]]>
خواطر :
اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

الشَرك

بواسطة: غادة هيكل  |  بتاريخ: 2014-01-01 ، الوقت: 23:37:08
  • تقييم المقالة:

الشَرك

 

****

الدوار القائم فى اول البلدة على منطقة تعلو بضع امتار ليست مستوية ولكنها تأخذ شكل درجات السلم ، هى قرية ولكنها بنيت على طراز المدن ، فساكنيها لا يعيشون فيها كثيرا ولكن عندما يأتون اليها لابد وأن لا ينتقص شئ فيها مما يرغبون ، هكذا عاش أهلها يصعدون الدرجات فقط ليحدموا سكان الدوار ، أو ليختلسوا النظر على البساط الاخضر الجميل ، وما لذ وطاب من اشجار الفاكهة فى كل مواسمها ، الا هى ، لم تكن تصعد الدرجات أبدا ، ولم  تُكّن لساكنى الدوار أى مودة ، تراهم متكبرون ، لا يرون فيهم الا عبيد لهم ، وكان أبيها ذا حظوة لدى البيه ، لم يكن يناديه الا بعم الشيخ العطار ، لانه يحفظ كتاب الله ويقوم بالتدريس لأبنائه فى فترة الصيف لكى يتعلموا اللغة العربية ، الطريق من الدوار إلى بيت الشيخ العطار ليس بالطويل ولكن بعد انتهاء الدرجات ناحية النهر يفصل بينهما شجرة التوت الكبيرة حيث تجلس فاطمة دائما ، ابنة الشيخ العطار ، تذاكر ما يدرسه لها والدها ، وترسم ما تراه فى الطبيعة الخلابة التى تجاورها ، ثم تتلوى القرية الى الداخل فى ازقة ضيقة لا تسع اثنين أو ثلاثة فى السير ، أما دار الشيخ العطار فهى واسعة جميلة مرتبة ونظيفة ، لها مضيفة فيها من الفرش الكثير ، وبها مكتبة صغيرة ، تعتنى بها فاطمة دائما ،لفاطمة ثلاثة من الرجال يعتنون بها جيدا ويخافون عليها ، فهى لا تكاد تذهب الى اى مكان الا وفى اعقابها أخ منهم ، فكانت كثيرا ما تغضب وتتبرم من ذلك ، ولكن عطف الشيخ العطار وحنانه يذيب ما يختلجها من بغض لاخوتها وتسلطهم عليها ، كلما حل الصيف ، تدب الحركة جوار بيت الشيخ العطار وتكثر الرجل فى المكان ، ذهابا وايابا من الدوار ، البعض يحمل الخبز الطازج والبعض الفطير وآخرين يجمعون الورد من بستان الدوار ، وتدور عجلة المصنع لصنع العطور او اعداد ما يتم تصديره مباشرة الى باريس ، هكذا يقولون ، ونسمع صهيل الخيل فى البدرية استعدادا للسباق ،او قد يكون هناك مشتر لفرس ما أتى خصيصا من دول أوربا ، الدوار ملئ بالناس وملئ بالحركة ، وفاطمة تستمع لابيها عن بلادة ابناء البيه وصعوبة تعلمهم فتضحك كثيرا ، وتتمنى لو أكملت تعليمها ، ولكن أخوتها منعوها بعد المرحلة الابتدائية ، مرض الشيخ العطار ولم يقو على الذهاب لدرس ابناء البيه ، وفوجئت فاطمة بمن يخترق عليها خلوتها تحت شجرة التوت ومن اعلى فرسه يسألها عن بيت الشيخ العطار ، وقبل أن تتحدث بادرها قائلا بكل غرور ، لماذا لا تعملين مع الفتيات فى جمع الفتنة ؟ ، غضبت فاطمة وبكل حزم قالت: وهل ابنة الشيخ العطار مثل كل البنات ؟

ابتسم الشاب وقال واين الشيخ العطار ؟

سارت فاطمة امامه حتى وصل للبيت ، وقام الشيخ يستقبله مما زاد من حنقها ،ولكن الشيخ بادرها بقوله إنه ابن البيه ،

قالت : أنت مريض يا أبى وعليك أن ترتاح وإن كان ابن البيه يريد أن يتعلم فليأت لك هنا .

كانت كلماتها كضربات الكرباج الذى يلهب ظهر الفلاحين فى مواسم الحصاد ، انطلق الشاب يشكوا فاطمة لأبيه .

وأتى البيه إلى بيت الشيخ العطار ، وعندما رأى فاطمة تقف بجوار ابيها سألها هل تعلمتِ يا فاطمة ، قالت: حصلت على الابتدائية

قال البيه : اذن فعليك تعليم ابنتى ، ولنترك هذا الولد الشقى للشيخ العطار بعض أن يُشفى

ابتسمت فاطمة وأومأت بالموافقة ، وصارت هى وابنة البيه صديقتين ، تعلمها العربية وقواعد النحو وتزور كل منهما الأخرى .

وكان لفاطمة وقع فى نفس الولد المتكبر ، بصوتها الرخيم ، وجمالها الهادئ ، وعيونها الواسعة الساحرة التى تخترق مسام الجلد فتعيق حركة الناظر اليها ، استأثرت بنفسه ، وعفى كل شئ الا هى ، وكان الدرس هو الملاذ الوحيد لرؤيتها ، او المرور بها تحت شجرة التوت كلما أتى للشيخ العطار بحجة شبه يومية ، هل وقع فى شرك  الحب ، هكذا يحدث نفسه ، ولكن هل يجوز ، ولمن لفتاة من اهل القرية ، اباها شيخ ومتعلم ويعمل بالتدريس ، ولكن !!! يالى من شقى كما قال أبى .

يقف على بعد من الشجرة ، يطيل النظر ، ولكن شرك الحب الذى يظن نفسه قد وقع فيه وهى لا تبالى ، سوف يقع فى شرك اعمق منه ، وهو لا يدرى ، لم  يفق من نظرته الا وهو يصرخ فى قاع النهر يقاوم المياه التى تدفقت بداخله تجهز عليه ،وينادى بصوت مكسور لمن ينقذه من ورطته ، وهناك على الشط  تتعالا الضحكات ، وهى تهرول نحو الصوت ، تقف فى منتصف الطريق لا تدرى لأيهما تنتمى ، يهديها تفكيرها ، وتنطلق نحو الشيخ العطار الذى يحاول أن يدارى ابتسامته عنها ، وفى باطنه يقول : لقد اصبحتِ شرك لا يستهان به يا فاطمة .

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق