]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

مواعظ الشیخ الجيلاني رضي الله عنه في ظلالالوثيقة الصوفية التاريخية ‘‘فتوح الغيب’’

بواسطة: Ghulam Rasool  |  بتاريخ: 2013-12-18 ، الوقت: 14:17:08
  • تقييم المقالة:

غلام رسول الدھلوي

إن سلطان الأولياء والصوفية الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني المعروف بالغوث الأعظم رضي الله تعالى عنه قدوة نیرة للمسلمین في العالم. ولذا، يقدم لھ المسلمون خصيصا في شبھ القارة الهندیة حبا وودادا واحتراما کبیرا ويكرمونه إكراما جليلا ويعتقدون أنه كان قد حاز علی منصب ‘الصديق’، اللقب العظيم الذي شرف بھ القرآن الكريم أفضل الصالحين والمؤمنين بعد الأنبياء والمرسلین كما جاء في القرآن الکریم:

" وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا" (4:69)

أسس سيدنا الشيخ الجيلاني رضي الله عنه الطريقة القادرية الشھیرة عالميا. وإلى جانب العراق واليمن ومصر والجزائر والمغرب وتركيا وإندونيسيا والدول الأوروبية والغربية، فإن السلسلة الصوفية القادرية لها جذور عميقة في شبه القارة الهندية. إن الذين يحبون الغوث الأعظم رضي الله عنه في الهند يقدرونه تقديرا عاليا وھم معجبون بھ إعجابا بالغا بروحانيته التي ليس لها مثيل إلی أبعد البلدان الإسلامیة. والکثیر من المسلمين الذين يحبون الصوفية في جميع أنحاء العالم يرتبطون بطريقته الصوفية خاصة في مصر والعراق وتركيا وإندونيسيا وماليزيا وخصیصا في الهند. وفي عصره ، كان الناس الحائزون على المناصب العالية يبجلونه کقائد للتصوف الإسلامي الشریف، وکان لھ تلامیذ من بین أعلام العلماء ورؤساء البلاد وشیوخ القضاة وحكام الدول وأشراف البلاد.

وكان الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه صوفيا عظيما وواعظا محببا للغایة لدى عامة الناس وخواص العلماء علی حد السواء. فإنھ قد كتب وافرا ووعظ كثيرا حول شتی المواضيع. وبعض الأعمال التي قام بها تخدم الإنسانية كمصدر كبير للإلهام الروحي على کر الدھور ومر العصور وهي: (1) سرر الأسرار، و (2) غنية الطالبين ، و (3) الفتح الرباني ، و (4) فتوح الغيب وما إلى ذالك. 

ومع كل ذالك، كان الشيخ رضي الله عنه  واسع القلب ومنفتح العقل۔ ولذالك، كان يدعو لخیر جميع البشر بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة أو العقيدة. و لھ مواعظ روحانية كان يلقيها بشکل منتظم في زاويته (المعروف بالزاوية القادریة الآن) کل صباح أيام الجمعة وکل مساء أيام الإثنين و کذالك، کل صباح أيام الأحد. وهذا الكتاب المعنون ب"فتوح الغيب" مجموعة من 78 خطابا رائعا على مختلف المواضيع الھامة والنافعة لكل طالب يسعى للمسار الروحاني. وقد جمع  نجل الشيخ الجیلاني السيد عبد الرزاق رضي الله تعالى عنهما هذه الخطابات. وأما تحويلها إلى اللغة الإنجليزية فقام به الأستاذ آفتاب الدين أحمد، إمام المسجد الجامع بمدینة لندن والمحرر المشارك لمجلة "إسلامك ريفيو" الصادرة عن لندن، وقامت بطبعھ ونشرہ مكتبة "كتاب بهوان" داريا غانج، نيودلهي.

إذا ألقيت نظرة على بعض الخطابات، ستصبح واثقا من أن الشيخ رضي الله عنه يعالج القضايا التي لھا صلة وطیدة حتی لعصرنا هذا بقدر ما کانت قبل سنوات عديدة. وهذه الخطابات تتحدث عن روح الإحسان وعمل الخير الذي قام به الغوث الأعظم رضي الله تعالى عنه بنفسھ. ويعد الكتاب من بين روائع الأدب الإسلامي من أجل تمثيله الواضح والرائع وأسلوبه النادر ومحتوياته الجاذبة التي تخاطب المسلمين وغير المسلمين علی حد السواء. فکل من يقرأ هذا الكتاب يعترف بشكل منطقي بأن الكاتب كان صوفیا مجددا بالمعنی الحقیقي للکلمة الذي جدد روح الدين ومعاني التصوف.

وكان للشيخ الجيلاني (رضي الله تعالى عنه) عدد كبير من الأتباع غير المسلمين خصوصا من بين اليهود والمسيحيين الذين كانوا يستمعون إلى خطاباته بکل شوق وحماس ويتأثرون من شخصيته الجذابة تأثيرا كبيرا. وذالک لأنه كان قد اعتمد منهجا علميا متکاملا في تقديم خطاباته التي أعجبت العلماء والمثقفين من أتباع الديانات الأخرى أيضا. و يجب أن يقرأ رجال الدين المعاصرون مواعظھ وخطاباته بدقة کي يستفيدوا من تنويره الباطني. أنا علی یقین تام أنهم سوف يدركون أن الأدب الصوفي ھو الذي  قد أثر علی الأدب الإسلامي ، ليس فقط في مجال الروحانية  ولكن في الذوق العقلاني والفكري أيضا. وقد أثبتت هذه الوثائق التاريخية الحقيقة أن التصوف ليس فلسفة تأملية ولا لاهوتية عقائدية فحسب ولكنه علم تجريبي متعدد الأوجه و لھ تأثيرات ذات الجذور العميقة في حياة الإنسان.

ويشتمل فتوح الغيب بشكل أساسي علی النصائح والمواعظ التي ألقاها الشيخ الجيلاني رضي الله تعالى عنه أمام كل من المسلمين وغير المسلمين في مدينة بغداد، العراق. وأما كتبة هذه النصائح والمواعظ، فكتبوها حرفا حرفا، كلما ألقاها الشيخ رضي الله عنه علی المستمعین والحضور وجمعوها عبر العصور إلى أن تم الحفاظ عليها بوصفها وثيقة كلاسيكية للتصوف الإسلامي. والجانب الأكثر روعا ونفوذا من هذه الخطابات هو أننا نستشعر، حینما نقرأھا، كما لو كانت موجهة إلينا بشکل مباشر. 

ويبدأ الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه خطاباته بالصلوة النبيلة الشريفة على النبي عليه السلام ويعرب فيها عن أعمق حبه وامتنانه له. ویلقي الضوء علی خصالھ النبيلة  (صلى الله عليه وسلم) ويخبرنا أن النبي صلی اللہ علیھ وسلم وحدہ كان قد أدرک حقیقة الله ، وھو الذي حمد الله تعالى کما حقھ. وكذالك يذكرنا أيضا من أن عظمة النبي عليه السلام قد ظهرت فعلا في هذا العالم وسوف تتجلى في أقصى مجدها يوم القيامة. وهو يصلى ويسلم دائما ویتوسل إلى النبي عليه الصلوة والسلام. وفي نفس الوقت ، يعدد الأسماء الحسنى للہ سبحانھ وصفاته الكريمة.

بينما كنت أحول صفحات مجموعة مواعظھ ‘‘الفتوح الغيب’’، عثرت على قطعة جميلة جدا، وأنا علی اعتقاد بأنھ إذا التزمنا بذالك، سنعیش عیشا راضیا ومرضیا ملیئا بالخيرات والنعم الإلهية. فیرشدنا سيدنا الشيخ الجيلاني رضي الله تعالى کیف یجب أن یواجھ البشر الأحداث والنوائب، كما يلي في السطور الآتیة:

"قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : إن الناس رجلان: (1) منعم عليه، و (2) مبتلى بما قضى ربه عز وجل ، فالمنعم لا يخلو من المعصية والتكدر فيما أنعم عليه، فهو في أنعم ما يكون من ذلك إذ جاء القدر بما يكدره عليه من أنواع البلايا من الأمراض والأوجاع والمصائب في النفس والمال والأهل والأولاد فيتعظ بذلك، فكأنه لم ينعم عليه قط وينسى ذلك النعيم وحلاوته وإن كان الغنى قائماً بالمال والجاه والعبيد والإماء والأمن من الأعداء فهو في حال النعماء كأن لا بلاء في الوجود، كل ذلك لجهله بمولاه عزَّ وجلَّ }فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{.هود107.البروج16. يبدل، ويحلى ويمر، ويغنى ويفقر، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل ويحيى ويميت، ويقدم ويؤخر. لما اطمأن إلى ما به من النعيم، ولما اغتر به، ولما أيس من الفرج في حالة البلاء" (المقالة الخامسة والأربعون ، فتوح الغيب في النعمة والابتلاء)

يمكننا الشعور بالتأثير الفوري من خطابات ومواعظ الشيخ الجيلاني رضي الله عنه التي تعد نعمة من نعم اللہ سبحانھ علی القراء من جميع الأدیان والعصوروالبلدان۔ ولذالك علينا أن نلقي نظرة عميقة على بعض أقواله الكريمة:

فقال شيخنا العظيم رضي الله عنه وهو يوضح معنى الحديث القدسي "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" :

"قال الله تعالى في حديثه القدسي : "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" فإن الله تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك وإرادتك, فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم يصلح فيك شيء, أنشأك الله فجعل فيك إرادة, فتريد بتلك الإرادة, فإذا صرت في الإرادة المنشأة فيك، كسرها الربّ تعالى بوجودك فيها, فتكون منكسر القلب أبداً, فهو لا يزال يجدد فيك إرادة ثم يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله, فيحصل اللقاء, فهذا هو معنى "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" ومعنى قولنا عند وجودك فيها هو ركونك وطمأنينتك إليها". (فتوح الغيب ، المقالة حول الفناء عن الخلق)

وكذالك، في الموعظ العشرين، يعطي الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه  تفسيرا جميلا للحديث النبوي وهو كما يلي:

"فـي قـولـه صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم   (( دع مـا يُـريـبـك إلـى مـا لا يـريـبـك ))   قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : دع ما يريبك إذا اجتمع مع مالا يريبك, فخذ بالعزيمة الذي لا يشوبها ريب ولا شك, ودع ما يريبك, فأما إذا تجرد المريب المشوب الذي لم يصف عن حز القلب وحكه فتوقف فيه وانظر الأمر فيه, فإن أمرت بتناوله تناوله فدونك وإن أمرت بالكف عنه ومنعت فكف, فليكن ذلك عندك كأنه لم يكن ولم يوجد, ارجع إلى الباب وابتغ عند ربّك الرزق, وإن ضعفت عن الصبر أو الموافقة أو الرضا أو الفنا فهو عزَّ وجلَّ لا يحتاج أن يذكر فليس بغافل عنك وعن غيرك, وهو عزَّ وجلَّ يطعم الكفار والمنافقين والمدبرين عنه فكيف ينساك؟؟ أيها المؤمن الموحد المقبل على طاعته والقائم بأمره في آناء الليل وأطراف النهار. ( وجه آخر ) دع ما في أيدي الخلق فلا تطلبه ولا تعلق قلبك به, ولا ترجو الخلق ولا تخافهم, وخذ من فضل الله عزَّ وجلَّ وهو ما لا يريبك, وليكن لك مسؤول واحد ومرجو واحد ومخوف واحد وموجود واحد وهمة واحدة وهو ربك عزَّ وجلَّ الذي نواصي الملوك بيده وقلوب الخلق بيده التي هي أمراء الأجساد, وأموال الخلق له عزَّ وجلَّ, وهم وكلاؤه وأمناؤه, وحركة أيديهم بالعطاء لك بإذنه عزَّ وجلَّ وأمره وتحريكه, وكفها عن عطائك ذلك, قال الله عز وجل : }وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ{.النساء32. وقال تعالى : }إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{.العنكبوت17. وقال سبحانه : }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ{.البقرة186. وقال تعالى : }ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{.غافر60. وقال تعالى : }إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ{.الذاريات58. وقال تعالى : }إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ{.آل عمران37."

وقد وضح الشيخ رضي الله عنه الموقف المشترك من الناس عندما يكونون في أوقات الجداول والمحاكمات:

 "قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : "إذا ابتلي العبد ببلية تحرك أولاً في نفسه بنفسه, فإن لم يتخلص منها استعان بالخلق كالسلاطين وأرباب المناصب وأرباب الدنيا وأصحاب الأحوال وأهل الطب في الأمراض والأوجاع، فإن لم يجد في ذلك خلاصاً رجع إلى ربّه بالدعاء والتضرع والثناء. ما دام يجد بنفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق، وما دام يجد به نصرة عند الخلق لم يرجع إلى الخالق" (المقالة الثالثة في الابتلاء )

وفي الموعظ العاشر حول الـنـفـس و أحــوالـهـا،  قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :

"إنما هو الله ونفسك وأنت المخاطب، والنفس ضد الله وعدوه, والأشياء كلها تابعة لله, والنفس له خلقاً ومُلكاً, وللنفس ادعاء وتمن وشهوت ولذة بملابستها, فإذا وافقت الحق عزَّ وجلَّ في مخالفة النفس وعدوانها فكنت لله خصماً على نفسك كما قال الله عزَّ وجلَّ لداود عليه السلام : "يا داود أنا بدك اللازم فألزم بدك، العبودية أن تكون خصماً على نفسك منازع".

ومن المواضيع الهامة التي شملتھا  مواعظ الشيخ رضي الله عنه: بيان حال الدنيا والآخرة ، و التقرب إلى الله تعالى، و الفناء عن الخلق،  و النفس وأحوالها، وذم الحسد ،  والورع،  و الصدق والنصيحة ، و النعمة والابتلاء، و المجاهدة والمحاسبة، و التصوف، و الوقوف مع الله، و الوصية ، وبیان من أراد الوصول إلى الله تعالى كيف يصله ، والأمر بطلب الرضا عن الله تعالى ، و الابتلاء ، و الموت المعنوي. ومع ھذا، فإن الكتاب يلقي الضوء على جوهر الدین الإسلامي الحقیقي: (التصوف)

غلام رسول الدھلوي كاتب باللغات العربية والإنجليزية والأردية والهندية وحصل على شهادتین: العالمية والفضيلة من الجامعة الأمجدية وشهادة البكالوريوس من الجامعة الملية الإسلامية، ويواصل الآن دراسات الماجستیر في الدين المقارن في الجامعة الملية الإسلامية ، نيو دلهي، الهند

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق