ثمة مَنْ يتعكزُ عليها كونها الأقدر على مدِّهم بشرعيةٍ زائفةٍ لا تنفدُ صلاحيتها بالتقادم..ولا أعرفُ نكتة احتفظتْ بسرِّ سُخريتها اللاذعةِ برغم تكرار ترديدها و كثرةِ مَن شاهدها من الناس كهذهِ النكتةِ السمجةِ التي تُشكّلُ إحدى أهم المَشاهدِ إضحاكاً ضمن سيناريو هزليٍّ عربيٍّ بامتياز في مسرحياتٍ هابطةٍ لكاتبها الحاكم بأمرِ الشعب..النكتة التي كان وما زالَ قادراً على صياغتها وإخراجها إلى شعبهِ بألفِ لَبوسٍ ولَبوس .. باستفتاءاتٍ مليونية أو انتخاباتٍ صورية أو مُبايعاتٍ كارتونية..لكنَّ أبطالها هم ذاتهم لم يتغيروا أبداً..حشودٌ بشرية زاحفة..حفنة ملايين من أغبياءٍ مُصفّقين مُخدَّرين بأفيونِ حُبِّ زعيمهم الأوحد الذي سقاهم إياهُ من خلطةِ بقائهِ السريةِ تلك..حشودٌ تُساقُ إليهِ دائماً لأداءِ دورها المنتَظر في مسرحياتهِ التي ملَّ الدهرُ منها ولم يمل هو من تكرارها مرةً بعد مرةٍ طالما حققتْ نفسَ نجاحها الباهر في إطالةِ بقائهِ الكريم فوق الرقابِ سنوات أخرى جديدة.

كأنَّ الغبارَ القديم ذاتَهُ يتشكلُ مُجدداً فوقَ الكراسي الجديدة من طولِ ما أدمنَ هذهِ اللعبة هو أيضاً حدَّ الملل..كأنهُ يهمسُ اليومَ بأذنِ كلِّ طاغيةٍ جديد ممن يُصنعِ اليوم على مَهلٍ أنَّ هذهِ اللعبة يجبُ ألا تنتهي أبداً لذا يتحتمُ عليكَ يا مَنْ قررتَ الجلوسَ طويلاً على كرسيِّ عرشكَ المقدس وطمعتَ من خلالهِ بالخلود أنْ تستوعبَ دروسَ الحُكمِ مِمنْ سبقوكَ جيداًوألّا تدخلَ اللعبة إلّا وأنتَ موقنٌ سَلفاً أنكَ زعيمُ البلادِ الأوحد..لا شريكَ ولا مُنافسَ ولا وريثَ لك..كأنَّ الغبارَ القديم يهمسُ اليومَ لكلِّ طاغيةٍ جديد أنكَ لا تقلُّ قداسة عن سابقيكَ في شيء لأنكَ مثلهم تماماً سليلُ سلطةٍ مقدسةٍ..لذا كن مطمئناً أنَّ كلَّ مُقدّراتِ الوطنِ وخيراتهُ ستكونُ هبةٌ قَدَرية مُستحقّة لكَ لا لغيرك ومُلكاً مقطوعاً لا يحقُّ لأحدٍ أنْ يُشاركك فيهِ أبداً..تماماً مثلَ ثيابكَ الشخصية التي فُصّلتْ وِفقَ مقاسكَ أنتَ وحدك..عليكَ أنْ تفهمَ كلَّ ذلكَ جيداً وإلّا توقعَ أيَّ شيءٍ إلّا أنْ تستمرَ في الحُكمِ طويلاً..

الغبارُ القديمُ يهمسُ الآنَ بذلكَ كلهِ بعد أنْ نفضناهُ عن الكراسي العتيدة ..هل تُراهُ سيتراكمُ ويتراكمُ من جديد؟ وهل سفحنا كلَّ تلكَ الدماءِ لنُزيحَ طغاةٍ هرموا فوق كراسيهم حتى نستبدلهم بآخرين جُدد؟هل حقاً ما من شيءٍ آخر تغيّرَ غير ذلك؟ لَكأنها ثوابتُ تاريخيةٍ لا ينبغي تجاهلها لمَنْ أرادَ أن يؤثثَ لهُ مُجدداً أسبابَ بقاءٍ لا تنقطعُ حَبّاتُ مِسبحتها مطلقاً..

ها هي اللعبة تتكررُ ثانية..لعبة الحُكمِ القديمةِ ذاتها ويبدو أنها حقاً لا تريدُ أنْ تنتهي أبداً..بل ستظلُّ رغم تكرارها من أمتعِ ألعابنا على الإطلاق وأكثرها تشويقاً..ستظلُّ تشبهُ إنْ شئتم لعبة الضوءِ والظل..أو النورِ والظلام..أو الليلِ والنهار..قصصٌ مكررةٌ نعرفُ مُسبقاً تفاصيلها المتلازمة لأننا نبصرها كلَّ يومٍ بتداولٍ إقصائيٍّ لا ينتهي ونزدادُ ثقة أنَّ ما من شيءٍ من تفاصيلها سيتغير مُطلقاً ومعَ ذلكَ لا يُصيبنا من تكرارها هذا أيُّ مللٍ أيضاً..

يبدو أنَّ أحلامَ السلطةِ والزعامةِ ستظلُّ دائماً مثلَ كرةٍ ماجنةٍ في لعبةٍ فوضويةٍ مجنونةٍ لا تعرفُ ثباتاً أبداً..مهما تنططتْ بصعودٍ أو هبوطٍ.. وسيظلُّ قدرنا أنْ نُلاحقها بأعيننا بمتعةِ مَنْ يراها أولَ مرة..ستظلُّ كرتنا الماجنة هذهِ كلما قفزتْ نحو الأعلى وابتعدتْ تركتْ في الأسفلِ حنينَ ظلها على الأرض حتى تعودَ ثانية لتقبّلهُ على عجلٍ لا تلبثُ أنْ ترتدَّ صعوداً من جديد..وهكذا دواليك..ما من شيءٍ سيتغير..هذهِ هي الحقيقة شئنا أم أبينا ولا تصدقوا أبداً مَن يوهمكم بخلافِ ذلك..

قد لا يتمكنُ الماضي أنْ يعودَ إلينا بنفسهِ من جديد لكنهُ قادرٌ تماماً وبيُسرٍ أنْ يُرسلَ لنا في المُستقبلِ....أحدَ أحفاده !


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق