]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حديث الطماطم والبيض .. والسمك !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-01-04 ، الوقت: 12:45:30
  • تقييم المقالة:

في فترةٍ من حياتي الماضية ، كنتُ أقيمُ مع شيخٍ ، في منزله الكبير ، وكان من ذوي اليَسار في المال ، ومن ذوي اليمين في المذهب . وكان يقصده كثيرٌ من الناس ، من مختلف المناطق والأقاليم ، يستمعون إلى دروسه ، ومواعظه ، وخُطبه . وكان يؤمُّهم يوم الجمعة ، عند صلاة الظهر ، ويوم الأحد عند صلاة المغرب والعشاء ، وكان يحلو له أن يتناول التفسير ، والحديث ، والسيرة ، والمغازي ، والطبقات ، وكثيراً من قضايا العصر ، وشؤون الدين والدنيا ...

وكان الجميع يستمعون إليه ، ويُؤَمِّنون على كلامه ، وكأنه عالمٌ نابغةٌ ، لا يُرَدُّ له قولٌ أو حُكْمٌ ، ولأنَّ أغلبهَم كانت مداركُهم بسيطةً ، وأفهامُهم قاصرةً ، وقراءاتُهم محدودةً أو منعدمةً ، فقد كان يُبْهرُهم تماماً حين يحملُ على كثيرٍ من علماء العصر ، ورجال الدعوة والفكر المحدثين ، ويتناولهم بالجرح والتعديل والطعن والسخرية ، وقلَّما كان يسْلمُ كثيرٌ منهم من لسانه ، ونَعْتهم بنعوتٍ سيئةٍ ...

ولأنه كان من أهلِ الغنى ، فقد كان الجميعُ يتناولون الطعام في بيته ، ويشربون الشاي مع الحلويات ، ويُوزِّعُ عليهم ، أحياناً ، كتباً مختارةً لبعض رجال السلفية ، وكان الداعية (محمد قطب) هو الأثيرَ لديه ...

وذات مغْرِبٍ ، وكان في فصل الشتاء ، والجو بارداً في الخارج ، طرق البابَ شابٌّ ، بدا أنه قدمَ من سفرٍ بعيدٍ ، فأذِنَ له الشيخُ بالدخول والمبيتِ في منزله الكبير ، وبعد أن صلَّينا المغربَ ، وكلَّمه الشيخُ كلاماً قليلاً ، قام ، وأشارَ إليَّ أن أتبعه إلى المطبخِ ، وأمرني أن أجهز له عشاءً ، وكانَ عشاءً بسيطاً ، يتكون من الطماطم ، والثوم ، والبيض ، مقليين في زيت الزيتون .

وما هي إلا دقائق معدودة حتى صارت الوجبةُ جاهزةً ، وحملتهُ في طبق للضيف العابر ، وفي الوقت الذي تهيأنا ـ أنا وهو ـ للأكل ، تناهى إلى سمْعِنا صوتُ سمكٍ يوضعُ في المقلاةِ ، وغزتْنا رائحتهُ وهو ينْضُجُ بحرارةِ الزيت ، وانتبهنا إلى وقْعِ خطوات الشيخ ، وهو يتوجَّهُ بالسمك وأشياءٍ أخرى ، إلى غرفته الخاصة !!

شعرتُ بحرجٍ ما بعده حرجٌ ، وباغتني الضيفُ بسؤال ، فقال لي :

ـ هل تحفظُ حديثَ : (لا يؤمنُ أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) ؟

تطلعتُ إليه بنظرة كاسفةٍ ، وقلتُ بصوتٍ خافتٍ :

ـ أجل ...

فثبَّتَ نظراته في عينيَّ ، وقال لي بنبرةٍ آسفةٍ :

ـ كم هو صعبٌ .. كم هو صعبٌ ... !!

ولم يزدْ على ذلك شرحاً أو استطراداً ، غير أني فهمتُ ما فهمتُ ، فتضاعفَ حرَجي أكثر .

أما هو فقد تناولَ طرفاً من الخبز بين أصبعيه ، وغمسه في الطبق ، بعد أن نطق : (بسم الله ) ... وشرع يأكلُ بهدوءٍ وصمتٍ .

ولم أسمعْهُ ، ولم أرهْ ، إلى يومنا هذا ... غيْرَ أن كلامه هذا بقي راسخاً في ذهني ، وكلامَ الشيخ تلاشى كلَّه  !!

 

 

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق