]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لسه الأغاني ممكنه

بواسطة: Muhammed El-Moghazi  |  بتاريخ: 2014-01-12 ، الوقت: 15:11:37
  • تقييم المقالة:

النهاردة شفت ولد وبنت ماشيين قدامي في الشارع الفاضي تماماً في عز الظهر، وبدلاً من تجاوز بركة المياة في وسط الشارع، الناتجة عن خرطوم مهمل على جانب جنينة، بدلاً من العبور بجواره ببساطة، الولد وقف قصاد البركة متوسطة الاتساع، ومد إيده للبنت، وهي ترددت للحظات وهي بترفع طرف الجيبة، لكنها في النهاية تركت له يدها، وسندت عليها وهي تأخد خطوة واسعة، كأنها في سبوع.. المعتاد إن رد فعلي بيكون حاد نوعاً ناحية أشياء من هذا القبيل، السخرية سلاح مهم طبعاً، التراب المتراكم على القلب، والقسوة غير المقصودة ناحية أفعال شديدة البساطة والخِفة، لكن أقابلها بدرجة من العنف. الاستخفاف مريح. واحد من أهم الأسئلة المستمرة معايا من زمان، هو سؤال التمييز بين المعنى وبين الشيء نفسه، شيكسبير عبّر عن كل هذا سابقاً، بجملة تقريرية يؤكد فيها إن الدال والمدلول شيء واحد، وإن الوردة ستظل وردة حتى لو لم نطلق عليها اسماً ما. الفكرة دي مريحة نسبياً، وتسمح بدرجة من خلو البال، والاطمئنان لسير الأمور، بغض النظر عن موقع البني آدم كمراقب، لكنها في نفس الوقت أصبحت مريبة بالنسبة لي، أحياناً خادعة، واطمئنانها زائف. مع الوقت تكوّن انطباع عندي، بإن هدف الفلسفة النهائي، هو خلق نسق ما، بغض النظر عن كنهه، المهم إن كل عناصره تكون مرتبطه بالعناصر المجاورة، ويستطيع الواحد مشاهدة الصورة النهائية لهذا التشكيل. يمكن لهذا السبب بالتحديد أحب نيتشه، وزين الدين زيدان، من فترة، كان مجموعة من صحابي بيتكلموا عن لحظات توقف فيها الزمن تماماً بالنسبة لهم.. وكل واحد منهم كان بيحكي حكايات شديدة الشجن والقسوة، أو الجمال والخِفة..  اللحظة اللي فكرت فيها تلقائياً، وبشكل غير مفهوم، كانت لحظة طرد زين الدين زيدان من كأس العالم، بعد نطحتة العظيمة لمتايراتزي.. فكرت بالتحديد في إنه لا توجد نهاية لمسيرة مثل مسيرة زيدان، أجمل من نطحة بهذه الدقة والقوة.. لحظة مثالية للخروج عن النص، تحطيم النسق بالكامل، واللعب في مساحة خيالية كأنه بطل خارق لا يهتم بشيء. عشان كدا بعتبر الحَج البرنس "بلا مرأة بلا خرا" واحد من أبطالي الخارقين.. لأنها لحظة تحطيم نسق كامل بجملة واحدة، كل شيء مُعد حوله، ضيف سبقه، مذيعة وكاميرا وميكروفون، وسؤال عن ترشيح المرأة للبرلمان، وكل شيء يدفع ناحية إنه يتكلم في الموضوع، والبشر غريزياً يميلون لتنفيذ صورة الآخرين عنهم، خصوصاً لحظة تسليط كاميرا عليهم، عشان كدا الناس فجأة بتقرر تتكلم بطريقة غريبة جداً أول ما تعرف إن التلفزيون يصوّر، تكلّف كامل في اللغة والحركة، لكن البرنس يتجاهل هذا كله، "أنا عايز أتكلم في الأتوبيس أهم".. وفجأة ! تأسست سردية جديدة، بهذه البساطة ! تفاصيل ممتدة عن الحر والشمس، والناس في الشارع مش عارفين يركبوا الأتوبيس، بدلاً من دخول جدال ممتد حول الترشح من عدمه، وهل هو قرار خاطيء أم مناسب، هو لأنه برنس قرر الخروج تماماً عن النسق الجاهز له. يمكن يكون ترشيح المرأة للبرلمان مهم، ويمكن ميكونش، الجدل نفسه هنا مش مهم. والبؤس هنا يكون بؤس محاولة التعبير عن شيء آخر، ربما لم يتم الوصول له بعد، لكن من المعلوم بالضرورة أنه موجود.. أيهما أكثر ابهاراً على كل حال؟ هزيمة بطل العالم في الشطرنج مثلاً، أم ضربه بالقلم قبل الهزيمة، وقلب الطاولة كلها؟ نطحة عنيفة في الصدر بعد شتيمة.. أقرب أنبياء الله لي، هو النبي موسى، وعلى عكس كثير من أولو العزم من الرسل، معاناته كانت مرتبطة بشيء غير واضح، شيء في تكوينه هو الشخصي، ليس مرضاً كأيوب مثلاً، أو محنة سجن كيوسف، موسى يحمل مأساته بالكامل في نفسه، عبّر عنه القرآن بجملة: "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني".. وهي اسوأ لحظات البني آدم، تكوين فكرة ما، وعدم القدرة الكاملة على الصياغة والتعبير في شكل.. مهما كان الشكل. لهذا السبب "قال رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأحلل عقدة من لساني".. المقارنة قائمة وبشكل مستمر بالنسبة لي، في قصيدة مشهورة جداً لـ"ييتس"، شاعر أميركي عظيم، يقف وحبيبته أمام بركة ماء، لكنه بدلاً من أن يستغل الفرصة كشخص حكيم، لإمساك يدها للحظات مختلسة، يعترف لها بعدم قدرته على وضع معطفه على الأرض أمامها، لأنه فقير، ويضع بدلاً من هذا المعطف أحلامه.. يطلب منها أن تطأ على أحلامه برفق. نفس الفكرة تقريباً، وبدرجة وضوح أكبر حتى، في الجملة الشعبية العظيمة: "حبيبي ماشي حافي/ والأرض بتلسعه/ يا ريتني كنت شبشب/ كنت أقدر أنفعه".. المعنى واحد تماماً هنا، لكن الوردة مختلفة. أميل للثانية بالمناسبة، بحكم الاستخفاف وتراب الأيام وخلافه، ولأن الطين حقيقي.  يا رب، أيها القادر على كل شيء، كيف ينصلح حال القلب بأشياء كهذه..

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق