]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بين الأسباب الحسية والشرعية في العلاج بالرقية الشرعية

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2014-01-01 ، الوقت: 09:42:58
  • تقييم المقالة:

بسم الله

 

 

 

عبد الحميد رميته , من الجزائر

 

 

 

بين الأسباب الحسية والشرعية في العلاج بالرقية الشرعية

 

 

 

العلاقة بين الأسباب الشرعية والأسباب الحسية في العلاج والاستشفاء تشبه ربما-لأن هذا رأيي , وقد أكون مخطئا-العلاقة بين العبادات والمعاملات . إن الأصلفي العبادات بشكل عام أنها غير معقولة المعنى (ولا أقول بأنه ليس لها معنى ,- حاشا لله - ) . نحن نتوضأ ولا ندري لماذا نتوضأ بهذه الكيفية بالذات , ونتيمم ولا ندري لماذا نضرب ضربة على الصعيد الطيب ثم نمسح الوجه ونضرب ضربة ثانية ونمسح اليدين, ونصلي 5 صلوات في اليوم والليلة ونحن نجهل لماذا ليست 6 أو 4, ولماذا نصلي المغرب 3 ركعات وليس 4 أو 2 , ولماذا ندخل في الصلاة ب " الله أكبر" وليس ب "الله أعظم" أو "أجل"أو... ولماذا نصوم شهرا في العام (هجريا وليس ميلاديا) وليس شهرين أو أقل من شهر , ولماذا نمسك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى المغرب وليس من كذا إلى كذا, وهكذا...

كل هذه عبادات غير معقولة المعنى . هكذا أرادها الله لجملة حكم منها : حتى يظهر الذي يؤمن بالله ثم بالغيب "الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممارزقناهم ينفقون", وعبد الدنيا الذي لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه الخمسة . الأصل في العبادات أنها غير معقولة المعنى , ولو ذكر بعض العلماء أننا نتوضأ من أجل النظافة أو نصلي كرياضة أو نصوم من أجل الصحة أو نزكي لمساعدة الفقراء أو.. أو نسجد من أجل أن يحدث للجسم كذا وكذا من الفوائد , فيبقى كل هذا الكلام ظنا "وإن الظن لا يغني من الحق شيئا". نحن نفعل كل ذلك (في مجال العـبـادات) بالدرجة الأولى لأن الله طلب منا أن نفعل ذلك في القرآن أو في الحديث , سواء علمنا الحكمة أم لا. والأصل في التعامل مع العبادات: التوقف والاتباع.
أما المعاملات فالأصل فيها –بشكل عام-أنها معقولة المعنى ,كما هو حال البيع والشراء والزواج والطلاق وطلب العلم والسفر والبناء والتشييد والفلاحة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم والسياسة و...فأنا أبيع مثلا وأشتري بالطريقة الفلانية وهذا مفهوم عندي (ومع ذلك أنا ألتزم بشرع الله ولولم أقتنع بالحكمة من وراء حكم ما) , والله حرم النظر بشهوة إلى المرأة الأجنبية والعلة واضحة ومفهومة عندي (ومع ذلك لا أنظر بشهوة حتى ولو جهلت الحكمة) , والله أوجب إعداد العدة والعتاد لإرهاب العدو والحكمة مفهومة عندي ( ومع ذلك يجب إعداد قوة الساعد والسلاح حتى ولو جهلنا الحكمة) ,وطلب العلم فريضة على كل مسلم والحكمة واضحة عندي ولا مانع أن يتطور هذا الشكل باستمرار( ومع ذلك لا أطلب العلم إلا كما يريد الله عزوجل حتى ولو جهلت الحكمة ). وهكذا...ومنه فإن الأصل في التعامل مع المعاملات: التوفيق والابتداع لا التوقـيـف والاتباع.


أنا أرى بأن الأسباب الشرعية في العلاج والاستشفاء تتمثل في العلاج بالرقية الشرعية التي تدخل في خانة العبادات غير معقولة المعنى . نحن ننعامل في الرقية مع سحرأو عين أو جن وهي كلها غيب, ونعالج بالقرآن أو الأدعية المأثورة التي تعتبر غير معقولة المعنى.ما الفرق بينأن أشرب ماء مرقيا ولا أتأثر به (لأنه ليس بي شيء) وبين أن يشرب منه فلان فيتأثر به (لأنه مصاب بسحر أو عين أو جن) ؟ .

وما السبب في أن يشرب شخص مسحور مثلا ماء مرقيا ويُـشْـفي بإذن الله بعد لحظات, وبين أن يتصل بأطباء ليطلب الدواء الحسي المادي لسنوات وسنوات ولا يُـشفى. والجواب في رأيي ليس التغيرات الكيميائية التي يمكن أن تطرأ على الماء بعد القراءة عليه (أنا أعتقد بأن الماء ماديا وكيميائيا لم يتغير فيه شيء بعد قراءة القرآن عليه ), وإنما الجواب هو:"تلك بركة القرآن الذي جعله الله شفاء بالدرجة الأولى للأمراض الروحية".وهذه البركة لا يمكن أن نبرهن عليها بالفيزياء أو الكيمياء أو الطب أو غير ذلك من العلوم الكونية المادية , وإنما نحن نؤمن بها لأننا نؤمن بالله ونؤمن بالغيب. ومنه فأنا أرىأن الرقية الشرعية وهي السبب الشرعي في علاج السحر والعين والجن كلما كانت بسيطة وأقرب إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى الاتباع وأبعد عن الابتداع كلما كانت بركتها أكبر , بخلاف علاج الأمراض العضوية أو النفسية بالأسباب الحسية المادية.

ملاحظة هامة : قال لي أحد الإخوة الكرام والأعزاء والأحباب في يوم ما"الأسباب الشرعية هي الأسباب التي ذُكرتْ في العلاج والاستشفاء بنص آية أو حديث ومن ذلك : الرقية الشرعية ، زيت الزيتون ، العسل ، الحبة السوداء ، السنا مكي ، ماء زمزم ،الخ... وأما الأسباب الحسية فـهي الأسباب التي لم تُـذكر في العلاج والاستشفاء لا بنص آية ولا بنص حديث ومن ذلك : الملح الخشن ، الحلتيت ، ماء البحر ، ونحوه . وهذا خاضع للتجربة والقياس مع توفر ضوابط خاصة باستخداماته". قلتُ للأخ الكريم في ذلك الوقت :"ما ذكرتموه صحيح" ثم أضفتُ :"هذا المعنى صحيح من وجه والمعنى الذي ذكرتُـه أنا صحيحٌ من وجه آخر. والوجهان مكملان لبعضهما البعض وصحيحان وغير متناقضين بإذن الله".

الأسباب المادية التي ذُكرت في العلاج والاستشفاء ( من أجل التخلص من السحر أو العين أوالجن) بنص آية أو حديث مثل زيت الزيتون ، والعسل ، والحبة السوداء ، والسنا المكي ،وماء زمزم ، ونحوه, يمكنُ إدراجها-في نظري-ضمن"الأسباب الشرعية" حتى ولو كانت مادية حسية . لماذا ؟.لسبب وحيد ومهم في نفس الوقتِ هو أن الشرعَ ذكرها بآية أو بحديث , فأصبحت بذلك شرعية ولو كانت مادية حسية. وهذه الأسباب لا علاقة لها بحديثي في هذا الموضوع حتى ولو كانت أسبابا مادية حسية.
إنني أتحدث في هذه الرسالة عن استخدام الأسباب الحسية لعلاج السحر أو العين أو الجن, وأقصد بالأسباب الحسية: الأسباب التي لم تُـذكر في العلاج والاستشفاء لا بنص آية ولا بنص حديث , ومن ذلك : الملح الخشن ، الحلتيت ، ماء البحر ،الصعق بالكهرباء , الخ...هذه هي الأسباب التي أتمنى من كل راقي أن يبتعدَ عنها في مجال المعالجة بالقرآن , وأن يُبعد الرقيةَ عن هذه الأسباب التي أرى أنها تسيء إلى الرقية أكثر مما تُحسنُ إليها (هذا إن فرضنا بأنها تُحسنُ إليها بالفعل في شيء ما) .

إنني أعتقد أن من ضمن البدع السيئة : البدعة في الرقية الشرعية بأن ندخل فيها ما ليس منها. ومن الأمثلة التي تدل على الابتعاد بالرقية عن الأسباب الشرعية إلى الأسباب الحسية (مع أن الرقية سبب شرعي وليس حسيا ) , والتي تُـبعد الرقية عن البساطة إلى التعقيد , وتُـحوِّل الرقية من التعامل مع غيب إلى ما يُـظنُّ بأنه شهادة (وهو ليس بشهادة) ,والتي تُـخرِج الرقية (أو تكاد تخرجها) من الاتباع إلى الابتداع ومن التوقيف إلى التوفيق . قلتُ من هذه الأمثلة  :
1-الرقية باستعمال أعشاب طبية لم يثبت ذكرها كعلاج للسحر أو العين أو الجن , في كتاب أو سنة.  
2- الرقية بضرب المصاب بجن على اعتبار أن الضرب يقع على الجن وليس على المريض ( إذا صح هذا الكلام مرة فإنه لا يص حعشر مرات,وإذا أفادت هذه الطريقة مرة فإنها تَضُرُّ 10 مرات).
3-الرقية بالصعق بالكهرباء على اعتبار أن الصعق يؤذي الجن , وهو كلام لا يمكن أن يُـقدَّم عليه دليل قوي لا اليوم ولا غدا ولا بعد غد –بإذن الله-ما دام الجنُّ غـيـبا والكهرباء مادة وشهادة . من أين نعرف بأن الجن بالفعل يتأذى بالصعق الكهربائي ؟!. من أين ؟!.هذا غير ممكن إلا بالاعتماد على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا.

         ا-إذا شُفي المريض بعد الصعق مباشرة فقد يكون سبب الشفاء أمرا آخر وليس الصعق الكهربائي . وقد يكون الصعق هو السبب في الشفاء لكن المريضَ ليس مصابا بجن وإنما مصابٌ بمرض نفسي أو عصبي.

        ب-إذا قال الجنُّ بأن الصعقَ يـؤذيه أو يطرده أو يقتله , فالأصل أن الجنَّ يكذبون , ولا يجوز تصديقهم بحال من الأحوال.
4-استعمال الماءالمالح من أجل إيذاء الجن الظالم , وهو كلام كذلك ضعيف لأن الجن غيب والماء المالح مادة وشهادة. ومن أين نعرف بأن الجن بالفعل يتأذى بالملح ؟!. من أين ؟!.هذا غيرممكن إلا بالاعتماد على الظن "وإن الظنَّ أكذبُ الحديث". ورحم الله الإمام مالك رضي الله عنه الذي كان يقول بكراهة استعمال الماء المالح في الرقية لأن في ذلك تشبه بالمشعوذين والجاهليين.
5-استخدام العطور في الرقية على اعتبار أن العطور تؤذي الجن!!!.
6-كتابة آيات من القرآن على قطعة من القماش ثم حرقها وتقريبها من أنف المصاب لاستحضار الجني أو حرقه!!!.
7-الرقية باستعمال "الحلتيت" على اعتبارأنه يؤذي الجن !!!. نعم الحلتيت- رغم خبث طعمه ورائحته ورغم أنه يُـستخدم في كثير من الأحيان من طرف المشعوذين- قد يُفيد في علاج بعض الأمراض العضوية أو النفسية أوالعصبية , أما استعمالُـه في الرقية الشرعية على اعتبار أنه يؤذي الجنَّ فغير مناسب البتـة , وهو سببٌ حسي لايليق أن يُستخدم في العلاج بالرقية الشرعية التي هي سبب شرعي. والقول بأن "الحلتيت" يُؤذي الجنَّ قول ضعيف جدا. إنه كلام لا يمكن أن يُـقدَّم عليه دليل قوي أو دليل شبه قوي أو شبه دليللا اليوم ولا غدا ولا بعد غد –بإذن الله-مادام الجن غيبا و"الحلتيت" مادة وشهادة . من أين نعرف بأن الجن بالفعل يتأذى بالحلتيت ؟!. من أين ؟!.هذا غير ممكن إلا بالاعتماد على الظن.
8-نُـصح المريض بالشرب من ماء البحر لأيام معدودة على أساس أن ماء البحر سيقتلُ الجني في بدن المصاب!!!.
وهكذا... وغير ما ذكرتُ أكثر بكثير مما ذكرتُ.


ولقد كنتُ ذكرتُ منذ سنوات في رسالتي" الرقية الشرعية : رؤية تحليلية منوحي الشرع ثم التجربة" مجموعة كبيرة من المسائل نقلـتُـها من بعض الكتب الدينية ثم مع الوقت حذفـتـُها من اعتقادي ومن صفحات الرسالة , لأنني وجدتُ أنها أسباب حسية لعلاج السحر أو العين أو الجن الذي هو غيب.
إن الفيزياء والكيمياء دليلها التجربة , وإن الرياضيات دليلها البرهان العقلي التجريدي , وإن القانون دليله المواد القانونية , و...ولكن علم الغيب : الدليل عليه شيء واحد هو الوحي ثم الوحي ثم الوحي. إن الرقية الشرعية كلما ابتعدتْ عن الابتداع واقتربت من الاتباع كلما كانت بركتُـها أكبر وأجرُها أعظم بإذن الله.ومنه فرقيةُ شخص بسيط جدا في ثقافته الإسلامية , مغمورا لا مشهورا , ولكنه صادق ومخلص , يمكن أن تنفع – ولو بقراءة الفاتحة فقط - أكثر بكثير من رقية طويلة وعريضة لشخص مثقف وكبير ومشهور و..ولكن ينقصُه الصدق والإخلاص.ولا ننسي أن الرقية قبل أن تكون "قفازة" أو "فهامة" أو...هي دعاء ورجاء , أي أنها سبب شرعي وليست سببا حسيا.
والمنهج السابق الذي يتمثل في استعمال الوسائل والأسباب الحسية في العلاج بالرقية الشرعية,تنتج عنه جملة سيئات منها:
ا-أولا قلة بركة الرقية .
ب-ثانيا تشويه صورة الدين والرقية في نظرالناس.
جـ- ثالثا تشويه صورة المتدينين والرقاة عند عامة الناس.
د-رابعا فتح الباب أمام المشعوذين ومدعي الرقية من أجل إدخال ضلالات وضلالات في طريقة العلاج بحجة أن "الشيخ فلان المشهود له بالعلم والتقوى والباع الطويل في الرقية استخدم كذاوكذا من أسباب حسية في العلاج بالرقية الشرعية".
هـ- خامسا فقد ثقة الناس.
و-وسادسا– وهي الأهم- نقص الأجر عند الله عزوجل.
هذا عن الأسباب الشرعية في العلاج والاستشفاء , وأما الأسباب الحسية في العلاج والاستشفاء للأمراض العضوية أوالنفسية فأمرها مختلف تماما. إنها معقولة المعنى , ومتصلة بعالم شهادة لا بعالم غيب,والأصل فيها الابتداع لا التقليد والاتباع , كما أن الأصل فيها التجديد والفهامة والقفازة والعلم الغزير والواسع و...,كما أن الأصل فيها هو الجواز والإباحة حتى تثبت الحرمة أو التحريم بدليل شرعي   .
إن تشخيص السحر أو العين أو الجن ظني غالبا أما تشخيص المرض العضوي فهو قطعي إلى حد كبير أو إلى حد ما ( ولم أقُـل قطعي 100 % ). إن الطبيب العضوي يمكن –خاصة في العصر الحديث- أن يقدم لك بسهولة الأدلة الكثيرة : القوية والواضحة والمفهومة , على أنك مصاب بالمرض العضوي كذا أو كذا. كما يمكن للطبيب العضوي كذلك –خاصة في العصرالحديث- أن يقدم لك بسهولة الأدلة الكثيرة : القوية والواضحة والمفهومة,على أنه يلزمُـك من أجل الشفاء الدواء المادي الكيميائي الاصطناعي كذا وكذا , ويمكن أن يُـفهمك بسهولة خاصة إن كنت مثقفا ثقافة ولو ثقافة متوسطة لماذا يفيد الدواء كذا في علاج المرض كذا ؟.والطب العضوي يلزم فيه العلمُ الغزير والتجديد والابتداع و... ولايصلحُ أن نقول بأن الطب العضوي دعاء ورجاء. نعم قد تنفع الرقية أو الدعاء – إن شاء الله - من أجل الشفاء من مرض عضوي (لأن الله على كل شيء قدير), ولكن هذا استـثـنـاء والأصل هو تقديم الأسباب الحسية أولا.والله أعلى وأعلم.

ملاحظة : هذا رأيي ونيتي حسنة ولم أخالف بقولي أصلا من أصول الدين . إذن رأيي صوابٌ ولكنه يحتمل الخطأ.

وصاحبُ الرأي المخالف نيته حسنة كذلك بإذن الله , وهو لا يُخالف أصلا من أصول الدين. إذن رأيه خطأ (في نظري) ولكنه يحتمل الصواب". والخير فينا جميعا بإذن الله.
إن أصبت فمن الله وحده والحمد لله , وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان فأستغفر الله.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق