]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جماليات المكان في شعر الدكتور عمار المسعودي د علي حسين يوسف

بواسطة: د.علي حسين يوسف  |  بتاريخ: 2013-12-21 ، الوقت: 18:01:42
  • تقييم المقالة:

   اذ كان الواقع مصدرا مهما من مصادر الابداع الأدبي فإن هذا لا يعني ان يقبل هذا الواقع على علاته ، ومن هنا يأتي دور الخيال الخلاق ليعيد صياغة المعيش وفق رؤية جمالية تستوعبه لكن بتشكيلات تروق للذائقة اكثر مما يروق لها الواقع ذاته .

    ومن صفات الشعر انه طاقة تختزن كل احاسيس السعادة والشقاء واليأس والأمل والفرح والحزن , والشاعر مثقل بهذه الاحاسيس , فلولا همه بها لتحول الشعر الى نظم بارد لا روح فيه , وهكذا نجد ان الشعر الحقيقي والجدير بهذه التسمية لابد ان يمثل تجربة حياتية عند الشاعر , او يجسد انفعالا بتجارب الاخرين .

والمتأمل في الاعمال الشعرية المطبوعة للدكتور عمار المسعودي التي ضمت ثلاث مجاميع من قصائد النثر يرى بوضوح سيطرة العنصر الرومانتيكي وغلبته على ما سواه من عناصر , فالعلاقات الانسانية الدافئة , والصلة الحميمة بمظاهر الطبيعة , كل تلك المزايا قد جادت بها قريته الاثيرة لديه , يقول عمار المسعودي :

للقرى علامات وهناك اميزها

للمدن علامات وهناك اميزها

حينما تحت التوت ولا ارى سوى الظلال

حينما على النخل ولا ارى سوى المدافن

حينما تحت السور ولا ارى بريق المآذن

الذهب يحول المآذن الى مقاصل

والمغنين الى اساطين للحكمة

الى اين اذهب بحياتي

بعد نفاذ الاغاني ؟

فالشعر عند عمار المسعودي سجل أمين لمكامن الجمال التي يتحسسها انًي ذهب ، حتى حينما يستحث ذاكرته للهرب الى استراقات الماضي ، حينما لا يكون الغناء الا لنبع واحد في زمن لم تسفر فيه الحدائق عن زهرة ... انه زمن الحرب والاحتراب السياسي الذي دفع الشاعر ثمنه حينما اعدمت السلطات شقيقه , ومع كل تلك الوطئة الثقيلة يحاول الدكتور عمار ان يصرف الجمال الذي يتحسسه من جمال البهجة الى جمال الألم ان جاز التعبير , فالمياه استبيحت بالقراصنة , وها هو الشاعر يطالبنا بصيغة الامر قائلا :

خذ شراعا

واترك السفينة في بحر لوعة

خذ الصحراء

لنرى الاشجار بلا عري

خذ كرسيا

مات جالسه

والشاعر في كل هذا لا يحبذ الابتعاد عن مناهل القرية ومصباتها الجمالية , لذلك لا تفارقه الفاظ : (الاشجار, النخيل ، النهر ، المياه ، الساقية ، النبع ، الثمر ، العشب ......... الخ) , وفي ذلك دلالة واضحة على ان ثيمات القرية لم تفسح المجال لغيرها ان تستحوذ على مخيلة الشاعر في حالاته كلها ؛ في حزنه كما مر ؛ وفي غزله كما في قوله :

انعمت حين دست شهيتي

اثمرت لما استهوتك غصوني

اللعبة ان تأخذ الشمس

بكفك ... بينا الرعاة يؤوبون عشاء

فكل تلك العلامات تحولت عنده الى ايقونات سيميائية تفصح عن مدلولات اثيرة لديه فيأخذنا عمار المسعودي في عوالمه الشعرية المصاغة على وفق رؤى بنائية لافتة ، فالتدفق في تداعي الافكار المتولدة بفعل القراءة لا يجعل للشك مجالا في ان الشاعر يعي الصنعة الابداعية تمام الوعي , وربما لا يجد القارئ ما يرجح عنده الظن بخلاف ذلك , فالدكتور عمار ــ وهو استاذ البلاغة في الكلية التربوية منذ سنوات ـ يتقن الاستحواذ على لب المتلقي من خلال فعل المشاركة الوجدانية المتأتية من المعرفة البلاغية ، لذلك نجد الاستعارات تترى ليأخذ بعضها بعضا حتى لا تفسح مجالا لأية زوائد , يقول الشاعر :

في بستان منسي

دفن ابي حكايته

اخفاها بألف نخلة

فأي حكاية تلك التي دفنها والد الشاعر ؟ اعتقد بشكل قاطع ان تلك الحكاية تمثل : تاريخا ، واحزانا ، وافراحا , ومآسي , وهي ايضا : ذكريات مؤلمة ومسرات ... لجيل كامل ؛ كل تلك الهموم اودعها ذلك الشيخ نخلاته ، قد ورث تلك الحكاية بالتماهي مع روح ذلك البستان الذي استمد منه نقاءه وصفاءه ، وقد تمثله في كلماته ، واشبه نخيله ، بقامته الفارعة , وبشرته السمراء .

وثمة امر آخر نجد حضوره طاغيا عند الدكتور عمار المسعودي يتمثل بالرفض وكأن هذه الميزة مستمدة من تصميم النخل في قريته على رفض الانحناء بالاتجاه الى الاعلى ، ففي زمن عراقي لا تسر ذكراه عرف الشاعر كيف يشاكس السلطات ويرفض اساليبها ، فقد كان جزءا من عائلة احترفت مبادئ المعارضة ، بدءا من الوالد الذي يقول فيه الشاعر :

يفرق ابي

ما بين السياسة والفاكهة

وكلما حدق فيهما

اشر عليهما الندوب والعفن

وتظل المفارقة كامنة عند الشاعر في تصرفه بالمعنى الشعري الى الحد الذي يبدو ان المعاني التي يبتغيها الشاعر تطاوعه بسلاسة لافتة ، واهم ما في ذلك امتياز نصوص الشاعر اغلبها بالجمع بين المعاني التي يبدو للوهلة الاولى انها لا جامع بينها ، فقد تجد الدكتور عمار في النص الواحد يبث همومه الحياتية ، ويستعيد ذكريات طفولته ، ويتغنى بقريته , ويتغزل بمحبوبته , ولعل شاعرنا ينفرد من بين زملائه الشعراء الشباب بهذه الميزة , وهو ما يحسب له ، ومن يقرأ هذا المقطع من نصه ((يختفي في القرى)) قد يسلم بما ذهبنا اليه , يقول عمار المسعودي :

على مرج منك اخضر

رسمت نباتاتي

على ذكرى منك

اعشت الجسد الشرقي

دونت خطاي

تلك التي ما وصلت يوما

الا لكي تخترق المدى والمدن

لتختفي هناك ...

هناك ...

في القرى

فهذا النص على الرغم من وضوحه فأنه يفتح امام القارئ الاحتمالات الدلالية المتعددة للتفسير والتأويل ، لكن تلك الاحتمالات مهما تعددت لابد انها تشي كلها بدلالة اساسية تتشظى منها كل ما عداها ، تتمثل في قابلية النص ومرونته للقراءة المتجددة , وهذا ما يجعل منه نصا حيا ، لا يمكن ان يوضع على الرف بحسب تعبير بارت . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق