]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الزواج المدني .. ضرورة أم رفاهية ..؟؟

بواسطة: المحامي إيهاب ابراهيم  |  بتاريخ: 2014-01-17 ، الوقت: 19:14:05
  • تقييم المقالة:

قيل قديماً الانسان عدو ما يجهل لقد صمدت هذه المقولة عبر التاريخ البشري وبالتجربة فالانسان بكل أبعاده وتفاصيله وبغض النظر عن مدى ثقافته ووعيه وإنتماءه الطبيعي او الديني ولذلك وخاصة في مجتمعاتنا العربية تراه يبدي رأيه ويفتي في ما يعلم وما لا يعلم وقبل ان يحيط بكل جوانب القضية وتفاصيلها حتى ترى البعض يجيبون او يعارضون حتى قبل أن تنتهي من طرح سؤالك أي إنهم يطلقون النار قبل ان يرصدوا العدو من الصديق ..!!
إنه زواج مدني أيها السادة .. وليس زواجاً عسكرياً او حربياً .

لقد حظي الزواج التقليدي او ما يعرف بالديني بالكثير من الاهتمام قديماً وحديثاً وأختلط التشريع فيه بين السماوي والأرضي حتى أصبح كنوع من أنواع التابو لا يجوز المس به او الإقتراب منه بإعتباره أصبح عامل استقرار كما يحلو لكثير من رجالات الدين من مختلف الطوائف أن يسموه ويصفوه .

بينما الزواج المدني الحديث العهد نسبيا كتقنين فلم يلقَ الإهتمام من قبل الباحثين ورجال الفقه والقانون إلا مؤخراً وذلك لعدة أسباب منها السياسي او الديني والإجتماعي او الإقتصادي وتشابكاتها وتداخلاتها ولكنه عاد مؤخراً ليفرض نفسه كضرورة في العديد من البلدان لضرورات حياتية وإجتماعية او حتى سياسية بعد أن أصبح يشكل عامل استقرار وتآلف بين أفراد المجتمع المختلط والمتنوع دينياً وإثنياً .

فالزواج المدني على ما عرفته العديد من تشريعات الدول المتقدمة هو عقد زواج بين شريكين من أتباع ديانتين مختلفتين او شخصين من نفس الطائفة أي هو عقد قانوني بين طرفين مختلفين في الجنس والعقيدة الدينية يتم توثيقه في مقر رسمي (الحكومة) وبحضور الشهود والكاتب وبموافقة الطرفين ويقوم على الحب المتبادل والرغبة في تأسيس أسرة تتمتع بكامل الحقوق الإجتماعية والمدنية والإقتصادية أمام القانون ويتم تسجيله في سجلات الدولة وهو خاضع للقواعد القانونية المدنية التي حددها المشرع ويضمن هذا العقد حقوق كلا الزوجين بالمساواة في حالة الطلاق .
فالزواج بهذا المنظور علماني إنطلاقاً من مبدأ فصل الدين عن الدولة وبالتالي فهو يُسقط كل الفوارق الدينية التي تمنع من الزواج او الموجودة في ذهنيات الكثيرين المتخلفة .

وبنظرة شاملة نرى أن معظم دول العالم المتمدن إضافة الى بعض الدول الاسلامية أقرت مبدأ الزواج المدني بإسلوبين إما إلزامي كدول مثل (فرنسا - السويد- سويسرا- المانيا- ايطاليا- بلجيكا - روسيا - رومانيا- النروج- برازيليا اللاتينية )او بشكل إختياري كدول مثل (امريكا - بريطانيا - اسبانيا- اليونان - تركيا )
قد يعتقد البعض أن هذا الزواج عبثي ومن دون ضوابط او قد يشرّع لعلاقات مشبوهة وغير أخلاقية ولكن لحظة عزيزي القارىء ... لا تستبق الحكم فهذا الزواج له شروط يراها البعض أقسى من غيرها ومنها :
 
1-عدم وجود زواج ثاني (أي أن لا يكون الزوج متزوجاً بأخرى وذلك أنطلاقاً من احترام المرأة وكرامتها )
2-ان يتم الإبلاغ عن النية بالزواج قبل 15 يوماً من تنفيذ هذا الزواج (ليتم الاعتراض من قبل من له سبب وجيه )
3-في حال نشوء أي مشكلة بين الزوجين فعليهم الإنتظار مدة 3 سنوات ويمنع عليهم طرح المشكلة على أي مرجع قضائي قبل انقضاء الثلاث سنوات من الزواج ويسمح فقط في حال (الخيانة الزوجية وفي حال الغش والإكراه )والنزاع طبعاً يطرح أمام المحاكم المدنية .
4-اضافة الى الشروط الاساسية التي يتوجب توافرها في أي عقد آخر كالرضى والأهلية والموضوع والسبب .

ومن جهة آخرى نلاحظ بأن الدين أخذ موقفاً معادياً ومعارضاً من الزواج المدني لأسباب لا يخفى على أحد ذكرها فهو يسحب البساط من تحت أقدام رجال الدين والدنيا .. ويحد من صلاحياتهم في التسلط على رقاب العباد .

فنرى الدين الاسلامي في غالبية آراء فقهاءه عارض بشدة فكرة الزواج المدني لأنها تتعارض مع مبادىء وأحكام الشريعة الاسلامية وخاصة فيما يتعلق بتعدد الزوجات والسماح بالطلاق وفق شروط معينة إضافة الى منع زواج المسلمة بغير مسلم ومسائل تتعلق بالإرث والحضانة .

أما في الديانة المسيحية فالزواج عندهم سر من أسرار الكنيسة ..؟!!(مع العلم وبحسب رأيي المتواضع إنه شأن انساني وبشري بحت ) ويتم بمباركة رجل دين مسيحي إضافة الى أنه رابط أبدي ( فما جمعه الله لا يفرقه انسان ) فلا يوجد طلاق في المسيحية وإنما إبطال للزواج من هذا المنطلق اعتبرت الكنيسة الارثوذوكسية الزواج المدني غير محبذ بينما ذهبت الكنيسة الكاثوليكية الى موقف أكثر تشدداً وإعتبرت أن الزواج بين مسيحيين كاثوليكيين لاغياً وغير موجود بحكم القانون وخاصة لأبناءها الملتزمين بإيمانهم بالمسيح والشرائع المقدسة وبالتالي فهم يحرموا من تقبل الاسرار ..؟!

فلنبتعد عن الأراء الدينية المعقدة ولنعد الى الحياة المدنية إن الزواج المدني بطبيعته هو أقرب الى الشرعة الدولية لحقوق الانسان وإتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة ويعتبر خطوة هامة لمبدأ تحقيق المساواة بين الجنسين ومحاربة الطائفية البغيضة والتمييز بين الناس على أساس ديني لا ذنب لهم فيه سوى أنهم ورثوه مع العديد من المعتقدات والعادات البالية والكريهة التي قد لا يقتنع بها الشخص ولكن يتم حقنه بها ..

وقبل أن نسمع أصوات التكفير والتكبير من قبل عقليات الإقصاء والتعتيم التي تطلق النار على الزواج المدني وقد تعتبره شيطاناً او ابليساً .. لا بد أن نوضّح بعض الفوارق بين الزواج المدني والديني والتي سنلاحظ بأنها ليست بتلك السوء والدونية بالنسبة الى الزواج المدني بل على العكس فهي قمة التجسيد لمبدأ المساواة والعدالة ..

ففي الزواج الديني علاقة الحب مبدئيا ليست شرطاً قانونياً إضافة الى رضى الطرفين ورغبتهما في الزواج وشرط موافقة ولي أمر الزوجة ..!! وبلوغ سن الزواج وهو 15 عاماً للذكر و13 للانثى سنداً للمادة 18 من قانون الأحوال الشخصية السوري كمثال على ذلك .
ويعقد الزواج الديني في المحاكم الشرعية من قبل مأذون شرعي او كاهن الكنيسة بحسب طائفة الشخص أما تسجيل الزواج فيتم عن طريق الهيئة الدينية التي عقدت الزواج وعلى أساسها يتم تسجيله في السجلات المدنية أما المسكن فهو مشترك وعند المسلمين يلزم الزوج بتأمين المنزل ويحق له إتخاذ قرار السكن بالمنزل لوحده \ واجب شرعي \ والأطفال طبعاً يتبعون دين وطائفة الأب ويسجلون على اسم عائلة الأب .
بالنسبة للإرث يشكل الاختلاف في الدين مانعاً من التوارث مادة 264 احوال شخصية .. كما أن للذكر مثل حظ أنثيين وفي الحقوق والواجبات هناك تمييز بين الرجل والمرأة وخاصة في الطلاق المنفرد ونصيب الإرث .

وبالمقابل في الزواج المدني فعلاقة الحب ليست شرطاً قانونياً وإنما هي شرط توافقي بين الطرفين فلولا وجود هذا الحب لن يكون هناك زواج ويشترط رضى الطرفين ورغبتهما في الزواج دون شرط موافقة ولي الزوجة لأن الطرفين متساوين في الحقوق والواجبات أما سن الزواج فهو 18 عاما ًللذكر والانثى والجهة التي تعقد الزواج هي المحكمة المدنية الواحدة لأبناء كل الطوائف (او البلدية او كاتب العدل كما في بعض الدول) .
ويتم تسجيل الزواج في السجلات المدنية للدولة والمسكن مشترك ولا يقع عبئه على طرف دون الأخر أما بالنسبة للأطفال فيسجلون على اسم عائلة الأب ويتبعون دين وطائفة الأب في حال لم يتم إجراء شطب للطائفة في السجلات المدنية وبالنسبة للإرث فلا يشكل إختلاف الدين مانعاً من الإرث
وفي الحقوق والواجبات لا يوجد أي تمييز بين المرأة والرجل بل مساواة كاملة ويكون الطلاق بقرار مشترك من الزوجين او من أحدهما في حال رأته المحكمة مبرراً ووفقاً للشروط السابق ذكرها ..

وبعد هذا العرض البسيط نصل الى نتيجة بأن للزواج المدني عدة ايجابيات ويقدم حلولا عديدة أهمها :
1-حل لمشاكل ذات طابع عقائدي كعدم استطاعة المرأة المسلمة الزواج من غير مسلم لأنه مخالف للشريعة ..؟؟!!
2-حل لمشاكل الإرث التي نراها في الزواج الديني والذي يمنع التوارث في حال إختلاف الدين بين الزوجين
3-حل لمشكلة الإحتيال على القانون من خلال اللجوء الى تغيير الدين والطائفة للإلتفاف على  شروط الزواج الديني
4-إلغاء مشكلة التطاول على القضاء المحلي من خلال خضوع رعايا الدولة المتزوجين مدنياً الى قانون الدولة التي تزوجا فيها مما يعتبر معه تطاولاً على إستقلالية القضاء
5-وأهم أمر هو أن الزواج المدني يساعد على تحقيق الإنصهار الوطني والإنفتاح بين مختلف شرائح المجتمع وإلغاء الفوارق الدينية المصطنعة أي أنه يحقق المساواة لكل أبناء المجتمع بخضوعهم الى قواعد مشتركة وواحدة .

وفي تشريعنا السوري الخاص بالزواج والذي يعتبره الكثيرون بأنه أقرب الى الزواج المدني ..؟! نرى قانون الاحوال الشخصية يتضمن نصاً عاماً يقول بأن (العقد شريعة المتعاقدين) ولكنه نص عام وأي نص عام في القانون عندما يتعارض مع نص خاص فالخاص يقيده وبالتالي يتم العمل بالنص الخاص .

فقاعدة العقد شريعة المتعاقدين التي تحكم الزواج .. يقيدها نص خاص في قانون الاحوال الشخصية السوري وتحديداً المادة 48 فقرة 2 التي تقول
(إن زواج المسلمة بغير المسلم باطل ..) إلا أن نفس القانون يجيز زواج الرجل المسلم بغير المسلمة أمام المحاكم الشرعية ذاتها .. وهذا تناقض عجيب يذكّرنا بسياسة الكيل بمكيالين ...وهذا البطلان يقضي بأن لا يسجل هذا الزواج في المحكمة أي إن هذا الزواج من وجهة نظر الشريعة هو زنى والأولاد هم أبناء زنى فهو زواج باطل إضافة الى موضوعات آخرى تتعلق بالإرث وحقوق الأولاد .
فلا بد من وضع قواعد مشتركة لكافة أبناء البلد الواحد .. إذا أردنا بناء دولة عصرية قائمة على مجتمع مدني وقانوني

وفي الختام ومن نافل القول لا بد من الإشارة الى أن الزواج المدني بغض النظر عن مؤيديه ومعارضيه يقدم حلول لقضايا ومشاكل ذات بعد اجتماعي وانساني باتت لا تخفى على أحد وخاصة في ظروف بلادنا في هذه الايام ...فالزواج المدني حالة ضرورية وصحية ومطلب انساني بحت لكل انسان يعشق الحرية الحقيقية بصرف النظر عن جنسه او دينه وعقيدته وبغض النظر عن علاقة هذا الشخص او ذاك مع السماء وما لها وعليها ..
فحقوق الانسان أهم وآسمى من كل حقوق الأرض والسماء مجتمعة لأنها ببساطة حياة الإنسان وليست حياة أي كائن فضائي آخر

فالزواج المدني ليس ديناً جديداً او مذهباً قادما ًمن الجحيم ليقض مضاجع رجالات الدين وسماسرتها فهو حق من حقوق الانسان الطبيعية في الإختيار والعيش مبني على العدالة والمساواة يهدف الى بناء مجتمع مدني قائم على المساواة بين كافة الافراد رجالاً ونساء ..فعلينا جميعاً أن نساهم في تشريعه وإقراره إنه يوفر الضمانة الحقيقية لتماسك البلاد .. أفراداً وجماعات بغض النظر عن التقسيمات التي فُرضت او فُصّلت للبشر نتيجة الولادة او الوراثة .. او الجغرافيا والتاريخ العتيق متجاهلة الإنسان بكل أبعاده ورغباته ومشاعره ..

بقلم المحامي : إيهاب ابراهيم - www.facebook.com/ihab ibrahem
              e.mail:ihab_1975@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق