]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل هي التي أغوت آدم ليأكل من الشجرة الممنوعة ؟

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-12-30 ، الوقت: 13:09:40
  • تقييم المقالة:

بسم الله

 

 

 

عبد الحميد رميته , الجزائر

 

 

 

هل حواء هي التي أغوت آدم ليأكل من شجرة الجنة الممنوعة ؟!

 

 

الله طلب من أبوينا آدم وحواء أن يأكلا ما يشاءان من ثمار الجنة , و لكنه حذرهما أن يأكلا من شجرة معينة حددها لهما , وإلا طردهما من الجنة وأنزلهما ليشقيا في الأرض هما وذريتهما إلى يوم القيامة .

قال تعالى " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " .  ولكن آدم وحواء أكلا من الشجرة فنفذ الله وعيده .

" فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه " , " وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " ,  " قلنا اهبطوا منها جميعا " إلى آخر الآيات المباركات . فقال قوم بأن حواء هي التي أكلت أولا من شجرة قالوا عنها بأنها هي شجرة التفاح , ثم رغبت بعد ذلك زوجها آدم وشجعته  وأغوته حتى أكل هو كذلك من نفس الشجرة , فلامهما الله وعاتبهما وأهبطهما من الجنة إلى الأرض . ومنه قالوا بأن حواء - أي المرأة بشكل عام - هي سبب فتن الدنيا كلها وسبب ابتلاءات الحياة وسبب مشاكل كل الأزمنة والأمكنة والظروف والأحوال . هي سبب كل ذلك لأنها في البداية هي التي أكلت من الشجرة الممنوعة ثم فـتـنت زوجها آدم عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام وأغرته حتى أكل الممنوع الذي أكلت منه هي قبل ذلك !!!.

ما صحة ذلك يا ترى ؟! .

 

أولا : لكل علم دليله :

 

العلوم الفيزيائية مثلا الدليل عليها هو التجربة .

والعلوم الرياضية مثلا الدليل عليها هو البرهان العقلي .

والعلوم القانونية مثلا الدليل عليها هي المواد القانونية . وهكذا...  لكل علم أدلته .

وعلم الغيب ( الذي يدخل فيه الملائكة والشياطين والجنة و النار ونعيم القبر وعذابه و... ) الدليل عليه ليس تجربة ولا برهانا عقليا ولا موادا قانونية ولا ... وإنما هو الوحي أو هو الكتاب و السنة فقط وفقط .

ومنه لا معنى مثلا للبحث عن تجارب من أجل أن نثبت للناس بأن الجن حق أو أن الجنة والنار حق أو أن الملائكة حق أو ...

 

ثانيا : كل ما له صلة بعالم الغيب:

 

 إن كان عليه دليل من الكتاب أو السنة ( أي من الوحي ) وجب الرجوع إليه والإيمان به , وذلك مثل وجود الجنة والنار ونعيم القبر وعذابه , وكون الجن خلقوا من نار والملائكة خلقت من نور , وكون الملائكة خلقت للعبادة وأنهم لا يتزوجون ولا يتناسلون , والجن منهم مؤمن ومنهم كافر , وهكذا ...

وأما ما يتعلق بالغيب وليس عليه دليل من الوحي , فكل واحد منا حر في أن يؤمن به أو لا يؤمن به . نؤمن : ليس لنا على ذلك أجر , ولا نؤمن : ليس علينا بسبب ذلك إثم .

وذلك مثل زواج الجن بالإنس , وكون الجن يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء لذلك فإنه لا يرى , ومثل حقيقة الشجرة التي نهي آدم وحواء عن الأكل منها و ...

مثل هذه المسائل نحن أحرار : نؤمن بها أو لا نؤمن بها , بشرط أن لا نؤذي بالإيمان أو عدم الإيمان أحدا . وأما إن آذينا وظلمنا واعتدينا وأسأنا , فإن سبب الإيذاء يصبح غير جائز ويصبح حراما . ولذلك فإن اتهام المرأة أو حواء بأنها هي التي أكلت أولا من الشجرة الممنوعة , إما أن يكون عليه دليل من الشرع وإلا حرم لأنه ظلم وتعد و إساءة للمرأة , وديننا يؤكد على أنه " لا ضرر ولا ضرار " .

ولأنه لا دليل على هذه الحكاية الفارغة فإنه لا يجوز إذن الاعتقاد بها والإيمان بها حتى لا نتهم المرأة بما لم تقـترفه يداها يقينا . ويجب أن لا ننسى أن المسلم بريء حتى تثبت براءته , فما بالك إذا كان هذا المسلم هو أمنا حواء وما أدراك ما حواء !.

 

ثالثا : الدين لم يفصل في أشياء معينة:

 

عن طريق الكتاب والسنة , لأسباب عدة , منها أن التفصيل قد لا تدركه عقولنا نحن البشر , أو ... أو لأن التفصيل لا ينبني عليه أي عمل .

و لذلك فإن الله لم يذكر لنا عدد أهل الكهف ولا اسم الكلب ولا لونه .

والله لم يذكر لنا عدد الأنبياء بالضبط وأسماءهم جميعا .

و الله لم يذكر لنا الشكل الحقيقي لجسم الجن .

والله لم يذكر لنا حقيقة الشجرة الممنوع أكلها في الجنة على كل من آدم وحواء . وهكذا ...

كل ذلك , ويمكن أن نذكر مثله مئات أو آلاف الأمثلة المشابهة , الله لم يفصل فيها لأن التفصيل فيها لم تكن له أية فائدة عملية ولأن التفصيل فيها لا ينبني عليه أي عمل .

ما الذي سنستفيده نحن من معرفتنا لحقيقة الشجرة التي أكل منها أبوانا في الجنة ؟!. لا شيء .

وما الذي سنجنيه من معرفة من هو الذي بدأ الأكل أولا ؟!. لا شيء .

ثم إن الذي أكل أولا لم يذكره الله لأنه ليس هذا هو المهم , ولأن الذي أكل أولا ليس هو الملوم أولا . إن اللوم وقع على آدم وحواء بغض النظر عمن بدأ الأكل أولا , وكان هذا قدرا من الله له من ورائه حكم وحكم , علمنا منها ما علمنا وجهلنا منها ما جهلنا .

 

رابعا : عن إسم الشجرة الممنوعة:

 

اختلف المفسرون في تعيين الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن الأكل منها ، ولكن قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى ..." والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها ، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها ، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها ، وأشار لهما إليها بقوله " ولا تقربا هذه الشجرة"، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن ، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها ، بنصٍّ عليها باسمها ، ولا بدلالة عليها . ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا ، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها ، ليطيعوه بعلمهم بها ، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا  " . ولكن لأنه لا فائدة عملية للمؤمنين من خلال معرفتهم لاسم الشجرة الممنوعة لم يذكرها الله ولا رسوله صراحة .

وأما أن الشجرة الممنوعة هي شجرة " تفاح" فهو قول لا دليل قطعي عليه , ومع ذلك :

          ا-فمن قرأ هذا القول لبعض المفسرين واقتنع به فله ذلك , ولكن ليعلم أن هذه ليست مسألة قطعية في الدين , ومنه فليؤمن هو بها إن شاء , ولكن ليس له الحق أبدا أن يفرض علينا إيمانه هذا .

 

          ب-أو أن الاجتهاد في هذه المسألة سائغ  , ومنه فمن خالفنا وآمن بهذه الحكاية الفارغة والباطلة لم يجز  التعنيف عليهطالما أنه لم يخالف ما هو معلوم من الدينبالضرورة أو نصاً صريحاً صحيحاً .

 

 

 

خامسا : هل حواء هي التي أغوت آدم ليأكل من الشجرة ؟! :

 

زين الشيطان لآدم وحواء الأكل من الشجرة ، ووسوس لهما بكيفية يعلمها الله وحده ،وأقسم لهما أنه لهما ناصح أمين .. فمن منهما المسؤول عن هذه المعصية ؟! . الكثير من الكتب السابقة المحرفة قالت : إن حواء هي التي أغوت آدم وزينت له الأكل من الشجرة... حتى حضارة الغرب التي تتشدّق بحماية المرأة . لقد حمل سفر التكوين الحية جزءا من المسؤولية في سقوط آدم وحواء منالجنة ، كما هو الأمر بالنسبة لمروياتنا الشعبية التي ترى بأن الحية فتحت فاهاللشيطان ، فدخل فيه فأدخلته الجنة التي طرده الله عز وجل منها ، فأغوى حواء بالأكل منالشجرة , ثم أغوت حواءُ آدم ليأكل منها . وسواء كان الشيطان أم الحية هي التي أغوت حواء فالأمر سيان , لأن الأهم من ذلكأن المرأة أصبحت رمزا للشر – بناء على مثل هذه الحكايات الفارغة والاعتقادات الباطلة – ومنه فهي تتحمل مسؤولية كل بلاء وشر في هذا العالم .

والإسلام هو الوحيد الذي برّأ حواءولم ينسب إليها أنها هي التي أكلت أولا أو أنها هي التي أغوت آدم ليأكل .  قال تعالى في سورة البقرة " وقُلْنَا يَا آدَمُاسْكُنْ أَنْتَ و زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ولَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ َ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ" . فمن خلال صيغة المُثنى في هذه الآيات أنهما اشتركا في التكليف ، وفيوسوسة الشيطان لهما ، وفي الأكل من الشجرة . ويقول الله تبارك وتعالى في سورة طه " فوسوس له الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " . إذن حواء بريئة ولكنها مشتركة معه . والشيطان هو الذي وسوس له وليست حواء هي التي أغوته .

 

سادسا : الذين يتداولون فيما بينهم الحكاية :

 

بأن المرأة هي التي أكلت أولا " تفاحا " في الجنة أو أنها هي التي أغوت آدم ليأكل منها , ولذلك فهي سبب كل فتن الدنيا وهمومها ومشاكلها و ... هم إما جاهلون , نسأل الله أن يعلمهم , وإما مغرضون ربما يكون للواحد منهم عقدة مع " المرأة " أو اتجاهها , وهؤلاء نسأل الله أن يهديهم . والله أعلم بالصواب وهو وحده الموفق والهادي لما فيه الخير .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق