]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طوبى للفقراء المتمسكين بالطهر والنقاوة د علي حسين يوسف

بواسطة: د.علي حسين يوسف  |  بتاريخ: 2013-12-21 ، الوقت: 15:41:50
  • تقييم المقالة:

   طوبى للفقراء عنوان كتاب جديد للأستاذ علي عريبي محمد , وهو عبارة عن نص نثري مطول يصلح ان يكون نشيدا او مناجاة لكل الفقراء في العالم الذين اذا سيطوا بسوط الفقر المسعور , وضربوا بهراوة الشظف العصي صقلوا اسنانهم بمبرد الصبر , وبسطوا اذرعهم الخاوية لمائدة الوهم العامرة , و كأن الاستاذ علي عريبي في مناجاته هذه يحاكي نيتشه في نصه الاسطوري ( هكذا تكلم زرادشت ) , ونجده احيانا يتماهى مع جبران خليل جبران في ديوانه ( النبي ) .

    والقارئ لهذا الكتاب لا يساوره الشك في مقدرة الاستاذ علي عريبي على الصياغة الادبية الراقية المعتمدة على الاساليب اللغوية العربية التي ألفتها الذائقة الرفيعة لذلك نجد الاستاذ علي في نصه هذا  يسير على خطى الكتاب الكبار وليس غريباً عليه هذا الامر لا سيما اذا عرفنا انه اتقن الاساليب العربية العالية الى درجة انه يتفنن بها حتى لتجده وكأن اللغة تطاوعه كيف شاء وانى ارادَ , يقول الاستاذ علي عريبي في صفحة12 من كتابه : ( اهتفوا يا اهل طوبى ملء حناجركم بصوت جهير يسمعه القاصي و الداني و الرائح و الغادي , اعطوني اكثرية فقيرة في هذا الوطن اعطيكم بسخاء شعب جميلاً شفافاً , امنحوني اكثرية تكابد في النهار و تتقلى في الليل امنحكم برحابة صدر مجتمعا تسكنه المسرة العميقة الدائمة و يرحل عنها الحزن العابر الطارئ ) .

   وتبدو مقدرة المؤلف واضحة في تصرفه في الاساليب الطلبية و الانشائية بطريقة لافتة فنجده ينوع بين اساليب : النداء والاستفهام والتعجب والتهكم والسخرية و الامر والنهي , فضلاً على تنويعه بالفنون البلاغية . فتارة نجده يوجه الخطاب بصيغة المفرد فيقول :   يا اهل طوبى , وتارة اخرى يوجهه بصيغة المفرد فيقول : يا خليل طوبى , وتارة يوجه الخطاب بصيغة الغائب فيقول : (سلام على الفقراء حين يأكلون التمر النضيج و لا يقذفون العذق المشتهى بالحجر الغليظ و نجده تارة اخرى يخاطب الجمع فيقول اعيروني اسماعكم .) .

   اما المقصود في النداء فقد اتخذ له الكاتب اكثر من تسمية فمرة يناديه بقوله : (يا حبيب طوبى ارحل الدنيا الكريهة ابيض الكفين خاوي الجيب خفيف الكاهل مطمئن الروح , فلا مال عندك يحفزك على تقديم الذنوب .) ,  و تارة يخاطبه بقوله : ( يا بطل الشظف في الدنيا الفسيحة و الكون العريض لا تقارن نفسك بمستويات تعجز قدماك من الاقتراب منها . ) , و تارة ثالثة يخاطبه بقوله : ( انت يا رفيق طوبى اذا ضاقت بك المعاذير واوصدت في وجهك طرق الفرج القريب فلم تجد لنفسك مناصاً و لا ملاذاً من السطو في جنح الليل البهيم على بيتٍ مرفه فلا تأخذ منه الا ما يسد العوز و يلغي شظف العيش .).

   وحتى مفردة طوبى قد يستبدلها الاستاذ علي عريبي بمفردة اخرى مثل قوله : ( هنيئا للفقراء الذين اذا جاعوا حد التضور و الاحتضار اهدوا لحمهم لكل مترف بدين  و اذا عطشوا حد جفاف البلعوم تبرعوا بدمهم المعسول للشريب في اول الليل .) . وتارة يستعمل مفردة ( سلام ) فيقول : (سلام على الفقراء .) .

    والكتاب مصمم على شكل فقرات طويلة تبتدئ بمناداة الفقراء بتراكيب مثل : يا ابناء طوبى , يا قائد طوبى , يا حواري طوبى , يا اهل طوبى , يا رفاق طوبى , يا ابناء طوبى , يا اصحاب طوبى . و قد تبتدئ هذه الفقرات بتراكيب مثل : طوبى للمهجورين , طوبى للفقراء .

   و يلاحظ القارئ لهذا النص المطول بسهولة ان مؤلفه قد غاص في ادق تفاصيل حياة الفقراء و المعدمين و المحرومين , فقد رافقهم في حلهم وترحالهم ... وصحبهم في شظف عيشهم , ووعورة حياتهم , وقوة صبرهم , ووصفهم في فرحهم و مآسيهم و آلامهم ودموعهم مثلما رافقهم في حنقهم و غيضهم و حقدهم على كل متجبر ..... رفقهم في تبرمهم من هشاشة الواقع و قسوة الزمن , كل ذلك قدمه الاستاذ علي عريبي بأسلوب شيق لا يعطي الفرصة لنفس القارئ حتى يأتي على آخر الكتاب , يقول الاستاذ عريبي : ( طوبى للفقراء ومرحى لمساكين هذه الارض الملغومة بأسس الفقر و جدران المسكنة و سقوف الخنوع ) .

   وحينما يتهكم المؤلف فإن تهكمه يأتي مصحوباً بنبرة من الحزن الشفيف فيقول : ( يا رفيق طوبى اذا دومت حول رأسك و وجهك ذبابة ملحاح قل لها اذهبي الى الجحيم فلا يوجد على شفتي فتات حلوى , واذا حطت على ذراعك بعوضة قل لها هازئا شامتا اشربي ما شئت من دمٍ اذا وجدتي دماً ايتها البلهاء .).

   واخيرا لا نريد ان نفوت على القارئ فرصة الاستمتاع بنص الاستاذ علي عريبي فهو نص مكتنز جدير بالقراءة يعود بذائقتنا الى الاساليب الرفيعة التي يعد لها وجود في كتاباتنا المعاصرة , فضلا على ان هذا النص الثر يحملنا حتماً على التعاطف مع اهل طوبى على حد تعبير المؤلف واعتقد ان الاستاذ علي عريبي قد احسن الصنعة و اجاد في توصيل ما اراد توصيله .

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق