]]>
خواطر :
يا فؤادي ، لما هددتني بالهجر و لم يبقى لي سواك في الأنس...كيف حال المضجع في غياب الرفيق المبجلُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرد على المجسمة

بواسطة: مجحود شمسان  |  بتاريخ: 2014-01-25 ، الوقت: 21:18:09
  • تقييم المقالة:

الرد على المجسمة?
الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، والذي لم يكن له كفؤاً أحد ، والذي لم يكن له صاحبة ولا ولد ، والصلاة على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ، وبعد ؛ فإن توحيد المسلم لا يكتمل إلا بعد النفي القاطع لأي مشابهة بين الله سبحانه وشئ من مخلوقاته ؛ يقول تعالى : (( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد )) ، ولذلك فلا يجوز أن نقول إن لله يداً وساقاً ونحو ذلك – تعالى الله - ، لكن هناك فرقة منتسبة إلى الإسلام تزعم ذلك ، بل تكفر من لا يؤمن به وذلك باطل عقلاً وسمعاً ، وأوجه بطلانه هذه الأقوال هي :
الأول :
أن من ينسب إلى الله هذه الأعضاء يزعم أنها ليست كسائر الأعضاء ، فيقول : يد لا كالأيدي . ولا يوجد في لغة العرب يد لا كالأيدي أو رجل لا كالأرجل ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، واللغة العربية فيها الحقيقة والمجاز ، وما قالوا ليس في لغة العرب لا حقيقة ولا ومجازاً .
فإذا أرادت العرب اليد التي بمعنى الجارحة اكتفت بالإطلاق وكان الإطلاق دليل الحقيقة .
وإذا أرادت اليد التي بمعنى النعمة أو القدرة والقوة نصبت قرينة لفظية أو اكتفت بقرينة العقل ، إذ إن المخاطب لك عاقل ولا يمكن أن يريد بتلك اللفظة الحقيقة ؛ كقولهم : لفلان عندي يدي.
ولهذا لم تستخدم العرب ( يد لا كالأيدي ) مريدة باليد الأولى المثبتة المعنى المجازي وباليد الثانية المنفية المعنى الحقيقي ، بل اكتفت بقرينةٍ ما ، مع العلم بأن اليد جنس لها أفراد وإن تفاوتت الأفراد فلها حقيقة تجمعها ، وإلا لكان لكل من له يد من حيوان وإنسان يد لا كالأيدي ، وهذا معلوم بضرورة اللغة والعقل بطلانه .
فإن قيل : إن الله عالم والإنسان عالم ، ومع ذلك لا يوجد أدنى شك بأن علم الله وعلم الإنسان متفاوتان.
قلنا: اعلم أن مجرد إطلاق أن الله عالم والإنسان عالم لا غبار عليه ؛ لأن كلاً منهما مغاير للآخر وليس يجمعهما إلا مجرد الاسم وهذا لا غبار عليه ، والقول بأن علم الله حقيقة وعلم الإنسان مجاز هو لأن الإنسان مُعلم ، وكذلك في القدرة فالإنسان ليس قادراً حقيقة بل مُقدَر ، لأن الله هو الذي خلق علم الإنسان وقدرته وغيرهما .
ومرادنا بعلم الإنسان الآلة التي يتوصل بها إلى المعلومات التي هي العقل ، وبقدرة الإنسان المعنى الحاصل في الإنسان ، بينما علم الله ليس بآلة ولا معنى ؛ لأن صفات الله ذاته فليست الذات غيراً والصفات غيراً آخر ، وإلا لزم أن يكون الله مركباً من ذات وصفات ، والتركيبُ من صفات المحدث .
فعلى هذا فقولك إن يد الله غير يد الإنسان مع كونهما حقيقة باطل ؛ إذ اليد هي الجارحة المعلومة وإن تفاوت أفرادها بالنسبة للإنسان والحيوان فإن الجامع لها ما هو موجود في أذهاننا ، والعرب حينما تكلمت لم يكن كلامها - باعتبار الحقيقة - إلا من وحي المتصورات والمرئيات ، إذ لا يمكن أن يتم التعامل مع مفردة من مفردات اللغة من دون تصور لها ، والتصور لا يكون إلا بالفكر ، والفكر لا يتأمل إلا ما فيه كيفٌ وهيئة ، وكلاهما - أي الكيف والهيئة - محال على الله ، فكيف استخدم العرب اليد مريدين بها يد الله حقيقة ويد الإنسان حقيقة مع وجود التصور لليد مطلقاً .
فإذا لم يكن ذلك في كلام العرب فلا يصح ولا يجوز أن نثبت يداً لله إلا بدليل شرعي ، ولا يوجد في القرآن الكريم ولا في السنة القطعية ولا الظنية أن لله يداً لا كالأيدي أو نحو ذلك ، مع أن التعامل بالظنيات لا يجوز في موضوع العقيدة لأن المطلوب فيه العلم وهو لا يتأتّى إلا بالأدلة القطعية ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القرآن نزل بلغة عربية فيها الحقيقة والمجاز ، وإمكان وجود الدليل منتفٍ لأنه سيناقض العقل .
الثاني : أنه لا يوجد في الحقيقة الدينية والشرعية ما قلتم ، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لله يداً لا كالأيدي ، ولم يقل الله عز وجل أن له يداً لا كالأيدي أو رجلاً لا كالأرجل.
الثالث : أن قولكم هذا يؤدي إلى إثبات الجزئية ، فقولكم أن صفة اليد غير صفة الوجه ، وأن صفة العين غير صفة القدم إثبات للأجزاء ؛ بدليل أن النسبة لا تكون إلا بين شيئين وبين اثنين ، والإثنان تعدد والتعدد شرك .
الرابع : أن قولكم إن لله يداً لا كالأيدي مناقضة ؛ لأن قولكم إن لله يداً إثبات ، وقولكم لا كالأيدي نفي ، واجتماع النفي والإثبات في قضية واحدة محال ، خاصة وأن اليد لا يفهم منها إلا الجارحة أو القدرة أو النعمة ؛ يقال : لفلان عندي يد . أي نعمة ، ويقال : فلان يدي اليمنى . ويقال : سنضرب بيد من حديد . والمراد عظم القدرة .
فإذا قال رجل إن لله يداً ولم يرد هذا المفاهيم فليست بيد ؛ لأن معاني اليد محصورة معروفة فإذا لم يكن منها شيء فليست بيد .
وعلى هذا نقول : إن الخطاب بما لا يعقله السامع قبيح ، إذ إن العاقل الحكيم لا يخاطب المستمع إلا بما يفهم ، واليد والرجل والساق والقدم والأصابع والجنب عند هؤلاء المشبهة والمجسمة الحشوية لا يفهم معناها ، مع أنهم يقولون : إن لله يدين حقيقتين . فنسألهم : ما مرادكم بالحقيقة إذ إننا لا نعلم مرادكم ، فإن كنتم أردتم بالحقيقة المعنى الذي استعمله العرب ووضعت اللفظ له ، فلفظ اليد حقيقة في الجارحة المعلومة المكيفة بكيف وهيئة معلومين وإن تفاوتت في أفرادها إذ لها جامع ، وإن كنتم أردتم بالحقيقة الشرعية والدينية فلا دليل على زعمكم وخرصكم هذا .
فإن قيل : قال تعالى : (( بل يداه مبسوطتان )) [ المائدة : 64 ] وهذا كلام الشارع .
قلت : القائل عز وجل لنا بأن يديه مبسوطتان قال لنا بأن القرآن نزل بلغة العرب بلسان عربي مبين ، والعرب تتخاطب بالحقيقة والمجاز والكناية ويجب أن نحمل آياته وكلامه وكلام رسوله وكلام كل عربي فصيح – بداية - على الحقيقة لأنها الاصل ، ولا نتركه إلا لدليل من قرينة حالية أو لفظية أو عقلية .
ونحن عدلنا عن المعنى الحقيقي لليد ونحوها لقرينة العقل - إذ اليد في الحقيقة الجارحة المكيفة بكيف وهيئة ، والعقل يحيل هذا ؛ لأن القول به يستلزم أن يكون الله جسماًَ ومشابهاً للمخلوقات ولو واحداً في المائة - ولقرينه الشرع قال تعالى : (( ليس كمثله شئ )) [ الشورى : 11 ]، وقال : (( لم يكن له كفؤاً أحد )) ، وقال عز وجل : (( هل تعلم له سمياً )) [ مريم : 65 ] .
فإن قيل : إن الله عز وجل أخبرنا بأن له يداً ووجهاًَ وساقاًَ وجنباً ولا مانع من أن تكون لله تلك الصفات ، وأما قضية العقل فإن العقل قاصرٌ جداً وقد يخطئ ، فإذا ما رأينا الله يقول بأن يديه مبسوطتان ونسب اليد إليه صدقناه وتركنا عقولنا الفارغة القاصرة .
قلنا : الله عز وجل أخبرنا بأن القرآن بلسان عربي مبين ، والعرب لا تتكلم ولا تتخاطب بتلك الأعضاء قاصدة أنها صفات ، فلا يوجد في لسان العرب أن اليد بمعنى صفة والوجه بمعنى صفة ، بل في خطابها أن اليد والرجل والساق والوجه أعضاء حينما تتخاطب مريدة الحقيقة ، فأين الدليل من كلام العرب على أن اليد قد تأتي بمعنى الصفة ؟
وأما قضية العقل فهو حجة قاطعة فيما له طريق وأثر ، فالعقل هو الطريق الذي علمنا به أن كل فعل له فاعل وأن وجود العالم صدفة محال ، وأن وجود العالم من علة أو طبع أو هيولا أو نفس أو مادة محال ، وهو الطريقة أيضاًَ إلى أن الخالق لا يمكن أن يكون ذا جوارح وأعضاء وأن يكون مركباً وأن يكون في مكان وزمان .
فقولكم إن العقل غير حجة يؤدي إلى أن لا طريق لنا إلى العلم بالخالق والقطع بأن وجود العالم من علة أو طبع أو هيولا محال .
فإن قلتم : بل العقل حجة في ذلك .
فلماذا ترفضونه في الطرف الآخر مع أن الكل علمناه بطريق العقل .
فلو وقفت يا من يبطل حجة العقل أمام ملحد فقال لك : إن العالم ناتج عن طبع أو هيولا . فقلت له : إن هذا محال . فإنه سيقول لك : إن كون الله ذا كيف وهيئة معلومة أو مجهولة محال أيضاً . وإن قلت : ليس محالاً . سيقول لك : وكذا أن يكون العالم ناتجاً عن علة أو طبع ليس محالاً . فإن قلت له : إن الله - على حد زعمك - أخبر بأن له يداًَ لها كيف مجهول . فسيقول لك : إذا كان الطريق - إلى أن العالم لا يمكن أن يكون عن علة قديمة ؛ لأنها غير مختارة لأن ما ما يرى من المخلوقات فيه أثر التدبير والإتقان الدال على الاختيار - هو العقل ، وكان الطريق - إلى بطلان كون الله مركباً وذا أعضاء وجوارح وكيف مجهول أو معلوم - بدلالة العقل أيضاًَ ، وتمت صحته عندك وظهر لك أنما يقوله العقل غير صحيح في حق الله ، فلماذا لا يكون الأول باطلاً أيضاًَ إذ الكل طريقة العقل ؟؟!!
ثم نقول - على وفق قاعدتكم - : إن الله يقول : (( نسوا الله فنسيهم )) [ التوبة : 67 ] فهل تثبتون لله أيها المجسمة صفة النسيان لأن القرآن ذكر أنه ينسى مع أن الله يقول : (( وما كان ربك نسياً )) [ مريم : 64 ] وتقولون : إن لله نسياناً لا كنسياننا !!؟
أما نحن فنقول : المراد بقوله تعالى (( نسوا الله )) عاملهم الله معاملة الناسي لمّا لم يعملوا بما أمرهم ، فهذا هو المراد بالنسيان لا أن الله ينسى ؛ لأن النسيان من خواص الأجسام ؛ أي أنه عرض والله منزه عن الجسمانية والعرضية .
وكذلك قوله تعالى : (( فلما آسفونا )) [ الزخرف : 55 ] فهل تقولون بأنه يأسف لا كأسفنا ، وأن الله يخادع لا كخداعنا ؟!
أما نحن فنقول : إن المراد أنه عز وجل عاملهم معاملة الغاضب ، وهي أعظم أنواع العقاب .
قال تعالى : (( كل شئ هالك إلا وجهه )) [ القصص : 88 ] فعند هؤلاء المشبهة أن الوجه صفة واليد صفة أخرى ، وكذلك القدم والساق والأصابع ، وعلى قولهم هذا يلزم أن يضمحل الذات وجميع الصفات عندهم .
فإن قالوا : المراد بالوجه هو الذات .
قلنا : فعندكم أن الصفات غير الذات فيلزمكم بطلان الصفات .
فإن قالوا : المقصود من الاستثناء في الآية : إلا ذاته مع صفات أي اليد والساق والقدم .
قلنا : هذا خروج عن الظاهر فهلم الدليل على استثناء الصفات والمعاني التي زعمتموها ! ثم إن قولكم هذا خروجٌ عن الظاهر ، فأنتم تمنعون ذلك عن خصومكم وتبيحونه لكم ، ثم إن العرب لم تثبت اليد والرجل والساق ونحوها على أنها صفة بل أثبتتها جوارح وأعضاء .
وعند هؤلاء المجسمة أن الله يضع قدمه في النار ، وهذا يسلتزم الحلول الذي هو من صفات الأجسام  ، هذا وقد قال تعالى عن الأصنام والأوثان : (( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها )) [ الأنبياء : 99 ]  ، فكيف يظن بالخالق أنه يردها تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .
إشكال :
روى مسلم في جامعه المسمى بالصحيح [ ص1117 رقم2569 ط ابن حزم ] عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يقول : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . قال : كيف أعدك وأنت رب العالمين ؟! فقال : أمَا علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده .
أيها المشبهة الظاهرية : هل تقولون إن الله يمرض ولكن ليس كمرضنا ؟ وهل يجوز أن يُعتقد أن العبد المؤمن إذا مرض مرض اللهُ تعالى ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍  
 
(تفسير بعض الايات)
قال تعالى : (( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )) [ ص : 75 ] أي بقدرتي .
وقال تعالى : (( أوَلم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون )) [ يس : 70 ] ، والمراد بأيدينا أي بقدرتنا ، ومنه قوله تعالى : (( أم لهم أيدٍ يبطشون بها )) [ الأعراف : 195 ]  أي قوة .
وقال تعالى : (( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ))  [ فاطر : 10 ] ؛ ليس صعود الكلام إلى الله تعالى حقيقة ، بل المراد القبول لتلك الأعمال لأن الكلم ليس حسياً حتى يصعد ، و من المعروف في لغة العرب قولهم : فلان علا كعبه وارتفع شأنه ، ورفع الأمر إلى الحاكم .
وأي كلمه في الصعود والنزول والعروج فاعلم أن لها معانٍ على قواعد العرب إذا أضيفت لله عز وجل ، ولا يعني ذلك الصعود والعروج والنزول الحقيقي ، بل تؤول بما يوافق الأدلة القطعية العقلية والآيات المحكمة .
ثم إن الله تعالى يقول في الظل في سورة الفرقان [ 66 ] (( ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً )) فقوله تعالى : (( إلينا )) لا يعني أن الظل في الليل يذهب إلى الله ، فكذلك قول رسول الله حاكياً عن ربه في الحديث القدسي : ( أما علمت أنك لو عدته – أي المريض- لوجدتني عنده ) ؛ فهل يقول إن الله عز وجل عند كل مريض حقيقة ، كلا وإنما المراد أنه لا يخفي عليه شئ وأن الزائر لأخيه المسلم لن يضيع الله أجره ، فسوف يجد ثواب الله وأجره عند ذلك المريض أي عند زيارته .
أما قوله : (( فأينما تولوا فثم وجه الله )) [ البقرة : 115 ] فليس المراد بالوجه العضو المخصوص ، فإنا ندرك بالحس أن العضو المسم بالوجه غير موجود في جميع جوانب العالم ، فلو حصل ذلك العضو في جميع الجوانب لزم حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في أمكنة كثيرة ، وهذا  لا يقوله عاقل ولا مسلم ، واعلم أن المراد باليد في قوله تعالى : (( بل يداه مبسوطتان )) [ المائدة : 64 ] النعمة لا غير ، يدلك على هذا أن العرب استعملوا لفظة اليد وأرادوا بها النعمة أو القدرة ؛ قالت العرب : مالي بهذا الأمر من يد . أي قدرة ، وقالت : لفلان عندي يد . أي نعمة وإن كانت يداه مقطوعة ، والعرب تُثَنّي فتقول : مالي بهذا الأمر من يدين . والمراد القدرة فقط ، وقال تعالى (( تبت يدا أبي لهب وتب )) [ المسد : 1 ]  أي هلك هو ، وقال تعالى : (( إن الذي يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ))  [ الفتح : 10 ] ، فهل تقول المشبه والمجسمة إن يد الله كانت في بيعة الرضوان فوق أيدي الصحابة حقيقة !
ثم كيف تفسرون قوله تعالى : (( اذكر عبدنا داود ذا الأيد )) [ ص : 17 ] ؟ هل كان له عليه السلام أكثر من يد ؟! أم أن الذين لا يؤمنون بالتأويل سيرجعون إلى التأويل هنا ؟!
وأيدٍ جمع يد ؛ وهي اليد المخصوصة – الجارحة – وانظر القاموس والصحاح وغيرهما هذا في الحقيقة وتأتي بمعنى النعمة والقدرة مجازاً .
 وبماذا تفسرون قوله تعالى : (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )) [ فصلت : 42 ] هل للقرآن يدان حقيقيتان ؟
وقوله تعالى : (( إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) [ سبأ : 46 ] ، وقوله تعالى : (( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته )) [ الفرقان : 48 ] ، فهل للعذاب والرحمة يديان حقيقيتان ؟! وكيف تفسرون قوله تعالى : (( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه )) [ فاطر : 31 ] ، وقوله تعالى : (( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه )) .
وكيف تفسرون قوله تعالى (( تجري بأعيننا )) [ القمر : 14 ] هل تفسرونها على الظاهر وتقولون إن سفينة نوح تجري بعين الله ؟! وهل له – تعالى عن ذلك - أكثر من عين ؟! أم تقولون إن المراد : بحفظنا ، وهو خروج عن الظاهر وأنتم لا تقولون به !!
وأما من قال بأن الحفظ لا يكون إلا بالعين فهو باطل ؛ لأن الأعمى قد يحفظ غيره ، ونقول له في ذلك : ضعه في عينك . وإن سلمنا جدلاً فلم يعد يراد إلا الحفظ من دون نظر إلى شئ آخر .
كما أننا نقول عن من كان كريماً ينفق ماله : يدا فلان مبسوطة . وإن كانت يداه مقطوعتين ، ونقول: يد السلطان فوق يد الرعية . وإن كانت يداه مقطوعتين ، ويقال : هذه الدار في يد فلان . وإن كانت يداه مقطوعة .
وعلى هذا فنقول : إن المراد بذكر الوجه واليد والعين المشاكلة ، لا أن هناك يداً أو وجهاً أو عيناً .  والدليل على ذلك أن لغة العرب شائعة في استخدام ذلك ، ومرادهم النعمة والقدرة والذات والحفظ والرعية ، ولم يقصدوا إثبات العين أو الوجه أو نحو ذلك ؛ بدليل أنه يقال : فلان في عين فلان . وإن كان أعمى ، ويقال : فلان في يده هذه الدار . وإن كانت يداه مقطوعتين وبدليل أنه لا يجوز في لغة العرب أن تجمع الحقيقة والمجاز في لفط واحد ، فتأمل ذلك هديت للصواب .
قال تعالى : (( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )) [ الملك : 16 ]  ؛ أي : ءأمنتم مَن مقدورُه في السماء أن يخسف بكم الأرض ، فقوله تعالى : (( ءأمنتم من في السماء )) مجمل لأن مَن اسم موصول قد يراد به الملائكة لأنهم هم سكان السماوات ، والخلاصة أن ليس لهم تعلق بظاهر الآيه مع أن القول بأن الله في السماء يؤدي إلى كونه محدَثاً ؛ لأن القديم لا يحل في المحدث والمحدث لا يحل في القديم ، فهو محال .
وأما ما يروى من أحاديث في كون الله في السماء فلا دلالة قاطعة فيها مثل حديث مسلم - حديث الجارية - التي سألت فيه : أين الله ؟ لأن الراوي قد يغلط في بعض كلمات الحديث ، حتى من زعم أن كتاب مسلم كله صحيح لم يرد أن كل لفظة في كل حديث صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعاً ، ولذلك رجحوا البخاري على مسلم .
قال ابن الأمير : قال ابن الصلاح : ليس من شرطه – يريد الصحيح – أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة اهـ [ توضيح الأفكار لابن الأمير ط1 ج1 ص24 ] .
ثم قد يؤول الحديث بأن المراد بأنه في العلو أي علو القهر والسلطان ، فقد روى أحمد في مسنده [ 3/452 ] ، وقال الهيثمي في المجمع [ 4/244 ] : رجاله رجال الصحيح . وعبد الرزاق في المصنف [ 9/175 ] والبزار [ 1/14 ] والدارمي [ 2/187 ] والبيهقي [ 10/75 ] والطبراني [ 12/27 ] وسنده صحيح والرواية كما يلي : إن معاوية بن الحكم لطم جارية له فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال معاوية : فقلت : ألا أعتقها ؟ قال : ائتني بها . فأتيناه بها فقال : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ فقالت : نعم . قال أتشهدين أني رسول الله ؟ قالت : نعم . قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم . قال : فأعتقها .
ثم إن القول بأن الله في السماء هو عقيدة فرعون إمام المجسمة ، قال تعالى حاكياً عن فرعون : (( يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصدّ عن السبيل )) ، فبين الله في كتابه أن من ظن حلول الله في السماء فقد صد عن سبيل المعرفة ، وجعل السماء أكبر من الله لأن السماء محيطة بالله على حد زعمه ، ثم إن السماء مخلوقة مجعولة فكيف يخلقها ثم يكون فيها ، ثم إن المكان محدث والله قديم لا أول له .
وقد سئل الإمام علي بن أبي طالب (ع) : أين الله ؟ فقال : أين سؤال عن المكان والله هو الذي خلق المكان . ونقول لهؤلاء أين كان الله قبل أن يخلق السماء ؛ إن قالوا : (( وكان عرشه على الماء )) [ هود : 7 ] . قلنا : وأين كان قبل خلقه للماء ؟ ثم إن المراد بالعرش السلطان وليس المراد المكان . ثم هل تعنون أنه انتقل من الماء إلى السماء ؟ أولا تعلمون أن الانتقال من خصائص المخلوق ، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام : (( فلما أفل قال لا أحب الآفلين )) [ الأنعام : 76 ] ، ومعنى قوله تعالى : (( وكان عرشه على الماء )) ؛ وكان ملكه الماء قبل أن يخلق بقية المخلوقات ، ثم إن القرآن نزل بلسان عربي مبين والعرب تطلق على الملك لفظة العرش ، فيقال عرش بلقيس وثمود وغير ذلك والمراد السلطان .
وقال تعالى : (( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله )) [ الزخرف : 84 ]  فهل يعني ذلك أن الله في السماء والأرض أي في مكانين في آن واحد ، كلا والله ، وإنما المراد ؛ معبود لأهل الأرض ، ومعبود لأهل السماء وهو الملائكة ، ولهذا فقوله تعالى : (( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )) معناه : ءأمنتم مَن ملائكته في السماء وهم الموكلون بالزلازل والفيضانات وغيرها .
ثم إن الله تعالى يقول : (( وسع كرسيه السماوات والأرض )) [ البقرة : 255 ] فكيف يكون في السماء وكرسيه وسع السماوات والأرض .
واعلم أن المكان لا يجري على الله عز وجل لأنهما مخلوقان وهو الأزلي المتفرد بالأزلية ، ورفع الأيدي إلى السماء لا يعني أنه تعالى فيها ؛ لأننا نتوجه إلى الكعبة بقيامنا وركوعنا وسجودنا مع أن هذا لا يعني أن الله في الكعبة ، فالسماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة ، ثم إننا نرفع أيدنا إلى هذه السماء المخلوقة المحدثة فهل الله فيها فتكون السماوات محيطة بالله وتكون أكبر من الله ؟؟!
وأين كان قبل أن يخلق السماوات والكون بأكمله .
وعلوّ الله المذكور في بعض الآيات لا يعني المكانية بل المراد به علو القهر والسلطان : (( إن فرعون علا في الأرض )) [ القصص : 4 ] ، وكما قال الله حاكياً لقول سليمان عليه السلام : (( ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين )) [ النمل : 31 ] ، وكما تقول العرب : السلطان أعلى من الوزير . والمراد علو القهر والسلطان والأمر والنهي ؛ إذ يمكن أن يكون السلطان في مكان جسماني أخفض من الوزير .
واعلم أخي القارئ أن من ادعى علو الله ، أو أضاف إليه جارحة مجهولة الكيفية مجسمة حقيقةً ؛ لأنهم أثبتوا لله كيفاً حقيقة ولم ينفوا إلا الكيف المعلوم دون مطلق الكيف ، ويجوزون أن يرى الله في المنام مع العلم بأن الرؤية المنامية لن تحصل إلا بكيف وهيئة ، فالله المستعان .
والله الهادي..


الرد على المجسمة?
الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، والذي لم يكن له كفؤاً أحد ، والذي لم يكن له صاحبة ولا ولد ، والصلاة على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ، وبعد ؛ فإن توحيد المسلم لا يكتمل إلا بعد النفي القاطع لأي مشابهة بين الله سبحانه وشئ من مخلوقاته ؛ يقول تعالى : (( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد )) ، ولذلك فلا يجوز أن نقول إن لله يداً وساقاً ونحو ذلك – تعالى الله - ، لكن هناك فرقة منتسبة إلى الإسلام تزعم ذلك ، بل تكفر من لا يؤمن به وذلك باطل عقلاً وسمعاً ، وأوجه بطلانه هذه الأقوال هي :
الأول :
أن من ينسب إلى الله هذه الأعضاء يزعم أنها ليست كسائر الأعضاء ، فيقول : يد لا كالأيدي . ولا يوجد في لغة العرب يد لا كالأيدي أو رجل لا كالأرجل ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، واللغة العربية فيها الحقيقة والمجاز ، وما قالوا ليس في لغة العرب لا حقيقة ولا ومجازاً .
فإذا أرادت العرب اليد التي بمعنى الجارحة اكتفت بالإطلاق وكان الإطلاق دليل الحقيقة .
وإذا أرادت اليد التي بمعنى النعمة أو القدرة والقوة نصبت قرينة لفظية أو اكتفت بقرينة العقل ، إذ إن المخاطب لك عاقل ولا يمكن أن يريد بتلك اللفظة الحقيقة ؛ كقولهم : لفلان عندي يدي.
ولهذا لم تستخدم العرب ( يد لا كالأيدي ) مريدة باليد الأولى المثبتة المعنى المجازي وباليد الثانية المنفية المعنى الحقيقي ، بل اكتفت بقرينةٍ ما ، مع العلم بأن اليد جنس لها أفراد وإن تفاوتت الأفراد فلها حقيقة تجمعها ، وإلا لكان لكل من له يد من حيوان وإنسان يد لا كالأيدي ، وهذا معلوم بضرورة اللغة والعقل بطلانه .
فإن قيل : إن الله عالم والإنسان عالم ، ومع ذلك لا يوجد أدنى شك بأن علم الله وعلم الإنسان متفاوتان.
قلنا: اعلم أن مجرد إطلاق أن الله عالم والإنسان عالم لا غبار عليه ؛ لأن كلاً منهما مغاير للآخر وليس يجمعهما إلا مجرد الاسم وهذا لا غبار عليه ، والقول بأن علم الله حقيقة وعلم الإنسان مجاز هو لأن الإنسان مُعلم ، وكذلك في القدرة فالإنسان ليس قادراً حقيقة بل مُقدَر ، لأن الله هو الذي خلق علم الإنسان وقدرته وغيرهما .
ومرادنا بعلم الإنسان الآلة التي يتوصل بها إلى المعلومات التي هي العقل ، وبقدرة الإنسان المعنى الحاصل في الإنسان ، بينما علم الله ليس بآلة ولا معنى ؛ لأن صفات الله ذاته فليست الذات غيراً والصفات غيراً آخر ، وإلا لزم أن يكون الله مركباً من ذات وصفات ، والتركيبُ من صفات المحدث .
فعلى هذا فقولك إن يد الله غير يد الإنسان مع كونهما حقيقة باطل ؛ إذ اليد هي الجارحة المعلومة وإن تفاوت أفرادها بالنسبة للإنسان والحيوان فإن الجامع لها ما هو موجود في أذهاننا ، والعرب حينما تكلمت لم يكن كلامها - باعتبار الحقيقة - إلا من وحي المتصورات والمرئيات ، إذ لا يمكن أن يتم التعامل مع مفردة من مفردات اللغة من دون تصور لها ، والتصور لا يكون إلا بالفكر ، والفكر لا يتأمل إلا ما فيه كيفٌ وهيئة ، وكلاهما - أي الكيف والهيئة - محال على الله ، فكيف استخدم العرب اليد مريدين بها يد الله حقيقة ويد الإنسان حقيقة مع وجود التصور لليد مطلقاً .
فإذا لم يكن ذلك في كلام العرب فلا يصح ولا يجوز أن نثبت يداً لله إلا بدليل شرعي ، ولا يوجد في القرآن الكريم ولا في السنة القطعية ولا الظنية أن لله يداً لا كالأيدي أو نحو ذلك ، مع أن التعامل بالظنيات لا يجوز في موضوع العقيدة لأن المطلوب فيه العلم وهو لا يتأتّى إلا بالأدلة القطعية ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القرآن نزل بلغة عربية فيها الحقيقة والمجاز ، وإمكان وجود الدليل منتفٍ لأنه سيناقض العقل .
الثاني : أنه لا يوجد في الحقيقة الدينية والشرعية ما قلتم ، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لله يداً لا كالأيدي ، ولم يقل الله عز وجل أن له يداً لا كالأيدي أو رجلاً لا كالأرجل.
الثالث : أن قولكم هذا يؤدي إلى إثبات الجزئية ، فقولكم أن صفة اليد غير صفة الوجه ، وأن صفة العين غير صفة القدم إثبات للأجزاء ؛ بدليل أن النسبة لا تكون إلا بين شيئين وبين اثنين ، والإثنان تعدد والتعدد شرك .
الرابع : أن قولكم إن لله يداً لا كالأيدي مناقضة ؛ لأن قولكم إن لله يداً إثبات ، وقولكم لا كالأيدي نفي ، واجتماع النفي والإثبات في قضية واحدة محال ، خاصة وأن اليد لا يفهم منها إلا الجارحة أو القدرة أو النعمة ؛ يقال : لفلان عندي يد . أي نعمة ، ويقال : فلان يدي اليمنى . ويقال : سنضرب بيد من حديد . والمراد عظم القدرة .
فإذا قال رجل إن لله يداً ولم يرد هذا المفاهيم فليست بيد ؛ لأن معاني اليد محصورة معروفة فإذا لم يكن منها شيء فليست بيد .
وعلى هذا نقول : إن الخطاب بما لا يعقله السامع قبيح ، إذ إن العاقل الحكيم لا يخاطب المستمع إلا بما يفهم ، واليد والرجل والساق والقدم والأصابع والجنب عند هؤلاء المشبهة والمجسمة الحشوية لا يفهم معناها ، مع أنهم يقولون : إن لله يدين حقيقتين . فنسألهم : ما مرادكم بالحقيقة إذ إننا لا نعلم مرادكم ، فإن كنتم أردتم بالحقيقة المعنى الذي استعمله العرب ووضعت اللفظ له ، فلفظ اليد حقيقة في الجارحة المعلومة المكيفة بكيف وهيئة معلومين وإن تفاوتت في أفرادها إذ لها جامع ، وإن كنتم أردتم بالحقيقة الشرعية والدينية فلا دليل على زعمكم وخرصكم هذا .
فإن قيل : قال تعالى : (( بل يداه مبسوطتان )) [ المائدة : 64 ] وهذا كلام الشارع .
قلت : القائل عز وجل لنا بأن يديه مبسوطتان قال لنا بأن القرآن نزل بلغة العرب بلسان عربي مبين ، والعرب تتخاطب بالحقيقة والمجاز والكناية ويجب أن نحمل آياته وكلامه وكلام رسوله وكلام كل عربي فصيح – بداية - على الحقيقة لأنها الاصل ، ولا نتركه إلا لدليل من قرينة حالية أو لفظية أو عقلية .
ونحن عدلنا عن المعنى الحقيقي لليد ونحوها لقرينة العقل - إذ اليد في الحقيقة الجارحة المكيفة بكيف وهيئة ، والعقل يحيل هذا ؛ لأن القول به يستلزم أن يكون الله جسماًَ ومشابهاً للمخلوقات ولو واحداً في المائة - ولقرينه الشرع قال تعالى : (( ليس كمثله شئ )) [ الشورى : 11 ]، وقال : (( لم يكن له كفؤاً أحد )) ، وقال عز وجل : (( هل تعلم له سمياً )) [ مريم : 65 ] .
فإن قيل : إن الله عز وجل أخبرنا بأن له يداً ووجهاًَ وساقاًَ وجنباً ولا مانع من أن تكون لله تلك الصفات ، وأما قضية العقل فإن العقل قاصرٌ جداً وقد يخطئ ، فإذا ما رأينا الله يقول بأن يديه مبسوطتان ونسب اليد إليه صدقناه وتركنا عقولنا الفارغة القاصرة .
قلنا : الله عز وجل أخبرنا بأن القرآن بلسان عربي مبين ، والعرب لا تتكلم ولا تتخاطب بتلك الأعضاء قاصدة أنها صفات ، فلا يوجد في لسان العرب أن اليد بمعنى صفة والوجه بمعنى صفة ، بل في خطابها أن اليد والرجل والساق والوجه أعضاء حينما تتخاطب مريدة الحقيقة ، فأين الدليل من كلام العرب على أن اليد قد تأتي بمعنى الصفة ؟
وأما قضية العقل فهو حجة قاطعة فيما له طريق وأثر ، فالعقل هو الطريق الذي علمنا به أن كل فعل له فاعل وأن وجود العالم صدفة محال ، وأن وجود العالم من علة أو طبع أو هيولا أو نفس أو مادة محال ، وهو الطريقة أيضاًَ إلى أن الخالق لا يمكن أن يكون ذا جوارح وأعضاء وأن يكون مركباً وأن يكون في مكان وزمان .
فقولكم إن العقل غير حجة يؤدي إلى أن لا طريق لنا إلى العلم بالخالق والقطع بأن وجود العالم من علة أو طبع أو هيولا محال .
فإن قلتم : بل العقل حجة في ذلك .
فلماذا ترفضونه في الطرف الآخر مع أن الكل علمناه بطريق العقل .
فلو وقفت يا من يبطل حجة العقل أمام ملحد فقال لك : إن العالم ناتج عن طبع أو هيولا . فقلت له : إن هذا محال . فإنه سيقول لك : إن كون الله ذا كيف وهيئة معلومة أو مجهولة محال أيضاً . وإن قلت : ليس محالاً . سيقول لك : وكذا أن يكون العالم ناتجاً عن علة أو طبع ليس محالاً . فإن قلت له : إن الله - على حد زعمك - أخبر بأن له يداًَ لها كيف مجهول . فسيقول لك : إذا كان الطريق - إلى أن العالم لا يمكن أن يكون عن علة قديمة ؛ لأنها غير مختارة لأن ما ما يرى من المخلوقات فيه أثر التدبير والإتقان الدال على الاختيار - هو العقل ، وكان الطريق - إلى بطلان كون الله مركباً وذا أعضاء وجوارح وكيف مجهول أو معلوم - بدلالة العقل أيضاًَ ، وتمت صحته عندك وظهر لك أنما يقوله العقل غير صحيح في حق الله ، فلماذا لا يكون الأول باطلاً أيضاًَ إذ الكل طريقة العقل ؟؟!!
ثم نقول - على وفق قاعدتكم - : إن الله يقول : (( نسوا الله فنسيهم )) [ التوبة : 67 ] فهل تثبتون لله أيها المجسمة صفة النسيان لأن القرآن ذكر أنه ينسى مع أن الله يقول : (( وما كان ربك نسياً )) [ مريم : 64 ] وتقولون : إن لله نسياناً لا كنسياننا !!؟
أما نحن فنقول : المراد بقوله تعالى (( نسوا الله )) عاملهم الله معاملة الناسي لمّا لم يعملوا بما أمرهم ، فهذا هو المراد بالنسيان لا أن الله ينسى ؛ لأن النسيان من خواص الأجسام ؛ أي أنه عرض والله منزه عن الجسمانية والعرضية .
وكذلك قوله تعالى : (( فلما آسفونا )) [ الزخرف : 55 ] فهل تقولون بأنه يأسف لا كأسفنا ، وأن الله يخادع لا كخداعنا ؟!
أما نحن فنقول : إن المراد أنه عز وجل عاملهم معاملة الغاضب ، وهي أعظم أنواع العقاب .
قال تعالى : (( كل شئ هالك إلا وجهه )) [ القصص : 88 ] فعند هؤلاء المشبهة أن الوجه صفة واليد صفة أخرى ، وكذلك القدم والساق والأصابع ، وعلى قولهم هذا يلزم أن يضمحل الذات وجميع الصفات عندهم .
فإن قالوا : المراد بالوجه هو الذات .
قلنا : فعندكم أن الصفات غير الذات فيلزمكم بطلان الصفات .
فإن قالوا : المقصود من الاستثناء في الآية : إلا ذاته مع صفات أي اليد والساق والقدم .
قلنا : هذا خروج عن الظاهر فهلم الدليل على استثناء الصفات والمعاني التي زعمتموها ! ثم إن قولكم هذا خروجٌ عن الظاهر ، فأنتم تمنعون ذلك عن خصومكم وتبيحونه لكم ، ثم إن العرب لم تثبت اليد والرجل والساق ونحوها على أنها صفة بل أثبتتها جوارح وأعضاء .
وعند هؤلاء المجسمة أن الله يضع قدمه في النار ، وهذا يسلتزم الحلول الذي هو من صفات الأجسام  ، هذا وقد قال تعالى عن الأصنام والأوثان : (( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها )) [ الأنبياء : 99 ]  ، فكيف يظن بالخالق أنه يردها تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .
إشكال :
روى مسلم في جامعه المسمى بالصحيح [ ص1117 رقم2569 ط ابن حزم ] عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يقول : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . قال : كيف أعدك وأنت رب العالمين ؟! فقال : أمَا علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده .
أيها المشبهة الظاهرية : هل تقولون إن الله يمرض ولكن ليس كمرضنا ؟ وهل يجوز أن يُعتقد أن العبد المؤمن إذا مرض مرض اللهُ تعالى ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍  
 
(تفسير بعض الايات)
قال تعالى : (( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )) [ ص : 75 ] أي بقدرتي .
وقال تعالى : (( أوَلم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون )) [ يس : 70 ] ، والمراد بأيدينا أي بقدرتنا ، ومنه قوله تعالى : (( أم لهم أيدٍ يبطشون بها )) [ الأعراف : 195 ]  أي قوة .
وقال تعالى : (( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ))  [ فاطر : 10 ] ؛ ليس صعود الكلام إلى الله تعالى حقيقة ، بل المراد القبول لتلك الأعمال لأن الكلم ليس حسياً حتى يصعد ، و من المعروف في لغة العرب قولهم : فلان علا كعبه وارتفع شأنه ، ورفع الأمر إلى الحاكم .
وأي كلمه في الصعود والنزول والعروج فاعلم أن لها معانٍ على قواعد العرب إذا أضيفت لله عز وجل ، ولا يعني ذلك الصعود والعروج والنزول الحقيقي ، بل تؤول بما يوافق الأدلة القطعية العقلية والآيات المحكمة .
ثم إن الله تعالى يقول في الظل في سورة الفرقان [ 66 ] (( ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً )) فقوله تعالى : (( إلينا )) لا يعني أن الظل في الليل يذهب إلى الله ، فكذلك قول رسول الله حاكياً عن ربه في الحديث القدسي : ( أما علمت أنك لو عدته – أي المريض- لوجدتني عنده ) ؛ فهل يقول إن الله عز وجل عند كل مريض حقيقة ، كلا وإنما المراد أنه لا يخفي عليه شئ وأن الزائر لأخيه المسلم لن يضيع الله أجره ، فسوف يجد ثواب الله وأجره عند ذلك المريض أي عند زيارته .
أما قوله : (( فأينما تولوا فثم وجه الله )) [ البقرة : 115 ] فليس المراد بالوجه العضو المخصوص ، فإنا ندرك بالحس أن العضو المسم بالوجه غير موجود في جميع جوانب العالم ، فلو حصل ذلك العضو في جميع الجوانب لزم حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في أمكنة كثيرة ، وهذا  لا يقوله عاقل ولا مسلم ، واعلم أن المراد باليد في قوله تعالى : (( بل يداه مبسوطتان )) [ المائدة : 64 ] النعمة لا غير ، يدلك على هذا أن العرب استعملوا لفظة اليد وأرادوا بها النعمة أو القدرة ؛ قالت العرب : مالي بهذا الأمر من يد . أي قدرة ، وقالت : لفلان عندي يد . أي نعمة وإن كانت يداه مقطوعة ، والعرب تُثَنّي فتقول : مالي بهذا الأمر من يدين . والمراد القدرة فقط ، وقال تعالى (( تبت يدا أبي لهب وتب )) [ المسد : 1 ]  أي هلك هو ، وقال تعالى : (( إن الذي يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ))  [ الفتح : 10 ] ، فهل تقول المشبه والمجسمة إن يد الله كانت في بيعة الرضوان فوق أيدي الصحابة حقيقة !
ثم كيف تفسرون قوله تعالى : (( اذكر عبدنا داود ذا الأيد )) [ ص : 17 ] ؟ هل كان له عليه السلام أكثر من يد ؟! أم أن الذين لا يؤمنون بالتأويل سيرجعون إلى التأويل هنا ؟!
وأيدٍ جمع يد ؛ وهي اليد المخصوصة – الجارحة – وانظر القاموس والصحاح وغيرهما هذا في الحقيقة وتأتي بمعنى النعمة والقدرة مجازاً .
 وبماذا تفسرون قوله تعالى : (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )) [ فصلت : 42 ] هل للقرآن يدان حقيقيتان ؟
وقوله تعالى : (( إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) [ سبأ : 46 ] ، وقوله تعالى : (( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته )) [ الفرقان : 48 ] ، فهل للعذاب والرحمة يديان حقيقيتان ؟! وكيف تفسرون قوله تعالى : (( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه )) [ فاطر : 31 ] ، وقوله تعالى : (( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه )) .
وكيف تفسرون قوله تعالى (( تجري بأعيننا )) [ القمر : 14 ] هل تفسرونها على الظاهر وتقولون إن سفينة نوح تجري بعين الله ؟! وهل له – تعالى عن ذلك - أكثر من عين ؟! أم تقولون إن المراد : بحفظنا ، وهو خروج عن الظاهر وأنتم لا تقولون به !!
وأما من قال بأن الحفظ لا يكون إلا بالعين فهو باطل ؛ لأن الأعمى قد يحفظ غيره ، ونقول له في ذلك : ضعه في عينك . وإن سلمنا جدلاً فلم يعد يراد إلا الحفظ من دون نظر إلى شئ آخر .
كما أننا نقول عن من كان كريماً ينفق ماله : يدا فلان مبسوطة . وإن كانت يداه مقطوعتين ، ونقول: يد السلطان فوق يد الرعية . وإن كانت يداه مقطوعتين ، ويقال : هذه الدار في يد فلان . وإن كانت يداه مقطوعة .
وعلى هذا فنقول : إن المراد بذكر الوجه واليد والعين المشاكلة ، لا أن هناك يداً أو وجهاً أو عيناً .  والدليل على ذلك أن لغة العرب شائعة في استخدام ذلك ، ومرادهم النعمة والقدرة والذات والحفظ والرعية ، ولم يقصدوا إثبات العين أو الوجه أو نحو ذلك ؛ بدليل أنه يقال : فلان في عين فلان . وإن كان أعمى ، ويقال : فلان في يده هذه الدار . وإن كانت يداه مقطوعتين وبدليل أنه لا يجوز في لغة العرب أن تجمع الحقيقة والمجاز في لفط واحد ، فتأمل ذلك هديت للصواب .
قال تعالى : (( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )) [ الملك : 16 ]  ؛ أي : ءأمنتم مَن مقدورُه في السماء أن يخسف بكم الأرض ، فقوله تعالى : (( ءأمنتم من في السماء )) مجمل لأن مَن اسم موصول قد يراد به الملائكة لأنهم هم سكان السماوات ، والخلاصة أن ليس لهم تعلق بظاهر الآيه مع أن القول بأن الله في السماء يؤدي إلى كونه محدَثاً ؛ لأن القديم لا يحل في المحدث والمحدث لا يحل في القديم ، فهو محال .
وأما ما يروى من أحاديث في كون الله في السماء فلا دلالة قاطعة فيها مثل حديث مسلم - حديث الجارية - التي سألت فيه : أين الله ؟ لأن الراوي قد يغلط في بعض كلمات الحديث ، حتى من زعم أن كتاب مسلم كله صحيح لم يرد أن كل لفظة في كل حديث صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعاً ، ولذلك رجحوا البخاري على مسلم .
قال ابن الأمير : قال ابن الصلاح : ليس من شرطه – يريد الصحيح – أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة اهـ [ توضيح الأفكار لابن الأمير ط1 ج1 ص24 ] .
ثم قد يؤول الحديث بأن المراد بأنه في العلو أي علو القهر والسلطان ، فقد روى أحمد في مسنده [ 3/452 ] ، وقال الهيثمي في المجمع [ 4/244 ] : رجاله رجال الصحيح . وعبد الرزاق في المصنف [ 9/175 ] والبزار [ 1/14 ] والدارمي [ 2/187 ] والبيهقي [ 10/75 ] والطبراني [ 12/27 ] وسنده صحيح والرواية كما يلي : إن معاوية بن الحكم لطم جارية له فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال معاوية : فقلت : ألا أعتقها ؟ قال : ائتني بها . فأتيناه بها فقال : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ فقالت : نعم . قال أتشهدين أني رسول الله ؟ قالت : نعم . قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم . قال : فأعتقها .
ثم إن القول بأن الله في السماء هو عقيدة فرعون إمام المجسمة ، قال تعالى حاكياً عن فرعون : (( يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصدّ عن السبيل )) ، فبين الله في كتابه أن من ظن حلول الله في السماء فقد صد عن سبيل المعرفة ، وجعل السماء أكبر من الله لأن السماء محيطة بالله على حد زعمه ، ثم إن السماء مخلوقة مجعولة فكيف يخلقها ثم يكون فيها ، ثم إن المكان محدث والله قديم لا أول له .
وقد سئل الإمام علي بن أبي طالب (ع) : أين الله ؟ فقال : أين سؤال عن المكان والله هو الذي خلق المكان . ونقول لهؤلاء أين كان الله قبل أن يخلق السماء ؛ إن قالوا : (( وكان عرشه على الماء )) [ هود : 7 ] . قلنا : وأين كان قبل خلقه للماء ؟ ثم إن المراد بالعرش السلطان وليس المراد المكان . ثم هل تعنون أنه انتقل من الماء إلى السماء ؟ أولا تعلمون أن الانتقال من خصائص المخلوق ، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام : (( فلما أفل قال لا أحب الآفلين )) [ الأنعام : 76 ] ، ومعنى قوله تعالى : (( وكان عرشه على الماء )) ؛ وكان ملكه الماء قبل أن يخلق بقية المخلوقات ، ثم إن القرآن نزل بلسان عربي مبين والعرب تطلق على الملك لفظة العرش ، فيقال عرش بلقيس وثمود وغير ذلك والمراد السلطان .
وقال تعالى : (( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله )) [ الزخرف : 84 ]  فهل يعني ذلك أن الله في السماء والأرض أي في مكانين في آن واحد ، كلا والله ، وإنما المراد ؛ معبود لأهل الأرض ، ومعبود لأهل السماء وهو الملائكة ، ولهذا فقوله تعالى : (( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )) معناه : ءأمنتم مَن ملائكته في السماء وهم الموكلون بالزلازل والفيضانات وغيرها .
ثم إن الله تعالى يقول : (( وسع كرسيه السماوات والأرض )) [ البقرة : 255 ] فكيف يكون في السماء وكرسيه وسع السماوات والأرض .
واعلم أن المكان لا يجري على الله عز وجل لأنهما مخلوقان وهو الأزلي المتفرد بالأزلية ، ورفع الأيدي إلى السماء لا يعني أنه تعالى فيها ؛ لأننا نتوجه إلى الكعبة بقيامنا وركوعنا وسجودنا مع أن هذا لا يعني أن الله في الكعبة ، فالسماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة ، ثم إننا نرفع أيدنا إلى هذه السماء المخلوقة المحدثة فهل الله فيها فتكون السماوات محيطة بالله وتكون أكبر من الله ؟؟!
وأين كان قبل أن يخلق السماوات والكون بأكمله .
وعلوّ الله المذكور في بعض الآيات لا يعني المكانية بل المراد به علو القهر والسلطان : (( إن فرعون علا في الأرض )) [ القصص : 4 ] ، وكما قال الله حاكياً لقول سليمان عليه السلام : (( ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين )) [ النمل : 31 ] ، وكما تقول العرب : السلطان أعلى من الوزير . والمراد علو القهر والسلطان والأمر والنهي ؛ إذ يمكن أن يكون السلطان في مكان جسماني أخفض من الوزير .
واعلم أخي القارئ أن من ادعى علو الله ، أو أضاف إليه جارحة مجهولة الكيفية مجسمة حقيقةً ؛ لأنهم أثبتوا لله كيفاً حقيقة ولم ينفوا إلا الكيف المعلوم دون مطلق الكيف ، ويجوزون أن يرى الله في المنام مع العلم بأن الرؤية المنامية لن تحصل إلا بكيف وهيئة ، فالله المستعان .
والله الهادي..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق