]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رواد اللعبة // قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2014-01-02 ، الوقت: 20:56:46
  • تقييم المقالة:

   وقف مدرس التربية الرياضية في ساحة المدرسة الثانوية متأبطاً كرةً كبيرة الحجم برتقالية اللون وهو ينظر باستياء الى الطالب سيف الواقف امامه .. قال له :(( هذه المرة أيضاً تأتي الى درس التربية الرياضية بملابسك الاعتيادية .. أين ملابس الرياضة ؟ )) .. أطرق سيف المسكين رأسه خجلاً .. ماذا عساه أن يقول وهو من أسرة فقيرة وأبوه لم يتمكن منذ بدء العام الدراسي قبل شهر ولحد الان من توفير ثمن ملابس الرياضة له؟ ..سيف الطالب الذكي يسعفه ذكاؤه الحاد بكل الدروس العلمية ويستعيض به عن الملازم الدراسية والدروس  الخصوصية ..ولكن ماذا بشأن درس التربية الرياضية؟ ..الذكاء لا يوفر له ملابس الرياضة .. وخجله من أقرانه يمنعه من قول الحقيقة أمامهم .. فأعاد كذبته الواهية مرة أخرى  قائلاً :(( أستاذ ..لقد نسيتها في البيت)) ..قال له المدرس بغضب :((هذه المرة لن أتساهل معك ..لن أسمح لك باللعب وسأعتبرك غائباً عن الدرس ..وسأطرح منك في درس التربية الرياضية عشرين  درجة لهذا الشهر .. والان اغرب عن وجهي)).

  ابتعد سيف عن أقرانه وهو يجر أذيال الخيبة .. فيما التفت المدرس الى بقية الطلبة وقال لهم :(( وأنتم؟ .. أرى عددكم قليلاً ..سبعة عشر طالباً فقط ..أين بقية الطلاب؟)) ..لم ينطق أي منهم ..فأضاف قائلاً:(( لا يهم ..لقد اعتبرتهم غائبين وسأطرح عشر درجات من كل واحد منهم ..أما بالنسبة لكم ..فلقد ضقت ذرعاً من ادمانكم لكرة القدم ..الرياضة ليست كرة القدم فقط ..لذا جلبت لكم كرة السلة .. من المؤكد بأنكم تعرفون قواعدها ولا حاجة لأن أشرحها لكم ..ومع ان عددكم كبير فمن المفترض أن يكون مجموع الفريقين عشرة وأنتم سبعة عشر ولكن لا بأس بهذا ..ملعب كرة السلة يتحمل هذا العدد من الأغبياء الخاملين من أمثالكم ..فليس فيكم من هو كمايكل جوردان أو كريم عبد الجبار )) ..قال هذا وألقى بالكرة الى الطلاب فالتقطها أحدهم ..ثم أضاف قائلاً :(( سأذهب الان في مهمة ..عندما تنتهون أعيدوها الي في غرفة التربية الرياضية)) ..تركهم المدرس ذاهباً الى غرفة التربية الرياضية لتناول الطعام واحتساء الشاي  وقراءة الجريدة)) ..في هذه الأثناء كان الطلاب يعانون من مشكلة الاتفاق على تشكيل فريقين ..انهم سبعة عشر ..ولابد أن يأتي لاعب اخر ليصبح العدد زوجياً ..فكان الحل أن نادوا على سيف الذي كان جالساً على مصطبة في الساحة ينظر اليهم بنظرات حزينة ..فرح سيف بدعوتهم له للعب وفرحوا هم لفرح زميلهم ولحل مشكلة العدد ..انقسموا الى فريقين كل فريق من تسعة لاعبين ..حاولوا أن يلتزموا بقواعد اللعبة  من تنطيط للكرة على الأرض وعدم الجري بها ..الا أنهم وجدوا هذا مملاً وهم المعتادون على الحركة السريعة في كرة القدم ..كما أنهم لم يكونوا متمرسين بتسديد الكرة الى السلة وضاق بهم الملعب وهم بهذا العدد الكبير ..فما كان منهم الا أن ضربوا بقواعد اللعبة عرض الحائط ..فأخذ أحدهم يجري وهو محتضن الكرة ويأتي الخصم ليشتبك معه بالأيدي لينتزع منه الكرة ..وصار التدافع بالأيدي والأكتاف ومد الأرجل بقصد التعثير هو الأساس في طريقة اللعب ..وأصبح الهدف اجتياز الكرة  خط النهاية وليس التسديد نحو السلة ..ومن كان يكترث اصلاً فلم يكن أحد منهم يشغل باله بعد النقاط المسجلة ..ورغم أن أسلوب اللعب هذا سبب اصابات وتمزق للملابس واتساخها الا أنهم كانوا مستمتعين جداً بهذا الأمر ..كيف لا وهم في سن المراهقة وبأوج الحيوية والنشاط.

   انتهى المفتش التربوي القادم من مديرية التربية العامة من تفقد القاعات الدراسية بصحبة مدير المدرسة ..لم يكن المفتش التربوي راضياً تماماً عن سير التدريس ..قال لمدير المدرسة الذي كان الوجوم بادياً على وجهه :(( لا فائدة يا أستاذ ..نفس الطرق القديمة والبدائية في التدريس ما تزال تتبع في مدرستكم هذه ..حالها كحال معظم مدارس المديرية ..يقوم المدرس بالقاء المحاضرة بأسلوب رتيب ثم يسأل الطلاب اسئلةً تقليديةً حول المحاضرة ..عندما زرت بريطانيا في العام الماضي رأيت في احدى مدارسهم أسلوباً مختلفا تماماً ..المدرسون هناك يحولون المحاضرة الى حلقة مفتوحة للنقاش يشارك بها جميع الطلاب ..ويستخدمون وسائل الايضاح ..فمثلاً في درس الجغرافية يكلف كل طالبين أو ثلاثة بأعداد تقرير مدعم بملف فيديو عن بلد ما ..وفي درس الفيزياء يكلف الطلاب بدراسة جهاز ما ليبرزوا القواعد الفيزيائية التي درسوها من خلال ذلك الجهاز مع نبذة عن قصة العالم الذي ابتكر الجهاز وكيف خطرت له الفكرة ..وهكذا بالنسبة لبقية الدروس ..هذا الاسلوب يوسع مدارك الطالب ويساعده على الاستيعاب بشكل أفضل ..والأهم من كل هذا انه يقودهم الى حالة من التفاعل الحضاري مع الشعوب الأخرى ..نعم يا عزيزي ان التفاعل الحضاري هو أكثر شيء نحن بحاجة اليه ..تذكر بأن ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية جعلت العالم الكبير الان كقرية صغيرة.....)) .. وبينما كان المفتش التربوي مسترسلاً باستعراض ايجابيات زيارته الى بريطانيا ..كان مدير المدرسة يحدث نفسه سراً :(( تفاعل حضاري؟! ..وماذا يعرف طلابي عن التفاعل الكيميائي المقرر عليهم والذي يدرسونه طوال اعوام الدراسة الثانوية ليعرفوا التفاعل الحضاري؟ ..وماذا يعرف المفتش نفسه عن التفاعل؟ ..أراهن بأنه لا يعرف بأن تغير لون مشروب العرق المحلي الذي من الواضح انه يحتسيه كل ليلة الى اللون الأبيض عند اضافة الماء اليه هو تفاعل اصلاً!)).

   ما أن علم مدرس التربية الرياضية بأن المفتش التربوي سيتجه الى ساحة المدرسة بصحبة المدير حتى هب من مكانه متجهاً على الفور الى ملعب كرة السلة ..وعندما وصل الى الملعب هاله ما رأى من معركة وفوضى أحدثها الطلاب الثمانية عشر ..صرخ بهم :(( ماهذا؟! ..كفوا عن هذه التفاهة )).. توقف الطلاب عن اللعب ووقفوا ينظرون ..أحس مدرس التربية الرياضية بأن الطلاب الثمانية عشر لا ينظرون اليه وانما الى شيء اخر وراءه ..التفت فرأى مدير المدرسة مع المفتش التربوي ..سأل مدير المدرسة الطلاب بغضب :((ماهذا الوضع السخيف؟! ..ماذا تفعلون؟!)).. وكان المفتش التربوي يدقق النظر بمدرس التربية الرياضية ويتساءل في نفسه :((أي  مدرس فاشل هذا؟ ..كيف يسمح بمثل هذه الفوضى؟!)) ..ومن بين الطلاب الصامتين الذين لم يكونوا يحيرون جواباً على سؤال المدير الغاضب ..برز سيف من بين الطلاب  بشعره الأشعث وبنطلونه المتسخ وردن قميصه الممزق  من جراء المباراة وقال بصوت واثق :(( أستاذ ..نحن رواد لعبة الركبي في العراق!)).. هذه الجملة غيرت الوضع برمته ..فلقد انفرجت أسارير المفتش التربوي وابتسم وقال بحماسة :(( هذا رائع! ..لعبة الركبي! ..تفاعل حضاري!)).

   وبعد أسبوع واحد فقط ..حصل مدرس التربية الرياضية على كتاب شكر وتقدير مع مكافأة مالية من قبل مدير عام دائرة التربية ..ابتاع مدرس التربية الرياضية بنصف  مبلغ المكافأة ملابس رياضية وقميص جديد لسيف ..الذي أصبح من يومها طالبه المفضل.

 

 

 

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق