]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرد على المجبرة

بواسطة: مجحود شمسان  |  بتاريخ: 2014-01-25 ، الوقت: 21:13:34
  • تقييم المقالة:

الرد على المجبرة???المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، أحق ما افتتح به رد الجواب، وخوطب به ذووا الألباب، حمداً يوصل إلى جنته، ويوجب المزيد من فضله، فإليه أرغب في الصلاة على محمد، صلى الله عليه وعلى آله.
سألت يا بني، أرشدك الله ووفقك، وسددك للفهم وعلمك، عما اختلف فيه الناس، وكثر فيه عند أهل الجهالة الإلتباس، حتى نسبوا الله فيه إلى أقبح الصفات، وبرأوا أنفسهم من ذلك وصانوها بزعمهم عنه، واستقبحوه، وبلغوا أشد ما يكون من الغضب على من نسبهم إلى شيء منه، ورضوا به في العزيز، ودعوه به.
فزعموا أن الله شاء شيئاً ونهى عنه، وأراد شيئاً ومنع منه، وأنه أرسل رسله إلى جميع خلقه يدعوهم إلى أمر قد منعهم منه، وذكروا من هذا شيئاً وضروباً يكثر شرحها، وأنا مبين لك جميع ذلك وشارحه في مواضعه، ومحتج لله سبحانه بالبراءة مما نسبوه إليه وسموه به، يا بني، حتى يصح لك فساد أمرهم، وقبيح لفظهم بما فيه المنفعة والشفاء والبرهان، والإكتفاء من كتاب الله الفصيح وبما يصح عند كل ذي لب صحيح.
[مزاعم المجبرة ]
زعم أهل الجهل أن الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فكذلك الله عز وجل، وتأولوا ذلك بجهلهم على أقبح التأويل وأسمج المعاني، ولم يعلموا ما أراد الله سبحانه من ذلك، ولو ميزوا ما قبل هذه الآيات وما بعدها لتبين لهم الحق ووضح.
[الهدى والضلال]
فأمَّا ما قال الله سبحانه مخبراً عن قدرته:
{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل:93]، ولم يقل أضللت ولا هديت في هذا الموضع ؛ لأنه ذكر الضلال والتثبيت منه في موضع آخر، فانظر كيف ذكر ذلك، وكيف قال ومن فعله، فقال سبحانه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27]، كل هذا التثبيت والضلال لم يكن إلا مادة وزيادة للمؤمنين وحرباً ونقمة للظالمين، ألا ترى كيف يقول: {الذين آمنوا} ولم يقل: ((الذين ظلموا؟)) غير أنه لم يثبت إلا المؤمنين والمستحقين اسم الإيمان بعملهم، ولم يضل إلا الظالمين المستوجبين اسم الضلالة بفعلهم.
ويخبر سبحانه عن قدرته في خلقه، وأنه أراد هدى المؤمنين وثَبَّتَهم، وأنه لا يغلبه شيء من جميع الأشياء إذا أراده من جهة الجبر والقسر لأهله، لكن الله سبحانه أخبر عن قدرته في خلقه، وأنه لو أراد أن يضلهم أو يهديهم جميعاً لكان ذلك غير غالب له، غير أنه لم يرد ذلك، إلا من جهة التخيير منهم والإختيار لعبادته والرغبة فيما رغبهم فيه والوقوف عما حذرهم منه، وليخبر الجهال أن ما كان من العباد من الضلال والعمى لو أراد أن لا يكون لأمكنه ذلك، وأن قدرته تبلغ كل شيء.
وإنما قوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، خبراً عن نفسه، وإثباتاً له القدرة على كل شيء، لكي لا يظن جاهل أن الله عاجز عن أن يمنع الضُّلال من الضلالة ؛ لأن في الناس متجاهلين كثيراً، ألا ترى إلى قوله سبحانه، يحكي عن الجهال إذ قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران:181]، فأراد سبحانه أن يُثَّبَتَ الحجة لنفسه على الجهال الذين يقولون مثل هذه المقالة فيه.
[الإذن من الله]
واحتجوا أيضاً بقول الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس:100]، فصدق الله عز وجل، لولا أنه أذن بالإيمان، وخلى بينهم وبينه ما عرفوه، ولا دلهم عليه، ولا أمرهم به، ولا أرسل إليهم المرسلين حتى بينوا لهم فضله وشريف منْزِلته، فأي إذن أكبر أو فعل أخطر مما فعل الله بهم؟، ألا ترى إلى قوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر:54].
 [معنى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}]
واحتجوا أيضاً بقوله عز وجل ذكره: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس:33]، فصدق الله العظيم، لقد علم منهم أنهم لا يؤمنون اختياراً منهم ومحبة للفسق، ولو أنهم كانوا عنده مطيعين (لا([1])) مستحقين للفسق ما سماهم به، وإنما حقت كلمته عليهم بعد فسقهم وصدهم عن أمره ونهيه، وبعد الكفر منهم، لا الابتداء منه لهم، ألا ترى إلى قوله: {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا}، ولم يقل سبحانه: على الذين آمنوا، ولا: على المسلمين، وإنما معنى حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أي وجب عليهم حكمه ووعيده، وقوله: {أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} اختياراً منهم للكفر ومحبة له، وأنه قد حكم عليهم بالفسق لما فسقوا وخالفوا عن أمره ونهيه.
وأما قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208]، يعني بكافة: جميعاً، فإذا كان أمره للجميع فكيف يدخل قوم في السلم قد أدخلهم فيه؟ وكيف يأمر قوماً بالدخول فيه، وقد منعهم؟ هذا فعل متلعب عباث لا ينفذ له أمر في شيء مما يأمر به، ولا مما يريده، فتعالى الله عن ذلك أحكم الحاكمين.
[معنى: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً...}]
ثم احتجوا بقوله سبحانه: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)}، وجهلوا ما قبل ذلك من قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23]، فصدق الله عز وجل لم يضله حتى اتخذ إلهه هواه وعبده من دون الله، وعلم ذلك منه ومن فعله، فأضله الله بعد ما فعل وبعد ما كان منه، ولعلمه أنه لا يؤمن ولا يدع ما هو عليه من الكفر، فهذا معنى علم الله به، لم يدخله العلم في شيء، ولم يحل بينه وبين شيء، وإنما هو أخبر بإضلاله له والإضلال من الله إنما هو في إهماله وترك تسديده، وتوفيقه للخير، ألا ترى كيف يقول سبحانه في موضع آخر: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:6]، وذلك لعلمه سبحانه أنه قد استحوذ عليهم إبليس وأحبوا ما هم فيه من الكفر والضلال حتى لم يتلفتوا إلى شيء مما يوعظون به ولا تعمل فيهم الموعظة ولا يتدبرون ما هم عليه من الكفر الذي قد دخل في قلوبهم فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم أو وعظتهم أم لم تعظهم لا يؤمنون، أي لا يصدقون بشيء مما تدعوهم إليه ولا يخافون مما تخوفهم منه، قد أعمت حلاوة الكفر أبصارهم وأصمت أسماعهم وختمت على قلوبهم حتى منعت حلاوة الموعظة أن تصل أو تدخل في قلوبهم أو يلتفتون إلى شيء مما يعظهم به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
[معنى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ...].
 
واحتجوا أيضاً بقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد:22]، وتأولوا في ذلك بأقبح التأويل، ولم يتدبروا الآية فيصح لهم فساد تأويلهم، وزعموا أن المصيبة هي الكفر وغيره من أعمال الإثم، وليس ذلك كذلك ؛ لأن آخر الآية يدل على غير ما تأولوا وقالوا، وإنما أراد بقوله سبحانه: ما أصاب الناس في الأرض من مصيبة، ولا أصابتكم في أنفسكم، إلا وقد علم الله ذلك من قبل أن يبرأ النفس، وهو خلقها برؤها، فعناء ما في الدنيا من الآفات التي تقع في الأموال والثمار وغيرها من المصيبات التي يكثر شرحها، ولم يرد بذلك سبحانه الإيمان والكفر والعصيان، ولو أراد سبحانه، ما تأوله الجاهلون من الجبر على الإيمان والكفر، ما قال: {وبشر الصابرين}، وكيف يكون كافراً وفاسقاً من كان محسناً صابراً ومُبَشَّرَاً بالخير؟ ألا ترى إلى تصديق ما قلنا في تمام الآية حين يقول: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم} [الحديد:23]، فصح عند كل فَهِمٍ أنه إنما أراد بهذا القول محن الدنيا وبلواها وفرحها وحزنها، وكثرة المال ونقصانه، وزكاة([2]) ثماره، ولو كان مراده عز وجل بهذا القول الكفر والإيمان لم يقل: لا تأسوا على الإيمان إن فاتكم ولا تسروا به إن نلتموه ولا تفرحوا بفوات الكفر لكم، فأي سرور يسر العبد إذا لم يسره الإيمان؟ وأي فرح أعظم منه على العبد وأحلى من فوات الكفر له وتخلصه منه؟ والحجة في هذا نفسه قول من قال بما ذكرناه، ولم يقل: الذين إذا أصابهم الإيمان والكفر فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، فبهذا علمنا أن المعنى هو ما ذكرنا من محن الدنيا وآفاتها، ولو كان على ما تأوله الجاهلون ما سمي مصيبة، ولا أمرهم بالصبر عليه للعلة التي شرحت لك، كيف يجوز أن يأمرهم بالصبر على الكفر ويبشرهم بالثواب؟! هذا أحول المحال.
[معنى {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}]
 
واحتجوا أيضاً بقوله: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]، فصدق الله، لولا أنه يشاء لهم التعريف بالإيمان والكفر، ودلهم على ما عرفوه فعرفهم به، وأرسل إليهم المرسلين وحضهم على اتباعهم، ما عرفوا الإيمان من الكفر، والرضى من السخط، ثم قال في ذلك: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء:26]، فهذه إرادة الله ومشيئته في خلقه، لا ما قال به الجاهلون.
 
[معنى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}]
 
ومما احتجوا به أيضاً: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}، فتأولوا ذلك على أحكم الحاكمين بأقبح التأويل، ولعمري لو نظروا ما في الآية من قبل هذا الكلام لأسفر لهم الأمر ولعرفوه، ألا ترى كيف يقول سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:105]، يخبر عز ذكره أن ذلك الشقاء والسعادة إنما تكون في ذلك اليوم يعني يوم القيامة لا أيام الدنيا، ولعمري إن يوم القيامة ليوم التغابن والحسرة والندامة، فمنهم ذلك اليوم شقي وسعيد، شقي قد شقي بعمله وبما وقع عليه من حكم الله له بالعذاب، وسعيد قد سعد في ذلك اليوم بعمله وبما قد حكم الله له به من الثواب، والشقي أشقى الأشقياء من شقي في ذلك اليوم، والسعيد أسعد السعداء من سعد في ذلك اليوم، وإنما أخبر الله سبحانه عن شقائهم وسعادتهم في ذلك اليوم، لا في الدنيا، ألا ترى كيف يقول: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103]، يعني يوم القيامة، ولو كان الأمر على ما ظنوا لكانت المخاطبة عند أهل اللسان، والمعرفة على غير هذا اللفظ، وكان اسم الشقاء والسعادة قد انتظمهم قبل ذلك اليوم، وكانوا مستغنين عن إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولم يكن لله سبحانه عليهم حجة إذ كان المشقي لبعض والمسعد لبعض، والمدخل لأهل الشقاء في المعصية، ولأهل السعادة في الطاعة. هذا أقبح ما نسب إلى الله وقيل به فيه، فنعوذ بالله من الضلالة والعمى، ونسأله الرشد والهدى.
 
[معنى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا...}]
 
ومما يحتجون به أيضاً، قول الله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]، يقول: بفعلهم وعملهم حق عليهم قولي وثبتت عليهم حجتي ووقع بهم العذاب ؛ لأن قولي وحكمي بالعذاب قد سبق مني على من عصاني، ثم قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(14)} [السجدة:14]، فصدق الله عز وجل لو شاء أن يهديهم جميعاً من جهة الجبر لهم، لفعله ولم يغلبه ذلك، ولكن لم يشأه سبحانه إلا بالتخيير والإختيار ؛ لأنه لو جبرهم على ذلك وأدخلهم فيه غصباً كان المستوجب للثواب دونهم، ألا ترى إلى قوله في آخر الآية متبرئاً من فعلهم: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، ولم يقل: بمشيئتي لكم، ولا: بقضائي عليكم، ولا بإرادتي فيكم، ولا: بإدخالي لكم في القبيح من الفعل.
فافهم، وفقك الله، ما شرحت لك.
 
[معنى النسيان من الله تعالى]
 
والنسيان من الله، هو الترك لهم والإمهال، تقول العرب: نسيت الشيء ونسأته أي: تركته ولم أفعله.
 [معنى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا...}]
 
ومما يحتجون به أيضاً قول الله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)} [يونس:99]، فصدق الله، لو شاء ذلك لأمكنه أن يكرههم على الإيمان إن شاءوا أو أبوا، ولم يكن ذلك بغالب له، ولا ما هو أعظم منه؛ إذ كان ذلك معجزاً وغالباً لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقدر على ذلك منهم، ولا يمكنه فيهم، فأخبر الله سبحانه أن مالا تقدر عليه لو أراده هو من جهة الجبر والإكراه ؛ لأمكنه، ولكنه لم يرده إلا من جهة التخيير منهم والإختيار والرغبة لما استوجبوا بذلك الفعل بثوابه وعقابه.
فافهم ذلك وميزه إن شاء الله.
 [معنى: {قل كل من عند الله}]
 
ومما يحتجون به قول الله سبحانه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء:78]، فصدق الله عز وجل في قوله، غير أنهم لم يفهموا التأويل ؛ لأنه يقول سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7]، وليسوا من أولئك، وإنما أراد الله عز وجل أن ينقض على الكفار قولهم ؛ لأنه إنما كان الكفار إذا أصابهم مما يحبون من جميع الخير مثل: الخصب، وزكاء الزرع، وكثرة النسل، إبتداء لهم من الله بالإحسان، والمن، وتوكيداً للحجة عليهم والإنعام، قالوا: (هذا من عند الله)، وإذا أخذهم الله بشيء من فعلهم، وخبث نياتهم، وعظم جرمهم، وإكذابهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولما جاءهم به، وابتلاهم الله بنقص الخصب، وقلة المطر، والزرع، والنسل، قالوا: شؤم محمد، ومن معه. فأخبر الله سبحانه أن هذه الزيادة والنقصان في جميع ما ذكرنا من الله فقال: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، ثم شرح ذلك مبيناً للخبر: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:78، 79]، يقول: ثواب من الله سبحانه لكم على ما كان من الطاعة، وخزي وعقاب منه سبحانه لكم على ما كان من أنفسكم من المعصية والعمل القبيح، وترك الإئتمار لأمره، فيقول: ما أصابكم من الزيادة فيه والصلاح فمن نعم الله عليكم وتفضله وإحسانه إليكم، وما أصابكم من نقصان ذلك وفساده فمن قبيح أعمالكم وسوء نياتكم، وإصراركم على المعاصي، وإنما دخل عليكم من أنفسكم لما فعلتم ما فعلتم حتى وجب (الشنآن([3])) عليكم بذلك الفعل من الله سبحانه، وهذا تفسير ما جهلوا من ذلك.
 
[معنى: {إنما يأتيكم به الله}]
 
ومما يحتجون به أيضاً، قول نوح عليه السلام لقومه عندما جادلهم في الله، فأكثر، فقالوا: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود:32]، فقال نوح عليه السلام: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود:33، 34]، يقول لهم صلى الله عليه: إن جدالي ونصحي لا ينفعكم إذا جاءكم عذاب ربكم ونزل بكم ؛ لأنه لا يرد عذاب الله سبحانه إذا نزل بقوم، وهي سنته في الذين خلوا، لا يقبل توبتهم إذا نزل العذاب بهم، وكذلك إذا أراد الله أن يغويكم، فالإغواء من الله العذاب، فيقول: لا ينفعكم نصحي إذا نزل بكم إغواء الله وهو عذابه، كما قال عز وجل في موضع آخر: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، ولم يرد نوح عليه السلام بالإغواء ما تأوله الجاهلون من الضلال لهم وإمدادهم بالغي والتمادي والكفر، وإنما أراد بالإغواء العذاب النازل، ثم كذلك الإغواء في جميع ألسن العرب: لقيت غياً، أي عذاباً وبغياً، ولقي فلان غياً، كل هذا تحذير لهم لنـزول العذاب بهم، وأنه لا تنفعهم نصيحة إذا نزل العذاب بهم، لم يصرف عنهم، كذلك قال الله سبحانه: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:85]، وكثير مثل ما ذكرنا في القرآن مما احتجوا به وتأولوه على غير ما أنزل الله، وفي فساد ما أفسدنا عليهم من تأويلهم فيما ذكرنا واحتججنا عليهم به ما يغني عن كثير من حججهم وقبيح تأويلهم وباطل قولهم.
 
[ما يستدل به أهل العدل على أهل الجبر]  
وقد قال الله سبحانه محتجاً على من نسب مثل ما نسبوا إليه في كثير من القرآن، وفي مواضع هي أكثر مما احتجوا به وتأولوه، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، وقال عز ذكره مكذباً للمشركين ولمن قال بقولهم، ومحتجاً عليهم ومخبراً بإفكهم وعوارهم: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:28]، ثم قال عز ذكره: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115]، ينفي عن نفسه عز وجل ما أسندوا إليه من خلقهم شقياً وسعيداً، ومن أن يضلهم بعد أن كان منه من الإبتداء لهم بالإحسان والدعاء، والدلالة على الهدى، وعلى ما يحب وعلى ما يكره، وما يحذرون، وما يتقون، فإذا تبين لهم ذلك، فصدوا عنه حقت عليهم كلمة الضلال، وحاق بهم الإضلال من الله بذنوبهم ودنيء فعلهم. ثم نسب من نسب إليه هذا القول وقال به عليه إلى قول الذين أشركوا: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:148، 149]، يقول: مثل هذا القول قاله الذين من قبل هؤلاء حتى نزل بأسنا وذاقوه، وذلك أنهم كانوا يعملون الخبائث والمعاصي، فإذا نهوا عنها وقال لهم أنبياؤهم ومن يتبع الأنبياء: لا تفعلوا، ولا تعصوا ربكم، قالوا: لو شاء ما أشركنا، ولكنه أدخلنا في المعصية وقضاها علينا، فأخبر الله عز وجل أن ذلك ليس كذلك، وأنهم كانوا في ضلال وتكذيب لمن يقول لهم إن الله لم يأمرهم ولم يقض عليهم بالمعصية حتى ذاقوا بأسه وهو عذابه، وتبرأ من ذلك، وعلم أنه لو كان شاء لهم الإشراك ما نزل بهم بأسه، ثم قال محتجاً عليهم: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}، يقول: من علم عن الله فبينوا لنا أن هذا الفعل والقول والمشيئة من عند الله، ثم قال مكذباً لهم أيضاً: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، يقول: إن يتبعون إلا أهواءهم بما يظنون، وإن هم إلا يخرصون، أي يكذبون في قولهم على أنه شاء لهم ومنهم الكفر، وأنه لو شاء ما أشركنا، ولكنه أدخلنا فيه ومنعنا من الدخول في الطاعة، ثم قال: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149]، يقول: فلله الحجة بما قدمه إليهم ودعاهم إليه، وأنذرهم على ألسن رسله صلوات الله عليهم، ثم قال: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، يعني يجبركم جميعاً على الهدى، ولكنه لم يشأ ذلك إلا بالتخيير منكم والإختيار له، وكذلك أرسل إليكم الرسل، وأمركم  بطاعتهم وحذركم معصيتهم، ولو شاء لكم الإيمان بالجبر منه والإكراه والمنع لكم ما احتاج أن يرسل إليكم رسله ولا يدعوكم إلى طاعته ؛ لأنه إذا أجبركم على ما يريد ولم يمكنكم ولم يفوضكم ولم يجعل لكم إرادة ولا قوة ولا استطاعة فهو الذي يجبركم على ما يريد، ولا خيار لكم ولا حاجة له ولا لكم إلى الرسل، ولا إلى الدعاة ؛ لأنه قد أشرككم فيما يريد من خير وشر، ومن كانت هذه حاله فإنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، غير ملوم في عمل الشر، ولا محمود في عمل البر ولا حجة عليه ؛ فإن عذب على قبيح فقد ظلم، وإن أثيب فلم يستأهل ثواباً على جليل الطاعة، وليست هذه الصفة من صفة الحكماء، ألا ترى إلى قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات:56، 57]، فأخبر سبحانه أنه لم يخلقهم إلا لعبادته، ولم يخلقهم لمعصيته، ولم يشق ولم يسعد ولم يجبر، ولم يطبع أحداً على شيء من هذا، ولم يسم مؤمناً ولا كافراً إلا بإيمانه وكفره وفعله، لا بخلقه عز وجل ؛ لأنه ليس بظلام للعبيد، ولو طبعهم على شيء من هذا ؛ كان المحسن غير محسن، والمسيء غير مسيء ؛ لأن كل من فعل به شيء وأدخل فيه غصباً كان غير محمود عليه، ولا مذموم فيه، وكان المحسن ليس بأحق باسم الإحسان من المسيء ولا المسيء بأحق باسم السواية من المحسن، والتبس الأمر فيما بينهما، وأمكن لكل أن يدعي ما أحب، لو قال المسيء: ((أنا محسن)) لأمكنه ذلك، ولما عرف المسيء من المحسن على قولهم وقياسهم، ثم قال سبحانه: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123]، يقول: يعمل، ولم يقل: عملت به وقضيت عليه، وإنما كان أهل الكتاب، يعني اليهود وغيرهم من أهل الكتاب يقولون: ليس يعذبنا الله، نعمل ما شئنا، نحن أبناء الله وأحباؤه، فأكذبهم الله وأعلمهم وغيرهم أنه لا يظلم أحداً، وأنه من عمل شيئاً جزي به.
?تم بحمدالله تعالى???????


الرد على المجبرة???المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، أحق ما افتتح به رد الجواب، وخوطب به ذووا الألباب، حمداً يوصل إلى جنته، ويوجب المزيد من فضله، فإليه أرغب في الصلاة على محمد، صلى الله عليه وعلى آله.
سألت يا بني، أرشدك الله ووفقك، وسددك للفهم وعلمك، عما اختلف فيه الناس، وكثر فيه عند أهل الجهالة الإلتباس، حتى نسبوا الله فيه إلى أقبح الصفات، وبرأوا أنفسهم من ذلك وصانوها بزعمهم عنه، واستقبحوه، وبلغوا أشد ما يكون من الغضب على من نسبهم إلى شيء منه، ورضوا به في العزيز، ودعوه به.
فزعموا أن الله شاء شيئاً ونهى عنه، وأراد شيئاً ومنع منه، وأنه أرسل رسله إلى جميع خلقه يدعوهم إلى أمر قد منعهم منه، وذكروا من هذا شيئاً وضروباً يكثر شرحها، وأنا مبين لك جميع ذلك وشارحه في مواضعه، ومحتج لله سبحانه بالبراءة مما نسبوه إليه وسموه به، يا بني، حتى يصح لك فساد أمرهم، وقبيح لفظهم بما فيه المنفعة والشفاء والبرهان، والإكتفاء من كتاب الله الفصيح وبما يصح عند كل ذي لب صحيح.
[مزاعم المجبرة ]
زعم أهل الجهل أن الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فكذلك الله عز وجل، وتأولوا ذلك بجهلهم على أقبح التأويل وأسمج المعاني، ولم يعلموا ما أراد الله سبحانه من ذلك، ولو ميزوا ما قبل هذه الآيات وما بعدها لتبين لهم الحق ووضح.
[الهدى والضلال]
فأمَّا ما قال الله سبحانه مخبراً عن قدرته:
{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل:93]، ولم يقل أضللت ولا هديت في هذا الموضع ؛ لأنه ذكر الضلال والتثبيت منه في موضع آخر، فانظر كيف ذكر ذلك، وكيف قال ومن فعله، فقال سبحانه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27]، كل هذا التثبيت والضلال لم يكن إلا مادة وزيادة للمؤمنين وحرباً ونقمة للظالمين، ألا ترى كيف يقول: {الذين آمنوا} ولم يقل: ((الذين ظلموا؟)) غير أنه لم يثبت إلا المؤمنين والمستحقين اسم الإيمان بعملهم، ولم يضل إلا الظالمين المستوجبين اسم الضلالة بفعلهم.
ويخبر سبحانه عن قدرته في خلقه، وأنه أراد هدى المؤمنين وثَبَّتَهم، وأنه لا يغلبه شيء من جميع الأشياء إذا أراده من جهة الجبر والقسر لأهله، لكن الله سبحانه أخبر عن قدرته في خلقه، وأنه لو أراد أن يضلهم أو يهديهم جميعاً لكان ذلك غير غالب له، غير أنه لم يرد ذلك، إلا من جهة التخيير منهم والإختيار لعبادته والرغبة فيما رغبهم فيه والوقوف عما حذرهم منه، وليخبر الجهال أن ما كان من العباد من الضلال والعمى لو أراد أن لا يكون لأمكنه ذلك، وأن قدرته تبلغ كل شيء.
وإنما قوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، خبراً عن نفسه، وإثباتاً له القدرة على كل شيء، لكي لا يظن جاهل أن الله عاجز عن أن يمنع الضُّلال من الضلالة ؛ لأن في الناس متجاهلين كثيراً، ألا ترى إلى قوله سبحانه، يحكي عن الجهال إذ قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران:181]، فأراد سبحانه أن يُثَّبَتَ الحجة لنفسه على الجهال الذين يقولون مثل هذه المقالة فيه.
[الإذن من الله]
واحتجوا أيضاً بقول الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس:100]، فصدق الله عز وجل، لولا أنه أذن بالإيمان، وخلى بينهم وبينه ما عرفوه، ولا دلهم عليه، ولا أمرهم به، ولا أرسل إليهم المرسلين حتى بينوا لهم فضله وشريف منْزِلته، فأي إذن أكبر أو فعل أخطر مما فعل الله بهم؟، ألا ترى إلى قوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر:54].
 [معنى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}]
واحتجوا أيضاً بقوله عز وجل ذكره: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس:33]، فصدق الله العظيم، لقد علم منهم أنهم لا يؤمنون اختياراً منهم ومحبة للفسق، ولو أنهم كانوا عنده مطيعين (لا([1])) مستحقين للفسق ما سماهم به، وإنما حقت كلمته عليهم بعد فسقهم وصدهم عن أمره ونهيه، وبعد الكفر منهم، لا الابتداء منه لهم، ألا ترى إلى قوله: {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا}، ولم يقل سبحانه: على الذين آمنوا، ولا: على المسلمين، وإنما معنى حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أي وجب عليهم حكمه ووعيده، وقوله: {أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} اختياراً منهم للكفر ومحبة له، وأنه قد حكم عليهم بالفسق لما فسقوا وخالفوا عن أمره ونهيه.
وأما قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208]، يعني بكافة: جميعاً، فإذا كان أمره للجميع فكيف يدخل قوم في السلم قد أدخلهم فيه؟ وكيف يأمر قوماً بالدخول فيه، وقد منعهم؟ هذا فعل متلعب عباث لا ينفذ له أمر في شيء مما يأمر به، ولا مما يريده، فتعالى الله عن ذلك أحكم الحاكمين.
[معنى: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً...}]
ثم احتجوا بقوله سبحانه: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)}، وجهلوا ما قبل ذلك من قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23]، فصدق الله عز وجل لم يضله حتى اتخذ إلهه هواه وعبده من دون الله، وعلم ذلك منه ومن فعله، فأضله الله بعد ما فعل وبعد ما كان منه، ولعلمه أنه لا يؤمن ولا يدع ما هو عليه من الكفر، فهذا معنى علم الله به، لم يدخله العلم في شيء، ولم يحل بينه وبين شيء، وإنما هو أخبر بإضلاله له والإضلال من الله إنما هو في إهماله وترك تسديده، وتوفيقه للخير، ألا ترى كيف يقول سبحانه في موضع آخر: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:6]، وذلك لعلمه سبحانه أنه قد استحوذ عليهم إبليس وأحبوا ما هم فيه من الكفر والضلال حتى لم يتلفتوا إلى شيء مما يوعظون به ولا تعمل فيهم الموعظة ولا يتدبرون ما هم عليه من الكفر الذي قد دخل في قلوبهم فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم أو وعظتهم أم لم تعظهم لا يؤمنون، أي لا يصدقون بشيء مما تدعوهم إليه ولا يخافون مما تخوفهم منه، قد أعمت حلاوة الكفر أبصارهم وأصمت أسماعهم وختمت على قلوبهم حتى منعت حلاوة الموعظة أن تصل أو تدخل في قلوبهم أو يلتفتون إلى شيء مما يعظهم به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
[معنى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ...].
 
واحتجوا أيضاً بقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد:22]، وتأولوا في ذلك بأقبح التأويل، ولم يتدبروا الآية فيصح لهم فساد تأويلهم، وزعموا أن المصيبة هي الكفر وغيره من أعمال الإثم، وليس ذلك كذلك ؛ لأن آخر الآية يدل على غير ما تأولوا وقالوا، وإنما أراد بقوله سبحانه: ما أصاب الناس في الأرض من مصيبة، ولا أصابتكم في أنفسكم، إلا وقد علم الله ذلك من قبل أن يبرأ النفس، وهو خلقها برؤها، فعناء ما في الدنيا من الآفات التي تقع في الأموال والثمار وغيرها من المصيبات التي يكثر شرحها، ولم يرد بذلك سبحانه الإيمان والكفر والعصيان، ولو أراد سبحانه، ما تأوله الجاهلون من الجبر على الإيمان والكفر، ما قال: {وبشر الصابرين}، وكيف يكون كافراً وفاسقاً من كان محسناً صابراً ومُبَشَّرَاً بالخير؟ ألا ترى إلى تصديق ما قلنا في تمام الآية حين يقول: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم} [الحديد:23]، فصح عند كل فَهِمٍ أنه إنما أراد بهذا القول محن الدنيا وبلواها وفرحها وحزنها، وكثرة المال ونقصانه، وزكاة([2]) ثماره، ولو كان مراده عز وجل بهذا القول الكفر والإيمان لم يقل: لا تأسوا على الإيمان إن فاتكم ولا تسروا به إن نلتموه ولا تفرحوا بفوات الكفر لكم، فأي سرور يسر العبد إذا لم يسره الإيمان؟ وأي فرح أعظم منه على العبد وأحلى من فوات الكفر له وتخلصه منه؟ والحجة في هذا نفسه قول من قال بما ذكرناه، ولم يقل: الذين إذا أصابهم الإيمان والكفر فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، فبهذا علمنا أن المعنى هو ما ذكرنا من محن الدنيا وآفاتها، ولو كان على ما تأوله الجاهلون ما سمي مصيبة، ولا أمرهم بالصبر عليه للعلة التي شرحت لك، كيف يجوز أن يأمرهم بالصبر على الكفر ويبشرهم بالثواب؟! هذا أحول المحال.
[معنى {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}]
 
واحتجوا أيضاً بقوله: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]، فصدق الله، لولا أنه يشاء لهم التعريف بالإيمان والكفر، ودلهم على ما عرفوه فعرفهم به، وأرسل إليهم المرسلين وحضهم على اتباعهم، ما عرفوا الإيمان من الكفر، والرضى من السخط، ثم قال في ذلك: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء:26]، فهذه إرادة الله ومشيئته في خلقه، لا ما قال به الجاهلون.
 
[معنى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}]
 
ومما احتجوا به أيضاً: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}، فتأولوا ذلك على أحكم الحاكمين بأقبح التأويل، ولعمري لو نظروا ما في الآية من قبل هذا الكلام لأسفر لهم الأمر ولعرفوه، ألا ترى كيف يقول سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:105]، يخبر عز ذكره أن ذلك الشقاء والسعادة إنما تكون في ذلك اليوم يعني يوم القيامة لا أيام الدنيا، ولعمري إن يوم القيامة ليوم التغابن والحسرة والندامة، فمنهم ذلك اليوم شقي وسعيد، شقي قد شقي بعمله وبما وقع عليه من حكم الله له بالعذاب، وسعيد قد سعد في ذلك اليوم بعمله وبما قد حكم الله له به من الثواب، والشقي أشقى الأشقياء من شقي في ذلك اليوم، والسعيد أسعد السعداء من سعد في ذلك اليوم، وإنما أخبر الله سبحانه عن شقائهم وسعادتهم في ذلك اليوم، لا في الدنيا، ألا ترى كيف يقول: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103]، يعني يوم القيامة، ولو كان الأمر على ما ظنوا لكانت المخاطبة عند أهل اللسان، والمعرفة على غير هذا اللفظ، وكان اسم الشقاء والسعادة قد انتظمهم قبل ذلك اليوم، وكانوا مستغنين عن إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولم يكن لله سبحانه عليهم حجة إذ كان المشقي لبعض والمسعد لبعض، والمدخل لأهل الشقاء في المعصية، ولأهل السعادة في الطاعة. هذا أقبح ما نسب إلى الله وقيل به فيه، فنعوذ بالله من الضلالة والعمى، ونسأله الرشد والهدى.
 
[معنى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا...}]
 
ومما يحتجون به أيضاً، قول الله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]، يقول: بفعلهم وعملهم حق عليهم قولي وثبتت عليهم حجتي ووقع بهم العذاب ؛ لأن قولي وحكمي بالعذاب قد سبق مني على من عصاني، ثم قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(14)} [السجدة:14]، فصدق الله عز وجل لو شاء أن يهديهم جميعاً من جهة الجبر لهم، لفعله ولم يغلبه ذلك، ولكن لم يشأه سبحانه إلا بالتخيير والإختيار ؛ لأنه لو جبرهم على ذلك وأدخلهم فيه غصباً كان المستوجب للثواب دونهم، ألا ترى إلى قوله في آخر الآية متبرئاً من فعلهم: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، ولم يقل: بمشيئتي لكم، ولا: بقضائي عليكم، ولا بإرادتي فيكم، ولا: بإدخالي لكم في القبيح من الفعل.
فافهم، وفقك الله، ما شرحت لك.
 
[معنى النسيان من الله تعالى]
 
والنسيان من الله، هو الترك لهم والإمهال، تقول العرب: نسيت الشيء ونسأته أي: تركته ولم أفعله.
 [معنى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا...}]
 
ومما يحتجون به أيضاً قول الله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)} [يونس:99]، فصدق الله، لو شاء ذلك لأمكنه أن يكرههم على الإيمان إن شاءوا أو أبوا، ولم يكن ذلك بغالب له، ولا ما هو أعظم منه؛ إذ كان ذلك معجزاً وغالباً لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقدر على ذلك منهم، ولا يمكنه فيهم، فأخبر الله سبحانه أن مالا تقدر عليه لو أراده هو من جهة الجبر والإكراه ؛ لأمكنه، ولكنه لم يرده إلا من جهة التخيير منهم والإختيار والرغبة لما استوجبوا بذلك الفعل بثوابه وعقابه.
فافهم ذلك وميزه إن شاء الله.
 [معنى: {قل كل من عند الله}]
 
ومما يحتجون به قول الله سبحانه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء:78]، فصدق الله عز وجل في قوله، غير أنهم لم يفهموا التأويل ؛ لأنه يقول سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7]، وليسوا من أولئك، وإنما أراد الله عز وجل أن ينقض على الكفار قولهم ؛ لأنه إنما كان الكفار إذا أصابهم مما يحبون من جميع الخير مثل: الخصب، وزكاء الزرع، وكثرة النسل، إبتداء لهم من الله بالإحسان، والمن، وتوكيداً للحجة عليهم والإنعام، قالوا: (هذا من عند الله)، وإذا أخذهم الله بشيء من فعلهم، وخبث نياتهم، وعظم جرمهم، وإكذابهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولما جاءهم به، وابتلاهم الله بنقص الخصب، وقلة المطر، والزرع، والنسل، قالوا: شؤم محمد، ومن معه. فأخبر الله سبحانه أن هذه الزيادة والنقصان في جميع ما ذكرنا من الله فقال: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، ثم شرح ذلك مبيناً للخبر: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:78، 79]، يقول: ثواب من الله سبحانه لكم على ما كان من الطاعة، وخزي وعقاب منه سبحانه لكم على ما كان من أنفسكم من المعصية والعمل القبيح، وترك الإئتمار لأمره، فيقول: ما أصابكم من الزيادة فيه والصلاح فمن نعم الله عليكم وتفضله وإحسانه إليكم، وما أصابكم من نقصان ذلك وفساده فمن قبيح أعمالكم وسوء نياتكم، وإصراركم على المعاصي، وإنما دخل عليكم من أنفسكم لما فعلتم ما فعلتم حتى وجب (الشنآن([3])) عليكم بذلك الفعل من الله سبحانه، وهذا تفسير ما جهلوا من ذلك.
 
[معنى: {إنما يأتيكم به الله}]
 
ومما يحتجون به أيضاً، قول نوح عليه السلام لقومه عندما جادلهم في الله، فأكثر، فقالوا: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود:32]، فقال نوح عليه السلام: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود:33، 34]، يقول لهم صلى الله عليه: إن جدالي ونصحي لا ينفعكم إذا جاءكم عذاب ربكم ونزل بكم ؛ لأنه لا يرد عذاب الله سبحانه إذا نزل بقوم، وهي سنته في الذين خلوا، لا يقبل توبتهم إذا نزل العذاب بهم، وكذلك إذا أراد الله أن يغويكم، فالإغواء من الله العذاب، فيقول: لا ينفعكم نصحي إذا نزل بكم إغواء الله وهو عذابه، كما قال عز وجل في موضع آخر: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، ولم يرد نوح عليه السلام بالإغواء ما تأوله الجاهلون من الضلال لهم وإمدادهم بالغي والتمادي والكفر، وإنما أراد بالإغواء العذاب النازل، ثم كذلك الإغواء في جميع ألسن العرب: لقيت غياً، أي عذاباً وبغياً، ولقي فلان غياً، كل هذا تحذير لهم لنـزول العذاب بهم، وأنه لا تنفعهم نصيحة إذا نزل العذاب بهم، لم يصرف عنهم، كذلك قال الله سبحانه: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:85]، وكثير مثل ما ذكرنا في القرآن مما احتجوا به وتأولوه على غير ما أنزل الله، وفي فساد ما أفسدنا عليهم من تأويلهم فيما ذكرنا واحتججنا عليهم به ما يغني عن كثير من حججهم وقبيح تأويلهم وباطل قولهم.
 
[ما يستدل به أهل العدل على أهل الجبر]  
وقد قال الله سبحانه محتجاً على من نسب مثل ما نسبوا إليه في كثير من القرآن، وفي مواضع هي أكثر مما احتجوا به وتأولوه، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، وقال عز ذكره مكذباً للمشركين ولمن قال بقولهم، ومحتجاً عليهم ومخبراً بإفكهم وعوارهم: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:28]، ثم قال عز ذكره: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115]، ينفي عن نفسه عز وجل ما أسندوا إليه من خلقهم شقياً وسعيداً، ومن أن يضلهم بعد أن كان منه من الإبتداء لهم بالإحسان والدعاء، والدلالة على الهدى، وعلى ما يحب وعلى ما يكره، وما يحذرون، وما يتقون، فإذا تبين لهم ذلك، فصدوا عنه حقت عليهم كلمة الضلال، وحاق بهم الإضلال من الله بذنوبهم ودنيء فعلهم. ثم نسب من نسب إليه هذا القول وقال به عليه إلى قول الذين أشركوا: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:148، 149]، يقول: مثل هذا القول قاله الذين من قبل هؤلاء حتى نزل بأسنا وذاقوه، وذلك أنهم كانوا يعملون الخبائث والمعاصي، فإذا نهوا عنها وقال لهم أنبياؤهم ومن يتبع الأنبياء: لا تفعلوا، ولا تعصوا ربكم، قالوا: لو شاء ما أشركنا، ولكنه أدخلنا في المعصية وقضاها علينا، فأخبر الله عز وجل أن ذلك ليس كذلك، وأنهم كانوا في ضلال وتكذيب لمن يقول لهم إن الله لم يأمرهم ولم يقض عليهم بالمعصية حتى ذاقوا بأسه وهو عذابه، وتبرأ من ذلك، وعلم أنه لو كان شاء لهم الإشراك ما نزل بهم بأسه، ثم قال محتجاً عليهم: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}، يقول: من علم عن الله فبينوا لنا أن هذا الفعل والقول والمشيئة من عند الله، ثم قال مكذباً لهم أيضاً: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، يقول: إن يتبعون إلا أهواءهم بما يظنون، وإن هم إلا يخرصون، أي يكذبون في قولهم على أنه شاء لهم ومنهم الكفر، وأنه لو شاء ما أشركنا، ولكنه أدخلنا فيه ومنعنا من الدخول في الطاعة، ثم قال: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149]، يقول: فلله الحجة بما قدمه إليهم ودعاهم إليه، وأنذرهم على ألسن رسله صلوات الله عليهم، ثم قال: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، يعني يجبركم جميعاً على الهدى، ولكنه لم يشأ ذلك إلا بالتخيير منكم والإختيار له، وكذلك أرسل إليكم الرسل، وأمركم  بطاعتهم وحذركم معصيتهم، ولو شاء لكم الإيمان بالجبر منه والإكراه والمنع لكم ما احتاج أن يرسل إليكم رسله ولا يدعوكم إلى طاعته ؛ لأنه إذا أجبركم على ما يريد ولم يمكنكم ولم يفوضكم ولم يجعل لكم إرادة ولا قوة ولا استطاعة فهو الذي يجبركم على ما يريد، ولا خيار لكم ولا حاجة له ولا لكم إلى الرسل، ولا إلى الدعاة ؛ لأنه قد أشرككم فيما يريد من خير وشر، ومن كانت هذه حاله فإنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، غير ملوم في عمل الشر، ولا محمود في عمل البر ولا حجة عليه ؛ فإن عذب على قبيح فقد ظلم، وإن أثيب فلم يستأهل ثواباً على جليل الطاعة، وليست هذه الصفة من صفة الحكماء، ألا ترى إلى قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات:56، 57]، فأخبر سبحانه أنه لم يخلقهم إلا لعبادته، ولم يخلقهم لمعصيته، ولم يشق ولم يسعد ولم يجبر، ولم يطبع أحداً على شيء من هذا، ولم يسم مؤمناً ولا كافراً إلا بإيمانه وكفره وفعله، لا بخلقه عز وجل ؛ لأنه ليس بظلام للعبيد، ولو طبعهم على شيء من هذا ؛ كان المحسن غير محسن، والمسيء غير مسيء ؛ لأن كل من فعل به شيء وأدخل فيه غصباً كان غير محمود عليه، ولا مذموم فيه، وكان المحسن ليس بأحق باسم الإحسان من المسيء ولا المسيء بأحق باسم السواية من المحسن، والتبس الأمر فيما بينهما، وأمكن لكل أن يدعي ما أحب، لو قال المسيء: ((أنا محسن)) لأمكنه ذلك، ولما عرف المسيء من المحسن على قولهم وقياسهم، ثم قال سبحانه: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123]، يقول: يعمل، ولم يقل: عملت به وقضيت عليه، وإنما كان أهل الكتاب، يعني اليهود وغيرهم من أهل الكتاب يقولون: ليس يعذبنا الله، نعمل ما شئنا، نحن أبناء الله وأحباؤه، فأكذبهم الله وأعلمهم وغيرهم أنه لا يظلم أحداً، وأنه من عمل شيئاً جزي به.
?تم بحمدالله تعالى???????


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق