]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تولستوى و جائزة نوبل للآداب

بواسطة: jalabi  |  بتاريخ: 2011-11-12 ، الوقت: 21:12:41
  • تقييم المقالة:
تولستوى و جائزة نوبل  للآداب                                           جودت هوشيار   كان الشاعرالفرنسى رينه سولى برودوم ( 1839 – 1907 ) اول من حاز على جائزة نوبل فى الآداب ، عندما منحت هذه الجائزة للمرة الأولى فى عام 1901 . و كان الأعتقاد السائد فى ذلك الحين و ربما  حتى الوقت الراهن ، ان هذه الجائزة الرفيعة هى أهم جائزة للآاداب فى العالم ، و تمنح و فق أسس و معايير ثابتة و تقييم موضوعى دقيق ، بعيدا عن لأنحياز السياسى . و الفائز بالجائزة فى نظر ملايين الناس،  صاحب موهبة كبيرة ان لم يكن عبقريا و أفضل من بقية المرشحين  و لكن الواقع يخالف هذا الأعتقاد الراسخ فى الوعى الجمعى .    و كان من بين المرشحين للجائزة فى ذلك العام  أحد أبرز  عمالقة الأدب العالمى  و هو ليف تولستوى( 1828 – 1910 ) ولكن لجنة التحكيم الملكية  أختارت شاعرا قلما يتردد أسمه اليوم  حتى فى فرنسا ذاتها .  فى تلك الفترة كان تولستوى أبرز و أهم الأدباء الأحياء و يحتل منزلة رفيعة كروائى أبدع نتاجات روائية عظيمة ، و قد أعترف ( كارل فيرسين )سكرتير الأكاديمية السويدية فى ذلك الحين ، بأن تولستوى خلق نتاجات خالدة . و لكنه مع ذلك صوت ضد ترشيح تولستوى للجائزة ، لأن الأخير حسب زعمه " نبذ كل أشكال الحضارة و دعا الى أسلوب بدائى و بسيط للحياة الأنسانية ، بمعزل عن كل أنماط الثقافة الرفيعة ." كان لقرار لجنة نوبل ،  وقع الصدمة على الرأى العام السويدى و الأوروبى ، ليس فقط لأن الجائزة لم تمنح لتولستوى ، ففى ذلك الوقت كان ثمة أدباء مرموقين أكثرمن ( برودوم ) . مثل أنطون تشيخوف ، مكسيم غوركى ، الكساندر بلوك ، أميل زولا .بعد شهر واحد من أعلان اسم الفائز ، وجهت مجموعة كبيرة  من  أدباء و كتاب و  فنانى السويد البارزين رسالة الى تولستوى ، عبرت فيها عن احتجاجها على قرار لجنة التحكيم  و فى الوقت ذاته أعجابها الشديد بنتاجات الكاتب ، و جاء فى الرسالة " نحن نرى فيكم ، ليس  فقط ، العميد المبجل للأدب المعاصر ، و لكن أيضا واحدا من أعظم و أعمق الأدباء المعاصرين ، الذين لا يمكن لأحد ان يتجاهلهم .رغم أنكم حسب قناعاتكم  لم تسعوا قط  فى أى وقت من الأوقات للحصول على هذا النوع من الجوائز . و لهذا نشعر بمسيس الحاجة  ان نوجه اليكم هذه التحية ، لأننا نعتقد بأن المؤسسة التى أنيطت بها مهمة منح جائزة ( نوبل ) فى الآداب ، لا تعبر بتشكيلتها الحالية ،لا عن  آراء الكناب و الأدباء و الفنانين و لا  الرأى العام . دعهم يعرفون فى الخارج ، بأننا حتى  فى و طننا البعيد ،نعتقد بأن الفن الأهم و الأقوى ، هو الفن الذى يولد من رحم حرية الفكر و الأبداع . "

و فى 24  كانون الثانى /يناير عام  1902 نشرت صحيفة " سفينسكا داجبلاديت  " السويدية  مقالا للكاتب " أغسطس ستريندبرغ"  ، جاء فيه : ( أن معظم أعضاء الأكاديمية هم  من المهنيين الذين لا يتصفون بيقظة الضمير و ليست لديهم ذائقة أدبية ، و رغم ذلك أنيطت بهم مهمة  التحكيم  ، و مفهوم الفن لدى هؤلاء السادة ساذج و صبيانى ، فالشعر عندهم  هو ما كان منظوما و يفضل ان ان يكون مقفى . فعلى سبيل المثال ، اذا كان تولستوى قد نال مجدا أدبيا رفيعا ، بوصفه كاتبا أبدع فى تصوير المصائر البشرية و خلق آثارا أدبية خالدة فأنه لا يعتبر شاعرا، لأنه لم ينظم الشعر),

و قال الناقد الأدبى الدنماركى الشهير جورج برانديس  : " يتبوأ ليف تولستوي  المركز الأول بين الكتاب المعاصرين و  لا أحد  يحظى  بأحترام يصل الى حد التقديس مثله  ، ويمكن القول أنه وحده يبعث مشاعر الخشوع!.

و قد منح جائزة للآداب لأول مرة فى تأريخ جوائز( نوبل)  ، لشاعر نبيل و رقيق ، و لكن لا يحتل مكانة مرموقة ، بعث أفضل الكتاب السويديين برسالة الى تولستوى يحتجون فيها على منح الجائزة للشاعر المذكور  ، و الكل كان يشعر بأن من المفترض أن تمنح الجائزة الى كاتب روسيا العظيم . "

 

البيانات العديدة المطالبة بأستعادة العدالة المهدورة و الرساءل الموجهة الى ( تولستوى ) أرغمت الكاتب العظيم على توجيه رسالة جوابية  الى الكتاب الأوروبيين ، قال فيها وببساطة شديدة :  "أيها الأخوة الأعزاء لقد سررت كثيرا لأن جائزة نوبل  لم تمنح لى  ، و مبعث سرورى يرجع لسببين :

 أولهما   و قبل كل شيء ان ذلك  ، خلصنى من صعوبة كبيرة ، وهى كيفية التصرف بمبلغ الجائزة ، و هو فى رأيى  مثل أى مال آخر لا يجلب سوى الشر

 و ثانيهما ، تشرفت و سررت  لتلقي عبارات التعاطف من كثير من الناس ، وإن كانوا  غير معروفين  بالنسبة لي ، إلا أنني أكن لهم  احتراما عميقا.ارجو ، ان تتقبلوا أيها الأخوة الأعزاء خالص الأمتنان وأفضل المشاعر.

 ليف تولستوي".

قال بعض المدافعين عن لجنة جائزة نوبل ، أن تولستوى كان سيرفض الجائزة حتما ، لو تم منحها له . و هذاالأستنتاج صحيح لكل من قرأ نتاجات تولستوى و تعرف على آرائه فى  الأصلاح الأجتماعى و الأخلاقى  و دعوته الى السلام و نبذ العنف  ، . و لدينا اليوم دليل قوى على ذلك . ففى عام 1905 صدر نتاج جديد لتولستوى تحت عنوان ( الخطيئة الكبرى ) ، رفض فيه رفضا قاطعا و على نحو مقنع للغاية  و مبرر تماما  ( الملكية الفردية ) للأرض. وعلى أثر ذلك ،  رشحته الأكاديمية الروسية  الأمبراطورية ، لنيل جائزة ( نويل ) فى الآداب لعام 1906ز

 و قد جاء فى رسالة الترشيح الموقعة من كبار علماءالأكاديمية ، " أن رواية ( الحرب و السلام ) و رواية ( البعث ) هما من أعظم النتاجات الأدبية الخالدة. " و أعربت الأكاديمية الروسية عن رغبتها بمنح الجائزة ل( تولستوى )  

و قد حظى هذا الأقتراح بتأييد الأكاديمية الأدبية فى روسيا  ز

و عندما علم تولستوىبهذا الأمر ،كتب رسالةعاجلة الى صديقه الكاتب  الفلندى ( ارفيدو ارنيفيلدو )يقول فيها : " لو حدث هذا ، لشعرت بحرج شديد فى رفضها ، ولهذا أرجو من رجاءا حارا - أذا كانت لديك علاقة ما فى السويد  حسب ما أظن – أن تعمل كل جهد ممكن و تسعى .الى عدم منح الجائزة لى . ربما تعرف بعض أعضاء اللجنة أو تكتب  رسالة الى رئيسها من أجل عدم القيام بهذا العمل أو التصريح به . و عدم  وضعى فى موقف حرج للغاية ، و هو رفض الجائزة .

وهذا هو الفرق الجوهري بين موقف كاتب عملاق مثل ليف تولستوي وبين أي كاتب آخر، همه الأول تسويق نفسه على أفضل صورة عن طريق الجوائز والمهرجانات التي لا تضيف شيئا حقيقيا إلى إبداع الكاتب، أي كاتب.

 

جودت هوشيار – موسكو

jawhoshyar@yahoo.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق