]]>
خواطر :
يا فؤادي ، أسأل من يسهر الليالي بين آمال اللقاء و الآلام الفراق ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة واقعية من وحي الثورة السورية

بواسطة: Randa Sarraj  |  بتاريخ: 2013-12-19 ، الوقت: 10:03:08
  • تقييم المقالة:

 

فتحت باب السيارة بسرعة ولم أصدق نفسي أني وجدت سيارة في هذا الوقت، ساعات الذروة الصباحية، حيث يخرج الجميع كل إلى وجهته، الموظف إلى وظيفته والطالب إلى مدرسته أو جامعته، وطبعاً في هذه الساعات من الصعب أن تلبي وسائل المواصلات المتاحة حاجات جميع الناس، في الأحوال العادية، فكيف سيكون الوضع عند غلاء المحروقات، ويصبح صاحب السرفيس أو الميكرو يفضل الوقوف على أن يعمل ، وهو بالضبط ما كان حاصل، فكلما يأتي سرفيس يهجم الجميع إليه لينالوا شرف الحصول على مقعد ليصلوا إلى أعمالهم بكل كرامة، ولكن للأسف ترى الوجوه متجهمة والألسن تلعن وتسب بصمت، فيعلم الباقون بأن صاحب السرفيس صعقهم بالجملة المعتادة (أخي ماني طالع) فيعود البعض بالشتم والبعض الآخر بالصبر على أمل أن يأتي سرفيس آخر ليرحم هؤلاء ويتفضل عليهم بالقبول بالسير على الخط .

 

وطبعاً كنت في ذاك اليوم غير مستعدة للانتظار، فوقت امتحاني في كلية الحقوق باقي له ساعة وسأمضيها في الطريق بسبب الزحام، لذلك وفرت على نفسي تعب الانتظار وقررت أن أركب سيارة خاصة وأنا أعلم ما ينتظرني من استغلال السائق لي في الأجرة ولكن لم يعد لدي خيار، وبعد أن وجدت سيارة فارغة فتحت الباب بسرعة خوفاً من أحدٍ ما يسبقني إلى هذا الكنز، وبعد ثواني قليلة من إغلاقي لباب السيارة وأنا أقول للسائق : (البرامكة إذا سمحت كلية الحقوق) ، فجأة فتحت إحدى النسوة باب السيارة ودخلت إلى جانبي، فقلت لها بانزعاج ، اركبي في الأمام فأنا غير فاضي ولدي امتحان

 

وطبعاً هي لم تعبأ بكلامي لأنها لم تصدق نفسها أن وجدت سيارة تنقلها إلى حيث وجهتها ، لذلك لم تهتم وقالت للسائق (أخي الله يخليك وديني على القابون جنب الميداني، وشو بدك تاخد أجرة لهنيك؟) طبعاً السائق حاول المرواغة كم هو حال أغلبهم، (أختي لما منوصل شو بيطلع على العداد باخد) وهي لم يعجبها الرد فعادت وسألته (أخي الله يخليك إنت شو بتاخد لهنيك) ، وهو يكرر أختي لنوصل وهي تعود وتكرر السؤال، وطبعاً أنا أدفن رأسي في بضعة وريقات في يدي أحاول أن أتذكر بعض المعلومات، ولكن إلحاح هذه السيدة أزعجني فقلت له قل لها ماذا تريد وكم الأجرة إلى ذاك المكان، فقال لها (500 ليرة سورية ) قالت له (الله يخليك خود 250 بس والله مامعي غير 500 والله رايحة مضطرة لهنيك) وبدأت الدموع تنهمر من عينيها فقال السائق (والله بدي ساعدك وعرفان وجعك بس المسافة بعيدة )، فعاجلته بالكلام

 

(الله يخليك خد 250 واستعجل بدي لحق الزيارة ، والله يا أخي أنا مريضة ومعي السكري والقلب وإجيت من إدلب بس مشان شوفو ) وغلبها البكاء فقال لها السائق:

 

( والله يا أختي عرفان، الله يفرج، احمدي ربك إنك عرفاني وين)  عادت بصوت مرتجف تقول ( والله مانو عامل شي والله أخدو من البيت وهلأ عرفت إنو بالشام وإجيت شوفو وضيعت الهوية وانسيت بطاقة الزيارة رجعت جبتها،  يلله يا أخي استعجل الله يخليك هلأ بتروح علي الزيارة).

 

وطبعاً بعد هذا الكلام رميت الأوراق ونسيت الامتحان وأصبحت أنظر إلى امرأة مسكينة مكسورة بثياب بسيطة جداً ، ووقتها شعرت بمأساتها وتفتقت علي جروح أكاد أخفيها، وأصبحتُ أواسيها ببعض الكلمات التي أواسي بها أمي المكلومة باستشهاد ولدها.

 

 وأقول لها (لا تزعلي يا خالة إن شاء الله سيعود إليك،  أنت ادع الله أن يفرج عنه ولا تؤاخذيني يا خالة إن صدر تصرف غير لائق واعذريني لأن لدي فحص) فسارعت بالقول الله يوفقك ويحميك فأحسست بدفء هذه الكلمات وكأن أمي هي التي تدعو لي .

 

 ولكن ذاكرتي بنفس الوقت تستعرض مآسي أناس أعرفهم فقدوا أبنائهم وآخرين لا يعلمون عنهم شي وغيرهم كثير، وأقول ربي إلى متى تتحمل هذه القلوب مآسي، فأتذكر قول الله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) .

 

ونزلت من السيارة تاركة هذه الأم المكلومة تسير إلى قدرها، وأنا أردد الآية الكريمة (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) .

 

ودخلت يومها قاعة الامتحان وأنا غير عابئة بما سأكتب لأن نفسي زهدت كل شيء ولأني أعلم أن ما سأكتبه عن العدالة على الورق لا يمت إلى الواقع بصلة، ولا شيء يوازي العدالة الإلهية لذلك كل الأمهات الثكالى ومنهم أمي ينتظرون هذه العدالة الإلهية في الدنيا قبل الآخرة  .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق